«مناعة القطيع» ضد «كوفيد ـ19» لا تزال بعيدة المنال

«مناعة القطيع» ضد «كوفيد ـ19» لا تزال بعيدة المنال

بلوغها يتطلب إصابة 60 % من السكان... وقد تتسبب في مضاعفة الوفيات
الجمعة - 6 شوال 1441 هـ - 29 مايو 2020 مـ رقم العدد [ 15158]
نيويورك: ناديا بوبوفيتش ومارغو سانغير-كاتز

ما يزال أمام فيروس كورونا وقت طويل يقضيه معنا. تلك هي خلاصة مجموعة من الدراسات أجريت حديثا في مختلف أرجاء العالم، والتي حاولت شرح سبب تعرض العديد من الأشخاص للإصابة بالفيروس في المقام الأول.

تقلل الحصيلة المعلنة رسميا، في أغلب الأحيان، من العدد الحقيقي للإصابات بفيروس كورونا. فيما وجدت مجموعة جديدة من الدراسات التي تعمل على اختبار السكان على نطاق أوسع لتقدير مدى الانتشار الحقيقي للوباء، أن النسبة المئوية لعدد الأشخاص المصابين بعدوى «كوفيد - 19» لا تزال في خانة الأرقام المفردة. وتعد هذه الأرقام جزءا يسيرا من اختصاص بات يُعرف باسم «المناعة الجماعية» أو «مناعة القطيع»، والتي تدلّ على بلوغ الفيروس مستوى تفشٍّ لا يستطيع تجاوزه إلى انتشار أوسع. وبرغم ذلك، فإن مستوى الانتشار الذي يتطلبه اكتساب المناعة الجماعية بالنسبة إلى فيروس كورونا ليس واضحا تماما حتى الآن، بيد أن عددا من الخبراء قالوا إنهم يعتقدون أنها سوف تكون أعلى من نسبة 60 في المائة.

وحتى في بعض أكثر المدن تضررا بفيروس كورونا حول العالم، فإن الغالبية العظمى من الناس ما تزال معرضة إلى حد كبير للإصابة بعدوى الفيروس القاتل. وفي بعض البلدان – لا سيما في السويد ثم بريطانيا لفترة وجيزة من الوقت – جرى اختبار فرض إغلاق عام جزئي أو محدود في محاولة لتعزيز مناعة السكان ضد انتشار الفيروس. لكن حتى في هذه الأماكن، تشير الدراسات الحديثة إلى تعرض ما لا يزيد عن 7 إلى 17 في المائة من الناس للإصابة بالفيروس. وفي مدينة نيويورك وحدها، والتي سجّلت أعلى معدلات انتشار فيروس كورونا في عموم الولايات المتحدة الأميركية، كانت نسبة إصابة سكان المدينة بالفيروس القاتل لا تتجاوز 20 في المائة تقريبا، وذلك اعتبارا من أول شهر مايو (أيار) الجاري، وفقا لمسح نشره مكتب حاكم الولاية للأشخاص الذين يرتادون متاجر البقالة والمراكز المجتمعية المختلفة.

وهناك مسوح أخرى مماثلة قيد الإجراء في الصين، التي ظهر فيها فيروس كورونا للمرة الأولى، غير أنه من المتعذر الحصول على هذه النتائج. وخلصت دراسة وحيدة أجريت في إحدى مستشفيات مدينة ووهان إلى أن نحو 10 في المائة من الأشخاص الذين يحاولون العودة إلى أعمالهم قد أصيبوا بعدوى الفيروس.

وبالنظر إجمالا إلى نتائج تلك الدراسات، كما قال الدكتور مايكل مينا، أستاذ علم الأوبئة لدى كلية تشان للصحة العامة الملحقة بجامعة هارفارد، فإنها تعكس أنه من غير المرجح أن نصل إلى «درجة المناعة الجماعية» في أي وقت قريب.

لا تزال «درجة المناعة الجماعية» لهذا الفيروس القاتل غير واضحة حتى الساعة، ولكن العديد من علماء الأوبئة البارزين يعتقدون أن الوصول إليها يتطلب إصابة بين 60 إلى 80 في المائة من إجمالي السكان، ما يتيح تطوير المقاومة الذاتية للفيروس. ومن شأن انخفاض مستويات المناعة لدى السكان أن يؤدي إلى إبطاء انتشار الفيروس المستجد إلى حد ما، بيد أن رقم «المناعة الجماعية» يمثل النقطة التي تقل فيها احتمالات تحول العدوى الفيروسية إلى حالات تفشٍ كبيرة تخرج عن نطاق السيطرة.

ويقول الدكتور مينا: «ليست أمامنا طريقة جيدة وواضحة لبناء المناعة الجماعية لدى السكان على المدى القصير حتى نكون صادقين مع أنفسنا، ما لم نسمح لذلك الفيروس بالتفشي والانتشار مرة أخرى. ولكنني أعتقد أن المجتمع قد أخذ قراره بأن هذا ليس من المناهج المحتمل اتباعها على أي حال».

وتبحث الدراسات الجديدة عن الأجسام المضادة في دماء الناس، وهي البروتينات التي يقوم الجهاز المناعي بإنتاجها وتشير إلى تعرضه لحالات عدوى مسبقة، لتحديد نسبة الإصابات السابقة. وميزة هذا الاختبار تتمثل في أنه يكشف عن إصابة أشخاص لم يطوروا أي أعراض ولم يعلموا أنهم مرضى. في المقابل، فإن مثل هذه الاختبارات تكون خاطئة في بعض الأحيان. والدراسات التي تستعين بهذا النوع من الاختبارات في فحص قطاع عريض من السكان باتت تُجرى اليوم في كافة أرجاء البلاد وفي كافة أنحاء العالم.

ومع أن هذه الدراسات أبعد ما تكون عن المثالية، إلا أنها تعطينا فكرة مُجملة عن مدى انتشار فيروس كورونا على وجه الحقيقة وإمكانات انتشاره لاحقا، كما أفاد الدكتور كارل بيرغستروم، أستاذ علم الأحياء في جامعة واشنطن. وأضاف الدكتور بيرغستروم قائلا إن «درجة المناعة الجماعية» قد تختلف من مكان إلى آخر، استنادا إلى عوامل متنوعة مثل الكثافة السكانية والتفاعل الاجتماعي.

وتفترض كافة التقديرات المعنية بدرجة المناعة الجماعية أن الإصابة مرة واحدة قد تحمي الشخص من الإصابة بالفيروس مرة أخرى. وهناك بعض الأدلة على أن المتعافين يطورون قدرا من المناعة في مواجهة فيروس كورونا، ولكن ليس من المؤكد حتى الآن ما إذا كانت تلك الدلائل صحيحة في جميع الحالات، أو مدى قوة المناعة المحققة، وفترتها. وقال الدكتور مينا من جامعة هارفارد إنه ينبغي التفكير في المناعة لدى السكان على اعتبارها من موانع تفشي الفيروس، وعاملا في إبطاء وتيرة انتشاره.

يجدر الإشارة إلى أنه حتى في ظل وجود «المناعة الجماعية»، سيكون الناس معرضين للمرض بدرجات متفاوتة. وقالت الدكتورة غيبسيامبر داسوزا، أستاذة علم الأوبئة في جامعة جونز هوبكنز، إن «مستوى المخاطر التي تتعرض لها عند الإصابة بالفيروس لن تختلف في شيء. كل ما هنالك أنك سوف تكون أقل عرضة للإصابة ليس أكثر». وأصبحت الأمراض من شاكلة الحصبة وجدري الماء، والتي كانت شائعة للغاية بين الأطفال في وقت من الأوقات، نادرة الحدوث للغاية الآن في الولايات المتحدة، ذلك أن اللقاحات ساهمت في بناء درجة كافية من «المناعة الجماعية» التي ساعدت على احتواء تفشي تلك الأمراض.

أما بالنسبة لـ«كوفيد - 19»، فإنه ليس لدينا لقاح، لذلك فإن الوصول إلى «درجة المناعة الجماعية» من دون وجود علاج جديد وأكثر فعالية في مواجهة الفيروس يمكن أن يعني المزيد من العدوى وعدة وفيات.

وإذا ما افترضنا أنه يمكن تحقيق الحماية الجماعية عن طريق بلوغ نسبة 60 في المائة من مقاومة السكان لفيروس كورونا، فإن هذا يعني أن مدينة نيويورك – على حالتها الراهنة – قد قطعت ثُلث الطريق إلى ذلك حتى الساعة. ولقد توفي ما يقارب 250 شخصا من كل 100 ألف مواطن حتى الآن. وما يزال هناك الملايين من سكان مدينة نيويورك معرضين للإصابة بهذا الفيروس القاتل والإسهام في سرعة انتشاره، فضلا عن عشرات الآلاف الآخرين المعرضين لمخاطر الوفاة بسببه.

تقول ناتالي دين، أستاذة الإحصاء الحيوي المساعدة في جامعة فلوريدا: «هل ينصحنا شخص ما بأن يمر الناس كافة بمثل ما مرت به مدينة نيويورك حتى الآن؟ هناك الكثير من الناس الذين يتحدثون عن هذه العدوى الخاضعة للسيطرة لدى الشباب، ولكنه أمر يوحي بالكثير من الغطرسة عند مجرد الاعتقاد بإمكانية السيطرة تماما على فيروس كورونا في الآونة الراهنة. إنه وباء عصي على التحكم والسيطرة».

وفي مدن أخرى، تُظهر الدراسات وجود شرائح أقل من الأشخاص الذين يملكون الأجسام المضادة لمقاومة الفيروس. ولكن مستويات جودة هذه الدراسات متباينة، إما لأن العينات المتخذة لم تكن عشوائية بصورة كافية أو نظرا لأن الاختبارات لم تتسم بالدقة المطلوبة. غير أن مجموعة الدراسات تعكس أن أغلب الأماكن قد تضطر إلى رؤية عشرات الأضعاف من الإصابات بالوباء أو ربما الوفيات من أجل الوصول إلى النقطة التي يتعذر بعدها بلوغها تفشي الفيروس ذروته.

ومن شأن دراسات الأجسام المضادة أن تساعد العلماء على تحديد الخطورة الحقيقية لفيروس كورونا. وتعد التقديرات الحالية لنسبة الوفاة مجرد تقديرات تقريبية. ولأجل حسابها بصورة دقيقة، فمن المهم الوقوف على العدد الحقيقي للأشخاص الذين لقوا حتفهم في مكان معين بسبب فيروس كورونا في مقابل عدد المصابين الحاليين بنفس الفيروس. وتحتسب معدلات الحالات الرسمية، التي تعتمد على الاختبار، المدى الحقيقي لحالات العدوى بين السكان.

وفي مدينة نيويورك، حيث بلغت نسبة الإصابة 20 في المائة من سكان المدينة بحلول الثاني من مايو (أيار) الجاري وحيث لقي أكثر من 18 ألف مواطن حتفهم حتى الآن، فإن «معدل الوفاة» لا يتجاوز نسبة 1 في المائة. وعلى سبيل المقارنة، تبلغ نسبة الوفاة لدى المصابين بمرض الأنفلونزا بين 0.1 إلى 0.2 في المائة. لكن، حتى في ظل تطابق معدلات الوفيات، فإن فيروس كورونا المستجد يبقى أكثر خطورة من الأنفلونزا.

ومع مرض الأنفلونزا، يتعرض حوالي نصف السكان فقط لمخاطر الإصابة بالمرض في موسم انتشار الفيروس. وبعض الناس يملكون المناعة من المرض بالفعل، إما بسبب أنهم كانوا قد أصيبوا بسلالة مماثلة من الأنفلونزا، أو لأنهم تمكنوا من الحصول على لقاح الأنفلونزا الذي كان مطابقا بصورة جيدة لنسخة مرض الأنفلونزا الذي أصيبوا به في ذلك العام.

وهذا الرقم ليس مرتفعا بما يكفي لبلوغ «درجة المناعة الجماعية» بالكامل – وما يزال مرض الأنفلونزا يواصل الانتشار في كل عام. ولكن هناك فوائد للمناعة الجزئية لدى السكان: هناك شريحة صغيرة من البالغين المعرضين لمخاطر الإصابة بمرض الأنفلونزا في السنة العادية، ومن شأنهم نشر المرض بوتيرة أقل انخفاضا. وهذا يعني أن عدد الأشخاص المعرضين لمخاطر الوفاة هم أقل بكثير أيضا.

وفيروس كورونا المستجد هو على العكس من مرض الأنفلونزا، إذا أنه مرض جديد علينا تماما. وقبل العام الجاري، لم تكن هناك مناعة لدى أي من سكان العالم هذا الفيروس المستجد على الإطلاق. وهذا يعني أنه لو كانت «معدلات الوفاة» متماثلة، فإن فيروس كورونا يملك القدرة على إهلاك المزيد من الناس.


- خدمة «نيويورك تايمز»


العالم أخبار العالم فيروس كورونا الجديد

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة