ديبوراه بيركس... طبيبة تسير على حبل مشدود بين الولاء لترمب وصحة الأميركيين

منسّقة الاستجابة لفيروسات «كورونا» في فريق عمل البيت الأبيض

ديبوراه بيركس... طبيبة تسير على حبل مشدود بين الولاء لترمب وصحة الأميركيين
TT

ديبوراه بيركس... طبيبة تسير على حبل مشدود بين الولاء لترمب وصحة الأميركيين

ديبوراه بيركس... طبيبة تسير على حبل مشدود بين الولاء لترمب وصحة الأميركيين

عندما شكل البيت الأبيض، في 27 من يناير (كانون الثاني) الماضي، فريق العمل الخاص لمواجهة الفيروس التاجي (كورونا) المستجد المسبب لمرض «كوفيد-19»، فإنه عين على رأسه طبيبين موثوقين يتمتعان بخبرات دبلوماسية عالية، هما: الدكتورة ديبوراه بيركس منسقة الاستجابة للفيروسات التاجية (كورونا)، والدكتور أنتوني فاوتشي مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المُعدية.
ولكن على الفور بدت الفوارق واضحة بينهما، على الأقل في طريقة تعاملهما مع رئيس أميركي كدونالد ترمب، يمكن أن تتحوّل العلاقة معه في لحظة إلى مباراة في اللعب على حبل مشدود، قد تطيح «الثقة» و«الولاء» اللذين يعدهما أولوية مع مسؤولي إدارته، إذ بينما لوحظ على فاوتشي التكلم بصراحة، كانت بيركس أكثر مداراة، بل مسايرة، للرئيس في جل ما يقوله.
ينظر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وكثير من المسؤولين في البيت الأبيض، إلى الدكتور أنتوني فاوتشي بدرجة من الشك، معتقدين أنه يميل أكثر من اللازم إلى شخصيته العامة، وأنه «مارق» في الرسائل التي يمرّرها. وفي المقابل، يعدون أن الدكتورة ديبوراه بيركس أكثر استعداداً للتحلي بالصبر مع ثقافة الرئيس ونظرياته الطبية. ولقد برز هذا الاختلاف بشكل واضح خلال الأسبوعين الماضيين، حين أثارت تعليقات بيركس عن أنه لا صحة للمعلومات حول نقص أجهزة التنفس وأسرة المستشفيات، وإشادتها بدور الرئيس واهتمامه بالتفاصيل، عدداً من التساؤلات عن مدى استقلاليتها، وسط أعداد الإصابات التي ترتفع متجاوزة دول العالم كلها تقريباً.
نشير هنا إلى أن نائب الرئيس مايك بنس، الذي يتولى رئاسة فريق العمل، كان قد بادر بشكل مبكر إلى تسميتها «ذراعه اليمنى»، في حين أن فاوتشي، ووفق كل الاستطلاعات، تحوّل إلى مصدر الثقة الأول لمعرفة الأخبار حول الوباء على المستوى الشعبي. وفي حين أشاد الجمهوريون ببيركس، ووصفوها بأنها «مقاتلة حقيقية أوقفت الهستيريا السائدة»، اتهمها منتقدو ترمب ومعارضوه بتبديد المصداقية التي طوّرتها بصفتها مسؤولة عن الصحة في الإدارات الجمهورية والديمقراطية المتعاقبة.
وحقاً، أثارت تعليقات بيركس حفيظة كثير من خبراء الصحة العامة، الذين شكّكوا بإمكانية مواجهة الوباء مستقبلاً، في ظل توقع موجة جديدة لانتشاره مع قدوم الخريف المقبل، ما لم يجر بناء مخزون كافٍ حقيقي من المعدات والأجهزة اللازمة لمعالجة المرضى، وهذا بالتزامن مع شكوك تحيط بإمكانية إنتاج الأجهزة في الوقت المناسب لمساعدة المستشفيات المنهكة، إذ حذر الدكتور هوارد بوشنر، رئيس تحرير مجلة الجمعية الطبية الأميركية، من حدوث «تسونامي محتمل». وقال الدكتور رايان ستانتون، عضو مجلس إدارة الكلية الأميركية لأطباء الطوارئ، إن الدكتورة بيركس بدت مثل «بناة السفينة تايتانيك الذين قالوا إن السفينة لا يمكن أن تغرق».
-- لعبة الحبل المشدود
بالطبع، هذا لا يقلل من أهمية دور الدكتورة بيركس وشخصيتها وتجربتها. وهي في سيرها على هذا الحبل المشدود، كانت مُجبرة على التأرجح بين الأطراف المتنافسة أحياناً في مجموعة العمل، التي تضم مجموعة من الأطباء والعلماء الذين شكّكوا في كثير من الأحيان بسياسة البيت الأبيض تجاه التعامل مع الوباء. ثم إنها أيدت في مناقشاتها الخاصة موقف أعضاء المجموعة الذين عملت معهم لعقود، في دفع وزارة الخارجية لإصدار توجيهات تمنع الرحلات البحرية. كذلك شاركت في إبداء تحفظاتها على تبني إدارة ترمب عقاقير الملاريا علاجاً محتملاً للوباء.
لكنها، في المقابل، علناً حافظت على هدوئها على منصة المؤتمر الصحافي اليومي الذي يعقده الرئيس، رغم نفيها وجود أزمة على صعيد التجهيزات الطبية للمستشفيات، أو وجود توجيهات للمستشفيات بعدم تقديم العناية الطبية لبعض المصابين بالوباء ممن يعانون من أمراض خطيرة، وهو الأمر الذي أكدته الوقائع في الأيام الأخيرة، ودافع عنه ترمب في بداية الأسبوع، قائلاً: «لم يحتج أحد لسرير في مستشفى وحُرم منه، ولا أحد احتاج إلى جهاز تنفس ولم يجر توفيره له». ولكن وفقاً لجمعية طب الرعاية الحرجة، يوجد حالياً 160 ألفاً إلى 200 ألف جهاز للتنفس في الولايات المتحدة، بينما يحتاج ما يصل إلى مليون مريض لاستخدام الأجهزة في أثناء تفشي المرض.
وفي هذه الأثناء، جدد ترمب هجومه على وسائل الإعلام وساسة الحزب الديمقراطي، قائلاً إنهم يستهدفونه بشكل خاص، ويروّجون أنه عنصري معاد للأجانب، واصفاً ذلك بـ«الأخبار الزائفة». وقال: «أنا أسجل كل ذلك لأن الأخبار الزائفة كثيرة، قيل عني أنني أكره الأجانب مثلما قالت (نانسي) بيلوسي (رئيسة مجلس النواب) وجو بايدن (المرشح الديمقراطي)».
-- توتر ترمب - فاوتشي
كانت شبكة «سي إن إن» قد أعلنت، الأسبوع الماضي، أن مكتب نائب الرئيس مايك بنس منع كلاً من ديبوراه بيركس وأنتوني فاوتشي من الظهور على شاشتها، ما لم توافق الشبكة على بث الإحاطات الإعلامية اليومية كاملة عن فيروس «كوفيد-19» في البيت الأبيض. وللعلم، في وقت سابق أوقفت الشبكة نقل وقائع الشق الذي يتحدث فيه ترمب، ويجيب عن أسئلة الصحافيين. والسبب، حسب كثير من المعلقين، تحول النقل اليومي إلى منصة لحملة ترمب السياسية والانتخابية، يتحدث فيه عن كل شيء، خصوصاً لمخاطبة قاعدته الحزبية، فيما خصمه الديمقراطي جو بايدن قابع في منزله يجاهد لمخاطبة جمهوره.
ورغم عدم صدور نفي أو تأكيد من البيت الأبيض عن هذه الواقعة، فإن ظهور فاوتشي، يوم الأحد الماضي، على شاشة الشبكة، أسقط هذا الاتهام. لكن مقابلته هذه كلفته تغريدات وتعليقات طالبت بطرده، وأعاد ترمب نشرها، بعد قوله إن التصدي المبكر للوباء كان يمكن أن يحفظ أرواحاً كثيرة. ورغم التوضيحات المتبادلة من البيت الأبيض وفاوتشي حول «سوء فهم تعابيره»، بدا واضحاً أن مستقبله مع الرئيس بات موضع شك.
-- الحفاظ على سمعتها وإرضاء ترمب
وفي أي حال، بنت الدكتورة بيركس سمعتها طيلة سنوات بصفتها مسؤولة صحية كبيرة مقبولة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. واستوعبت الرياح السياسية الأخيرة عبر توجيه الإطراء لترمب الذي يطلبه من مساعديه. وقالت في مقابلة تلفزيونية: «لقد كان منتبهاً للغاية للتفاصيل والبيانات، وأظهر قدرة على تحليل البيانات ودمجها بشكل مفيد خلال مناقشاتنا حول القضايا الطبية».
كثير من المتخصصين والمسؤولين الطبيين أعربوا على الأثر عن تعاطفهم معها، إذ قال الدكتور توماس فريدن، الذي عمل معها عندما كانت تدير مراكز التصدي لفيروس الإيدز «إن تسخير الإرادة السياسية لتنفيذ توصيات كبار خبراء الصحة العامة في أمراض الجهاز التنفسي في البلاد، وتنظيم الحكومة لإدارة الاستجابة بشكل فعّال أمر صعب، فكثير من الأرواح تعتمد على تحقيق هذا التوازن الصحيح».
-- بطاقة شخصية
ولكن من هي بيركس؟
ديبوراه ليا بيركس طبيبة دبلوماسية عقيد في الجيش الأميركي، متخصصة في مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية المكتسب (الإيدز) وأبحاث اللقاحات والصحة العالمية. في الفترة من 2014 إلى 2020، عملت بيركس سفيرة متجولة ومنسقة عالمية لـ«الإيدز»، داخل الولايات المتحدة وخارجها، حيث كانت مسؤولة عن خطة الرئيس الطارئة لبرنامج الإغاثة من «الإيدز» في 65 دولة تدعم علاج فيروس نقص المناعة المكتسب، وبرامج الوقاية منه.
ولدت بيركس عام 1956، في مقاطعة لانكستر بولاية بنسلفانيا. والدها دونالد بيركس، عالم رياضيات مهندس كهربائي، ووالدتها أديل سباركس بيركس، مدربة التمريض. وتعيش الآن مع والديها وزوجها وأحد أفراد عائلة ابنتها في منزل العائلة.
تلقت علومها الأولى في مدرسة وثانوية لامبيتر في ستراسبورغ. وقدّمت عام 1971 مشروعها العلمي الأول في معرض لانكستر سيتي كاونتي للعلوم، عن علم النبات القديم.
وفي العام التالي، احتلت بيركس -التي كانت آنذاك طالبة في المدرسة الثانوية- المركز الثالث في المعرض نفسه، مع مشروع أكثر عمقاً حول علم النبات والصخور. وفي مقابلة معها عام 1972، أوضحت بيركس اهتمامها بموضوع مشروعها، قائلة «أوافق على أن التاريخ قد لا يساعدك في التنبؤ بالمستقبل، لذلك أحب الصخور؛ إنها أكثر ثباتاً من الناس».
ثم انتقلت عائلة بيركس إلى مدينة كارلايل في بنسلفانيا، حيث تخرجت من مدرستها الثانوية. وعام 1976، حصلت على درجة البكالوريوس في الكيمياء من كلية هوتون. وفي عام 1980، حصلت على الدكتوراه في الطب من مركز هيرشي الطبي في جامعة ولاية بنسلفانيا.
وبين عامي 1980 و1994، عملت بيركس ضابط احتياط نشط في الجيش الأميركي. ومن عام 1994 إلى عام 2008، عملت في الجيش النظامي، وحصلت على رتبة عقيد.
ثم من عام 1980 إلى عام 1989، عملت بيركس طبيباً في مركز «والتر ريد» الطبي العسكري، مع الإشارة إلى أنها في عام 1981، أكملت فترة تدريب لمدة عام واحد، وعملت لمدة عامين في الطب الباطني. وبين عامي 1983 و1986، أكملت زمالتين في علم المناعة السريري في مجالات الحساسية والتشخيص، حيث عملت في مختبر الدكتور أنتوني فاوتشي.
-- تخصصها نقص المناعة
من عام 1985 إلى عام 1989، كانت ديبوراه بيركس مساعد رئيس خدمة مركز والتر ريد للحساسية والمناعة. وبعدما بدأت حياتها المهنية طبيبة في علم المناعة، فإنها ركزت في نهاية المطاف على أبحاث لقاح فيروس نقص المناعة. ومن عام 1986 إلى عام 1989، عملت في المعاهد الوطنية للصحة (NIH) محققاً متخصصاً في علم المناعة الخلوي.
وعادت بيركس إلى والتر ريد، حيث عملت في الفترة من 1989 إلى 1995 في قسم أبحاث الفيروسات القهقرية، رئيساً مساعداً ثم رئيسة القسم. وكانت مديرة مختبر في تطوير لقاح نقص المناعة المكتسب (HIV-1) لمدة سنة. وأصبحت مديرة برنامج أبحاث فيروس نقص المناعة البشرية العسكري للولايات المتحدة في معهد والتر ريد للأبحاث التابع للجيش، وهو المنصب الذي شغلته لمدة 9 سنوات، من عام 1996 إلى 2005. وقادت من منصبها هذا التجربة السريرية للقاح (RV-144) لفيروس نقص المناعة البشرية، أول دليل داعم على فعالية أي لقاح في الحد من خطر الإصابة بهذا الفيروس.
وخلال الفترة من 2005 إلى 2014، عملت بيركس مديرة لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في قسم فيروس نقص المناعة البشرية - الإيدز العالمي (DGHA)، وهو جزء من مركز الصحة العالمية التابع للوكالة. وفي يناير (كانون الثاني) 2014، رشح الرئيس السابق باراك أوباما بيركس لتكون سفيرة عامة ومنسقة عالمية لـ«الإيدز» في الولايات المتحدة، كجزء من خطته الطارئة للإغاثة من «الإيدز» (PEPFAR).
ويوم 4 أبريل (نيسان) 2014، ثبت مجلس الشيوخ تعيينها، ووصفت دورها سفيرة للمساعدة في تحقيق أهداف الوقاية والعلاج من فيروس نقص المناعة البشرية التي حددها أوباما في عام 2015 لإنهاء وباء الإيدز بحلول عام 2030. وكجزء من عملها للوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية، أنشأت بيركس برنامجاً سمي «دريمز» (DREAMS) في اختصار لكلمات «عازم ومرن وممكّن وخالي من الإيدز وموجه ومأمون» بالإنجليزية، وهو شراكة بين القطاعين العام والخاص يركز على تقليل معدلات الإصابة بين المراهقين والشبان.
-- موقعها الحالي
في عهد الرئيس دونالد ترمب، في 27 فبراير (شباط) 2020، عينها نائب الرئيس مايك بنس في منصب منسقة الاستجابة للفيروسات التاجية (الكورونا) في فريق العمل الذي أسسه البيت الأبيض. وفي مارس (آذار) 2020، أصبحت عضوة في مجلس إدارة الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا.
وأخيراً، على صعيد التقديرات والأوسمة، حصلت بيركس عام 1989 على وسام الاستحقاق، وعام 1991 على وسام الجدارة من وزارة الدفاع الأميركية. وعام 2008، حصلت على وسام المدير المتميز من المجلس التنفيذي الاتحادي. وفي عام 2011، على جائزة الإنجاز مدى الحياة من الجمعية الأفريقية للطب المخبري، وعام 2014 على وسام الامتياز من مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها.


مقالات ذات صلة

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

صحتك فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر (رويترز)

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

كشفت دراسة حديثة أن فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر حيث أصبحت قادرة على إصابة الخلايا البشرية عبر أكثر من مسار.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.