صلاح ستيتية... {الجسر بين ضفتين} رحل محبطاً من «ربيع» لم يزهر

الشاعر اللبناني توفي في باريس عن 91 عاماً

صلاح ستيتية... {الجسر بين ضفتين} رحل محبطاً من «ربيع» لم يزهر
TT

صلاح ستيتية... {الجسر بين ضفتين} رحل محبطاً من «ربيع» لم يزهر

صلاح ستيتية... {الجسر بين ضفتين} رحل محبطاً من «ربيع» لم يزهر

على عكس الكثير من الشعراء، كان صلاح ستيتية يحيا كما يكتب. وهو من القلة الذين لم يعتبروا الشعر انزواء، ووحدانية واعتكافاً، بل على العكس، نشر ديوانه الأول متأخراً بعد حياة دبلوماسية طويلة، صاخبة، واجتماعية كثيفة. وهو من الذين أحبوا المؤتمرات، والندوات، والأمسيات، ولعبت علاقاته الثقافية دوراً رئيسياً في حياته، إن لجهة تأثره بالكثير ممن تعرف إليهم وتفاعله الحيوي مع أعمالهم، أو لتساعده هذه الشبكة مع شعراء آخرين، في تعزيز حضور الشعر والدفاع عن دوره.
وبرحيل الشاعر اللبناني صلاح ستيتية عن عمر 91 عاماً، في مغتربه الفرنسي، وهو الذي لم يكتب أبداً إلا بلغة موليير، صفحة فرنكوفونية تطوى، بعد أن لعب دوراً محورياً فيها إلى جانب أدباء لبنانيين من جيله مثل فينوس خوري غاتا، ربما حتى الفرنسيون أنفسهم لا يعرفون قدرها، وهذا محزن.
ومع أن ستيتية نال الكثير من الجوائز المرموقة، وقدّر في الأوساط الثقافية والشعرية والأكاديمية، إلا أنه لم يصبح شاعراً معروفاً في البلاد التي كتب بلغتها وأعطاها من روحه، بقدر ما يتداول اسمه، في بلده الأم لبنان.
هو ابن بيروت، ومولود فيها عام 1929، حرص والده على أن يتعلم الفرنسية بطلاقة منذ طفولته واختار له مدرسة تحقق له هذا الطموح، ثم التحق بالجامعة اليسوعية لدراسة الحقوق، وحصل على منحة أهّلته للسفر وإكمال دراسته في السوربون في مجال «سوسيولوجيا الإسلام»، وتتلمذ هناك على يد المستشرق الشهير لويس ماسينيون مترجم الحلاج وابن عربي إلى الفرنسية، وعلى يديه تعمق بالصوفية وكان لتأثير هذين المتصوفين على كتابته بعد ذلك، ما لفت النقاد. ورأى ستيتية في هذا الجانب الصوفي لديه، ما يوازن صرامة الدبلوماسية، ويشذّب جلافة الحياة اليومية التي يعيشها بكليته. وستيتية إلى جانب الشعر الكلاسيكي العربي كان مفتوناً بالشعر الحديث ومتابعاً حثيثاً لنتاجاته، وصديقاً لرواده.
وكان صلاح ستيتية الطفل، قد لفت مدير مدرسته غابرييل بونور لتفوقه ونباهته؛ وهو ما دفعه ليتدبر له أمر المنحة الفرنسية. وممن تأثر بهم في هذه الفترة اللبنانية المبكرة الأديب بالفرنسية جورج شحادة الذي كان لشعره سطوة عليه وهيبة. وبعد عودة ستيتية من فرنسا، التحق بالخارجية اللبنانية ليصبح سفيراً لبلاده في اليونيسكو، ومن ثم في هولندا والمغرب. حياة دبلوماسية طويلة، تركت أثرها عليه، بالتأكيد، لكنه في الأربعينات من عمره، كسر الحاجز الذي كان قد جعله يهاب الشعر وأصدر ديوانه الأول «الماء البارد المحفوظ» 1972 ولقيت القصائد صدى كبيراً ومشجعاً في فرنسا. وكرّت الدواوين ومؤلفات في مجالات متنوعة. فالرجل إضافة إلى كونه شاعراً، هو ناقد، باحث، وكاتب مقال ومترجم أيضاً. إذ إنه ترجم قصائد عربية إلى الفرنسية لكثير من الكتاب مثل أدونيس والسياب، وكذلك جبران خليل جبران.
وإذا كان من دور رئيسي لعبه باستمرار، وبكثير من الاندفاع، فهو اعتبار نفسه جسراً بين ضفتين، ولغتين، بل وحضارتين. ولذلك؛ فهو رغم إصراره على أنه بيروتي، من بين المسلمين القلة من جيله في ثلاثينات القرن الماضي الذين تلقوا تعليماً فرنسياً، فإنه بقي يذكّر بأنه ابن محمود ستيتية الشاعر الكلاسيكي، والعلاّمة في اللغة الذي كان يقصد لمعارفه اللغوية العربية، وأنه من هنا نهل، ومن أرض وطنه الأم اكتنزت مخيلته بالصور، ولا وعيه بالاستعارات التي شكلت مادته الشعرية الأولى. لكن ستيتية هو أيضاً إنساني، كان يعرف أن دوره الأول هو مد جسور الحوار، والانفتاح على قيم التسامح. وكتبه ودواوينه بالفرنسية ترجمت إلى العربية من قبل كتاب عدة، مثل مصباح الصمد، أدونيس، عيسى مخلوف، مروان فارس وآخرين، وهو ما يدلل على الاهتمام اللبناني بالشاعر المغترب. لكن كتبه بالفرنسية ترجمت أيضا إلى لغات كثيرة، وفتحت لها آفاقاً أبعد من فرنسا وأوروبا.
وبقي صلاح ستيتية رغم إقامته الباريسية الطويلة، يحرص على أن يطل على قرائه في لبنان، فكان ضيفاً دائماً على معارض الكتب والأنشطة الفرنكوفونية، وموقّعاً مدمناً على كتبه الجديدة.
وفي مذكراته «حفلة جنون» التي صدرت عام 2014 حكى بإسهاب عن فترة المخاض الثقافي التي عاشها في بيروت قبل سفره، وكأنما به حنين إلى الطفولة، وكتب عن لقائه في تلك الفترة بالكبير أندريه جيد الذي جاء إلى بيروت بدعوة من مدير مدرسته غبريال بونور. وحاز الكتاب جائزتين كبيرتين، هما: جائزة سان سيمون الكبرى (ترأسها المؤسسة الفرنسية بإشراف غبريـال دو بروغلي من «الأكاديمية الفرنسية»)، وجائزة جان جاك روسو الكبرى «الفرنسية - السويسرية».
في قصائده كما في نثره، بقي ستيتية شاعرياً، وفي الفرنسية بقي عربياً، يحب أن يكرر ما قاله عنه أدونيس يوماً، أنه «شاعر عربي بالفرنسية». كان يعجب بهذا مع أنه يكره الكلام عن إقامته في غربة أو في منفى. يعتبر أن الفرنسية عاش معها وبها، وأنها لازمته حتى ذاب فيها. شديد الاعتزاز بصداقاته التي حاكها على مرّ السنين، بالكبار الذين رافقهم، فقد عرف رينيه شار، وبروتون، وبيكاسو، ويشار كمال، ونجيب محفوظ، وأوكتافيو باث، وكاتب ياسين، وبراك، وأليشنسكي، ومحمود درويش، وجان بول سارتر، وألبير كامو، وسيمون دو بوفوار.
وحرص ستيتية على علاقة خاصة جمعته بالكثير من الرسامين التشكيلين منذ كان في بيروت، وهو ما حمّسه دائماً لأن يقرن كلمته بلوحة، أو أن يكون عملاً فنياً مصدر إلهامه. ويوجد عشرات الكتب الفنية التي شارك فيها الشاعر محباً لهذا النوع من التزاوج الإبداعي. وله مقتنيات فنية بالمئات، عرض جزءاً منها في متحف «بول فاليري» في مدينة ست الفرنسية، ومن ثم انتقلت إلى «المكتبة الوطنية» في باريس. وقد أراد لهذه المجموعة أن تعرض في حياته، وأن يقام لها مزاد علني في وجوده.
من نتاجاته «حمّى الأيقونة وشفاؤها» ترجمة (رواد طربيه)، و«قراءة امرأة» ترجمة (مصباح الصمد)، وله أيضاً «أجزاء قصيدة» ترجمة (مروان فارس)، وكتب أخرى كثيرة مثل «حملة النار»، كما مقالات في الكثير من المجلات الأدبية. وصدرت مجموعته الشعرية الكاملة عن «دار الفارابي»، وله «صيف الغمام العظيم»، و«ابن الكلمة»، و«تعاكس الشجرة».
رحل حزيناً صلاح ستيتية، فقد خذله الربيع العربي، وبقيت فلسطين حسرة في قلبه، وحال لبنان المتردي لم يسعفه بأمل. وهو على أي حال لم يكن بعيداً عن كل ما يحدث حين كتب:
من يُنقذُ هذه البلاد
من جَلْجَلة جنودٍ يتقدَّمون تحت لواء النصر
ليخطَفوا الماءَ الباردَ المحروس ويأْخذوه؟
أَيها النُّورُ النَّهرُ - يا نُــوري
أَيها العَذْبُ العاري
وفوقكَ سماءٌ صلبة
هي السماءُ الأُخرى
لا تلك الإِسفنجة الزرقاء.



كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
TT

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير والتشكيك في قراراتهم، والانشغال بأسوأ السيناريوهات المحتملة، وهو ما قد يستهلك طاقتهم ويبطئ أداءهم ويجعل الاستمتاع بالحياة أكثر صعوبة. لكن الحفاظ على صحة الدماغ لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية أو استغلال كل دقيقة من اليوم، بل يمكن تحقيقه من خلال تعديلات بسيطة في أسلوب التفكير والسلوك اليومي.

يرى أليكس كورب، عالم الأعصاب وأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، أن تحسين أداء الدماغ يبدأ بتجنّب بعض العادات الشائعة التي تستنزف الطاقة الذهنية. وبعد أكثر من 20 عاماً من البحث في علم الأعصاب، يؤكد أن التغييرات الصغيرة قد تُحدث فرقاً كبيراً في تعزيز التركيز والشعور بالهدوء ومقاومة الإرهاق، حسب ما أورده في تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي».

وفيما يلي أبرز 6 أمور ينصح كورب بتجنّبها للحفاظ على قوة الدماغ وصحته:

1. تجاهل القلق

يُنظر إلى القلق غالباً بوصفه أمراً سلبياً، لكن كورب يعتبره بمثابة «نظام إنذار» يصدر إشارات من الجهاز الحوفي- مركز العواطف في الدماغ- لينبّهك إلى ما هو مهم. تجاهل هذا الشعور قد يجعلك غير قادر على التمييز بين المواقف التي تتطلب استجابة فورية وتلك التي لا تستدعي القلق. لذلك، من الأفضل التوقف لحظة عند الشعور بالقلق، ومحاولة فهم مصدره، وطرح سؤال بسيط: ماذا يخبرني هذا الشعور عن أهمية هذا الموقف؟ هذا الوعي يساعد على التعامل معه بفعالية بدلاً من الانفعال أو التجمّد.

2. الاعتماد على النقد الذاتي بوصفه وسيلةً للتحفيز

في حالات الضغط، يفرز الدماغ مواد كيميائية مثل الدوبامين والنورأدرينالين، ما يعزز التركيز مؤقتاً. لكن هذا النوع من التحفيز يأتي على حساب مواد أخرى مرتبطة بالسعادة، مثل السيروتونين والأوكسيتوسين والإندورفين. لذلك، فإن الاعتماد على النقد الذاتي قد يمنح دفعة قصيرة المدى، لكنه يؤدي في النهاية إلى استنزاف الطاقة والشعور بالإرهاق. وعند الشعور بالإحباط، يُنصح بتحويل التركيز من النتائج السلبية إلى الأهداف الإيجابية التي تسعى لتحقيقها.

3. الهوس بتتبع جودة النوم

قد يبدو تتبع النوم باستخدام الأجهزة الذكية مفيداً، لكنه قد يتحول إلى مصدر إضافي للقلق، خصوصاً عندما تنشغل ببيانات لا يمكنك التحكم بها مباشرة. بدلاً من ذلك، يُفضّل التركيز على العادات التي تدعم نوماً جيداً، مثل التعرض لضوء الشمس صباحاً، والحفاظ على مواعيد نوم منتظمة، وممارسة الرياضة، واتباع روتين مسائي هادئ يساعد على خفض مستويات التوتر.

4. تعدد المهام عند الحاجة إلى تركيز عميق

قد يعطي التنقل بين المهام المختلفة شعوراً زائفاً بالإنتاجية، نتيجة دفعات صغيرة من الدوبامين. لكن في الواقع، يؤدي ذلك إلى إرهاق قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن اتخاذ القرارات وحل المشكلات. هذا الإرهاق قد ينعكس في صورة أخطاء متكررة وإجهاد ذهني. لذا، عند الحاجة إلى التركيز، يُفضّل تقسيم العمل إلى فترات زمنية قصيرة، والتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

5. تجاهل المشاعر بحجة التفاؤل الدائم

رغم أهمية التفكير الإيجابي، فإن تجاهل المشاعر السلبية أو إنكارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فمحاولة فرض التفاؤل قد تعيق القدرة على التعامل مع الواقع. الأفضل هو الاعتراف بالمشاعر وتسميتها بوضوح، إذ يساعد ذلك على تخفيف الضغط عن اللوزة الدماغية، ويمنح الدماغ فرصة لاستعادة توازنه والتعامل مع الموقف بوعي أكبر.

6. ربط القيمة الذاتية بالإنتاجية فقط

يرتكب كثيرون خطأ ربط قيمتهم الذاتية بمدى إنتاجيتهم أو إنجازاتهم، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق على المدى الطويل. ويشير كورب إلى أن هذا النمط قد يمنح دفعات مؤقتة من التحفيز، لكنه يستنزف الطاقة النفسية مع الوقت. لذلك، من المهم تذكير النفس بأن القيمة الذاتية لا تقتصر على الإنجاز، وأن بذل الجهد بحد ذاته أمر كافٍ.


من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.