أكاديمي إسباني يقتفي أثر العائلات الأندلسية في مصر

أكاديمي إسباني يقتفي أثر العائلات الأندلسية في مصر

كاستيللو يستعين بخرائط وكتب تاريخية أثناء جولاته بالدلتا والصعيد
الأحد - 22 شوال 1441 هـ - 14 يونيو 2020 مـ رقم العدد [ 15174]
القاهرة: عصام فضل

دهْشة المصور الفوتوغرافي المصري طارق الصغير، كانت أكبر كثيراً من صديقه الأكاديمي الإسباني، الدكتور بيدرو ديل كاستيللو، أستاذ علم النفس المتقاعد بجامعة برشلونة، عندما اكتشف أن «المرسي أبو العباس» صاحب الضريح الشهير بمدينة الإسكندرية (شمال مصر)، الذي يتمتع بمكانة مميزة لدى المصريين، ولد وعاش في الأندلس عندما كانت عاصمة للخلافة الإسلامية، لكنه هاجر إلى مصر واستقر فيها مثل كثير من الأندلسيين من أصول عربية.

وخلال السنوات الماضية، يحاول الأكاديمي الإسباني كاستيللو، تقفي أثر العائلات العربية الأندلسية، إذ يمتلك قائمة تضم أسماء عشرات العائلات الأندلسية من أصول عربية، استدل عليها من كتب التاريخ والتراث العربي والمصري وكتابات المستشرقين، وما زال يضيف أسماءً جديدة إلى قائمته عبر البحث في المكتبات المصرية، فيما يتجول في مدن ومحافظات مصر باحثاً في الآثار والمقابر عن العائلات التي وثق أصلها الأندلسي مستعيناً بنسخ عن خرائط مصرية وغربية تاريخية، من بينها خرائط الحملة الفرنسية على مصر، وبعض الكتب المصرية القديمة التي توثق تاريخ الجبانات «المقابر» الشهيرة.

«على الرغم من أن معظم الإسبان لا يعرفون شيئاً عن فترة الحكم العربي عندما كانت الأندلس عاصمة للخلافة الإسلامية، فإنني أدرك أن هذه الفترة حققت نهضة كبيرة في كافة المجالات، وهو ما دفعني في البداية إلى طرح أسئلة لم يكن لدي لها إجابات بشأن العرب الأندلسيين الذين غادروا البلاد إلى دول عربية عديدة، وقادتني رحلة البحث إلى مصر»، هكذا وصف الدكتور بيدرو ديل كاستيللو أستاذ علم النفس المتقاعد بجامعة برشلونة، أسباب رحلته إلى مصر، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «رحلة البحث بدأت من المكتبات والكتب التاريخية والتراثية لتتبع نسب الأسماء والعائلات الإسبانية، وأقوم بالتجول في المقابر المصرية بحثاً عن الأسماء التي وثقت أصولها، مستعيناً بخرائط تاريخية لهذه المقابر، من بينها الخريطة التي وضعتها الحملة الفرنسية».

أسفرت الجولات الميدانية عن تحديد أماكن دفن العديد من الشخصيات المعروفة من أصول أندلسية، بينهم علماء دين وفلاسفة وقضاة، ويتمتع بعضهم بمكانة دينية مميزة لدى المصريين الذين يطلقون عليهم «أولياء الله الصالحين» وما زالت أضرحتهم مقصداً للزوار، ومنهم المرسي أبو العباس، صاحب الضريح الشهير الذي ما زال قائماً بمدينة الإسكندرية، وهو الإمام شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عمر بن علي الخزرجي الأنصاري المرسي البلنسي، يتصل نسبه بالصحابي، سعد بن عبادة الأنصاري، ولد أبو العباس المرسي عام 616 هجرية 1219 ميلادية بمدينة مرسيه، ونشأ بها، وهي إحدى مدن الأندلس، لذلك عرف باسم «المرسي» نسبة إلى مدينته، والقاضي المعروف الإمام الشاطبي، أحد أشهر علماء الفقه والحديث، وهو أبو محمد القاسم بن فِيرُه بن أحمد الشاطبي الرُعَيْنِيُ. وُلِد عام 538هـجرية في مدينة شاطبة بالأندلس، واستقر في مصر خلال عودته من رحلة الحج، ودفن في مقابر منطقة الإمام الشافعي (جنوب القاهرة).

كما تمكن الأكاديمي الإسباني، الذي يعتزم إصدار نتائج بحثه في كتاب بالوثائق، من تحديد مكان دفن الإمام القرطبي بمحافظة المنيا بصعيد مصر، وهو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي، ولد في قرطبة أوائل القرن السابع الهجري، ثم انتقل إلى مصر، حيث استقر بمدينة بني خصيب في شمال مدينة أسيوط، التي تتبع محافظة المنيا في الوقت الراهن، والفقيه الإمام الطرطوشي المدفون بمدينة الإسكندرية، الذي ولد في مدينة طرطوشة الأندلسية عام 451 ميلادية، واسمه أبو بكر محمد بن الوليد بن خلف المعروف بأبي بكر الطرطوشي.

كان وقع المفاجأة على المصور الفوتوغرافي المصري طارق الصغير، الذي يتولى توثيق رحلة البحث بين المقابر والأضرحة كبيراً، عندما عرف أن كل هؤلاء المشاهير الذين يتمتعون بمكانة كبيرة لدى المصريين هم من أصول أندلسية، ويقول الصغير لـ«الشرق الأوسط»، إن «المفاجأة كانت كبيرة في البداية، فقد نشأت على حب معظم هذه الشخصيات، لكني أيقنت أنها طبيعتنا كمصريين، فنحن نقدر ونحتفي بالعلماء في أي مجال بغض النظر عن جنسياتهم، وكلما تجولنا أكثر بين المقابر والأضرحة يزداد استمتاعي ودهشتي».

وتمكن ديل كاستيللو من توثيق وتتبع أماكن دفن العديد من العرب الأندلسيين، بعضها عائلات غير معروفة، وما زال يمتلك قائمة طويلة بأسماء بعض هذه العائلات التي يطلق عليها «قائمة المجهولين»، ويقول «تتبع العائلات غير المعروفة أصعب كثيراً من الشخصيات الشهيرة التي يمكنني أن أجد معلومات عنها في كتب التاريخ والتراث، ولدي في قائمتي الموثقة أسماء جاءت إلى مصر في العصر الحديث، حيث وثقت نحو 25 شخصاً دفنوا بمدينة ملوي في محافظة المنيا في القرن الثامن عشر الميلادي، إذ كانوا يعملون في مصنع سكر يمتلكه إسبان نحو عام 1850 ميلادية، وقد بدأت التواصل مع إدارات الجبانات (المقابر) في كل محافظة مصرية لتحديد أماكن دفن الأشخاص الذين أبحث عنهم من خلال شهادات الوفاة».


اسبانيا مصر أخبار مصر تاريخ

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة