جثث ضحايا «كورونا» مكدسة في حمامات مستشفيات بالإكوادور

عمال ينتظرون مع تابوت خارج مستشفى لوس سييبوس بالإكوادور (رويترز)
عمال ينتظرون مع تابوت خارج مستشفى لوس سييبوس بالإكوادور (رويترز)
TT

جثث ضحايا «كورونا» مكدسة في حمامات مستشفيات بالإكوادور

عمال ينتظرون مع تابوت خارج مستشفى لوس سييبوس بالإكوادور (رويترز)
عمال ينتظرون مع تابوت خارج مستشفى لوس سييبوس بالإكوادور (رويترز)

يكشف عاملون صحيون في الخطوط الأمامية لمحاربة فيروس «كورونا» في مدينة غواياكيل الإكوادورية التي تعاني من انهيار في نظامها الصحي، عن الأهوال اليومية التي يواجهونها، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.
في أحد مستشفيات غواياكيل المثقلة بمرضى «كوفيد 19»، اضطر الموظفون لتكديس الجثث في الحمامات؛ لأن المشارح امتلأت بها، كما يقول العاملون في مجال الصحة.
وفي مستشفى آخر، قال ممرض لوكالة الصحافة الفرنسية، إن الأطباء أجبروا على لف الجثث وتخزينها، حتى يتمكنوا من إعادة استخدام الأسرَّة.
وسجلت الإكوادور ما يقرب من 23 ألف إصابة بفيروس «كورونا» وحوالى 600 وفاة، وكانت غواياكيل أكثر مدنها تضرراً.
وقال ممرض يبلغ من العمر 35 عاماً في المستشفى الأول متحدثاً بشرط عدم الكشف عن هويته، إن ما رآه أثَّر عليه بشكل مهني وشخصي. وأضاف أنه عندما بدأت حالة الطوارئ الصحية في مارس (آذار)، انتقل كل ممرض من رعاية 15 مريضاً إلى 30 في غضون 24 ساعة فقط. وتابع: «وصل كثير من الناس... كانوا يموتون بين أيدينا». وصرح بأن المرضى الآخرين أخرجوا من المستشفى أو نقلوا إلى منشآت أخرى «لتحرير كل هذه الأسرَّة» لمرضى فيروس «كورونا»، مضيفاً: «أخرجوا آلات التخدير من غرف العمليات لاستبدالها أجهزة التنفس الصناعي بها». وقال: «المصابون يكونون بمفردهم ويشعرون بالحزن، بينما يتسبب العلاج في تلف في الجهاز الهضمي وبعضهم يتغوطون... يشعرون بالسوء ويعتقدون أنهم سيبقون على هذه الحال، ويرون الشخص المجاور لهم يبدأ يختنق، ويبدأون في الصراخ ليعلموا الممرضين بأنهم في حاجة إلى الأكسجين».
وليست المستشفيات فقط التي أُثقل كاهلها؛ بل المشارح أيضاً.
وروى الممرض: «لم يكن باستطاعة الموظفين في المشرحة تلقي مزيد من الجثث، لذلك كان علينا في كثير من الأحيان لفها وتخزينها في الحمامات».
وأكدت ممرضة أخرى زميلة له تبلغ من العمر 26 عاماً، تلك المشاهد الفوضوية، قائلة: «ألقي كثير من الجثث في الحمامات، وكثير منها ألقي على الأرض، ووضع بعضها على الكراسي».
وانهار نظام غواياكيل الصحي تحت ضغط فيروس «كورونا»، ويبدو أن له آثاراً كارثية.
في النصف الأول من أبريل (نيسان)، سجلت مقاطعة غواياس وعاصمتها غواياكيل 6700 حالة وفاة، أي أكثر من ثلاث أضعاف المتوسط الشهري.
ويشير التفاوت إلى أن عدد الوفيات الحقيقي من «كوفيد 19» أكبر بكثير من العدد الرسمي على الصعيد الوطني الذي يقل عن 600 حالة وفاة.
وأقر الرئيس لينين مورينو بأن المحصلة الرسمية لفيروس «كورونا» في الإكوادور «أقل» من الأرقام الحقيقية.
ورسم طبيب يبلغ من العمر 28 عاماً في مستشفى ثانٍ في غواياكيل، وأصر أيضاً على عدم الكشف عن اسمه، صورة قاتمة مماثلة للخدمات الصحية في خضم هذه الأزمة.
وقال لوكالة الصحافة الفرنسية إن «الجثث كانت في أروقة جناح الطوارئ؛ لأن المشرحة كانت ممتلئة. تُرك الأمر لنا لأخذ الجثة ولفها وتخزينها، حتى نتمكن من تطهير السرير للمريض التالي».
في المستشفى الأول، تم جلب حاويات مبردة لتخزين الجثث، بقي بعضها لمدة تصل إلى 10 أيام. وتابع الممرض البالغ من العمر 35 عاماً بأن بعض أفراد الأسرة كانوا «يحطمون الأغطية... وتخرج السوائل. إنها كارثة صحية».
وانخفض عدد الوفيات اليومية الأسبوع الماضي؛ لكن ذلك كان تعزية ضئيلة لهذا الممرض الذي يقول إنه يتعذب بسبب ما مر به.
وعندما يعود إلى المنزل، بعد مناوبة 24 ساعة، يشعر بألم في قدميه ويحاول الحصول على بعض الراحة؛ لكن معاناته تبدأ مع «الكوابيس». يحلم بأنه يركض حتى يسقط أرضاً «ثم يُفتح باب الحمام وأشاهد الجثث... لا يمكنني بعدها النوم». تغيرت حياته في المنزل أيضاً. فهو يتبع عزلة صارمة، لذلك لا يستطيع رؤية والديه أو شقيقه. عندما يعود إلى المنزل يطهر سيارته وحذاءه، ويطهر نفسه بخرطوم في الفناء قبل غسل ملابسه بالمياه الساخنة. وقال: «أتناول الطعام على طاولة بلاستيك بعيداً عن الجميع. أخرج من المنزل واضعاً القناع، لا أستطيع أن أعانق أي شخص ولا حتى الحيوانات الأليفة». بين الحين والآخر، يفكر في الأثر النفسي الذي خلَّفه اضطراره لربط المرضى بأنابيب، عندما يكون ما يحتاجون إليه هو جهاز تنفس صناعي. وتابع: «يقولون لك: لا بأس زودهم بالأكسجين والمصل واتركهم. لكن ماذا لو كانت أمي؟ ماذا لو كان والدي؟ هذا الأمر يقتلك. يقتلك نفسياً».
وحاولت وكالة الصحافة الفرنسية الحصول على تعليق من السلطات الصحية في غواياكيل؛ لكنها لم تحصل على رد.
وقال مسؤول في هيئة الصحة الوطنية العامة، إنه كان في وحدة طوارئ في غواياكيل؛ حيث كانت تتراكم الجثث. وأضاف: «مشرحة تتسع لثمانية أشخاص متوفين، وعليك أن تتعامل مع 150 جثة، ماذا يمكنك أن تفعل؟ عليك أن تضعها في أي مكان قريب؛ حيث تتوفر لديك بعض المساحة».


مقالات ذات صلة

طبقك قد يؤثر في مرارتك... أطعمة تدعم صحتها وأخرى قد تضرها

صحتك النظام الغذائي ونمط الحياة يمكن أن يؤديا دوراً مهماً في دعم صحة المرارة (بيكسلز)

طبقك قد يؤثر في مرارتك... أطعمة تدعم صحتها وأخرى قد تضرها

تلعب المرارة دوراً أساسياً في عملية الهضم، إذ تخزِّن العصارة الصفراوية التي ينتجها الكبد وتفرغها في الأمعاء للمساعدة على هضم الدهون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك ارتفاع مستوى السكر في الدم يؤدي إلى تغيير الطريقة التي تصفي بها الكلى الفضلات (بيكسلز)

لماذا تزداد احتمالية الإصابة بحصوات الكلى لدى مرضى السكري؟

لا يقتصر تأثير مرض السكري على ارتفاع مستويات السكر في الدم، بل يمكن أن يرتبط أيضاً بزيادة خطر الإصابة ببعض المشكلات الصحية، من بينها حصوات الكلى.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مرض ألزهايمر يعطل عملية إنتاج نوع من الخلايا المناعية في نخاع العظم (بكسلز)

ألزهايمر لا يقتصر على الدماغ... دراسة تكشف دوراً خفياً لنخاع العظم

دراسة جديدة حول ألزهايمر تشير إلى أن جزءاً مهماً من المشكلة قد يبدأ بعيداً عن الدماغ، وتحديداً في نخاع العظم، حيث تتشكل خلايا الجهاز المناعي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك يحتاج معظم البالغين إلى ما بين 600 و800 وحدة دولية من فيتامين «د» يومياً (بكسلز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تسرّع التراجع الإدراكي عند تناولها بلا حاجة

تربط دراسة تناول مكملات فيتامين «د» بتراجع إدراكي أسرع لدى مسنين لديهم مستويات كافية منه، من دون إثبات علاقة سببية مباشرة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك المبيض (الكلور) يسبب حروقاً للجلد إذا كان بتركيز عالٍ (بيكسلز)

دليل الاستخدام الآمن للمبيض: إرشادات مهمة لتجنب المخاطر

يُعدّ المبيض (الكلور) من مواد التنظيف والتعقيم الفعّالة، لكنه في الوقت نفسه مادة قوية قد تسبب أضراراً للجلد والعينين والجهاز التنفسي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ولادة جديدة لـ«وعود من العاصفة» باكورة شراكة مارسيل خليفة ومحمود درويش

مارسيل خليفة (فيسبوك)
مارسيل خليفة (فيسبوك)
TT

ولادة جديدة لـ«وعود من العاصفة» باكورة شراكة مارسيل خليفة ومحمود درويش

مارسيل خليفة (فيسبوك)
مارسيل خليفة (فيسبوك)

بعد خمسين سنة، يعيد مارسيل خليفة تسجيل ألبومه الأول «وعود من العاصفة»؛ وحين تستمع إليه بصوته بعد مرور كل هذا الزمن، بتقلباته المجنونة، وتحولاته الصاخبة، تشعر بأن لا شيء تغير. كأنما الظروف لا تزال نفسها: الظلم، الحزن، الأسى، الخوف من المجهول وصوت مارسيل الصامد في وجه الدهر. الغريب أن مارسيل خليفة مع صعود نجم تيار السلام، في تسعينات القرن الماضي، وفي خضم أوسلو، بدا كأن أغنياته الثورية تجاوزتها الأحداث، ولم تعد لها شعبيتها السابقة. ثم جاءت كل الأحداث الدموية التي قلبت المشهد، ووجد الجمهور من جديد، في أغنيات خليفة ما يتناغم مع مشاعرهم وحيرتهم.

بعد نصف قرن يعود مارسيل خليفة مع وعود من العاصفة (فيسبوك)

لهذا يبدو ألبوم «وعود من العاصفة» في نسخته لعام 2026 طازجاً وحديثاً. هذه المرة الألبوم يصدر بأربع أغنيات بدلاً من خمس، وقد حذفت منه أغنية «جفرا» كلمات الشاعر عز الدين المناصرة، وأبقي على أغنيات أربع كلها قصائد لمحمود درويش. ورغم أن الألبوم أطلق للمرة الأولى عام 1976، بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية مباشرةً، فإن أغنياته لا تزال من بين أعمال خليفة الأكثر شهرة وشعبية على الإطلاق.

فهل هناك من لم يحفظ عن ظهر قلب أغنية «أحن إلى خبز أمي» ويرددها وقد خشع قلبه من الحنين إلى حضن دافئ؟ وهل هناك من لم ينشد مع خليفة أغنية «جواز السفر»، أو يردد كلمات «بين ريتا وعيوني بندقية». أما الأغنية التي يحمل الألبوم اسمها، فقد خبأت بين طياتها الثورة بأبلغ تجلياتها وأكثرها رفعةً ونبلاً في التعبير حيث القسوة، بلا دماء ولا سفك ولا عنف، بل لغة تترفع عن المباشرة لتخاطب الشجر والعيون والأجفان:

وليكن.. «لا بدّ لي أن أرفض الموتَ، وأن أحرق دمع الأغنيات الراعفة وأعرّي شجر الزيتون من كل الغصون الزائفة. فإذا كنت أغني للفرح خلف أجفان العيون الخائفة فلأنّ العاصفة وعدتني بنبيذ... وبأنخاب جديدة وبأقواس قزح».

تحولت كل واحدة من هذه الأغنيات إلى إرث فني تتناقله الأجيال شفاهة بعد أن عزّت القراءة، وجاءت القصائد الممزوجة بموسيقى خليفة وصوته لتجعل كنوز محمود درويش في متناول الجميع، حتى أولئك الذين لا يعنيهم الشعر ولا يعطشون لصفحات الدواوين.

مارسيل خليفة (فيسبوك)

وبمناسبة هذا الإصدار المجدد لألبوم «وعود من العاصفة»، يقوم مارسيل خليفة بجولة فنية أوروبية تبدأ اليوم 25 من سبتمبر (أيلول)، في حفل لندني ومن ثم باريس وبروكسل، وأوسلو وجنيف، ومدن أخرى عديدة، حيث تنتهي الجولة في شهر مايو (أيار) المقبل.

وأعلن مارسيل خليفة عن جولته هذه التي تحمل اسم الألبوم على صفحته في «فيسبوك» قائلاً: «ما الذي تغيّر حتى تنتصر فكرة وَلَدي - الحبيب الذي ألحّ عليّ من سنة لأدخل الاستوديو واسجّل بالأبيض والأسود (وعود العاصفة). وأنا طالع من (جداريّة) حياة درويش التي عصرتني لأكثر من سنتين لكتابة الموسيقى لمائة صفحة شِعر». يصف الجدارية بأنها «ملحمة غنائية أخذت مني الكثير وأعطتني أكثر ثمّ أكثر. وأنتظر الوقت المناسب لتجسيدها على الخشبة».

أما عن ظروف الولادة الجديدة لـ«وعود من العاصفة»، فما حدث أنه بعد القصف الإسرائيلي على لبنان أواخر عام 2024، وجد مارسيل خليفة، الذي كان في جولة فنية، نفسه عالقاً في باريس. تذكر حينها طلب ابنه، الموسيقي بشار مار خليفة، الذي كان يحثه دائماً على إعادة تقديم ألبومه الأول الذي أصبح الآن كلاسيكياً. وفي صباح أحد الأيام، قرع جرس بابه وهو يحمل آلته الموسيقية، وقال: «هل نذهب؟ أنا جاهز للتسجيل».

بهذه المناسبة يتذكر مارسيل خليفة ظروف وصوله الأول إلى باريس عام 76 وولادة ألبومه الأول فيها، ومشاعر الوحدة والقلق، ولقاءات الأصدقاء التي كانت تخفف من شعور الغريب بين محطات المترو.

وقد روى تكراراً مارسيل خليفة كيف أنه مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية اقتلع من بلدته الساحلية «عمشيت» مهجّراً مع عائلته إلى بيروت، وكيف أن هواه الفلسطيني جعله غير مرحّب به حتى في المعهد الموسيقي الوطني. لكن في تلك الفترة المفصلية تحديداً تم إحياء فرقة «الميادين»، وفي تلك الفترة أيضاً عاش مارسيل خليفة معتكفاً في عزلة مفروضة عليه، فلجأ إلى دواوين محمود درويش الذي لم يكن قد التقاه بعد، وأخذ يلحن ما يعجبه من قصائد ويغنيها، إلى أن غادر بالسيارة إلى العاصمة الفرنسية.

في باريس عرض عليه منتج موسيقي تسجيل ألبوم، فما كان منه إلا أن وافق، ووجد تلك الأغاني التي كان يلحنها ويدندنها لقصائد محمود درويش حين كان حبيس البيت في لبنان جاهزة. يومها لقي الألبوم بعنوانه المتوقد «وعود من العاصفة» صدى واسعاً، خصوصاً أنه، بعد إصداره، أقام حفلاً في «مهرجان الإنسانية» الذي ينظم دورياً في باريس ويجتمع له حشد كبير محبي العدالة بين الشعوب.

في كشك للطعام اللبناني ضمن المهرجان، بيع الألبوم، وكان الإقبال عليه كبيراً، بيعت منه 500 نسخة، رغم أن مارسيل كان فناناً شاباً لا يعرفه أحد في ذلك البلد الذي وصل إليه للتو.

محمود درويش ومارسيل خليفة في أمسية مشتركة (وسائل التواصل)

أما صاحب قصائد الألبوم محمود درويش، فلم يكن قد التقاه بعدُ. بعد فترة من بيع الألبوم والتسويق والنجاح، صادف أن حصل اللقاء بين الرجلين، المؤلف والملحن، على عشاء نظّمه أصدقاء مشتركون. عندما عرّف خليفة نفسه للشاعر، قابله بالرد التالي: «أعرف من أنت، ولكن لماذا لم تخبرني حتى أنك تستخدم كلماتي؟». ومنذ تلك اللحظة، نشأت صداقة متينة بين شاعر وملحن سيرسمان معاً مساراً فنياً لن يتكرر.


الإعلانات القديمة تحكي قصة تصاعد ثقافة الاستهلاك في مصر

معرض أزياء لفصل الشتاء في ثلاثينات القرن الماضي (الكتاب)
معرض أزياء لفصل الشتاء في ثلاثينات القرن الماضي (الكتاب)
TT

الإعلانات القديمة تحكي قصة تصاعد ثقافة الاستهلاك في مصر

معرض أزياء لفصل الشتاء في ثلاثينات القرن الماضي (الكتاب)
معرض أزياء لفصل الشتاء في ثلاثينات القرن الماضي (الكتاب)

يتخطى دور الإعلان الترويج لسلعة أو منتج أو مشروع؛ فمع تحليل أبعاده ومفرداته ونماذجه المختلفة، وفق مناهج البحث الحديثة، يمكن أن يصبح الإعلان مؤشراً ودالاً على نمط الحياة والثقافة والوعي السائد، فضلاً عن توثيقه لأنماط الاستهلاك ودلالاته المتعددة.

يرصد الدكتور محمد شومان، أستاذ الإعلام المتخصص في التحليل النقدي للخطاب والحائز جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية هذا العام، الدلالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية التي تتضمنها إعلانات جريدة «الأهرام» القومية على مدى 129 عاماً، في كتابه الأحدث «تحولات الخطاب الإعلاني في مصر: من الاستعمار إلى العولمة 1882 - 2011». الصادر أخيراً عن دار «ليدز» بالقاهرة.

كتاب تحولات الخطاب الإعلاني في مصر (المؤلف)

ووفق ما يؤكده المؤلف «كان الخطاب الإعلاني في مصر منذ الاحتلال البريطاني عام 1882 وحتى (ثورة 25 يناير «كانون الثاني» 2011) نقطة التقاء وصراع بين المعلن والمستهلك، بين الهوية الوطنية ومحاولات التغريب، بين المواطن والسلطة (سلطة الاحتلال والسلطة الوطنية)، بين قيم الرأسمالية الاستهلاكية والعولمة والهوية الثقافية. إنه باختصار ساحة رمزية تتقاطع فيها البنيات السياسية، والدلالات الثقافية، والصراعات الطبقية، والرؤى المستقبلية للأسرة والمجتمع».

يغطي الكتاب 129 سنة تقريباً، وهي فترة طويلة وممتدة وحافلة بالتحولات المجتمعية، يقول الكاتب لـ«الشرق الأوسط»: «جاء اختياري لدراسة الإعلانات الصحافية في صحيفة (الأهرام) منذ الاحتلال البريطاني لمصر وحتى ثورة 25 يناير 2011، لكونها المنتظمة الصدور خلال تلك الفترة، وركزت على النقاط المفصلية أو الانقطاعات التي تعكس وتقدم نماذج للتحول والتغيير، سواء في بنية المجتمع والسياسة أو في الخطاب الإعلاني. وفرض هذا النهج اختيار عينة عشوائية من الإعلانات، التي يسجل كل إعلان منها انقطاعاً أو تحولاً عما سبقه من إعلانات أو أحداث في المجتمع والسياسة المصرية خلال 129 سنة شهدت الحقبة الاستعمارية، والملكية والليبرالية المشوهة في مصر وصولاً إلى ثورة 1952 بنسخها الثلاث في الحكم: الحقبة الناصرية، والحقبة الساداتية، والحقبة المباركية».

الملكة نازلي في زيارة لمصنع زجاج (الكتاب)

ويضيف شومان: «قدمت في الكتاب قراءة نقدية شاملة لتاريخ الانقطاعات والتحولات التي شهدها الإعلان في مصر من نواحي الشكل والمضمون، كما ناقشت التطور والانقطاع والتحول في التصميم والتوزيع البصري والموضوعات والقيم والرموز والدلالات التي يعكسها أو يشير بها، وعلاقة ذلك بتحولات السياسة والاقتصاد والثقافة والهوية والصحافة وصناعة الإعلان نفسها والمجتمع المصري».

وينطلق الكتاب من عدة مناهج تحليلية تخص الباحث، بالإضافة لاعتماده على تحليل الإعلان وفقاً لنموذج فان لوين، وتحليل الإعلان حسب التحليل السيميائي متعدد الوسائط لجاي كووك. ليحقق نظرة شاملة ورؤية تحليلية عميقة لكل أبعاد الإعلان من حيث الشكل والمضمون والعناصر والرموز والإشارات التي يتضمنها، ودورها في فهم تكوين المجتمع الاستهلاكي أو «المواطن الاستهلاكي» الذي يستهدفه الإعلان.

ويرصد الكتاب ويحلل شكل ومضمون الإعلانات في المرحلة الاستعمارية بمصر؛ إذ روجت الإعلانات في تلك الفترة من 1882 إلى 1918 مع نهاية الحرب العالمية الأولى لـ«كوزموبوليتانية استعمارية» تقتصر على المدن الكبرى والنخب، وقدمت المنتجات الغربية والسلع المستوردة «كالآلات الزراعية المستوردة من بريطانيا» و«الكونياك المستورد» و«المجوهرات والألماس المستورد من أميركا» كرموز للحداثة، والمدنية، والمكانة الاجتماعية. فضلاً عن إعلانات عن «قروض لأصحاب الأطيان» يقدمها البنك العقاري المصري. وفي إطار محاولات تغريب الهوية وتهميش الفاعل المحلي، ركز الخطاب الإعلاني على القبعة الغربية والأناقة الإفرنجية كعلامة للرقي في مقابل تغييب الهوية الشعبية العمامة/الطربوش. وفي كثير من الأحيان، جرى تهميش المصري بوصفه «منتجاً» أو فاعلاً رئيسياً ليظهر فقط كـ«مستهلك سلبي».

جانب من إعلانات الأربعينات (الكتاب)

ومع صعود الحركة الوطنية وثورة 1919، بدأ الإعلان يتوزع بين خطابين متصارعين؛ خطاب التغريب الاستعماري، وخطاب وطني مقاوم يدعم الصناعة الوطنية والمؤسسات المصرية (مثل بنك مصر وشركة غزل المحلة).

وفي تحليله للخطاب الإعلاني في الفترة الناصرية منذ عام 1957، يوضح شومان كيف بدأت عملية التمصير للإعلانات، وما صاحبها من تحولات اقتصادية واجتماعية استجاب وتفاعل معها الخطاب الإعلاني، حيث اكتسب الإعلان صبغة سياسية ووطنية واضحة. ووظف النظام الناصري الإعلان لخدمة التنمية المستقلة، والتصنيع المحلي، والتعبئة للقومية العربية والاشتراكية.

فيما شهدت السبعينات تحولاً جذرياً في فلسفة الإعلان بالتوازي مع سياسة الانفتاح الاقتصادي والتحول من اقتصاد الدولة إلى اقتصاد السوق. حيث انقلب الخطاب الإعلاني من دعم «الذات الوطنية» إلى الترويج لمواطن يُعاد تشكيله كـ«مستثمر، وسائح، ومستهلك، ومتدين». وانتشرت إعلانات الطيران، والفندقة الدولية، والخدمات الاستثمارية. كما أسهم الإعلان في إنتاج دعاية تركز على «الرئيس المؤمن» وبطل الحرب والسلام. وجرى توظيف الدين لشرعنة التحولات الرأسمالية وأدوات الاستثمار (مثل إصدار سندات الجهاد وشركات الاستثمار)، مما خلق حداثة هجينة.

وخلال حكم الرئيس مبارك من ثمانينات القرن العشرين حتى 2011، يرصد الكاتب استغلال شركات توظيف الأموال للإعلانات لتحسين صورتها واستقطاب المدخرات عبر الخطاب الديني، قبل أن تختفي مع بداية التسعينات. كما رصد أثر الخصخصة على تحول الخطاب الإعلاني من دعم القطاع العام إلى الترويج لبيع أسهمه وخصخصته. وكسر احتكار الدولة للعقار من خلال الترويج لإعلانات «المنتجعات» والمجمعات السكنية المغلقة. ويتضمن الكتاب نماذج للإعلانات التي رصدها الكاتب وحللها وفق مناهج محددة ورؤية ترصد التحولات الاجتماعية التي مر بها المجتمع المصري على مدى 129 عاماً.


«أنغام وأفلام»... أغنيات تتساقط منها الأعوام ويبقى الحبّ

حفل يعرف كيف يجعل الليل أطول من ساعاته (الشرق الأوسط)
حفل يعرف كيف يجعل الليل أطول من ساعاته (الشرق الأوسط)
TT

«أنغام وأفلام»... أغنيات تتساقط منها الأعوام ويبقى الحبّ

حفل يعرف كيف يجعل الليل أطول من ساعاته (الشرق الأوسط)
حفل يعرف كيف يجعل الليل أطول من ساعاته (الشرق الأوسط)

كان الصيف قد غادر التقويم، تاركاً شيئاً من حرارته في هواء بيروت، فيما أخذ الخريف مكانه على مهل. فوق «ميوزيك هول» في الواجهة البحرية، استقرَّ القمر شاهداً على ليلة ستتداخل فيها الفصول والأعمار، وتعود أغنيات من أزمنة بعيدة لتوقظ في النفوس ما ظنَّت أنّ الزمن قد أخذه معه.

ثمّة صيف آخر يختبئ في ذاكرة كلّ مستمع، وحبّ قديم يجد طريقه إلى الحاضر عبر مقدّمة موسيقية، وأشياء تتساقط من العُمر وتحتفظ الأغنيات بأثرها.

أواخر الصيف تُنصت إلى موسيقى لا تعرف الخريف (الشرق الأوسط)

في أمسية «أنغام وأفلام»، أعاد المايسترو هاروت فازليان، بمشاركة الأوركسترا الوطنية للموسيقى الشرق عربية، تشكيل عالم من الألحان التي أسهمت في صناعة الوجدان العربي. 4 أصوات شابة، سيندي لطّي وبيتر جوزيف وعلياء ندا ومحمد علي، تناوبت على أداء أعمال حملت توقيع كبار الملحّنين وأصوات أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ووردة وفايزة أحمد.

اختيارات فازليان تكشف عن ذائقة تعرف قيمة التفاصيل التي صنعت خلود هذه الأعمال. ثمّة مسؤولية فنّية في الاقتراب من ألحان استقرَّت في الذاكرة بصيغها الأصلية، وأصبحت مقدّماتها وجُملها الموسيقية جزءاً من وجدان المُستمع. يتعامل المايسترو معها بمعرفة تحترم بنيتها، وبحساسية تُدرك أنّ إعادة تقديمها تحتاج إلى أذن خبيرة ومعايير دقيقة، خصوصاً أمام جمهور يحفظ انعطافاتها وينتظر لحظات ذروتها.

ما تساقط من أعمارنا أزهر في الألحان (الشرق الأوسط)

أمام 24 موسيقياً، كانت عصاه الصغيرة ترسم مسارات الصوت وتستدعي الآلات إلى الحوار، وتُحقّق التناغم بين قوة الأوركسترا وحرارة الحناجر. ليديه حضور آخر، تتبدَّل حركتهما مع المزاج اللحني، وتتّسعان مع تصاعد الجُملة أو تنحسران لتتركا للصوت فسحته. وفي قيادة فازليان يظهر أثر تكوين موسيقي رصين، يجمع الانضباط الأوركسترالي إلى حساسية الطرب الشرقي، حيث تحتاج العاطفة إلى دقّة تحميها من الإفراط.

أصوات في ربيع العُمر تُغنّي ما لم تُسقطه خريفات الزمن (الشرق الأوسط)

وللأصوات الأربعة امتحانها الخاص أمام هذا الإرث. فالأغنيات تحمل في ذاكرة الجمهور بصمات مَن خلّدوها بأصواتهم، بنبراتهم وأنفاسهم وتلويناتهم التي يصعب فصلها عن الألحان. وقد منح تعاقُب سيندي لطّي وبيتر جوزيف وعلياء ندا ومحمد علي البرنامج حياة صوتية متجدّدة. لكلّ حنجرة خامتها ومزاجها وطريقتها في الاقتراب من الجُملة، ولكلّ أداء فرصة لإزاحة الأغنية قليلاً عن صورتها المحفوظة في الأذن. وبين الطبقات النسائية والرجالية، تنقّلت الأمسية من الرهافة إلى الامتلاء، فيما ظلَّت الأوركسترا النسيج الذي يجمع اختلاف الأصوات ويحفظ للأعمال شخصيتها.

المايسترو هاروت فازليان يقود الأوركسترا بيد تُتقِن أسرار النغم (الشرق الأوسط)

يحمل هذا البرنامج وجوهاً متعدّدة للعاطفة. في «ألف ليلة وليلة»، تبلغ الرغبة في الاحتفاظ باللحظة حدَّ التمنّي أن يطول الليل فوق عُمره، كأنّ العاشق أدرك قِصر السعادة فراح يُفاوض الزمن على بقائها. وتذهب «هوَّ العُمر إيه» إلى الشعور الذي يجعل سنوات الإنسان تبدو ناقصة أمام لحظة حُبّ. أما «في يوم وليلة»، فتلتقط التحوّل الذي يُصيب النفس بعد لقاء استثنائي، حين يستيقظ الإنسان على حياة كانت قائمة من حوله، لكنه لم يعرف كيف يدخل إليها قبل أن يُحبّ.

وفي «أكذب عليك»، يبرز الصراع بين ما يُقرّره العقل وما يستعصي عليه الشعور. تتكرَّر محاولة إقناع النفس بانتهاء الحبّ، وتأتي الجُملة الموسيقية لتكشف مقدار العجز عن تنفيذ القرار. وفي «إمتى حَتعرف»، يترك تأخُّر الآخر في فَهْم المحبّة جرحاً من نوع مختلف، تصنعه الفجوة بين عاطفة مُكتملة في قلب صاحبها وعجزها عن الوصول إلى مَن تتوجَّه إليه.

أغنيات تردّ إلى القلب فصوله الغائبة (الشرق الأوسط)

مع عبد الحليم حافظ، تتبدَّل أحوال القلب بين خفّة «جانا الهوى» وحرارة «الهوى هوايا» ورقَّة «أهواك». وفي «زيّ الهوى»، يكتسب الحبّ شيئاً من قسوته، فيأخذ صاحبه إلى ما وراء إرادته ويتركه مُعلّقاً بين لذّة التعلُّق وألمه. أما «سوّاح»، فتجعل الغياب حركة دائمة، ويصبح الترحال محاولة للعثور على شخص ترك مكانه فارغاً في الداخل. وفي «كلّ ما أقول التوبة»، يتعرّى ضعف الإرادة أمام عاطفة تعرف الطريق إلى صاحبها مهما ابتعد. يضحك المستمع من تكرار العودة، وربما يتذكَّر كم أقنع نفسه بأنّ النهاية هذه المرّة ستكون نهائية.

وتمنح «بتونّس بيك» الحبّ دفئه الحميم، فيصبح صوت الآخر ووجوده ألفةً تُخفّف وحشة الأيام. أما «يَمّا القمر عالباب»، فقد وجدت في سماء الأمسية امتداداً بصرياً لكلماتها، كأنّ القمر الذي طالما استدعته الأغنية العربية، عاد ليتّخذ مكانه فوق المُستمعين.

أصوات شابة تُغامر في المقامات التي صنعت مجد الكبار (الشرق الأوسط)

وكان للسينما المصرية حضورها بين المقاعد أيضاً، مع ليلى علوي وإلهام شاهين والإعلامية بوسي شلبي، وسط وجوه رسمية وفنّية وإعلامية لبنانية. حمل الحفل إنتاج رولا تلج، وفكرته وقيادته الموسيقية لهاروت فازليان، فيما تولَّت جويل حجّار التنسيق الإداري والإبداعي، وسهرت على انسجام تفاصيل الأمسية مع الرؤية الفنّية التي شاركت في صياغتها مع المايسترو. واختارت ثنائية تلج وفازليان أن تمنح المسرح لأصوات شابة في مستهلّ تجاربها، فمنها مَن لم يسبق له الوقوف أمام الجمهور، ومنها مَن تذوَّق الغناء بمرافقة أوركسترا للمرّة الأولى. وفي هذا الخيار رهان على المواهب الناشئة، بعيداً عن توقّعات الأداء التي تُرافق الأسماء المُكرَّسة وتجاربها الطويلة. وجد هؤلاء الشباب أنفسهم أمام إرث موسيقي مهيب، يحملون بأصواتهم أغنيات سبقت ولادتهم بعقود، ويكتشفون على المسرح مسؤولية الاقتراب منها ومتعة منحها حياة جديدة. ومَن يدري أيّ صوت من هذه الحناجر سيعود الجمهور لسماعه بعد أعوام، وقد أصبح له مكانه الخاص في الذاكرة التي استعار منها بداياته الغنائية.

ومع انحسار الأصوات في آخر الليل، بقي شيء من الصيف مُعلَّقاً فوق البحر. للأغنيات قدرة على حفظ ما يتعذَّر الاحتفاظ به في الحياة، من أعمار وأمكنة ووجوه وعواطف. يتساقط الكثير مع تعاقُب الفصول، وتظلّ بعض الألحان قادرةً على إعادة الإنسان إلى نفسه، في عُمر مضى، أو في ليلة يتمنَّى لو أنها تطول ألف ليلة وليلة.