القرار الأميركي بإنهاء إعفاءات «النووي» الإيراني يقلق أوروبا

القرار الأميركي بإنهاء إعفاءات «النووي» الإيراني يقلق أوروبا

عبّرت في بيان عن «أسفها» لكنها عاجزة عن الرد
الأحد - 8 شوال 1441 هـ - 31 مايو 2020 مـ رقم العدد [ 15160]
باريس: ميشال أبونجم

في بيان مشترك من 169 كلمة، عبرت الدول الأوروبية الثلاث المعنية مباشرة بالملف النووي الإيراني عن «الأسف الشديد» لقرار الولايات المتحدة الصادر يوم الأربعاء الماضي، القاضي بإنهاء العمل بثلاثة استثناءات أساسية لمشاريع في القطاع النووي المدني الإيراني، بما فيها مشروع تحديث وتعديل مفاعل آراك.

ويشير البيان الأوروبي الذي شارك فيه الممثل الأعلى للسياسة الخارجية، جوزيب بوريل، إلى أن المشاريع الإيرانية النووية الثلاثة منصوص عليها في اتفاق عام 2015، وفي القرار الدولي رقم (2231) الصادر عن مجلس الأمن، ويؤكد أنها «تخدم مصالح الجميع فيما يتعلق بمنع انتشار السلاح النووي، وتوفر للأسرة الدولية الضمانات حول الطبيعة السلمية الخالصة المضمونة للأنشطة النووية الإيرانية».

وتعبر الأطراف الموقعة على البيان (فرنسا وبريطانيا وألمانيا والاتحاد الأوروبي) عن عزمها على إجراء جولة من المشاورات «لتقييم نتائج القرار الأميركي»، وتذكر مجدداً بأن الاتفاق المشار إليه «ما زال يمثل الوسيلة الوحيدة والفضلى لضمان الطبيعة السلمية للبرنامج النووي الإيراني»، من دون تناسي حث طهران، مرة أخرى، على «العودة مجدداً لتنفيذ كامل التزاماتها» النووية التي بدأت بالتحلل منها منذ الصيف الماضي.

وثمة ثلاث ملاحظات على البيان الأوروبي: الأولى، أنه صادر -بعكس مرات سابقة- عن الناطقين باسم وزارات خارجية الدول الثلاث، وليس عن الوزراء مباشرة. وفي العرف الدبلوماسي، فإنه «لا يتميز بالقوة نفسها، فيما لو صدر عن الوزراء مباشرة»، وفق تقدير سفير سابق. والثانية، أنه استعاد -ولكن بلغة دبلوماسية «مخففة»- ما ورد في تصريحات بوريل على هامش اجتماع أوروبي - أممي. والثالثة، أن البيان يعكس الموقف الأوروبي بمجمله، بسبب مشاركة المسؤول الأوروبي فيه، ولم يبقَ حكراً على الدول الثلاث الموقعة على الاتفاق.

والسؤال الأول الذي يطرحه الأوروبيون يتناول «توقيت» القرار الأميركي، إذ إن واشنطن «غضت الطرف» عن هذا الجانب من الاتفاق رغم خروجها منه، وفرضها سياسة «العقوبات القصوى» على طهران. يضاف إلى ذلك مسألة خلافية أخرى، عنوانها عزم واشنطن على دفع مجلس الأمن، بشكل أو بآخر، إلى تمديد العقوبات المفروضة على إيران في موضوع السلاح التقليدي.

والمعروف أن الحظر المفروض عليها بموجب القرار الدولي ينتهي في شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. وهاتان المسألتان «تحرجان» الأوروبيين الذين ما زالوا متمسكين بالاتفاق النووي للأسباب المذكورة في بيانهم، وأهمها استمرار وضع النشاطات النووية الإيرانية تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة. وللإشارة، فإن مفتشيها ما زالوا في إيران، وهم يقومون بعملهم، ويرفعون تقارير دورية إلى مقر الوكالة في فيينا. ووفق القراءة الأوروبية، فإن قبول الإيرانيين بالتفتيش يعني أنهم لا يريدون الخروج النهائي من الاتفاق، رغم التحلل من كثير من بنوده، ومنها استخدام طاردات مركزية حديثة، وتخطي سقف اليورانيوم المشبع المتاح، والارتقاء بمستوى التخصيب المسموح. ووفق القراءة الأوروبية نفسها، فإن خطوات الإدارة الأميركية المتلاحقة هدفها دفع إيران للخروج من الاتفاق، ما سيسهل عندها إعادة فرض العقوبات الدولية على طهران التي رفعت بعد التوقيع على الاتفاق في يوليو (تموز) من عام 2015.

ومع قرارها الجديد، تفاقم واشنطن ضغوطها على إيران، ولكن في الوقت عينه على الأطراف (دولاً وشركات) التي كانت معنية بالإعفاءات الثلاثة التي تتناول بشكل أساسي تحويل موقع آراك عن غرضه العسكري ليصبح مدنياً، وتزويد مفاعل طهران الاختباري بالمادة النووية.

وبذلك، تكون واشنطن قد مدت عقوباتها العابرة للحدود على من يخالف قرارها، مع إعطائها فترة سماح من ستين يوماً. وقد سعى الأوروبيون من خلال آلية «إنستكس» لمساعدة إيران على الالتفاف على العقوبات الأميركية، إلا أن العمليات التي تمت في هذا الإطار بقيت هامشية، الأمر الذي وفر لطهران حجة التنديد بالأوروبيين، لما يرونه من غياب الإرادة السياسية للوقوف بوجه واشنطن. كذلك شكلت الخطوة الأوروبية لتفعيل «آلية فض النزاعات» المنصوص عليها في الاتفاق، التي يمكن أن تعيد الملف النووي بكليته أمام مجلس الأمن، سبباً إضافياً للتباعد بين إيران والأوروبيين. وفي حال خرجت إيران رسمياً من الاتفاق، فإن ذلك سيعني نهايته التامة، وهو ما لا يريده الأوروبيون.

وثمة من ينصح إيران بالانتظار حتى يعرف مصير الانتخابات الرئاسية الأميركية التي ستحصل في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

ومن الناحية العملية، تعد روسيا المتضرر الأول من القرار الأميركي، في ظل أن شركاتها هي الأكثر ضلوعاً في المشاريع الإيرانية الثلاثة، إلا أنها ليست وحدها، إذ إن الصين وبريطانيا ضالعتان في تعديل مفاعل آراك، الواقع على مسافة 250 كلم جنوب غربي طهران، بحيث لن يكون قادراً على إنتاج المياه الثقيلة التي يمكن استخدامها لإنتاج البلوتونيوم للأغراض العسكرية.

وفي شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وصل خبراء بريطانيون إلى إيران، بإدارة البروفسور روبن غريمس، مستشار الشؤون العلمية في وزارة الدفاع البريطانية، للمساهمة في تحديث آراك، وفق ما ينص عليه الاتفاق النووي. لذا، فإن موسكو ليست وحدها المعنية، لكن ما يميزها أنها لا تأخذ بعين الاعتبار العقوبات الأميركية، ولا يتوقع لها أن تستجيب لما تريده واشنطن. وقد سارع الناطق باسم منظمة الطاقة النووية الإيرانية، بهروز كمالوندي، الأربعاء الماضي، إلى الإشارة إلى الدور الروسي، بتأكيده أن طهران «قادرة على الحصول على المادة النووية من روسيا. وفي المستقبل، سنكون قادرين على الحصول عليه بأنفسنا، ومن غير مساعدة أحد».


أميركا أوروبا النووي الايراني

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة