هبة مصطفى... عالمة مصرية ساهمت في تطوير اختبار أميركي متقدم لـ«كورونا»

هبة مصطفى وكارين كارول طوّرتا اختباراً لتشخيص فيروس «كورونا» (موقع جونز هوبكينز)
هبة مصطفى وكارين كارول طوّرتا اختباراً لتشخيص فيروس «كورونا» (موقع جونز هوبكينز)
TT

هبة مصطفى... عالمة مصرية ساهمت في تطوير اختبار أميركي متقدم لـ«كورونا»

هبة مصطفى وكارين كارول طوّرتا اختباراً لتشخيص فيروس «كورونا» (موقع جونز هوبكينز)
هبة مصطفى وكارين كارول طوّرتا اختباراً لتشخيص فيروس «كورونا» (موقع جونز هوبكينز)

في الوقت الذي يسابق فيه العلماء الزمن لمكافحة وباء «كورونا»، برز اسم جامعة «جونز هوبكنز» كأحد أهم المراجع الصحية لفهم انتشار الوباء، ولمع نجم علمائها الذين حللوا «كوفيد - 19»، ودرسوا أعراضه، وطوّروا أحد أسرع الاختبارات وأدقّها لتشخيص الإصابة به.
من بين هؤلاء عالمة مصرية، التحقت بـ«جونز هوبكنز»، قبل أشهر، وساهمت في تطوير اختبار للكشف عن «كورونا» اعتبر الرئيس دونالد ترمب أنه «غيّر قواعد اللعبة» في مكافحة الوباء. ونجحت المصرية هبة مصطفى وكارين كارول، العالمتان في مجال علم الأوبئة بالجامعة، في تطوير اختبار سريع لفيروس «كورونا» يعطي نتيجة سريعة لتشخيص المرض خلال دقائق.
تحدثت مصطفى، الأستاذ المساعد في علم الأمراض الفيروسية بكلية الطب بجامعة جونز هوبكنز، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط» عن هذا النجاح، وقالت: «عندما بدأنا البحوث المتعلقة بالفيروس الجديد، كانت الاختبارات التشخيصية مقصورة على مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، وكانت تأخذ وقتاً طويلاً، حيث يتم إرسال الاختبارات إلى المعمل الرئيسي، أو معامل الولاية. ولذا عملنا على تطوير معملي لتحليل العينات والمادة الوراثية للفيروس (PCR)، وقمنا بشراء مكونات من إحدى الشركات الدوائية، وعملنا على تطوير هذا التحليل حتى نجحنا في توفير هذا الاختبار في منتصف شهر مارس (آذار) الماضي».
واعتبرت مصطفى أن الفيروس اجتاح دول العالم بشكل كبير وبسرعة غير متوقعة، وكانت أعراضه شبيهة بفيروس «سارس» الذي انتشر في عامي 2002 و2003، لكن المراكز البحثية والجامعات كانت قادرة على التحكم في انتشار الأخير. في المقابل، اتّسم فيروس «كوفيد - 19»، بسرعة انتشار، وأصاب عدداً كبيراً من المرضى، خصوصاً بين الأشخاص الذين يعانون من ضعف مناعي أو أمراض أخرى تتعلق بالجهاز التنفسي، ما جعل بعض المرضى بحاجة إلى جهاز تنفس صناعي.
كان التعامل في البداية مع المرضى الذين يعانون من أعراض شديدة وضيق تنفس يستدعي البقاء في وحدة العناية المركزة، واضطرت الجهات المختصة إلى تحديد المرضى الذين يشكلون أولوية للحصول على اختبار، نظراً لمحدودية مختبرات كل ولاية، بين أشخاص سافروا إلى دولة تفشى فيها الفيروس، وآخرين اتصلوا بشخص ثبتت إصابته، أو ممن يعيشون في دار رعاية مسنين أو عاملين في مجال الرعاية الصحية.
https://www.youtube.com/watch?v=9ZpNuhqB1Qo
وتشدد الدكتورة مصطفى على أن «سياسات التباعد الاجتماعي كانت ضرورية وفعالة في تخفيض الانتشار السريع للفيروس، ولم يكن بإمكان أي مستشفى في أي دولة في العالم توفير أجهزة تنفس صناعي لعدد ضخم من المصابين في وقت واحد». وتضيف: «لم نتوقع أن يصبح هذا المرض وباءً، ولذلك لم تتمكن مختبرات الصحة من تلبية الحاجة المتزايدة من الاختبارات. وقد عملنا لمدة ثلاثة أيام متواصلة لتطوير الاختبار (السريع)، وأجرينا تجارب للتحقق من دقته للاستخدام السريري. ويعتمد الاختبار على فحص تفاعل سلسة البلمرة لإنتاج مليارات النسخ بسرعة من عينة صغيرة جداً من الحمض النووي، الذي تم الحصول عليه من مسحات عن طريق الفم أو الانف، بعد ذلك يتمكن اختصاصي الأمراض الفيروسية من استخدام برنامج كومبيوتر معين لتحديد ما إذا كان المادة الوراثية للفيروس موجودة في العينة أم لا».
وتتابع العالمة المصرية: «هذا الاختبار متوفر فقط للمرضى في المستشفيات التابعة لكلية الطب بجامعة جونز هوبكنز (الذي يشمل مستشفيات مدينة بالتيمور ومقاطعة هوارد ومقاطعة مونتغمري بولاية ميريلاند)، ولم يكن متاحاً لمستشفيات أخرى، لذا قمنا بمشاركة المختبرات الأخرى في أبحاثنا، وما توصلنا إليه، حتى تعمل كل المختبرات العامة والخاصة على توسيع قدرتها الاختبارية بسرعة».
وتروي العالمة المصرية الأصل: «في أول يوم، قمنا باختبار 50 عينة، وفي الأيام التالية بلغت القدرة على إجراء الاختبارات 180 اختباراً يومياً، ثم ألف مريض يومياً، واليوم وصلت قدرتنا إلى 1500 تحليل يومياً».
وعن عملها بكلية الطب بجامعة جونز هوبكنز، تقول العالمة المصرية: «أعمل في قسم التشخيص، ونحن فريق مكون من خمسة عشر باحثاً وعالماً في قسم الأحياء الدقيقة (Pathology)، من بين فريق مكون من 95 شخصاً في القسم، إضافة إلى الفنيين ومديري المعامل. وأقوم أنا وزملائي في معمل التشخيص بدراسة الطفرات في الفيروس، والأعراض المرتبطة بالفيروس، وتوفير أعلى مستويات الجودة لرعاية المرضي في مستشفيات جامعة جونز هوبكنز بمدينة بالتيمور بولاية ميريلاند، فيما تعمل أقسام أخرى في الجامعة على أبحاث التوصل إلى لقاح».
هبة مصطفى التي عملت في صمت مع زملائها لتحقيق خطوة في طريق مكافحة الوباء والتوصل إلى هذا الاختبار المتقدم، هي ابنة أسرة مصرية عاشت في مدينة الإسكندرية، تخرجت في كلية الطب بجامعة الإسكندرية عام 2004 وصاحبت زوجها إلى الولايات المتحدة بعد حصوله على منحة لنيل درجة الدكتوراه. وقامت بالتقدم للحصول على درجة الدكتوراه بعد خمس سنوات، ثم أمضت ثلاث سنوات في العمل على أبحاث الانفلونزا و«البارا إنفلونزا» في مستشفى سان جود بولاية تنيسي.
بعدها، قدمت هبة مصطفى على منحة لمدة عامين في جامعة روشستر بنيويورك في دراسة علم كيمياء الأحياء الدقيقة، وكانت من بين 12 عالماً فقط يتم اختيارهم كل عام على مستوى الولايات الأميركية، وهو ما أهلها للحصول على شهادة في «Clinical Microbiology»، وحينما أعلنت جامعة «جون هوبكنز» عن حاجتها لشعل وظيفة بقسم الأحياء الدقيقة تقدمت للوظيفة، وتم قبولها في عام 2019.
وتنصح العالمة المصرية بالالتزام بالتباعد الاجتماعي وغسل اليدين بشكل متكرر والتعامل مع كل الاسطح وكل الأوراق على أنها تحمل الفيروس والالتزام بوضع الكمامة وقناع الوجه والقفازات. وتحفظت على وصفات الأطعمة التي يتم الترويج لها باعتبارها تقوى جهاز المناعة، قائلة إنه لا توجد أبحاث علمية تشير إلى أن هذه الأطعمة تفيد أو تضر.
واستبعدت دكتورة مصطفى أن يقوم الفيروس بتطوير نفسه بحيث يكون أشد خطورة في الإصابة والانتشار حينما يتم خفض معدلات الإصابة الوفيات، لكنها أشارت إلى أن القضاء على انتشار الفيروس لن يتحقق إلا بالتوصل إلى لقاح فعال، فيما يتوقع أن يستغرق ذلك عاماً على الأقل. وتقول الدكتورة مصطفى: «الأبحاث الحالية تنظر في تأثير الفيروس على جهاز المناعة، وشكل المصل المطلوب، وأي جزء في المناعة تتم تقويته لمواجهة الفيروس. وأملنا أن تستمر سياسات التباعد الاجتماعي إلى أن تنخفض معدلات الإصابة، وحتى التوصل إلى علاجات فعالة حتى يتم التوصل إلى اللقاح».


مقالات ذات صلة

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

صحتك فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر (رويترز)

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

كشفت دراسة حديثة أن فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر حيث أصبحت قادرة على إصابة الخلايا البشرية عبر أكثر من مسار.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...