أميركا تستيقظ على 3 آلاف ضحية لـ«كورونا»... والعدد لا يزال «ضئيلاً»

ترمب يكشف عن جهاز فحص سريع... ونيويورك تحذّر من ذروة في الإصابات

أميركا تستيقظ على 3 آلاف ضحية لـ«كورونا»... والعدد لا يزال «ضئيلاً»
TT

أميركا تستيقظ على 3 آلاف ضحية لـ«كورونا»... والعدد لا يزال «ضئيلاً»

أميركا تستيقظ على 3 آلاف ضحية لـ«كورونا»... والعدد لا يزال «ضئيلاً»

استيقظت الولايات المتحدة صباح أمس (الثلاثاء) على نبأ وصول عدد الوفيات جراء فيروس كورونا إلى أكثر من 3 آلاف. عدد هائل يتخطى عدد ضحايا هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، لكنه يبدو ضئيلاً لدى سماع تحذير الطبيبة ديبورا بيركس، منسقة مجموعة العمل الخاصة بمكافحة الفيروس، التي قالت إن عدد الوفيات جراء الفيروس في الولايات المتحدة قد يصل إلى 200 ألف ضحية حتى لو تم اتباع كل قواعد التباعد الاجتماعي.
ويحاول الرئيس الأميركي دونالد ترمب جاهداً توفير نظرة متفائلة نسبياً في مؤتمراته الصحافية اليومية، فوقف في حديقة الزهور في البيت الأبيض، وحاول طمأنة الأميركيين، مؤكداً لهم أن أولويته هي إنقاذ حياتهم: «الاقتصاد هو رقم 2 على لائحتي، الرقم 1 هو إنقاذ حياة الأميركيين». حمل بيديه علبة احتوت على جهازٍ عرضه أمام شاشات التلفزة والصحافيين، قائلاً إنه يستطيع إصدار نتيجة فحص كورونا خلال دقائق. وتقول مختبرات «أبوت» التي أنتجت الجهاز، إن نتيجة الفحص المخبري تتخذ أقل من 15 دقيقة للصدور. وأعلن ترمب أن الولايات المتحدة فحصت حتى الساعة أكثر من مليون شخص. الأمر الذي يعدّ إنجازاً في الحرب ضد الفيروس، بحسب تعبيره. وأضاف الرئيس الأميركي أن شركة «فورد» الأميركية بدأت بعملية صنع أجهزة التنفس، وأنها سوف تسلم 50 ألف جهاز خلال 100 يوم. وقال ترمب إن أكثر من 10 شركات ستساهم في إنتاج أجهزة التنفس، لدرجة أن الولايات المتحدة قد يصبح عندها فائض في الأجهزة، «عندما نتخطى حاجتنا من الأجهزة، سوف نرسل ما تبقى إلى إيطاليا وفرنسا وإسبانيا حيث هناك مشاكل كثيرة، وإلى بلدان أخرى... سوف نرسل أشياء طبية بقيمة 100 مليون دولار تقريباً إلى إيطاليا».

- حكام الولايات

نظرة لا تعكس الواقع الذي يصفه حكام الولايات المختلفة، الذين يتحدثون عن نقص في المعدات الطبية والأقنعة والفحوصات المخبرية. فقد قال حاكم ولاية مونتانا، ستيف بولوك، إن ولايته لن تتمكن من إجراء أي فحص مخبري، إن لم يرسل لها مركز مكافحة الأوبئة مزيداً من الفحوصات.
ولعلّ الولاية التي تعاني أشد معاناة حتى الساعة هي ولاية نيويورك، فمع تخطي عدد الإصابات 160 ألف في الولايات المتحدة، وصل عدد الوفيات في نيويورك إلى أكثر من 1200. وحذّر حاكمها أندرو كومو من أن الأسابيع المقبلة سوف تشهد ذروة في الإصابات والوفيات. فمع وفاة أكثر من 250 مريضاً يومي الأحد والاثنين فقط، قد يصل عدد الوفيات اليومية إلى 800، بحسب كومو الذي قال: «أريد تحضير الأميركيين لاستيعاب هذا العدد، فالفيروس يسبقنا في كل خطوة نتخذها».
تصريح لا يعكس التفاؤل الذي تحدث عنه ترمب، وبدا هذا واضحاً في صورة الوضع الميداني في الولاية. فمدينة الأضواء غيّرت ملامحها لإسعاف مواطنيها، إذ تم تحويل متنزه سنترال بارك الشهير إلى مشفى صغير، من خلال خيم منصوبة وأسرة لمعالجة مرضى الفيروس. كما حوّل فرع المهندسين في الجيش الأميركي مركز جافيتس للمؤتمرات في مانهاتن إلى مستشفى مؤقت، وتم وضع 2900 سرير فيه.
وفي ظل السكون المدقع، راقب تمثال الحرية باخرة «يو إس إن إس» وهي تمخر عباب بحيرة هدسون للوصول إلى الولاية والمساعدة على احتواء الأزمة. فقد حُولت هذه الباخرة الضخمة من ناقلة نفط تابعة للبحرية الأميركية إلى مستشفى عائم لإنقاذ نيويورك. وتم تجهيزها بـ1000 سرير واستقدام 1200 طبيب سيتولون علاج المرضى بدءاً من يوم الثلاثاء. وخُصص هذا المستشفى لمعالجة المرضى غير المصابين بفيروس كورونا، لتخفيف العبء عن المستشفيات الأخرى في الولاية. وتحضيراً لما سيأتي، أرسلت وكالة إدارة حالات الطوارئ الفيدرالية (فيما) شاحنات مبردة إلى الولاية، لتكون بمثابة مستودعات مؤقتة للجثث. وقال المدير المحلي للوكالة فون أسن: «نحن نرسل شاحنات مبردة إلى نيويورك للمساعدة على حل المشكلة بشكل مؤقت. فهناك حاجة ماسة في نيويورك لاحتواء الجثث، خاصة في كوينز». وكانت «فيما» أبلغت وزارة الأمن القومي بأن مشرحات نيويورك لن تتمكن من استقبال مزيد من الجثث قريباً. كم تمّ نصب خيم لاستقبال الجثث بالقرب من مستشفى بيلفيو في نيويورك.
وفي ظل هذه الأجواء الداكنة، يحاول المسؤولون في نيويورك الحفاظ على بارقة أمل، من خلال الإبقاء على أضواء مانهاتن الباهرة. فتم تفعيل خطة للإبقاء على الموظفين المسؤولين عن إضاءة هذه الشوارع التي أعطت لنيويورك اسمها، المدينة التي لا تنام.

- ولايات أخرى

أعلن حاكم لويزيانا، جون بيل أدواردز، أن ولايته هي الولاية الثانية بعد نيويورك من حيث الإصابات، فقد ارتفعت نسبة الوفيات من 34 إلى 185 في غضون 24 ساعة.
هذا وقد أصدر عدد من حكام الولايات أمراً ببقاء المواطنين في منازلهم إلا في حالات الضرورة القصوى. ووصل عدد هذه الولايات إلى 29 ولاية، وشمل الأمر أكثر من 225 مليون شخص. أي أن 3 من أصل 4 أميركيين هم خاضعون لهذه الإجراءات لمنع تفشي الفيروس.
وآخر هذه الولايات هي ولايات ماريلاند وفيرجينا والعاصمة واشنطن دي سي. فقد أصدر حكام هذه الولايات أمراً للمواطنين بالبقاء في منازلهم، وفي حال خرق أحدهم هذه الإجراءات، سيتم تغريمه 5000 دولار، مع احتمال زجّه في السجن لفترة عام تقريباً. ويتم استثناء التبضع لشراء المأكولات والمواد الأساسية، وممارسة رياضة المشي، مع احترام التباعد الاجتماعي. وقالت عمدة واشنطن دي سي، مورييل باوزر: «السبب الوحيد الذي يجب أن تغادر من أجله منزلك هو شراء المأكولات أو الأدوية أو ممارسة الرياضة مع عائلتك، أو لأنك يجب أن تذهب إلى عيادة طبيب أو مستشفى، أو أن لديك عملاً يعدّ أساسياً».

- استطلاعات الرأي

أظهرت آخر استطلاعات الرأي أن 52 في المائة من الأميركيين يفضلون إغلاقاً تاماً للأعمال، بدلاً من الإغلاق الجزئي الحالي. كما أظهر استطلاع آخر لمركز «بيو» للأبحاث أن 9 من أصل 10 أميركيين يدعمون القيود المفروضة على السفر وإلغاء التجمعات وإغلاق المدارس لاحتواء الفيروس.
 


مقالات ذات صلة

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».