انكماش «مصنع العالم» يثير قلقاً ومخاوف وشكوكاً

هبوط تاريخي مثير للنمو الصيني

شكوك واسعة حول قدرة بكين على الوفاء بوعودها رغم عودة شبه طبيعية للحياة (أ.ف.ب)
شكوك واسعة حول قدرة بكين على الوفاء بوعودها رغم عودة شبه طبيعية للحياة (أ.ف.ب)
TT

انكماش «مصنع العالم» يثير قلقاً ومخاوف وشكوكاً

شكوك واسعة حول قدرة بكين على الوفاء بوعودها رغم عودة شبه طبيعية للحياة (أ.ف.ب)
شكوك واسعة حول قدرة بكين على الوفاء بوعودها رغم عودة شبه طبيعية للحياة (أ.ف.ب)

أحدث وباء الفيروس التاجي صدمة اقتصادية في الصين لم يسبق لها مثيل منذ العصر الماوي. وسجلت الدولة المسماة «مصنع العالم» انكماشاً في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 6.8 في المائة في الربع الأول، وفقاً للإحصاءات الرسمية الصادرة يوم الجمعة الماضي.
هذا هو الانكماش الأول منذ نشر الأرقام الفصلية من قبل بكين في أوائل التسعينات، مما يؤكد حجم تأثير تفشي فيروس «كورونا» في البلاد، والذي شل النشاط لأسابيع طويلة ويستمر في التأثير على استئناف العمل. وتتناقض هذه الأرقام مع نمو 6 في المائة المسجل لعام 2019، وتؤكد صعوبات إحياء النشاط في وقت يؤثر فيه الوباء على الطلب العالمي. في حين أن خطر حدوث موجة ثانية من العدوى لا يزال يلوح في أفق البلد الأكثر سكانا في العالم.
وصرح المتحدث باسم المكتب الوطني للإحصاءات ماو شنغيونغ للصحافيين أن الصين تواجه صعوبات وتحديات جديدة لاستئناف النشاط والإنتاج. ويعكس ذلك «المخاوف» التي عبر عنها المكتب السياسي، خلال اجتماع عقد الأسبوع الماضي تحت سلطة الرئيس شي جينبينغ.
ويلقي هذا الانخفاض في النشاط بظلال من الشك على قدرة بكين على تحقيق هدف النمو السنوي الذي تبلغ نسبته 5.5 في المائة والذي لا يزال يظهر في الصحافة الرسمية، مثل صحيفة «تشاينا دايلي»، في حين أعاد صندوق النقد الدولي توقعاته لعام 2020 بتوقع نمو عند 1.2 في المائة فقط. ويعتبر رقم الـ5.5 في المائة ضروريا للوفاء بالوعد القديم للنظام بمضاعفة حجم الناتج المحلي الإجمالي للصين بحلول نهاية هذا العقد. إنها قضية سياسية حساسة للرئيس، المسمى بطل النهضة الصينية، قبل عام من الذكرى المئوية للحزب. ويعود آخر ركود سنوي للعملاق الآسيوي رسميا إلى عام 1976.
وعلى الرغم من رفع قيود الاحتواء الساري في ووهان والعديد من المدن الكبرى، فإن محرك الاستهلاك المحلي يكافح من أجل التعافي، في حين لا يزال العديد من الصينيين يتجنبون المتاجر والمطاعم خوفا من موجة وبائية ثانية. وانخفضت مبيعات التجزئة بنسبة 15.8 في المائة على أساس سنوي مرة أخرى في مارس (آذار)، لكن الإنتاج الصناعي انخفض بنسب أقل.
ويقول الاقتصاديون إن الاستهلاك المحلي المتراجع بقوة سيؤثر على النشاط السنوي، وسينخفض دخل الأسرة الصينية هذا العام، مع وجود 10 إلى 20 في المائة من القوى العاملة عاطلة عن العمل في الأشهر القليلة الأولى من العام. وقال مايكل بيتيس، الأستاذ في جامعة بكين، إن المخاوف بشأن المستقبل ستدفع المستهلكين إلى توخي الحذر. في حين تضرر معظم الشركات الصغيرة والمتوسطة بشدة.
واستأنف الاقتصاد الصيني نشاطه تدريجيا في مارس الماضي منذ الرفع التدريجي للقيود المرورية، ووصل معدل النشاط 81.2 في المائة وفقا لشركة «تريفيوم» الاستشارية كما في 9 أبريل (نيسان). في شنغهاي أو بكين، عادت الاختناقات المرورية، بينما يفضل العديد من الموظفين السيارة لتجنب وسائل النقل العام خوفا من العدوى... ولكن هذا لا يعني بعد العودة الى الوضع الطبيعي.
ويحذر ليو يوان تشون، نائب رئيس جامعة رنمين المرموقة، في تحليل نشرته صحيفة «غلوبال تايمز» اليومية التابعة للحزب الشيوعي من «الضغط الفائق» إلى أسفل. ويشير على وجه الخصوص إلى القيود المستمرة بشكل يومي لمنع عودة الوباء إلى التفشي، ولكن يشير أيضا إلى المخاطر المالية، لا سيما نقص السيولة. فعند مدخل المطاعم أو المتاجر أو البنية التحتية، الجميع يخضع لإجراءات التحكم في درجة الحرارة والشهادات الطبية الرقمية المعممة في جميع أنحاء البلاد.
تزيد هذه الأوضاع من الضغط لتحفيز حكومي أكثر طموحا. لكنّ حافزا عملاقا مثل ذلك الذي تم رسمه في عام 2008، والذي أعاد النمو العالمي، لم يعد مناسبا في بكين، بسبب نقص الموارد. وفقا لاقتصاديين يؤكدون أنه لم يعد باستطاعة السلطات تحقيق توسع هائل كما حصل بعد أزمة 2008، بعدما تضاعف مستوى الدين منذ ذلك الحين. ووصل النمو المدفوع بمشاريع البنية التحتية إلى حدوده القصوى الممكنة، حيث قامت الصين بالفعل بتغطية أراضيها بخطوط السكك الحديدية عالية السرعة والجسور والطرق السريعة في العقد الماضي.
الآن، يدرس النظام إمكانية دعم الطلب المحلي من خلال توزيع النقود أو القسائم على الأسر. ويختم اقتصاديون بالقول إن «أكثر شيء فعال يمكنهم القيام به هو دعم استهلاك الطبقات العاملة».


مقالات ذات صلة

لقاء سعودي - فرنسي يناقش المستجدات الإقليمية والدولية

الخليج الأمير فيصل بن فرحان خلال استقباله جان نويل بارو في الرياض (واس)

لقاء سعودي - فرنسي يناقش المستجدات الإقليمية والدولية

ناقش وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، مع نظيره الفرنسي جان نويل بارو، المستجدات الإقليمية والدولية وتداعياتها على الأمن والاستقرار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص من مراسم استقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الحديقة الجنوبية بالبيت الأبيض نوفمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

خاص العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

كرّست الشراكة السعودية الأميركية في 2025 موقع الرياض كوسيط دولي موثوق انعكس أيضاً في حزمة اتفاقيات شملت الدفاع الاستراتيجي والذكاء الاصطناعي والطاقة وغيرها.

غازي الحارثي (الرياض)
يوميات الشرق «فيلا الحجر» أول مؤسّسة ثقافية سعودية - فرنسية مشتركة (حساب الأمير بدر على «إكس»)

«فيلا الحِجر» بالعلا... استثمار في الإبداع

وصف وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو «فيلا الحِجر» الإبداعية في العلا بأنها «مثل زهرة تتشكَّل من رمال الصحراء للمبدعين».

عبد الهادي حبتور (العلا)
يوميات الشرق ستندرج «فيلا الحجر» ضمن البيئة الثقافية للمملكة والمنطقة (الهيئة الملكية للعلا)

«فيلا الحجر»... جسر ثقافي بين السعودية وفرنسا يُزهر من رمال العلا

المشروع يُجسّد متانة العلاقات الفرنسية - السعودية، خصوصاً في مجالات السلام وتعزيز الحوار والثقافة على مستوى العالم.

عبد الهادي حبتور (العلا)
العالم العربي باتريك ميزوناف السفير الفرنسي لدى السعودية (الشرق الأوسط) p-circle

سفير فرنسا لدى السعودية لـ«الشرق الأوسط»: العمل المشترك وراء إنجاح مؤتمر نيويورك

شدد مسؤول فرنسي على ضرورة العمل لإنهاء المذبحة وإنقاذ الرهائن وحماية المدنيين في غزة، محذراً من أن أي ضمّ للضفة الغربية يشكل خطاً أحمر.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)

السعودية: عقوبة مباشرة على المخلين بإيداع القوائم المالية

يُسهم التزام الشركات بإيداع القوائم المالية في رفع مستوى الشفافية والامتثال لأحكام النظام (واس)
يُسهم التزام الشركات بإيداع القوائم المالية في رفع مستوى الشفافية والامتثال لأحكام النظام (واس)
TT

السعودية: عقوبة مباشرة على المخلين بإيداع القوائم المالية

يُسهم التزام الشركات بإيداع القوائم المالية في رفع مستوى الشفافية والامتثال لأحكام النظام (واس)
يُسهم التزام الشركات بإيداع القوائم المالية في رفع مستوى الشفافية والامتثال لأحكام النظام (واس)

أصدر وزير التجارة السعودي، الدكتور ماجد القصبي، قراراً بشأن إيقاع عقوبة مباشرة على كل من أخلّ بأداء واجبه في إيداع القوائم المالية، وذلك وفقاً لأحكام نظام الشركات ولائحته التنفيذية.

ويهدف القرار الوزاري الذي نشرته جريدة «أم القرى» الرسمية، الجمعة، إلى تعزيز التزام الشركات بإيداع القوائم المالية خلال المدة النظامية، من خلال تطبيق عقوبات مباشرة على المخالفين؛ بما يُسهم في رفع مستوى الشفافية والامتثال لأحكام النظام.

وراعى القرار الشركات الصغيرة ومتناهية الصغر من خلال تقرير غرامات تتناسب مع حجمها وطبيعة أعمالها، حيث تبلغ الغرامة 4 آلاف ريال (1067 دولاراً) عند وجود مدير واحد أو رئيس مجلس إدارة، و2000 ريال (533 دولاراً) عند تعدد المسؤولين عن الإدارة.

وحسب القرار، تُفرض الغرامات وفق شكل الشركة وحجم رأس المال وعدد المسؤولين عن الإدارة، وذلك على جميع أشكال الشركات عدا المساهمة المدرجة، حيث تبلغ الغرامة 8 آلاف ريال (2133 دولاراً) إذا كان رأسمال الشركة 500 ألف ريال (133 ألف دولار) فأقل وكان المسؤول مديراً واحداً، و4 آلاف ريال (1067 دولاراً) إذا كان المسؤول مديرَين أو أكثر. كما ترتفع الغرامة إلى 12 ألف ريال (3200 دولار) إذا تجاوز رأس المال 500 ألف ريال (133 ألف دولار) وكان المسؤول مديراً واحداً، و6 آلاف ريال (1600 دولار) إذا كان المسؤول مديرين أو أكثر.

وتضمّن القرار فرض غرامة مالية على الشركة المساهمة غير المدرجة قدرها 15 ألف ريال (4 آلاف دولار) إذا كان رأس المال 5 ملايين ريال (مليون و333 ألفاً و333 دولاراً) فأقل، و20 ألف ريال (5333 دولاراً) إذا تجاوز ذلك. ونصَّ أيضاً على الاكتفاء بعقوبة الإنذار عن مخالفة عدم إيداع القوائم المالية للسنة المالية 2024، وزيادة الغرامة بنسبة 50 في المائة عند تكرار مخالفة عدم الإيداع لسنتَين ماليتَين متتاليتَين بعد اكتساب قرار المخالفة الأولى للقطعية.

ووفقاً للقرار، تكون آلية التبليغ وفقاً لما ورد في المادة الرابعة والتسعين من اللائحة التنفيذية لنظام الشركات، إلى جانب إلغاء القرار الوزاري السابق رقم (239) وتاريخ 27-11-1445هـ الموافق 4 يونيو (حزيران) 2024، والعمل بالجديد من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.


أسهم الذكاء الاصطناعي تقود تراجع «وول ستريت» من قممها القياسية

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

أسهم الذكاء الاصطناعي تقود تراجع «وول ستريت» من قممها القياسية

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تراجعت سوق الأسهم الأميركية، يوم الجمعة، عن مستوياتها القياسية، لتنضم إلى موجة هبوط عالمية، حيث تسببت أسعار النفط المرتفعة في اهتزاز سوق السندات. وقادت الأسهم المرتبطة بالحماس حول تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي موجة التراجع.

وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 1.1 في المائة عن أعلى مستوى له على الإطلاق، الذي سجله في اليوم السابق. كما تراجع مؤشر «داو جونز الصناعي» بمقدار 408 نقاط، أو بنسبة 0.8 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي، في حين انخفض مؤشر «ناسداك المركب» بنسبة 1.6 في المائة عن رقمه القياسي، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وشهدت أسهم التكنولوجيا تراجعاً حاداً بعد صعودها الصاروخي، طوال معظم العام، وهو ما دفع الأسواق العالمية إلى مستويات قياسية، لكنه أثار أيضاً انتقادات بأنها تجاوزت الحد.

وانخفض سهم «إنفيديا»، الذي أصبح بسرعةٍ رمزاً لثورة الذكاء الاصطناعي، بنسبة 3.6 في المائة، وكان أكبر ضغط على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». وكان السهم قد دخل جلسة التداول محققاً مكاسب تتجاوز 26 في المائة منذ بداية العام.

وقال براين جاكوبسن، كبير الاستراتيجيين الاقتصاديين بشركة «أنيكس لإدارة الثروات»: «يبدو لنا أن الأسواق دخلت منطقة ذروة الشراء». وأضاف أن الأرباح القوية للشركات والاقتصاد الأميركي المتين، اللذين دفعا الأسهم إلى مستويات قياسية، ما زالا قائمين، لكن «المسار من غير المرجَّح أن يكون سلساً. مثل هذه الفترات تتطلب انضباطاً أكثر من الأمل».

وفي الوقت نفسه، تزيد أسعار النفط المرتفعة الضغوط بعد أن رفعت التضخم، بالفعل، إلى مستويات أعلى مما كان يتوقعه الاقتصاديون. وتستمر الحرب مع إيران، بينما لا يزال مضيق هرمز مغلقاً أمام ناقلات النفط، ما يمنعها من تسليم الخام إلى الزبائن حول العالم ويرفع أسعاره.

وارتفع سعر برميل خام برنت القياسي العالمي بنسبة 2.1 في المائة ليصل إلى 107.97 دولار، وهو أعلى بكثير من مستواه قبل الحرب البالغ نحو 70 دولاراً.

وقال عدد من الشركات الأميركية الكبرى إن عملاءها ما زالوا قادرين على مواصلة الإنفاق على منتجاتها وخدماتها، رغم ارتفاع أسعار البنزين. لكن الأُسر الأميركية تشير، في استطلاعات، إلى شعورها بالإحباط حيال الاقتصاد والضغوط المتزايدة، ليس فقط بسبب الحرب، بل أيضاً بسبب الرسوم الجمركية.

وتجلّت هذه المخاوف بوضوحٍ، يوم الجمعة، في سوق السندات، حيث ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية، فقد ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى 4.56 في المائة، من 4.47 في المائة، في وقت متأخر من يوم الخميس. ويُعد هذا تحركاً ملحوظاً في سوق السندات، وهو أعلى بكثير من مستواه قبل الحرب البالغ 3.97 في المائة. كما يقترب عائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً من أعلى مستوى له منذ عام 2023 بعد تجاوزه 5 في المائة.

ويمكن أن تجعل العوائد المرتفعة الرهون العقارية وغيرها من أنواع القروض الموجهة للأُسر والشركات الأميركية أكثر كلفة، ما يبطئ الاقتصاد، كما أنها تميل إلى الضغط على أسعار الأسهم وجميع أنواع الاستثمارات الأخرى نحو الانخفاض.

وقد ارتفعت العوائد منذ الحرب بسبب المخاوف من ارتفاع التضخم، وكيف قد يقيد ذلك قدرة «الاحتياطي الفيدرالي» على تحديد أسعار الفائدة قصيرة الأجل. ووفق بيانات مجموعة «سي إم إي»، لم يتخلّ المتداولون فحسب عن توقعاتهم باستئناف خفض الفائدة، هذا العام، بل بدأوا أيضاً المراهنة على احتمال رفعها في عام 2026.

وفي أسواق الأسهم العالمية، تراجعت المؤشرات، بشكل حاد، في أوروبا وآسيا.

وانخفض مؤشر كوسبي في كوريا الجنوبية بنسبة 6.1 في المائة في أحد أكبر التحركات. وكان قد سجل مستويات قياسية، هذا العام، بفضل تأثير شركات مستفيدة من الذكاء الاصطناعي، مثل «إس كيه هاينكس»، لكنه انعكس سريعاً، يوم الجمعة، بعد أن تجاوز لفترة وجيزة مستوى 8000 لأول مرة.

وحذَّر بعض محللي «وول ستريت» من احتمال حدوث تراجع في زخم أسهم التكنولوجيا عموماً، وفي الأسهم الرابحة في مجال الذكاء الاصطناعي خصوصاً.

وقال جوناثان كرينسكي، كبير محللي السوق بشركة «بي تي آي جي»: «إذا لم يكن هناك شيء آخر، فيجب أن يكون هذا بمثابة جرس إنذار لكيفية عمل التقلبات في الاتجاهين».


باول يودع «الفيدرالي»: 8 سنوات من «الدبلوماسية النقدية» لترسيخ استقلالية المركزي

جيروم باول خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية في واشنطن - 29 أبريل 2026 (رويترز)
جيروم باول خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية في واشنطن - 29 أبريل 2026 (رويترز)
TT

باول يودع «الفيدرالي»: 8 سنوات من «الدبلوماسية النقدية» لترسيخ استقلالية المركزي

جيروم باول خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية في واشنطن - 29 أبريل 2026 (رويترز)
جيروم باول خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية في واشنطن - 29 أبريل 2026 (رويترز)

اعتاد رؤساء «الاحتياطي الفيدرالي» السابقون على التعامل مع الأزمات وإدارة قرارات الفائدة بخبرة واسعة، وهي مهارات كان على جيروم باول، القادم من خلفية في المحاماة والاستثمار، أن يكتسبها ويتقنها خلال ممارسته في المنصب.

وخلال ولايته المضطربة التي امتدت 8 سنوات، خفّض باول أسعار الفائدة إلى ما يقرب من الصفر، وأطلق برامج شراء سندات بوتيرة غير مسبوقة لمواجهة التداعيات الاقتصادية والمالية لجائحة «كوفيد - 19»، قبل أن يقود لاحقاً أسرع دورة تشديد نقدي منذ 4 عقود، لمواجهة موجة التضخم التي أعقبت الأزمة الصحية، وفق «رويترز».

كما أعاد باول صياغة استراتيجية السياسة النقدية لـ«الاحتياطي الفيدرالي» مرتين بشكل جذري، وكان الأكثر انفتاحاً في التواصل مع الجمهور بشأن قرارات البنك المركزي ونواياه مقارنة بأي رئيس سابق لـ«الفيدرالي» الأميركي.

ومع نهاية فترة قيادته، قد تكون السمة الأبرز في تجربته، وربما أكثر مهاراته أهمية بوصفه مصرفياً مركزياً؛ هي جهوده الهادئة لإعادة ترميم علاقة «الاحتياطي الفيدرالي» بالمسؤولين المنتخبين في الكونغرس.

وبصفته ابناً لواشنطن، وصانع صفقات سابقاً، ومسؤولاً في وزارة الخزانة، وباحثاً في مراكز الدراسات قبل انضمامه إلى «الاحتياطي الفيدرالي»، ربما كان بناء العلاقات السياسية والمؤسسية أكثر طبيعية بالنسبة لباول، مقارنة بأسلافه مثل جانيت يلين وبن برنانكي، اللذين حملا خلفيات أكاديمية واقتصادية رفيعة وصلت إلى مستوى جائزة نوبل.

غير أن الأمر لم يكن مجرد مجاملات سياسية؛ إذ كان باول ينظر إلى الكونغرس باعتباره المصدر الأساسي للرقابة والمساءلة على البنك المركزي. وبعد خلافه المبكر مع الرئيس دونالد ترمب خلال ولايته الأولى، بات يرى في الكونغرس أيضاً خط الدفاع الأهم ضد أي محاولات للمساس باستقلالية «الاحتياطي الفيدرالي» في إدارة الاقتصاد، وتحديد أسعار الفائدة بعيداً عن ضغوط البيت الأبيض أو غيره.

وأظهر بحث حديث أجراه توماس دريكسل، الأستاذ المساعد للاقتصاد في جامعة ميريلاند، واعتمد على تصنيف اجتماعات رؤساء «الاحتياطي الفيدرالي»، وفق جداول أعمال متاحة للعامة، أن باول كان أكثر نشاطاً داخل أروقة الكونغرس مقارنة بكل من يلين وبرنانكي، وأن وتيرة لقاءاته مع أعضاء مجلسي «النواب» و«الشيوخ» من الحزبين، بلغت ذروتها خلال فترة رئاسة ترمب.

ومن المتوقع أن يتبنى كيفن وارش، الرئيس المنتخب المقبل لـ«الاحتياطي الفيدرالي»، نهجاً مشابهاً، لا سيما أنه محامٍ أيضاً، ويحظى بتقدير واسع لمهاراته الدبلوماسية، خصوصاً إذا تمكن الديمقراطيون مستقبلاً من استعادة السيطرة على الكونغرس، وتغيير قيادة لجان الرقابة الرئيسية المعنية بـ«الفيدرالي».

ومع ذلك، لم ينجح هذا النهج في كسب الجميع إلى صف باول؛ فقد وجّه السيناتور الجمهوري عن ولاية أوهايو بيرني مورينو، انتقادات حادة لرئيس «الاحتياطي الفيدرالي» خلال جلسات استماع أمام لجنة الخدمات المصرفية في مجلس الشيوخ عام 2025، مؤكداً أن لقاءاته مع باول في العام الماضي، لم تغيّر قناعته بأنه «شخصية مفرطة في التسييس... وقد ألحق ذلك ضرراً بالغاً بـ(الاحتياطي الفيدرالي)»، وهو رأي يتردد على نطاق واسع بين أنصار ترمب.

لكن دريكسل رأى أن الأرقام تعكس صورة مختلفة، وربما كانت أكثر أهمية خلال الأسابيع الأخيرة، عندما دعم أعضاء بارزون في مجلس الشيوخ بأول، في مواجهة خلافه مع إدارة ترمب بشأن تحقيق جنائي جرى إسقاطه لاحقاً.

وأشار إلى أن باول عقد، خلال سنوات رئاسته، 11 اجتماعاً مع السيناتور الجمهوري عن ولاية كارولاينا الشمالية توم تيليس، وفق بيانات دريكسل. وكان تيليس من بين الشخصيات التي أسهمت في تعطيل ترشيح وارش مع تصاعد الضغوط على باول، قبل أن تتراجع الإدارة لاحقاً عن التحقيق.

وقال دريكسل بشأن تواصل باول مع المشرعين: «كان الأمر منهجياً ومنظماً. وربما بدا طبيعياً بالنظر إلى خلفية باول. فبرنانكي ويلين كانا أكاديميين... لكن بالنظر إلى المناخ السياسي، كان هذا الحجم من التفاعل لافتاً للنظر. وأحد التفسيرات المحتملة هو أن باول عمل بشكل نشط مع الكونغرس لحماية (الاحتياطي الفيدرالي)».