حاول عادل محمد، (طالب جامعي) الاقتراب أكثر من مياه النيل عند كورنيش منطقة ماسبيرو، خلال ساعات الصباح المبكرة، من أجل الاستمتاع أكثر بصفحة النهر البيضاء واستعادة الذكريات الدافئة التي شهد عليها النيل في هذا الموقع قبل أشهر، وبعد شروعه في النزول إلى الأسفل حيث الممشى الجديد، فوجئ بشاب ذي ملامح قمحية ينهره بنبرة حادة «التزم الجانب الأيمن»، لم يستوعب عادل سبب انفعال الشاب، إلّا بعد وصوله إلى مبتغاه، حيث شاهد عن قرب الشاب العصبي، وهو ينظف أرضية الممشى بالمياه وأدوات التنظيف البلاستيكية، وبمجرد جلوس عادل على مقعد خشبي محاولاً تأمل منظر النيل الرائع، باغته الشّاب ذاته بنبرة هادئة وناعمة هذه المرة: «هل تحب شرب شاي أو قهوة أو حاجة ساقعة يا أستاذ»، فأدرك عادل أنّه بائع مشروبات بالمنطقة.
قبل انتشار فيروس «كورونا» في مصر، كان يبدأ عمل هؤلاء الباعة قبل غروب الشمس مباشرة بالتزامن مع اختفاء الموظفين والمراقبين المحليين الذين كانوا يمنعونهم أحياناً من وضع كراسيهم البلاستيكية وأدوات صنع المشروبات على حافة النهر في بعض الأحيان تطبيقاً للقانون الذي يمنع استغلال الباعة للممشى الجديد الذي افتُتح قبل أربع سنوات وتكلف ملايين الجنيهات، لكن بسبب إجراءات الحظر المسائي التي تبدأ حالياً من الثامنة مساءً وحتى السادسة صباحاً في مصر، اضطر هؤلاء إلى تغيير مواعيد عملهم لتبدأ في الصباح الباكر وحتى ساعات الليل الأولى مستفيدين من اعتدال الطقس ودرجات الحرارة في فصل الربيع الجاري.
ورغم مرونة البائعين في التعامل مع هذه الأوضاع الاستثنائية، فإنّ الزبائن المحتملين من العشاق والأصدقاء لم يتمتعوا بالمرونة ذاتها، خصوصاً بعد تجاوز عدد الإصابات بالفيروس في مصر أكثر من ألفي حالة، ووفاة ما يقرب من مائتي شخص حتى الآن، ففي بعض الأحيان لا يكسر حال الصمت بالكورنيش، سوى مزاح بعض بائعات الورد مع أصدقائهم البائعين، الذين يشكون من تراجع أرباحهم في زمن «كورونا»، حسب محمد السيد 30 سنة، الذي يعمل بمنطقة الكورنيش منذ 10 سنوات، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «نحن من العمالة غير المنتظمة التي تأثرت بأزمة كورونا، لا سيما أنّ عملنا كان يعتمد على زبائن الفترة المسائية، ورغم أنّنا نأتي مبكراً على غير المعتاد فإن الزبائن بدورهم لا يأتون».
يتذكر عادل الوضع في كورنيش القاهرة قبل نحو ثلاثة أشهر من الآن، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «صوت أغاني المهرجانات الشعبية الصاخبة بالمراكب النيلية التي كانت تجري في النهر كان يُسمع من بعيد كخلفية دائمة لطقس مستقر، بينما كانت تنهيدات (كوكب الشرق) أم كلثوم الصادرة من سماعات باعة المشروبات بالكورنيش تُطمئن العشاق وتزيدهم حماساً، وهم يشاهدون أضواء برج القاهرة وهمسات المتفرجين فوق جسر قصر النيل المعدني ذي الأسود الأربعة، لكن الآن الحال تغير تماماً، فلا عشاق ولا أغاني ولا متفرجين، الجميع يريد أن يصل إلى محطته النهائية قبل موعد حظر التجول».
ثمة أقفال معدنية شاهدة على قصص الحب المشتعلة التي أطفأها فيروس «كورونا»، تظهر بوضوح بالحاجز المعدني الذي يفصل بين المشاة ومياه النيل، فلا إقبال الآن على وضع أقفال جديدة لتوثيق الذكريات.
ورغم أنّ كورنيش نيل القاهرة من أكثر الوجهات التي يفضلها سكان العاصمة المصرية في عيد «شم النسيم» الذي يحين موعده منتصف الأسبوع المقبل، فإنّه لن يكون بإمكانهم الاستمتاع بما اعتادوا عليه خلال الأعوام السابقة، بسبب قرارات التباعد الاجتماعي وحظر التجمعات التي تفرضها الحكومة المصرية للحد من انتشار فيروس كورونا في البلاد، حيث قررت أخيراً إغلاق المتنزهات والحدائق والشواطئ لأول مرة منذ عقود خوفاً من «كوفيد - 19». وتواصل السلطات المصرية حالياً بناء ممشى جديد بطول نحو كيلومترين بين جسري «15 مايو» و«إمبابة»، كنموذج تجريبي قبل تطبيقه في المناطق المطلة على نهر النيل بالمدن المصرية، ويتضمن مشروع «أهل مصر» بهذه المنطقة إنشاء ممشى أفراد متدرج بجانب إنشاء 19 مبنى تضم خمسة مطاعم، وخمس كافتيريات، و56 محلاً تجارياً.
8:50 دقيقه
كورنيش النيل يفقد عشاقه بسبب «كورونا»
https://aawsat.com/home/article/2236066/%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%86%D9%8A%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%8A%D9%84-%D9%8A%D9%81%D9%82%D8%AF-%D8%B9%D8%B4%D8%A7%D9%82%D9%87-%D8%A8%D8%B3%D8%A8%D8%A8-%C2%AB%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%A7%C2%BB
كورنيش النيل يفقد عشاقه بسبب «كورونا»
الباعة يعملون صباحاً لتجنب الحظر المسائي في القاهرة
كورنيش النيل يبدو خاوياً من عشاقه في زمن «كورونا» (تصوير: عبد الفتاح فرج)
- القاهرة: عبد الفتاح فرج
- القاهرة: عبد الفتاح فرج
كورنيش النيل يفقد عشاقه بسبب «كورونا»
كورنيش النيل يبدو خاوياً من عشاقه في زمن «كورونا» (تصوير: عبد الفتاح فرج)
مواضيع
مقالات ذات صلة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

