أنتيتش... مسيرة حافلة بالنجاح بدأت مع لوتون تاون

المدير الفني الوحيد الذي تولى قيادة عمالقة الكرة الإسبانية ريال مدريد وبرشلونة وأتلتيكو

أنتيتش (يسار) ورئيس أتليتكو جيل يحتفلان بحصد النادي لقب الدوري الإسباني عام 1996 (أ.ب)
أنتيتش (يسار) ورئيس أتليتكو جيل يحتفلان بحصد النادي لقب الدوري الإسباني عام 1996 (أ.ب)
TT

أنتيتش... مسيرة حافلة بالنجاح بدأت مع لوتون تاون

أنتيتش (يسار) ورئيس أتليتكو جيل يحتفلان بحصد النادي لقب الدوري الإسباني عام 1996 (أ.ب)
أنتيتش (يسار) ورئيس أتليتكو جيل يحتفلان بحصد النادي لقب الدوري الإسباني عام 1996 (أ.ب)

رسم اللاعب المدير الفني السابق رادومير أنتيتش البسمة على وجوه كثيرين، من بينهم المدير الفني الإنجليزي ديفيد بليت، حيث أحرز أنتيتش الذي ولد لأبوين من البوسنة عام 1948، وتوفي في بداية الشهر الماضي عن عمر يناهز 71 عاماً، الهدف القاتل الذي أنقذ نادي لوتون تاون من الهبوط من الدوري الإنجليزي الممتاز في مايو (أيار) عام 1983، بعدما قاد الفريق بنفسه للترقي في الموسم السابق. وأحرز أنتيتش هذا الهدف القاتل بعد نزوله لأرض الملعب بعشر دقائق، وهو الهدف الذي جعل المدير الفني للفريق يقفز خارج حدود الملعب مثل الكنغر.
ولم تُمح هذه الصورة من ذاكرة عشاق النادي، ولا من ذاكرة أنتيتش نفسه الذي ظل يعيد تشغيل هذه اللقطة لأولئك الذين لم يروها. وفي إسبانيا التي عمل بها في مجال التدريب لمدة 16 عاماً، وبنى فيها منزلاً يقيم فيه، لم يشاهد كثيرون هذه اللقطة الاستثنائية. ولاعباً، فاز أنتيتش بلقب الدوري في تركيا ويوغوسلافيا السابقة، ولعب مع نادي ريال سرقسطة، لكنه كان دائماً ما يعود لمدينة مانشستر. وعندما سأله خافيير كاسيريس، من صحيفة «سودويتشه تسايتونغ» الألمانية، عن أهم أهدافه والهدف الذي لا يزال يتذكره، أشار أنتيتش إلى الهدف الذي أحرزه مع نادي فناربخشة التركي بضربة رأس قوية.
لقد تعلم أنتيتش كثيراً مع نادي لوتون تاون، كما يؤكد هو شخصياً، كما تعلم كثيراً من بليت. ونظراً لأن أنتيتش متحدث لبق للغاية، فقد ساعده ذلك على العمل في إنجلترا بسرعة، وفي كرة القدم بسرعة أكبر. ودائماً ما كان أنتيتش يؤكد أنه يعشق كرة القدم، وأن عطلة نهاية الأسبوع التي لم يشاهد فيها 20 مباراة لا تحتسب عطلة. ويبدو أن أنتيتش كان محقاً تماماً في ذلك، حيث مات في فترة لا تقام فيها أي مباريات بسبب توقف النشاط الرياضي نتيجة تفشي وباء كورونا!
وعندما أصبح أنتيتش مديراً فنياً لنادي ريال سرقسطة الإسباني، بعد أربع سنوات من الرحيل عن لوتون تاون، جلب إلى إسبانيا كثيراً من الأشياء التي تعلمها في إنجلترا. ولكن أنتيتش أضاف: «في يوغوسلافيا، كانت الرياضة دائماً رمزاً للشخصية والهوية. الطريقة التي تلعب بها يجب أن تتناسب مع ثقافة الأشخاص الذين تمثلهم، ويتعين عليك أن تدخل قلوبهم».
وتذكر أنتيتش اليوم الذي بدأ فيه ريال مدريد المفاوضات معه، في مطعم يسمى «جوكي»، حيث كان رئيس ريال مدريد في ذلك الوقت، رامون ميندوزا، يحب دائماً أن يكون محور اهتمام الجميع. يقول أنتيتش إن ميندوزا قال له: «على هذه الطاولة، لا أحد يرفض عروضي». لكن أنتيتش رد قائلاً: «إذن، هذا يعني أنه لم يجلس أمامك أي صربي من قبل». في الحقيقة، كان ريال مدريد يريد من أنتيتش أن يتولى منصب المدير الرياضي للنادي، لكنه كان مصراً على تولي منصب المدير الفني للفريق، وهو الأمر الذي نجح فيه. وكان أنتيتش في ذلك الوقت في الثالثة والأربعين من عمره.
وكانت نشأة أنتيتش قاسية للغاية، لكنه كان فخوراً بها، وهو يعرف نفسه بأنه اشتراكي. وقد لعب أنتيتش الشطرنج وكرة السلة وتنس الطاولة والملاكمة، لكنه كان أفضل في كرة القدم.
وعندما نشرت صورته في الصحف لأول مرة، قام بشراء الصحيفة وأحضرها إلى المنزل. ويتذكر أنتيتش أن والدته قالت له آنذاك: «لقد قطعت شوطاً طويلاً، والآن يتعين على الجميع أن يحترمك». وبعد ذلك، ظهرت صورته في كثير من الصحف الأخرى التي كان يحتفظ بكثير منها. كما تولى أنتيتش قيادة منتخب صربيا، وعمل في ثمانية أندية في خمسة بلدان مختلفة.
وخلال مسيرته مديراً فنياً، لم يفز أنتيتش إلا ببطولتين فقط، وكانتا في عام واحد لا ينسى، كما هبط للدوري الأدنى مرتين على التوالي. ومن المعروف أنه أقيل من تدريب ريال مدريد بعد مرور 19 جولة من الموسم، رغم أن النادي الملكي كان يتصدر جدول ترتيب الدوري الإسباني الممتاز، بفارق سبع نقاط عن أقرب منافسيه. وزعم ميندوزا أن السبب في إقالة أنتيتش يعود إلى أن الفريق لا يقدم كرة قدم ممتعة. وتولى أنتيتش قيادة برشلونة عندما كان يعاني من أزمة كبيرة في عام 2003، لكن انتخابات النادي عقدت بعد ذلك، وسرعان ما رحل عن النادي. يقول أنتيتش عن تلك التجربة: «لقد قضيت هناك ستة أشهر، لكنني أشعر أنها كانت ست سنوات».
وبين هاتين التجربتين، تولى المدير الفني الصربي قيادة نادي أتلتيكو مدريد، ليكون بذلك المدير الفني الوحيد الذي يتولى قيادة أكبر ثلاثة أندية في الدوري الإسباني الممتاز. يقول المدير الفني الصربي: «اخترت العمل في أتلتيكو مدريد لأنه كان النادي الأصعب في العالم، وأردت أن أثبت نفسي هناك. لقد حققت نجاحاً كبيراً مع هذا النادي الذي يشعر بالغرور والغطرسة. من المعروف أن أتلتيكو مدريد يمثل الأشخاص الذين يعانون من أجل الوصول إلى نهاية الشهر والحصول على رواتبهم، لكنهم لا يعترفون بأنهم أقل من أي شخص! وهذا هو ما فعلناه: لقد كنا نبحث عن مزيد ومزيد من النجاحات، وتمردنا على أوضاعنا المتواضعة».
وكان أنتيتش يريد الاستعانة بالمدرب الإنجليزي مايكل روبنسون لكي يعمل مساعداً له، لكنه لم ينجح في تحقيق هذه الرغبة. غير أنه نجح في تحقيق أمنيته بالتعاقد مع مواطنه ميلينكو بانتيتش، لكن بعد أن وعد رئيس النادي، خيسوس جيل، بأنه سيدفع نصف راتبه إذا فشلت هذه الصفقة. بيد أن هذه الصفقة حققت نجاحاً كبيراً، وحتى الآن يتم وضع الزهور في زاوية معينة داخل النادي تكريماً لما حققه الفريق في ذلك الوقت، وحصوله على لقب الدوري الإسباني الممتاز، حيث أنهى أتلتيكو مدريد 19 عاماً من دون الحصول على لقب الدوري، ونجح أنتيتش في قيادة النادي في عام 1996 للحصول على الثنائية المحلية، لأول مرة في تاريخ النادي.
ووصف بانتيتش أنتيتش بأنه «والده»، وهو الأمر الذي كان يشعر به كثيرون من عشاق النادي. في الحقيقة، من المستحيل أن نصف حجم الإنجاز الذي حققه الفريق في ذلك الموسم، أو كيف كان هذا الإنجاز غير متوقع على الإطلاق. وفي السنوات الثماني التي سبقت وصول أنتيتش، تولى قيادة أتلتيكو مدريد 30 مديراً فنياً مختلفاً، لكن أنتيتش استمر في قيادة الفريق ثلاث سنوات، وخرج خلالها من دوري أبطال أوروبا في عام 1997 بشكل سيئ الحظ لم يستطع تحمله، قبل أن يرحل في نهاية المطاف في عام 1998.
وعاد المدير الفني الصربي لتولي قيادة أتلتيكو مدريد في ولايتين منفصلتين، في عام 1999 ثم في عام 2000، لكنه لم يحقق الإنجاز نفسه الذي حققه في عام 1996. ولا توجد أي تجربة أخرى تقارن بتجربته مع أتلتيكو مدريد، ربما باستثناء الفترة التي قضاها مع لوتون تاون. وقال أنتيتش عندما رحل عن أتلتيكو مدريد للمرة الأولى: «أنا أبكي من الداخل». وفي بداية الشهر الماضي، رحل المدير الفني الصربي إلى الأبد، وللمرة الأخيرة.


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.