كيف سيؤثر تدهور الأسعار المستقبلية للخام الأميركي على صناعة النفط؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وصف الانهيار التاريخي الذي شهدته أسعار النفط الاثنين بأنه «قصير الأجل» وناجم عن «ضغوط مالية» (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب وصف الانهيار التاريخي الذي شهدته أسعار النفط الاثنين بأنه «قصير الأجل» وناجم عن «ضغوط مالية» (أ.ف.ب)
TT

كيف سيؤثر تدهور الأسعار المستقبلية للخام الأميركي على صناعة النفط؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وصف الانهيار التاريخي الذي شهدته أسعار النفط الاثنين بأنه «قصير الأجل» وناجم عن «ضغوط مالية» (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب وصف الانهيار التاريخي الذي شهدته أسعار النفط الاثنين بأنه «قصير الأجل» وناجم عن «ضغوط مالية» (أ.ف.ب)

انخفض سعر نفط خام «غرب تكساس الوسيط» المؤشر إلى حدود دنيا يوم الاثنين الماضي، ليصل إلى معدلات سلبية (تحت الصفر) لأول مرة في تاريخ الصناعة، متأثراً بالعوامل الآتية: أولاً، تدهور الطلب على وقود المواصلات بسبب منع نحو 40 في المائة من سكان العالم من التنقل براً أو جواً لمنع الاختلاط ولتفادي فيروس الكورونا، هذا بالإضافة إلى الإغلاق المؤقت لمعظم المصانع في العالم، مما يعني أنها لا تستهلك المنتجات البترولية، الأمر الذي يعني انخفاض الطلب بنحو 20 -25 مليون برميل يومياً، أو ما يساوي ربع الطلب العالمي قبل الأزمة البالغ نحو 100 مليون برميل يومياً. ثانياً: امتلاء الخزانات وعدم تمكنها من استيعاب إمدادات إضافية من النفط الخام. وثالثاً: حلول تسوية عقود نفط غرب تكساس الشهرية «المستقبلية» لشهر مايو (أيار) يوم الثلاثاء، وهذه هي عقود «البراميل الورقية» التي تمتد لمدة شهر عادة والتي يتم التداول بها في بورصة نيويورك، حيث يتوجب على المشتري للعقد أن يسلم عند الموعد المحدد كمية النفط الخام لمشتري آخر، ويعرف هذا النوع من المعاملات بـ«الشراء المستقبلي» للنفط، أي بيعه على أساس سعر أعلى من الذي اشتراه به، وفي حال البيع هذا، الذي يشترط فيه تسليم كميات النفط المحددة، تنتهي مسؤولية المشتري الأول ويتحمل المشتري الثاني، الذي يراهن بدوره، بحيث إن السعر سيرتفع إلى الأعلى خلال الشهر المقبل. فالذي حدث هذا الأسبوع، أن وجد أصحاب العقود أنه لا يوجد مشترون لعقودهم عند نهاية هذا الشهر. وأحد أسباب عدم وجود مشترين للعقود المستقبلية هو اضطراب الأسواق النفطية، كما بقية الأسواق العالمية، والأهم من هذا هو ماذا سيفعلون ببراميل النفط، وأين يخزنونها للأسابيع المقبلة؟!
في ضوء هذه العوامل السلبية، وأهمها عدم وجود خزانات كافية لتخزين النفط، وللمخاطر الكثيرة في الالتزام بشراء النفط على أساس أسعار «مستقبلية» في هذه الأسواق المضطربة، ازداد عدد البائعين للعقود «المستقبلية» على عدد المشترين، وانهارت أسعار «غرب تكساس»، النفط المؤشر الذي يتم تداوله في السوق الأميركية، إلى أسعار قياسية متدنية. بمعنى أن أصحاب العقود «المستقبلية» من مضاربين أو مستثمرين أو حتى إدارات التسويق في شركات نفطية أبدوا استعدادهم لتحمل خسارتهم الحالية لتفادي خسارة أكبر مستقبلاً. وكذلك، بما أن الكثير من حاملي هذه العقود «المستقبلية» هم «أفراد طارئون» على صناعة النفط، ينتهزون الحالات الطارئة لشراء العقود القصيرة الآجلة «المستقبلية» لكي يحصلوا على أرباح عالية سريعة. بمعنى آخر، أن ديناميكية هذه الأسواق «المستقبلية» مستقلة إلى حد كبير عن صناعة النفط العالمية.
وتتم عملية المضاربة المستقبلية في أسواق النفط في بورصات نيويورك ولندن وسنغافورة. وقد بلغ حجم وقيمة العقود التي يتم المضاربة بها في بعض الأحيان أعلى مما يتم بيعه وشراؤه بين المنتجين للنفط والشركات النفطية العالمية. وتزدهر عمليات هذه البورصات أثناء اضطراب الأسواق كما هو الحال الآن.
هناك سوقان رئيسيان للنفط الخام على المستوى العالمي. فالسوق الأساسي والأكبر بل والأهم هو ما يتم بيعه وشراؤه من قبل المنتجين وشركات النفط. وعقود هذين الطرفين يتم التفاوض والاتفاق عليها بشكل مستقل تماماً لا علاقة له البتة بالعقود «المستقبلية».
أما في الأسواق «المستقبلية»، فإن العقود هي ما بين مستثمرين ومضاربين. ولكل عقد فترة شهر وأسعار مختلفة عن الشهر السابق أو الشهر الذي يليه. لذا نجد، أنه خلال التدهور الذي حصل يوم الاثنين الماضي فإن حملة العقود «المستقبلية» لشهر مايو قد حافظوا على عقودهم، نظراً إلى توقعهم حصول معطيات جديدة.

كيف يتفاعل العالم؟

خلاصة الأمر، يواجه العالم برمته اليوم مأساة وتحدياً ضخمين. فلا يمكن تفادي الآثار الاقتصادية والاجتماعية لهذه المأساة. ومن غير الواضح متى ستنتهي هذه الكارثة، أو كيف يتوجب التعامل مع آثارها؟. وكما ذكر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذا الأسبوع في مقابلته مع صحيفة «فايننشال تايمز» اللندنية، ما معناه: نحن أمام كارثة من نوع جديد. نتعامل معها على أساس المعطيات الجديدة والمتغيرة التي أمامنا. وهكذا الصناعة النفطية التي شاهدت الطلب على النفط ينهار أمام أعينها مع سياسات عدم الاختلاط الاجتماعي أو التنقل بالطائرات والسيارات. هذا معناه أنه يتوجب العمل تدريجياً بتخفيض إنتاج النفط لجميع الدول النفطية الكبرى، دون استثناء، لأجل عبور هذه الفترة الحرجة خلال الأشهر المقبلة. وهذا ما سيتم فعله منذ الأول من شهر مايو المقبل من قبل أقطار أوبك والدول المنتجة الحليفة مع أوبك (أوبك بلس)، ودول منتجة أخرى مثل الولايات المتحدة وكندا والبرازيل والنرويج.
ورغم أن دول هذه المجموعة الأخيرة لم تعلن عن موقف واضح لتخفيضها للإنتاج، فإن معطيات الأسواق من انخفاض الطلب وامتلاء الخزانات سيجبر الشركات على تخفيض مجمل الإنتاج العالمي نحو 19 مليون برميل يومياً.
والسؤال: هل سيؤثر انهيار قيمة عقود نفط غرب تكساس «المستقبلية» على الصناعة النفطية العالمية؟ نعم هناك تأثير لهذا، وعلى كل من الشركات النفطية والمصارف... لكن هذا لا يعني تهويل الأمور بانتكاسة صناعة النفط العالمية، فهذه الصناعة ضخمة ومتعددة الأطراف والمصالح ولا تزال هذه الصناعة أساسية في الاقتصاد العالمي. فهي ضخمة بحيث تستطيع استيعاب هذه الانتكاسات، لكن طبعاً، يترتب عليها أمور أخرى كثيرة ومختلفة، مثل الخطط المستقبلية لإنتاج النفوط ذات الأسعار العالية، البحرية أو الصخرية. كما هناك إغلاق لبعض الحقول والخسائر المترتبة على ذلك. فمن المحتمل جداً، وهذا ما يحدث الآن فعلاً، إغلاق بعض آبار النفوط ذات التكلفة العالية. وهذا يعني خسائر بملايين بل مليارات الدولارات.
لقد أوضح انهيار السوق «المستقبلية» لنفط غرب تكساس أهمية التوازن والتكامل ما بين العرض والطلب على إمدادات النفط، ومدى ضرورة توفر سعة تخزينية وافية. كما أوضح انهيار الاثنين الماضي ضرورة مراجعة دور الأسواق «المستقبلية» عند وقوع الكوارث، وما مدى دورها في استقرار الأسواق أو زيادة الاضطراب فيها عند هذه الفترات المقلقة السياسية أو الطبيعية. وطالما اشتكت منظمة أوبك من دور الأسواق «المستقبلية» في تقلبات الأسعار في هذه الأحوال.

التبعات الشرق أوسطية

ماذا يعني هذا لاقتصادات الدول العربية؟ إن الجواب واضح. فقد حذر الاقتصاديون العرب منذ عقود بضرورة تنويع اقتصادات الدول العربية والكف عن هذا الاعتماد الكلي على الريع النفطي. كما أن هناك دعوات إلى ترشيد الاستهلاك. والتحدي الأكبر هنا هو للدول العربية ذات الاقتصادات الضعيفة، التي لم تحاول تنويع قطاعاتها الاقتصادية أو اعتماد الشفافية والحوكمة في الإدارة العامة.
* كاتب عراقي متخصص
في أمور الطاقة



في الكواليس... لماذا اجتاحت موجة البيع العالمية أسهم التكنولوجيا؟

رد فعل متداول في «بورصة نيويورك» على أداء المؤشرات وتحركها (رويترز)
رد فعل متداول في «بورصة نيويورك» على أداء المؤشرات وتحركها (رويترز)
TT

في الكواليس... لماذا اجتاحت موجة البيع العالمية أسهم التكنولوجيا؟

رد فعل متداول في «بورصة نيويورك» على أداء المؤشرات وتحركها (رويترز)
رد فعل متداول في «بورصة نيويورك» على أداء المؤشرات وتحركها (رويترز)

شهدت الأسواق المالية العالمية الثلاثاء موجة بيع واسعة وعنيفة، قادتها أسهم التكنولوجيا الكبرى والمؤشرات الأميركية الرئيسية، مثل «إس آند بي 500» و«ناسداك 100»، مدفوعة بحالة من «العزوف عن المخاطر (Risk-off)» بعد تحذيرات متتالية من بدء تفكك وتراجع الاستثمارات الضخمة والمزدحمة في قطاع الذكاء الاصطناعي.

ويرى المحللون أن هذا التراجع ليس وليد خبر مفاجئ خلال الساعات الماضية، بل هو نتيجة تراكم عوامل ومخاوف عدة استمرت أسابيع بشأن مدى استدامة تقييمات الشركات التكنولوجية:

* ما الذي حدث في الأسواق العالمية؟

1- آسيا في صدارة الهبوط: قادت الأسواق الآسيوية التراجع؛ إذ أغلق مؤشر «كوسبي» في كوريا الجنوبية متراجعاً بنسبة بلغت 10 في المائة، مدفوعاً بضربات قاسية لحقت بأكبر الرابحين من طفرة الذكاء الاصطناعي، مثل «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كي هاينكس». وحذر استراتيجيو بنك «سيتي» بأن المؤشر الكوري عاد إلى تسجيل مستويات متطرفة خطيرة.

2- أوروبا وأميركا تلحقان بالنزف: امتدت الخسائر سريعاً إلى الأسواق الأوروبية؛ حيث تراجع مؤشر «يورو ستوكس 600» بنسبة 1.1 في المائة، في حين عمّقت العقود الآجلة للمؤشرات الأميركية خسائرها؛ مما وضع «وول ستريت» على مسار افتتاح شديد القسوة، وتراجع مؤشر «ناسداك 100» بأكثر من 3 في المائة، خاسراً نحو 913 نقطة.

* تفسير الأزمة

استخدم استراتيجيو بنك «يو بي إس» تفصيلاً تفسيرياً مهماً يصف المخاطر المتراكمة منذ عام 2025 وحتى منتصف عام 2026، وأطلقوا عليه استعارة «ركوب الحافلة نفسها».

فما هذا المفهوم؟ يعبر هذا المصطلح عن التمركز الضخم والتركيز الهائل لرؤوس الأموال الاستثمارية والمؤسسية في نطاق ضيق ومحدود جداً من الشركات، وتشمل: مصممو أشباه الموصلات، ومزودو خدمات الحوسبة السحابية العملاقة، وصناع رقائق الذاكرة.

اليوم، بدأ المستثمرون يدركون هذا التكدس الخطير، وباتوا يتساءلون: كم بقي من فرص الصعود مقابل حجم المخاطر الهائلة؟ وعلى الرغم من أن الأسواق لا تزال تؤمن بالذكاء الاصطناعي بوصفه قصة «هيكلية طويلة الأجل»، فإن القناعة «التكتيكية» بدأت تتآكل؛ مما دفع بعض صناديق التحوط إلى تقليص حيازاتها وجني الأرباح، خصوصاً أن المراكز الشرائية كانت تحقق أرباحاً عميقة ومغرية للتسييل.

* ما محركات القلق الأساسية؟

ثمة عاملان رئيسيان يقفان وراء تراجع شهية الاستثمار في هذا القطاع:

1- بلوغ «حد السرعة» لإنفاق الشركات: تكمن المخاوف في أن التحديثات المتتالية للإنفاق الرأسمالي من قبل شركات التكنولوجيا العملاقة قد بدأت تتباطأ وتصل إلى سقفها. وإذا استقر هذا الإنفاق الضخم ولم يعد ينمو ويراجَع صعوداً، فإن المبرر الأساسي للتقييمات المرتفعة والمزدحمة لشركات سلاسل الإمداد يصبح ضعيفاً.

2- مأزق «العائد مقابل التكلفة»: تبحث الأسواق اليوم عن أدلة قاطعة تثبت أن العوائد المالية المباشرة، وتسييل أموال الذكاء الاصطناعي، يسيران بوتيرة أسرع من تكاليف البنية التحتية الباهظة التي تُضَخّ.

* ما التالي؟ الأنظار تتجه صوب «ميكرون»

المعادلة الراهنة تتوقف على ما إذا كانت عمليات البيع التكتيكية الحالية ستتحول فوضى غير منظمة، أم إن «صائدي الصفقات» سيتدخلون مجدداً لدعم أسهم التكنولوجيا بناءً على النظرة المستقبلية للقطاع.

وستعتمد غالبية هذا المسار على ظهور محفزات جديدة، مثل التزامات إنفاق جديدة من الشركات العملاقة. وفي هذا الصدد، تتجه أنظار المستثمرين عالمياً إلى شركة «ميكرون»، وهي من أفضل الشركات أداءً خلال الـ12 شهراً الماضية، ومن المقرر أن تعلن عن نتائجها المالية يوم الأربعاء بعد إغلاق السوق؛ حيث ستشكل نتائجها وتوقعاتها الاختبار الحقيقي الأول لمدى صمود طفرة الذكاء الاصطناعي.


تهاوي الجنيه يمهِّد لأزمة دواء في السودان

زبون يشتري دواء من صيدلية في الخرطوم (أرشيفية- رويترز)
زبون يشتري دواء من صيدلية في الخرطوم (أرشيفية- رويترز)
TT

تهاوي الجنيه يمهِّد لأزمة دواء في السودان

زبون يشتري دواء من صيدلية في الخرطوم (أرشيفية- رويترز)
زبون يشتري دواء من صيدلية في الخرطوم (أرشيفية- رويترز)

​تلاحق تقلبات أسواق الصرف وتهاوي قيمة الجنيه السوداني، المواطنين العائدين إلى العاصمة الخرطوم، لتضعهم أمام مواجهة قاسية مع قفزات أسعار الأدوية التي ارتفعت بنحو 30 في المائة خلال أسبوعين. وبينما يواجه آلاف المرضى وأسرهم تعقيدات معيشية متزايدة لتأمين تكلفة العلاج، في ظل نسب فقر قياسية تجاوزت 73 في المائة، تحبس الأوساط الطبية والشركات المستوردة أنفاسها، خشية حدوث ندرة في العقاقير الأساسية، بسبب لجوء بعض الموردين لتجميد البيع مؤقتاً لحماية مخزوناتهم، وسط مطالبات اقتصادية للحكومة بالتدخل العاجل، وإعادة تفعيل «محفظة السلع الاستراتيجية» لتمويل قطاع الدواء عبر حصائل صادر الذهب.

بيوت خاوية وعلاج شحيح

تختزل قصة الخمسينية مديحة عبد الرحمن واقعاً مأساوياً يعيشه آلاف السودانيين؛ فبصوت مخنوق وعينين تملؤهما الدموع، تروي لـ«الشرق الأوسط» كفاحها المرير لتوفير ثمن العقاقير لوالدها المنوَّم في غرفة العناية المكثفة، إثر إصابته بـ«جلطة في الرأس» ومضاعفات السكري. تقول مديحة: «استدنت راتب الشهر المقبل كاملاً، ولكنه نفد قبل شراء قائمة الأدوية... ليس لدينا ما نبيعه». وتوضح أنها عادت مع أسرتها إلى الخرطوم بعد استعادة الجيش للأنحاء، لتجد منزلها نهباً خالياً من الأثاث، قبل أن تجهش بالبكاء وتغادر الصيدلية.

ولا تبدو قصة مديحة استثناءً؛ إذ رصدت جولة ميدانية لـ«الشرق الأوسط» على صيدليات العاصمة، زيادات متوالية تراوحت بين 15 و30 في المائة، طالت تحديداً الفيتامينات، وعلاجات الأمراض النفسية، وأدوية الخصوبة، مع زيادات أقل نسبياً في أدوية الأمراض المزمنة. وأبدى عدد من المواطنين استياءهم من هذه الزيادات؛ بل واتهم بعضهم الصيدليات بتغيير الأسعار بصورة متكررة، دون مراعاة للظروف الاقتصادية الصعبة التي خلَّفتها الحرب.

وفي المقابل، قال أصحاب صيدليات إن بعض المرضى باتوا يشترون جزءاً من الوصفة الطبية، ويعجزون عن تحمل التكلفة الكاملة، وحذَّروا من لجوء البعض إلى الأعشاب وترك العلاج الطبي؛ خصوصاً مرضى السكري والكلى وارتفاع ضغط الدم، لما قد يشكله ذلك من مخاطر صحية.

صاحب صيدلية في حي الشهداء بأم درمان (الشرق الأوسط)

الدولار يشعل الأسعار

ويقول الدكتور معز بدوي، صاحب شركة توكيلات «أم درمان» لاستيراد الدواء، إن انخفاض سعر صرف الجنيه السوداني مقابل الدولار، خلال الأيام الخمسة عشر الماضية، أدى إلى زيادة أسعار بعض الأدوية بنسبة وصلت إلى 30 في المائة.

واقترح بدوي عبر «الشرق الأوسط» عودة الدولة للآلية السابقة، عبر «محفظة السلع الاستراتيجية» التي تضمن توفير النقد الأجنبي للمستوردين دون اللجوء إلى السوق الموازية، من خلال تخصيص نسبة محددة من حصائل صادر الذهب لتمويل الدواء، مذكِّراً بالدعم الحكومي للمستوردين عقب اندلاع الحرب لحفظ استقرار الأسواق.

وتأتي هذه الزيادات في وقت تشير فيه تقديرات إلى أن نحو 73 في المائة من السودانيين يعيشون تحت خط الفقر، بينما تجاوز سعر الدولار حاجز 5 آلاف جنيه، ما ضاعف الضغوط على أصحاب الدخل المحدود.

وفي السياق نفسه، يقول الخبير الاقتصادي محمد الناير لـ«الشرق الأوسط»، إن سعر شراء الدولار الأميركي ارتفع بنحو 26 في المائة خلال أقل من أسبوعين. ويوضح أن تراجع قيمة الجنيه السوداني ينعكس سريعاً على أسعار السلع والخدمات، وفي مقدمتها الأدوية.

من جهته، حذَّر أحد مستوردي الأدوية في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، طالباً عدم ذكر اسمه، من أن يؤدي استمرار انخفاض سعر صرف الجنيه السوداني إلى ندرة بعض العقاقير، مشيراً إلى أن عدداً من المستوردين أوقفوا البيع مؤقتاً، واحتفظوا بمخزونهم انتظاراً لاستقرار سعر الصرف، خشية التعرض لخسائر.

تشديد الشروط ومخاوف الشح

وعلى أرض الواقع، يقول الدكتور محمد شرف الدين، الصيدلاني بسوق الشهداء في أم درمان، إن بعض الشركات المستورِدة ألغت نظام السداد الآجل الذي كان يمنح الصيدليات مهلة سداد تصل لأربعة أسابيع، وشجبت التعامل إلا بالدفع النقدي الفوري، لافتاً إلى أن أدوية السكري شهدت شحاً مؤقتاً قبل أن تعود للتوفر بأسعار أعلى.

في المقابل، طمأنت الصيدلانية دعاء محمد (صيدلية الرومي بأم درمان) بتوفر المحاليل الوريدية حالياً في الأسواق بعد فترات نقص حادة.

لكن هاشم محمد -وهو سائق مركبة عامة- يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه يشتري شهرياً أدوية السكري والضغط لوالدته، ولكنه فوجئ بالزيادات الأخيرة، ويضيف متسائلاً: «إلى متى يستمر هذا الوضع؟».

المواطن هاشم محمد أعجزه سعر الدواء ويطالب بتدخل حكومي (الشرق الأوسط)

رئيس مجلس الأدوية يستبعد «الندرة»

ورغم التحذيرات من احتمال حدوث ندرة في الأدوية، استبعد رئيس المجلس القومي للأدوية والسموم، الدكتور محمد بشير، هذا السيناريو، وأكد أن مجلسه لا يعتمد أي زيادة جديدة في أسعار الدواء إلا بعد مرور شهر على الأقل، للتأكد من استقرار سعر الصرف، وفق اللوائح المنظمة للعمل.

وقال بشير لـ«الشرق الأوسط» إن المجلس ليس مسؤولاً عن أي زيادات جديدة طرأت على الأسعار، موضحاً أن تعديل التسعيرة يتم بعد التشاور مع شعبة المستوردين ووزارة الصحة.

وزفَّ بشير بارقة أمل بإعلانه نجاح عودة 9 مصانع أدوية سودانية محليَّة إلى الإنتاج الفعلي، من أصل 30 مصنعاً دمرت الحرب بنيتها التحتية، متوقعاً استئناف بقية المصانع العمل خلال الأشهر القليلة المقبلة، ما سيسهم في تخفيف الضغط على الاستيراد الأجنبي المعلَّق بتقلبات العملة الخضراء.


مسؤول في بنك إنجلترا: تمديد تثبيت الفائدة هو الردُّ الأمثل على ازدياد ضغوط الأسعار

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
TT

مسؤول في بنك إنجلترا: تمديد تثبيت الفائدة هو الردُّ الأمثل على ازدياد ضغوط الأسعار

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

قال آلان تايلور، صانع السياسة النقدية في بنك إنجلترا، يوم الثلاثاء، إن «تمديد تثبيت» أسعار الفائدة هو الردُّ الأمثل على ازدياد ضغوط الأسعار الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط.

وأضاف تايلور، العضو الخارجي في لجنة السياسة النقدية، أنه يشكّ في إمكانية إشعال دورة جديدة من تضخم الأجور والأسعار بسبب التسعير «المعتدل» الحالي لأسعار الفائدة والطاقة في السوق المالية.

كما وصف الاقتصاد البريطاني بأنه «ضعيف للغاية» قبل اندلاع الحرب.

لكن تايلور، الخبير الاقتصادي الأكاديمي الذي أيَّد خفض أسعار الفائدة قبل الحرب الإيرانية، شدَّد على عدم وضوح الرؤية الاقتصادية، وعلى مدى استدامة السلام في الشرق الأوسط.

وقال تايلور في نص خطاب من المقرر إلقاؤه في فعالية تستضيفها «باركليز» ومركز بحوث السياسات الاقتصادية: «إلى أن تتضح الأمور أكثر، أرى أن الإبقاء على سعر الفائدة عند هذا المستوى فترة طويلة هو الاستجابة السياسية الصحيحة والمدروسة التي نحتاج إليها، بالنظر إلى توازن المخاطر».

وقدَّر تايلور أن سعر الفائدة الذي حدده بنك إنجلترا -والذي أبقاه عند 3.75 في المائة الأسبوع الماضي- كان أعلى بمقدار 0.75 نقطة مئوية من تقديره للمستوى المحايد، وهو مستوى سعر الفائدة الذي لا يحفز الاقتصاد ولا يكبحه.