كينيون «عالقون» في الحجر الصحي وسط انتقادات للحكومة

المغادرة برسوم... والسالمون من «كورونا» يختلطون بمصابين

كينيون يشيّعون شخصاً توفي على يد الشرطة لخرقه حظر التجول (أ.ب)
كينيون يشيّعون شخصاً توفي على يد الشرطة لخرقه حظر التجول (أ.ب)
TT

كينيون «عالقون» في الحجر الصحي وسط انتقادات للحكومة

كينيون يشيّعون شخصاً توفي على يد الشرطة لخرقه حظر التجول (أ.ب)
كينيون يشيّعون شخصاً توفي على يد الشرطة لخرقه حظر التجول (أ.ب)

عندما وصلت فالانتين أوشوغو (26 عاماً) إلى منزلها في كينيا إثر تسريحها من عملها في شركة مناطيد الهواء الساخنة في مدينة دبي، جرى احتجازها قيد الحجر الصحي في سكن جامعي، رفقة كثير من المسافرين الآخرين، في خطوة تأتي ضمن التدابير الحكومية الصارمة التي غالباً ما يُشاد بها للحيلولة دون مزيد من انتشار فيروس كورونا.
ولكن بدلاً من فترة الحجر الصحي لمدة 14 يوماً، استمر احتجاز أوشوغو لفترة أطول بلغت 32 يوماً، في ظروف معيشية قاسية من برودة الجو والجوع والخوف الشديد، لدرجة أنها كانت تغلق الباب في المساء بسرير فارغ. وعلى الرغم من أن نتيجة اختبارها جاءت سلبية للإصابة بفيروس كورونا 3 مرات متتالية، فإن المسئولين الحكوميين رفضوا إطلاق سراحها قبل أن تسدد رسوماً تبلغ 434 دولاراً أميركياً، على حد قولها.
وبعد أن تمكنت أوشوغو من التفاوض بشأن المبلغ حتى وصل إلى 65 دولاراً فقط، سُمح لها بمغادرة الحجر الصحي. وكتبت على إحدى منصات التواصل الاجتماعي، في 24 أبريل (نيسان) الماضي، تقول: «خرجت أخيراً؛ لقد حالفني الحظ في ذلك حقاً».
وتواجه الحكومة الكينية حالياً مزيداً من الانتقادات بشأن استجابتها للوباء، لا سيما أسلوب استخدامها لمراكز الحجر الصحي في البلاد. وكان المواطنون الذين أوقفتهم قوات الشرطة لانتهاك حظر التجول أو عدم ارتداء الكمامات الواقية لا يتم إرسالهم إلى مراكز الشرطة، وإنما إلى مراكز الحجر الصحي. وفي بعض الأحيان، يتم احتجازهم رفقة أشخاص تأكدت إصابتهم بالفيروس.
يقول الدكتور لوكوي أتولي، الأستاذ المساعد في كلية الطب بجامعة موي نائب رئيس الجمعية الطبية الكينية: «في حالات الطوارئ المماثلة، نحتاج إلى إقناع الناس بالتعاون مع السلطات، بدلاً من إجبارهم على ذلك، لا سيما أن كانت الحجة الرئيسية في ذلك هي الحفاظ على مصلحتهم». وعبر المقابلات الشخصية، وجّه 7 أشخاص قيد الحجر الصحي أو جرى الإفراج عنهم اتّهامات إلى الحكومة باحتجازهم في وحدات عزل غير صحية بالمرة، مع احتجازهم لفترة تزيد على 14 يوماً، وإعطائهم مواد غذائية ومياهاً غير مناسبة، وعدم إبلاغهم بنتائج اختبارات الفيروس الخاصة بهم. ويقول كثيرون منهم إنهم ظلوا قيد الاحتجاز القسري حتى سدّدوا مبالغ مالية باهظة.
وإثر خروج 50 شخصاً من مركز الحجر الصحي في نيروبي خلال الشهر الماضي، اضطرت الحكومة الكينية إلى الرد يوم الأربعاء الماضي، إذ أعلنت وزارة الصحة أنها سوف تتوقف عن مطالبة الأشخاص المحتجزين قيد الحجر الصحي بسداد رسوم المغادرة لأن هذه السياسة لا تشجع الناس على التقدم للاختبار.
وجرى الإعلان عن تغيير جديد في السياسة يوم الأحد الماضي، سيضع بموجبها المسؤولون المواطنين الذين ينتهكون حظر التجوال في «أماكن الاحتجاز» المعينة، وليس في مراكز الحجر الصحي. كان مسؤولو وزارة الصحة الذين وافقوا في البداية على المقابلة الشخصية لغرض هذا المقال قد ألغوا مواعيد المقابلة، ورفضوا الإجابة عن الأسئلة.
وكان بعض المواطنين وخبراء الصحة في كينيا قد أشادوا بوزارة الصحة في استجابتها لانتشار وباء كورونا، فقد أوقفت الرحلات الدولية في وقت مبكر، وأجريت عشرات الآلاف من الاختبارات، وفرضت حالة الإغلاق الجزئي على المناطق التي أبلغت عن ارتفاع أعداد الإصابة بالفيروس، مثل العاصمة نيروبي. وربّما ساعدت هذه الإجراءات في السيطرة على عدد حالات الإصابة في تلك الدولة الواقعة في شرق أفريقيا، التي يبلغ تعداد سكانها 47 مليون نسمة، وقد أبلغت عن 607 حالات إصابة، وسقوط 29 حالة وفاة، مع تعافي 197 حالة أخرى من المرض. وكانت الحكومة قد تعرّضت أيضاً لانتقادات بسوء معاملة المواطنين، إذ قتل ضباط الشرطة الكينية، خلال الأيام العشرة الأولى من فرض حظر التجوال، 6 مواطنين على الأقل في أثناء محاولتهم فرض حالة الإغلاق، وفقاً لتقارير منظمة «هيومن رايتس ووتش».
ومع ذلك، يستمر فيروس كورونا في الانتشار. وكان المسئولون قد فرضوا منذ يوم الأربعاء حالة الإغلاق على حي واحد في نيروبي، وعلى حي آخر في مومباسا، حيث أفادت التقارير بانتشار الوباء هناك. وحتى في الوقت الذي حثت فيه وزارة الصحة الكينية المواطنين على التقدم للاختبار، قال بعض المسئولين الحكوميين في أماكن أخرى إنهم سوف يجبرون السكان على الخضوع للاختبارات الجماعية، غير أن الخبراء قالوا إن سوء معاملة المحتجزين في الحجر الصحي من شأنه إحباط الناس عن الإبلاغ عن أعراض الإصابة أو التطوع للاختبار.
وقال مواطنون آخرون، من أمثال أوشوغو التي عادت إلى بلادها في أواخر مارس (آذار) الماضي، إن مشكلاتهم قد بدأت في مطار نيروبي، مع طوابير طويلة من أجل اجتياز حاجز الهجرة في المطار، وازدحم الركاب مع فشل المسئولين في فرض التباعد الاجتماعي. وكان هناك كثير من المسافرين القادمين من الشرق الأوسط من أصحاب المهن الحرفية، مثل المربيات أو السائقين. وقال كثير من المواطنين إن أولئك الذين يمكنهم الدفع كانوا يأخذونهم إلى الفنادق، في حين انتقل الآخرون إلى المرافق الحكومية، حيث قيل لهم إن الإقامة سوف تكون مجانية، على غير الحقيقة.
وقالت أوشوغو إنها، رفقة أكثر من 24 راكباً آخر، كانوا على متن حافلة من دون معدات واقية، وجرى نقلهم أولاً إلى منشأة مكتظة بالمواطنين. وفي حوالي منتصف الليل، وصلوا أخيراً إلى مساكن جامعة كينيا، حيث ساعدهم ضباط إنفاذ القانون -من دون كمامات واقية أو قفازات أو مطهرات للأيادي- على تفريغ حقائبهم وأمتعتهم. وقالت أوشوغو إنه لم يتم تقديم أية إرشادات أو تعليمات إليهم. ومن ثم، أخذت مفاتيح غرفتها، وخلدت إلى النوم.
وفي مركز آخر من مراكز الحجر الصحي في نيروبي، جرى إقامته في مستشفى مباغاثي، قال شابو موانغي إن المسئولين وبّخوه بشدة لسفره إلى إيطاليا في منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي. وكان موانغي قد ذهب طواعية إلى مركز الحجر الصحي إثر إصابته بأعراض الإنفلونزا العادية، بعد يوم واحد فقط من وصوله إلى كينيا في مارس (آذار) الماضي. واستطرد موانغي، وهو فنان يبلغ من العمر 35 عاماً، يقول إن الأطباء تركوه لمدة ساعة كاملة داخل سيارته قبل أن يوبخوه. وكان مصدر قلقهم الكبير هو: «لماذا سافرت إلى أوروبا في المقام الأول؟». وانتظر موانغي لمدة 3 أيام حتى وصول نتائج الاختبار، وقال إنه مكث في الغرفة نفسها مع 9 رجال آخرين كانوا يختلطون بحرية كاملة، ويتبادلون شواحن الهواتف المحمولة بعضهم من بعض. وقال أيضاً إن الأطباء لم يصرفوا له دواء. وعلى الرغم من أن نتيجة اختباره جاءت سلبية، كانت النتيجة لأحد مواطني بوروندي في الغرفة إيجابية نفسها، كما قال.
من جهته، كان إيكو دايدا، عازف الموسيقى، من بين مئات الأشخاص الذين احتجزوا قيد الحجر الصحي لانتهاك حظر التجوال في المساء. وقال إنه قد ألقي القبض عليه في أثناء شرائه دواء لزوجته المريضة. وبعد قضائه ليلة كاملة في السجن، مع 3 أيام في الحجر الصحي، أطلقت السلطات سراحه بعد حالة من الصخب العام.
وقال جورج كيغورو، المدير التنفيذي للجنة حقوق الإنسان الكينية، وهي منظمة غير حكومية: «لا يمكن أن يكون الحجر الصحي هو الرد المباشر على المواطنين الذين يخالفون حظر التجوال، لأن ذلك يعرضهم لاحتمال الإصابة بالمرض، وهو الشيء نفسه الذي نحاول جميعاً مكافحته».
ومع دخول مزيد من المواطنين إلى مراكز الحجر الصحي التي جرى إقامتها في مساكن المدارس الثانوية، وغيرها من المباني الحكومية الأخرى، ارتفعت أصوات الرفض في البلاد. ونشر المواطنون صوراً ومقاطع للفيديو على مختلف منصات التواصل الاجتماعي لدورات المياه غير النظيفة داخل المراكز المزدحمة بالمقيمين، حيث شوهد بعضهم ينامون على الأرض على فُرُش رديئة. لكن حتى الأشخاص المحتجزين في الفنادق زعموا أنهم يُحرمون من الطعام، نظراً لأنهم لم يسددوا الرسوم المطلوبة، واشتكى نزلاء آخرون من نفاد الأدوية اللازمة.
وكانت «شبكة القضايا القانونية والأخلاقية في كينيا»، وهي منظمة محلية غير حكومية، مع معهد «كاتيبا» غير الهادف للربح، رفقة 7 مواطنين آخرين يقولون إنهم احتجزوا قيد الحجر الصحي، قد رفعوا دعوى قضائية ضد الحكومة الكينية بسبب انتهاك حقوق الإنسان حيال أولئك المحتجزين في الحجر الصحي الإلزامي. وبعد مرور 3 أسابيع من إقامتها في مسكن جامعة كينياتا، قالت أوشوغو إنها باتت تعاني من نوبات توتر متكررة. وعندما عرض المسؤولون على المواطنين المحتجزين في الحجر الصحي الفواتير التي تبلغ مئات الدولارات في بعض الأحيان، مع المطالبة بالسداد قبل أن يسمحوا لهم بالمغادرة، قام المواطنون المحتجزون قيد الحجر الصحي الإلزامي في مساكن جامعة كينياتا بتنظيم احتجاجات عامة.
وينص القانون في كينيا، كما أفاد كيغورو، من لجنة حقوق الإنسان الكينية، على أن احتجاز المواطن قيد الحجر الصحي الإلزامي لا بد أن يشمل وجود طبيب معالج وقاضٍ. وأما بالنسبة إلى تكاليف العزل الصحي، فلا بد أن تتحملها الدولة بالكامل، بموجب أحكام القانون. وأضاف كيغورو حول القرارات الأخيرة التي أجبرت المواطنين الكينيين الفقراء على سداد مبالغ مالية طائلة تفوق قدرتهم: «لدى الحكومة الكينية قانون واضح. ولقد نحّته جانباً خلال الأزمة الراهنة، ولا يمكننا معرفة من أين تنبع سلطاتهم وصلاحياتهم الحالية».
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

مجموعات موالية لإيران تستخدم الذكاء الاصطناعي لمحاولة التحكم بسردية الحرب

رسم متحرك تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي من قبل استوديو موالٍ لإيران، يصور رجلاً إيرانياً يشوي أربع طائرات أميركية مثل الكباب... يظهر الرسم على شاشة كمبيوتر في بروكسل - 8 أبريل 2026 (أ.ب)
رسم متحرك تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي من قبل استوديو موالٍ لإيران، يصور رجلاً إيرانياً يشوي أربع طائرات أميركية مثل الكباب... يظهر الرسم على شاشة كمبيوتر في بروكسل - 8 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

مجموعات موالية لإيران تستخدم الذكاء الاصطناعي لمحاولة التحكم بسردية الحرب

رسم متحرك تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي من قبل استوديو موالٍ لإيران، يصور رجلاً إيرانياً يشوي أربع طائرات أميركية مثل الكباب... يظهر الرسم على شاشة كمبيوتر في بروكسل - 8 أبريل 2026 (أ.ب)
رسم متحرك تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي من قبل استوديو موالٍ لإيران، يصور رجلاً إيرانياً يشوي أربع طائرات أميركية مثل الكباب... يظهر الرسم على شاشة كمبيوتر في بروكسل - 8 أبريل 2026 (أ.ب)

استخدمت مجموعات موالية لإيران تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنشاء «ميمز» (صور ساخرة) رقمية متقنة باللغة الإنجليزية، في محاولة لتشكيل السردية خلال الحرب ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، وتعزيز المعارضة لها، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

ويقول محللون إن هذه «الميمز» تبدو صادرة عن مجموعات مرتبطة بالحكومة في طهران، وتشكل جزءاً من استراتيجية تعتمد على توظيف الموارد المحدودة لإلحاق الضرر بالولايات المتحدة، حتى بشكل غير مباشر. ويشمل ذلك أيضاً كيفية استخدام إيران للهجمات والتهديدات للسيطرة على تدفق الملاحة عبر مضيق هرمز. وكان إعلان وقف إطلاق النار يوم الأربعاء قد أثار آمالاً بوقف الأعمال العدائية، إلا أن العديد من القضايا بقيت من دون حل.

وقال نيل لافي - درايفر، الباحث في الذكاء الاصطناعي بجامعة كامبريدج البريطانية: «هذه حرب دعائية بالنسبة لهم»، في إشارة إلى إيران. وأضاف: «هدفهم هو زرع قدر كافٍ من السخط تجاه الصراع، بما يؤدي في نهاية المطاف إلى إجبار الغرب على التراجع، ولذلك فإن الأمر بالغ الأهمية بالنسبة إليهم».

"ميمز" تتقن الثقافة الأميركية وتستهدف ترمب

ليست هذه المرة الأولى التي تُستخدم فيها «الميمز» في النزاعات، لكنها تطورت في السنوات الأخيرة لتشمل صوراً مولّدة بالذكاء الاصطناعي، فقد أغرقت هذه الصور الأوكرانيين بعد الغزو الروسي عام 2022. وفي العام الماضي، شاع مصطلح «AI slop» لوصف سيل الصور غير المتقنة المنشورة على الإنترنت خلال الحرب بين إسرائيل وإيران، في محاولة لتقويض البرنامج النووي لطهران.

وفي النزاع الذي بدا في 28 فبراير (شباط) بضربات مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، استخدمت «الميمز» رسوماً كرتونية متقنة تسخر من المسؤولين الأميركيين.

وتتميّز هذه «الميمز» بإتقانها ليس فقط للغة الإنجليزية، بل أيضاً للثقافة الأميركية وأسلوب «التصيّد». وقد نُشرت عبر منصات اجتماعية مختلفة، وحققت ملايين المشاهدات، رغم عدم وضوح مدى تأثيرها الفعلي.

وقد صوّرت هذه «الميمز» الرئيس الأميركي دونالد ترمب كشخص مسن، غير مواكب للتطورات، ومعزول دولياً. كما أشارت إلى كدمات في ظهر يده اليمنى أثارت تكهنات بشأن حالته الصحية، وإلى الخلافات داخل قاعدة «ماغا» المؤيدة له، إضافة إلى جلسة تثبيت وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث المثيرة للجدل العام الماضي، من بين أمور أخرى.

وقالت نانسي سنو، الباحثة التي ألّفت أكثر من عشرة كتب حول الدعاية: «إنهم (المجموعات الموالية لإيران) يستخدمون الثقافة الشعبية ضد الدولة الأولى في هذا المجال، أي الولايات المتحدة».

وتشمل الصور المتداولة سلسلة تستخدم أسلوب أفلام الرسوم المتحركة «ليغو». وفي أحدها، يظهر قائد عسكري إيراني وهو يؤدي مقطع «راب» يقول فيه: «ظننت أنك تحكم العالم جالساً على عرشك، والآن نحول كل قاعدة (عسكرية) إلى سرير من حجر»، بينما يسقط ترمب في موقع دائري مصنوع من «ملفات إبستين»، في إشارة إلى سجلات التحقيق الأميركية بشأن رجل الأعمال المدان جيفري إبستين.

تعاون محتمل مع جهات حكومية

ويرى محللون أن المجموعات التي تنتج هذه «الميمز» تتعاون مع الحكومة الإيرانية. وقالت مهسا عليمرداني، مديرة في منظمة «ويتنس» المعنية بحقوق الإنسان وأدلة الفيديو المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، إن هذه الرسوم المتحركة تُظهر مستوى من التعقيد وإمكانية الوصول إلى الإنترنت يشيران إلى صلات بمؤسسات رسمية.

وأضافت: «إذا كنت قادراً على توفير النطاق الترددي اللازم لإنتاج مثل هذا المحتوى وتحميله، فأنت تتعاون بشكل رسمي أو غير رسمي مع النظام (الإيراني)»، مشيرة إلى القيود الشديدة التي فرضتها إيران على الإنترنت، ضمن حملة قمع احتجاجات واسعة هذا العام.

وقد أعادت وسائل الإعلام الرسمية نشر بعض هذه «الميمز»، بما في ذلك مقاطع من الحساب الذي يقف وراء فيديوهات «ليغو»، واسمه «Akhbar Enfejari»، أي «أخبار مثيرة».

ووصف هذا الحساب نفسه بأنه لمجموعة من الإيرانيين ينتجون وينشرون المحتوى من داخل إيران، بهدف كسر هيمنة الغرب المستمرة منذ عقود على المجال الإعلامي.

وقال القائمون على الحساب لوكالة «أسوشييتد برس» عبر تطبيق «تلغرام»: «لقد هيمنوا طويلاً على المشهد الإعلامي، ومن خلال تلك القوة فرضوا رواياتهم على العديد من الدول. لكن هذه المرة، يبدو الأمر مختلفاً. لقد عطّلنا قواعد اللعبة. هذه المرة، نحن نفعل ذلك بشكل أفضل».

وبعد إعلان وقف إطلاق النار، نشر الحساب: «إيران انتصرت! لقد أُظهر للعالم طريق سحق الإمبريالية. ترمب استسلم».

رسائل مضادة محدودة من أميركا وإسرائيل

إلى جانب «الميمز» الصادرة عن مجموعات موالية لإيران، نشرت حسابات حكومية إيرانية محتوى ساخراً يستهدف الولايات المتحدة، من بينها منشور لسفارة إيران في جنوب أفريقيا جاء فيه: «قولوا مرحباً بالقوة العظمى الجديدة في العالم»، مرفقاً بصورة للعلم الإيراني. وقد أعلنت كل من الولايات المتحدة وإيران النصر بعد الاتفاق على وقف إطلاق النار.

ويرى محللون أن الفهم العميق للسياسة والثقافة الأميركيتين يعود إلى أساليب دعائية تقليدية أقدم، تمثلت في برنامج حكومي إيراني استمر لعقود لترويج روايات معارضة للولايات المتحدة وإسرائيل.

وقالت عليمرداني: «هذه حرب (الميمز) تنطلق من مؤسسات تدرك جيداً ما يعرفه الجمهور الأميركي، وتفهم الإشارات الثقافية الشعبية التي يمكن أن تؤثر فيه».

في المقابل، لا يبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل تخوضان حملة مماثلة، وفقاً للمحللين. ومع القيود التي تفرضها إيران على الإنترنت، فإن إيصال مثل هذه الرسائل إلى الإيرانيين العاديين يبقى أمراً صعباً.

وفي وقت مبكر من الحرب، نشر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مقطع فيديو استخدم فيه الذكاء الاصطناعي ليبدو وكأنه يتحدث بالفارسية، داعياً الإيرانيين إلى الإطاحة بحكومتهم. كما نشر البيت الأبيض سلسلة من «الميمز» الموجهة للجمهور الأميركي، تضمنت مقاطع من برامج تلفزيونية وأحداث رياضية.

ولا تزال إذاعة «صوت أميركا»، التي تديرها الحكومة الأميركية، تبث باللغة الفارسية، رغم أنها تعمل بطاقم محدود منذ أن أمر ترمب بإغلاقها.


البيت الأبيض: ترمب سيواصل مناقشة ملف لبنان مع نتنياهو

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
TT

البيت الأبيض: ترمب سيواصل مناقشة ملف لبنان مع نتنياهو

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض ‌كارولاين ‌ليفيت للصحافيين، ‌الأربعاء، ⁠أن الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب سيوفد فريق التفاوض ⁠مع ‌إيران، ‌بقيادة نائبه ‌جي دي فانس، إلى باكستان ‌لإجراء محادثات، مضيفة أن ⁠الجولة الأولى ⁠من المفاوضات ستعقد يوم السبت، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفي أعقاب وقف إطلاق النار المتفق عليه في الصراع الإيراني، قال ترمب إنه يريد أن تجري واشنطن مفاوضات مباشرة مع طهران في المستقبل القريب. ونقلت صحيفة «نيويورك بوست» عنه قوله، في مقابلة هاتفية أجريت الأربعاء: «سوف يحدث ذلك قريباً جداً».

وأوضح ترمب أنه من الجانب الأميركي سيشارك جاريد كوشنر صهره، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، بالإضافة إلى نائب الرئيس جي دي فانس على الأرجح.

وكان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قد دعا في وقت سابق وفوداً من الولايات المتحدة وإيران إلى إسلام آباد يوم الجمعة لإجراء مزيد من المحادثات، حيث سيناقشون اتفاقاً نهائياً لحل الصراع.

وتقول مصادر باكستانية إن ممثلين عن تركيا ومصر يمكن أن يشاركوا أيضاً في المحادثات. وكانت هذه الدول قد تشاورت في وقت سابق بشأن كيفية خفض التصعيد.

كما قالت ليفيت إن ترمب ⁠يعتقد أن حلف ⁠شمال ‌الأطلسي «تعرض للاختبار ‌وفشل» ​خلال حرب ‌إيران، ‌إذ نقلت عنه ‌تصريحاً مباشراً قبل اجتماعه ⁠مع ⁠الأمين العام للحلف مارك روته في البيت الأبيض.

لبنان واتفاق وقف إطلاق النار

فيما يخص الملف اللبناني، أوضحت المتحدثة باسم البيت الأبيض أن الرئيس ترمب سيواصل مناقشة الوضع في لبنان مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، رغم أن لبنان غير مشمول باتفاق وقف إطلاق النار مع إيران، وتعرض اليوم لقصف إسرائيلي كثيف غير مسبوق منذ بدء الحرب.

وقالت كارولاين ليفيت خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض إن لبنان سيبقى موضع نقاش «بين الرئيس (ترمب) وبنيامين نتنياهو، وبين الولايات المتحدة وإسرائيل، وكذلك مع جميع الأطراف المعنية». وأضافت: «لكن في هذه المرحلة، لبنان غير مشمول باتفاق وقف إطلاق النار».

ووصفت وزارة الخارجية الإسرائيلية الهجمات الواسعة على أهداف تابعة لـ«حزب الله» بأنها ضرورة، ووجهت انتقادات حادة للحكومة اللبنانية اليوم.

وقالت وزارة الخارجية الإسرائيلية إن الحكومة اللبنانية لا تشعر بأي خجل من «مهاجمة إسرائيل التي قامت بما كان ينبغي على الحكومة اللبنانية نفسها القيام به: وهو اتخاذ إجراءات ضد (حزب الله)».

ورغم وقف إطلاق النار في الحرب مع إيران، شن سلاح الجو الإسرائيلي هجوماً واسعاً مفاجئاً على أهداف داخل لبنان.

وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية مقتل العشرات وإصابة المئات.

الضغط لمعاودة فتح مضيق هرمز دون رسوم

أشارت ​ليفيت اليوم أيضاً إلى أن ترمب يرغب في فتح مضيق هرمز أمام ناقلات النفط وغيرها من السفن دون أي قيود، بما في ذلك رسوم ‌المرور.

وأضافت: «الأولوية العاجلة ‌للرئيس هي ​معاودة ‌فتح ⁠المضيق ​دون أي قيود، ⁠سواء كانت رسوم مرور أو غيرها».

وأردفت للصحافيين أن الولايات المتحدة شهدت زيادة في حركة الملاحة في مضيق هرمز الأربعاء.

وامتنعت ليفيت ⁠عن الرد على سؤال ‌عن ‌الجهة التي تسيطر حالياً على ​المضيق.

ومضيق هرمز ‌أحد أهم الممرات البحرية ‌ذات الأهمية الاستراتيجية في العالم، إذ يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط الخام والغاز ‌الطبيعي المسال المنقولة بحراً في العالم.

وفي خضم مفاوضات ⁠وقف ⁠إطلاق النار مع الولايات المتحدة وإسرائيل، سعت طهران إلى إضفاء الطابع الرسمي على سيطرتها على المضيق من خلال اقتراح فرض رسوم أو ضرائب على السفن العابرة له، وقد أشار ترمب اليوم إلى إمكان قيام الولايات ​المتحدة وإيران بتحصيل ​هذه الرسوم في مشروع مشترك.

كما عقدت الولايات المتحدة محادثات عالية المستوى مع الصين بشأن إيران، حسبما أعلن البيت الأبيض.

وقالت الناطقة باسم البيت الأبيض: «فيما يتعلّق بالصين، جرت محادثات على أعلى مستوى بين حكومتنا والحكومة الصينية».


مجلس الأمن يصوت اليوم على مشروع قرار مخفف بشأن «هرمز»

امرأة تحمل العلم الإيراني تقف بالقرب من لوحة إعلانية كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب بطهران (أ.ف.ب)
امرأة تحمل العلم الإيراني تقف بالقرب من لوحة إعلانية كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب بطهران (أ.ف.ب)
TT

مجلس الأمن يصوت اليوم على مشروع قرار مخفف بشأن «هرمز»

امرأة تحمل العلم الإيراني تقف بالقرب من لوحة إعلانية كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب بطهران (أ.ف.ب)
امرأة تحمل العلم الإيراني تقف بالقرب من لوحة إعلانية كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب بطهران (أ.ف.ب)

حدد مجلس الأمن الدولي جلسة تصويت اليوم الثلاثاء على مشروع قرار يهدف إلى إعادة فتح مضيق هرمز، بعدما جرى تخفيف صياغته للمرة الثانية، بسبب معارضة روسيا، والصين.

وكان مشروع القرار الأصلي، الذي قدمته البحرين، يمنح الدول تفويضاً باستخدام «جميع الوسائل اللازمة»، وهي عبارة تستخدمها الأمم المتحدة، ويمكن أن تشمل العمل العسكري، لضمان المرور عبر هذا الممر المائي الحيوي، وردع أي محاولات لإغلاقه، وفقاً لما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس».

لكن النسخة السادسة من النص، التي سيجري التصويت عليها، تكتفي بـ«تشجيع قوي» للدول التي تستخدم مضيق هرمز على تنسيق جهودها الدفاعية للمساهمة في ضمان الملاحة الآمنة في المضيق.

ويشير النص إلى أن ذلك ينبغي أن يشمل مرافقة السفن التجارية، وسفن الشحن، وردع أي محاولات لإغلاق أو عرقلة أو التدخل في الملاحة الدولية عبر المضيق.

ومن المقرر أن يجري التصويت الساعة 11 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، أي قبل ساعات من المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب عند الساعة الثامنة مساء، مطالباً إيران بفتح الممر الاستراتيجي الذي يمر عبره عادة خُمس نفط العالم، وإلا ستواجه هجمات على محطات الكهرباء، والجسور.

وارتفعت أسعار النفط منذ أن هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران في نهاية فبراير (شباط)، مما أدى إلى اندلاع صراع مستمر منذ أكثر من خمسة أسابيع، ودفع طهران إلى إغلاق المضيق، ‌الذي يعد شرياناً حيوياً ‌لإمدادات الطاقة، بشكل شبه كامل.

وشملت جهود بذلتها ​البحرين، ‌التي ⁠تترأس ​حالياً المجلس ⁠المكون من 15 عضواً، للتوصل إلى قرار العديد من المسودات، بهدف التغلب على معارضة الصين، وروسيا، ودول أخرى. وتخلت أحدث صيغة، والتي اطلعت عليها «رويترز»، عن أي تفويض صريح باستخدام القوة، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وبدلاً من ذلك، فإن النص «يشجع بشدة الدول المهتمة باستخدام الطرق البحرية التجارية في مضيق هرمز على تنسيق الجهود، ذات الطابع الدفاعي، بما يتناسب مع الظروف، للمساهمة في ضمان سلامة وأمن الملاحة عبر مضيق هرمز».

ويقول النص إن هذه ⁠المساهمات يمكن أن تشمل «مرافقة السفن التجارية»، ويؤيد الجهود الرامية «لردع محاولات ‌إغلاق مضيق هرمز، أو عرقلة الملاحة الدولية ‌عبره، أو التدخل فيها بأي شكل آخر».

وقال دبلوماسيون ​إن النسخة المخففة تحظى بفرصة أفضل ‌لإقرارها، لكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت ستنجح. فهي ‌تتطلب ما لا يقل عن تسعة أصوات مؤيدة، وعدم استخدام حق النقض من قبل أي من الأعضاء الخمسة الدائمين، بريطانيا، والصين، وفرنسا، وروسيا، والولايات المتحدة.

ويوم الخميس الماضي، عارضت الصين قراراً يجيز استخدام القوة، قائلة إن ذلك سيمثل «إضفاء للشرعية على الاستخدام غير القانوني والعشوائي للقوة، الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى مزيد من التصعيد في الوضع، وإلى عواقب وخيمة».

وقالت إيران أمس الاثنين إنها تريد نهاية دائمة للحرب، ورفضت الضغوط الرامية إلى إعادة فتح المضيق، في حين حذر الرئيس الأميركي من أن إيران قد «تُمحى» في حالة انقضاء المهلة التي حددها مساء اليوم الثلاثاء دون التوصل إلى اتفاق.

وقال وزير الخارجية الصيني وانغ يي يوم الأحد بعد محادثات مع نظيره الروسي إن بكين مستعدة لمواصلة التعاون مع موسكو في مجلس الأمن، وبذل جهود لتهدئة الوضع في الشرق الأوسط. وأضاف وانغ ​أن السبيل الأساسي للتعامل مع ​مشكلات الملاحة في مضيق هرمز يتمثل في التوصل إلى وقف لإطلاق النار في أسرع وقت ممكن. والصين هي أكبر مشترٍ في العالم للنفط الذي يمر عبر المضيق.