«الشيف التنفيذي»... سحرُ اللقب يناله مَن أراد

طهاة عصاميون يصنعون المجد في أهم الفنادق العالمية

جوردي روكا  -  الشيف حمودة طرمان
جوردي روكا - الشيف حمودة طرمان
TT

«الشيف التنفيذي»... سحرُ اللقب يناله مَن أراد

جوردي روكا  -  الشيف حمودة طرمان
جوردي روكا - الشيف حمودة طرمان

موقعٌ إداري حساس لا يتأتى بين يومٍ وليلة ولا بضربة حظ، يتطلب جهد سنوات طويلة لأجل أن يكون المرء جديراً بمهمة تتطلب معاملة خاصة مع الطعام والفريق على حدٍّ سواء.
«الطاهي التنفيذي» لقبٌ يزول سحره من دون كاريزما القائد التي إن غابت في إدارة معزوفة متكاملة يفقد العمل نكهته، فــ«العظام الطرية» لا تملأ مكاناً تسكنه التحديات ولا تصلح لوضع الأساس المتين وإضفاء اللمسة الخلاّقة؛ وإنما ينجح في حمل المسؤولية فقط صاحب شخصية عصامية لها اختياراتها وتطلعاتها في الحياة، وخير من يخبرنا عن ذلك شباب واعد أصبح لهم شأن في هذه المهنة.
- عذاب البدايات
تسلم حمودة طرمان منصب الشيف التنفيذي قبل ستة أشهر فقط، هناك (Verve Dubai) في مطعم ‏‎تنبعث منه روائح حلوة للبهارات المشكّلة تُرغم فضولك على استراق النظر إلى مصدرها؛ حيث طبق التونة مع الأفوكادو والفلفل الأخضر الحار والزنجبيل ينادي من بعيد، في حين تخطف حلوى الفراولة والريحان العين عندما تقع عليها.
هذا الشاب الأردني يبدو أنه قَدّر الفرصة التي سنحت له كما يجب؛ فتجده ما بين وقتٍ وآخر يُعطي دليلاً جديداً على أنه «الرجل المناسب في المكان المناسب».
أحب حمودة الطبخ منذ عمر السادسة، وعاش أياماً رائعة مع والده الراحل الذي كان موهوباً في الطهي؛ ذلك الطفل غنّى كثيراً لصباحات اصطحبه أبوه فيها إلى السوق لشراء اللحم ومن ثم تقطيعه وطهيه معاً، وتلك القريحة كانت محظوظة أيضاً بأمه السورية.
التحق الطاهي العصامي بالقسم الفندقي بعد الصف العاشر، لم يقاوم إصراره على تعلم الطبخ إلى درجة أنه في ذلك العمر الغض بعد انتهائه من المدرسة كان يسابق الريح للحاق بموعد العمل ويمكث فيه حتى ساعة متأخرة من الليل، مستمراً على حاله عاماً كاملاً لم يتقاضَ فيه قرشاً واحداً، وفي مرحلة الثانوية العامة ترك المدرسة بلا رجعة وقرر أن يصنع من نفسه الشخص الذي وصل إليه الآن، في حين تلقى تشجيعاً من عائلته التي وقفت إلى جانبه دائماً.
رحلة حمودة بدأت قبل 13 سنة؛ نعَم؛ سخت عليه الحياة بامتحاناتها، إلا أنها لم تسلبه قوته الواضحة في صوته؛ يستهلّ حديثه بالقول: «أول وظيفة حصل عليها كانت في أحد فنادق عمان، تذّوقت العذاب، كنت أجتهد في مساعدة كل الأقسام طيلة اليوم ولا أجد تقديراً من أرباب العمل، ثم أعود إلى بيتي يكاد يُغشى عليّ من التعب».
ويراعي وداد أصدقاء قدموا له معروفاً ذات يوم؛ إذ ما زال ممتناً لزميله محمد أبو خضرة الذي ساعده في الانتقال إلى فندق «حمّامات مَعين»، ويتحدث عن تلك المرحلة بوفاء: «كنت قلقاً بعض الشيء لانتقالي من فندق أربعة نجوم لآخر خمسة نجوم، إلى أن مر الشيف محمد فاروق في حياتي؛ تأثرتُ به رغم قصر المدة التي عايشته فيها، كان سبباً في أن أثق بنفسي كما يجب، وتعلمت منه أن الإرادة تكفي لتحقيق ما نطمح إليه، ثم مضى وقت لا بأس به قبل أن أكتب أول سطر في قصتي».
حزمَ الشاب المكافح أمتعته متجهاً نحو سلطنة عُمان ليبدأ عهداً مختلفا تماماً عن كل ما اختبره في السابق؛ يقول: «عملت في مطعم رفيع المستوى، شعرت حقاً أنها مرحلة جديدة على صعيد المكونات وطبيعة العمل وتحدياته، كان فريقاً يتكون من جنسيات عدة ولم يكن أي منهم يتحدث العربية ويا للأسف أني وقتها لم أكن مجيداً للغة الإنجليزية لولا أن زميلاً مغربياً كان يسعفني عبر ترجمة ما يُقال، في غربة كهذه أعترف بأني بقيتُ متوتراً حد البكاء أحياناً».
«لا بد أن بصيص النور سيظهر»، هكذا كان يواسي نفسه، وصدقَ تفاؤله حين التقى طاهياً بريطانياً اسمه جيمس؛ والذي دعم الشغف الذي بداخله وآزره في التغلب على مخاوفه باكتساب المهارات اللازمة والثقة بالنفس، مضيفاً: «تحسن أدائي أكثر عندما تعرفّت إلى شيف تنفيذي (كندي) اسمه رون. أدهشني احترافه ومتابعته للتعلم بالاطلاع على كل ما يستجد في عالم الطهي، هذا الرجل اكتشف الطاهي المميز في أعماقي وساعدني على وضع بصمتي في كل طبقٍ أحضره، عملنا معاً لعامين واكتسبت بفضله خبرة اتكأت عليها في شق طريقي لاحقاً».
- العقل صاحب الكلمة
«Folly by Nick and Scott»، وأخيراً حدث ما أراده حمودة طرمان؛ بتلقيه عرضاً مغرياً في مطعم أوروبي في مدينة دبي؛ عمل فيه لثلاث سنوات كانت من أحلى سنوات العمر وأصعبها، حسب وصفه، وصل الليل بالنهار مع مؤسسي المطعم وكانت الثمرة أن نال المطعم شرف تصنيف «الأفضل» في الشرق الأوسط على مستوى الأطباق الأوروبية لعام 2017 وحاز «ثاني أفضل مطعم» لعام 2018.
ذلك النجاح فتح ذراعيه فجلبَ آخر لحمودة بتوليه منصب كبير الطهاة في فندق «غراند بلازا موفنبيك» الذي اُفتتح العام الماضي في دبي، مبدياً فخره بصنع شخصية للمطعم التابع للفندق وتقديم الطعام الأوروبي الكلاسيكي؛ وهذا لا يمنع أنه مولعٌ بطهي الأطباق العربية والعزف عليها بتكنيك عصري غربي لا يخلو من لمسة خاصة ليجذب بتوليفته الزبون الأوروبي على وجه الخصوص.
«لن أتوانى عن الحفر في الصخر حتى أصقل خبرتي أكثر؛ هذه المهنة أذاقتني المر والحلو والحامض والمالح، وفي مقابل ذلك العرَق أكرمني ربي بتوفيقه؛ فالحمد لله رب العالمين» يقول حمودة لـ«الشرق الأوسط».
وتتراءى صراحته عندما يفضي بالقول: «لا أنكر أن الخوف تسلل إلى قلبي عند إبلاغي بخبر الترقية، ما كان يطمئنني قليلاً أني خضت تجربة ليست بسيطة بالعمل تحت إشراف طهاة أجانب، وبالتالي ارتقت حياتي المهنية بمعدل 180 درجة».
يتجاوز «الشيف التنفيذي» حديث العهد رهبة المرحلة بانفتاح أكبر على التعلم، فقد بات جريئاً في إضفاء أسلوبه على الأطباق بعد أن كان يقدم ساقاً ويؤخر الأخرى، تبعاً لكلامه؛ مشيراً إلى أن موقعه يفرض عليه العمل بعقله أكثر من يده، ناهيك بالإمساك بزمام شؤون الإدارة التي لم يكن مُلمّاً بها من قبل.
«عمل الشيف التنفيذي، ما أهم متطلباته؟»... يجيب حمودة عن سؤالي: «المكلف بهذا الموقع الحساس لن ينجح من دون ضبط الأعصاب والتفهم والتعاون مع فريقه؛ ولا بد من حدس متيقظ لالتقاط الطهاة الجدد الذين ينتظرون اكتشاف مَلكتهم، أحاول أن أتذكر في كل لحظة قصص الطهاة المزدهرين ذات النهاية الواحدة ومفادها أن الشخصية القوية والمرنة لطاهٍ محترف ومبتكر ويقود بذكاء ويطمح للأفضل ستهيأ له فرصاً ربما لم يحلم بها».
«على ذِكر الفريق، كيف تتعامل مع (جيشك)؟»... ضحكته تسبق كلامه هنا: «روح الفريق تعني أننا يد واحدة، أنا وفريقي يكمل بعضنا بعضاً، وهذا الميزان لا يمكن أن ترجح فيه كفة على أختها؛ اتفقت معهم منذ البداية على أننا علينا السير وفق معزوفة متناغمة تضمن أعلى جودة لإرضاء الزبون، أثق بقدراتهم وأبث فيهم التشجيع بحكم ما عانيته سابقاً، وأقول لهم دائماً: «لا تستسلموا... انهضوا بعد كل وقوع ولن يُضيع الله تعبكم»؛ أحب أن نتشارك الأفكار حتى لا يشعروا بأنهم مجرد موظفين يؤدون واجبهم وحسب؛ وأعطي بصحبتهم لكل وقت حقه ما بين مرح وجد».
ومن المسؤوليات الملقاة على عاتقه ويفعلها من قلبه؛ تجوله بين الضيوف ليستشفّ انطباعاتهم عن قرب ويتأكد من مستوى الخدمة، مما يخلق أجواء من الود والمرح والثقة؛ حسب قوله.


مقالات ذات صلة

من إنقاص الوزن إلى ضبط سكر الدم... 10 أسباب قد تغيّر نظرتك إلى المعكرونة

صحتك المعكرونة طبق مشبع... ما يعني أنها قد تساعد على كبح الشهية لفترة أطول (بيكسلز)

من إنقاص الوزن إلى ضبط سكر الدم... 10 أسباب قد تغيّر نظرتك إلى المعكرونة

لطالما ارتبطت المعكرونة في أذهان كثيرين بالأطعمة الغنية بالكربوهيدرات التي يُنصح بتقليلها، خصوصاً عند محاولة إنقاص الوزن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق يؤكد العديد من السعوديين أن الأكلات الشعبية ما زالت تمثل جزءاً أصيلاً من هوية الأعياد (وزارة السياحة)

السعودية: الأطباق العصرية تنافس الوجبات التقليدية في صباح الأضحى

خلال السنوات الأخيرة، لم تعد موائد الإفطار في الأعياد مقتصرة على الأطباق الشعبية المتوارثة، بل دخلت إليها خيارات حديثة تُقدَّم بأساليب مبتكرة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
يوميات الشرق أطعمة بسيطة توقظ الحنين وتمنح شعوراً بالأمان (بكسلز)

طعام المواساة و«الطبطبة»... مأكولات تمنح الراحة للنفس والجسد

قد يكون ببساطةِ طبق من المعكرونة باللبن أو صحنٍ من الحساء أو ساندويتش بطاطا مقلية مع المايونيز والمخلّل، ذاك الطعامُ الذي يمنحُك شعوراً بالطمأنينة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

ما الأطباق العربية التي أصبحت عالميّة بدخولها قائمة اليونيسكو للتراث؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
TT

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)

لا يزال قطاع المطاعم الفاخرة يحاول التخلص من صورته النمطية، المرتبطة بالرسمية الجامدة المتقشفة. ويبدو الواقع اليوم بعيداً كل البعد عن هذا القالب القديم. من بانكوك إلى الريف الويلزي، أصبح التحول من الأجواء الرسمية والمقيدة إلى الأجواء التفاعلية والممتعة، أمراً ملموساً بوضوح.

وتعود جذور هذا التحول إلى حركات مثل «بيسترونومي» (الطهي البيستروني)، التي جلبت أساليب الطهي العالمية الراقية والمكونات عالية الجودة، إلى الأجواء غير الرسمية. ونتيجة لذلك، اهتز احتكار المطاعم الراقية لفنون الطهي الاستثنائية، وبدأ النظر إلى هذه المطاعم باعتبارها مفرطة في التكلف.

مأكولات بتصميم رائع (أفضل 50)

من جهته، عبر حسين شهزاد، الشيف المسؤول عن مطعم «بابا» في مومباي، عن اعتقاده بأنه: «لقد نسينا حقاً لماذا يخرج الناس ورواد المطاعم لتناول الطعام في المقام الأول؛ وهي الرغبة في الترفيه، والشعور بالتميز، وأن يلاحظهم الآخرون».

ويتفق غاريث وارد، من مطعم «ينيشير» في ريف ويلز، مع هذا الطرح، مشدداً على أهمية جانب الترفيه، ويرى أن «الخروج من المنزل لتناول وجبة، أمر يتعلق برمته بالاستمتاع بقضاء أمسية خارج المنزل، وكأنك تحصل على متعتين في وقت واحد».

أما غاغان أناند، صاحب مطعم «غاغان»، الذي يحمل اسمه في بانكوك، فيعزو هذا التغيير إلى سياق أوسع، مشيراً إلى أن «الإنترنت يعمل على توحيد الطابع العام للعشاء الفاخر»، مضيفاً أنه «قضى على المفهوم التقليدي للعشاء الفاخر». وعليه، تستجيب المطاعم من خلال العمل المباشر على بناء هويات مميزة خاصة بها.

الطعام الراقي بأسلوب عصري (أفضل 50)

وقال سانتياغو لاسترا، مؤسس مطعم «كول» في لندن: «إن مطعم العشاء الفاخر العظيم ينقلك إلى مكان آخر، فهو ينقلك إلى عالمه الخاص، تماماً مثل مشاهدة فيلم سينمائي». وعليه، عكف حديثاً على تعديل تصميم المطعم، ودمج بار «ميزكاليرا» - التي كانت تُستخدم كَبارٍ في الطابق السفلي - ضمن تجربة العشاء. وتسهم الإضاءة الخافتة والأجواء الأكثر حيوية في إبقاء الضيوف منجذبين، ما يمنحهم شعوراً بأن المبنى بأكمله جزء من قصة متكاملة.

أما داخل مطعم «سموكد روم» في مدريد، فيمكن للمطبخ القائم على الطهي بالنار أن يخلق أجواء خاصة به بمفرده، مع لمسات مسرحية تتميز بألسنة النيران المشتعلة، وأطباق مستوحاة من الطهي بالنار، يجري تقديمها بالتوافق مع 20 نوعاً من النبيذ، يتولى صبها خبير النبيذ العالمي البارز لويس باسيلاغا. والهدف من ذلك إعادة إحياء الذكريات البدائية للجلوس أمام النار التي يشترك فيها البشر جميعاً. من جهته، قال كبير الطهاة ماسيميليانو ديلي فيدوفي: «إنه أمر سحري ومريح ويمنحك شعوراً بالسلام».

في الواقع، خلق عالم خيالي شيء، والحفاظ على استمراريته طوال الأمسية بأكملها شيء آخر تماماً. ويبرز في صدارة هذه الحركة مطعم «ألكيميست» في كوبنهاغن، باعتباره صاحب التعبير الأكثر تطرفاً عن هذا المفهوم؛ فهو يتيح عرضاً فنياً يمتد عبر 35 طبقاً وست ساعات وغرف متعددة مليئة بالإسقاطات البصرية والرموز.

أطباق مصممة بطريقة جذابة (أفضل 50)

ومع ذلك، فإن راسموس مونك، مؤسس المطعم، يدرك تماماً أهمية ضبط الإيقاع، وأوضح قائلاً: «من بين 35 طبقاً، ربما يكون هناك سبعة إلى ثمانية أطباق تحمل في طياتها رسائل سياسية أو بيئية قوية. ونحرص نحن على خلق مسافة بينها، لتتخللها أطباق تتميز بطابع مرح أو مفاجئ أو ببساطة مذاق لا يقاوم».

من جهته، تساءل أناند: «يملك البشر حواساً متعددة، فلماذا نقتصر على استخدام العيون والأنف والفم فقط في تجربة تناول الطعام؟». وخلال تناول وجبة في مطعم «غاغان»، الذي يضم طاولة طهي تتسع لـ14 مقعداً تحيط بمطبخ مفتوح وتتوسطه كرة ديسكو، مع قائمة تشغيل موسيقية منسقة بعناية. وأضاف أناند: «ستحصل على الصوت والأضواء والكاميرا والرشاشات والسرعة والأدرينالين ـ كلها مجتمعة معاً. ومع أول طبق تضعه في فمك، تنطلق الانفجارات».

مطعم آخر يضم كرة ديسكو «ينيشير» في الريف الويلزي. وكما الحال في «غاغان»، يسير الشريط الصوتي بالتوازي مع خدمة تقديم الطعام. إلا أن الأمر هنا متروك لمنسقي الموسيقى، الذين يتولون تشغيل مجموعة مختلفة كل ليلة، لكنهم يبدأون دائماً بالجاز الياباني لمرافقة القسم الأول من أطباق أسماك الماداي والهاماتشي والتونة زرقاء الزعنفة، قبل الانتقال إلى موسيقى «الهاوس» الحيوية، مع انطلاق أغنية «سمول تاون بوي» لفرقة «برونسكي بيت» بمجرد بدء كرة الديسكو في الدوران. وتحدث وارد عن الأمر بقوله: «لقد رأيت أشخاصاً يبكون في المطعم»، نتيجة تأثرهم بهذه «التجربة الخيالية، التي تلتقي فيها الموسيقى مع أطباق الأكل».

ليس من المستغرب أن تعمل الكثير من هذه المطاعم عبر طاولات متصلة مرتبة حول مطبخ مفتوح (مقاعد مطعم «ينيشير» الـ14 تواجه المطبخ كذلك). الحقيقة أن الانتقال من العشاء الفاخر الثابت إلى تجربة غامرة وتفاعلية يعتبر تحولاً معمارياً كذلك. إن تنمية المشاعر والبهجة وإحساس التقارب يسهل تحقيقه عندما يتحرك كل شيء بانسجام تام؛ إنه عرض فني بكل ما تعنيه الكلمة.

وفي مومباي، ينغمس مطعم «بابا» بالكامل في جانب التسلية؛ من خلال الدعابات والممازحات والاستعراضات الجانبية على الطاولات بل يُتاح للضيوف أيضاً فرصة إعداد حلوى الثلج المجروش (على طراز «كاكيغوري») بأنفسهم. وما كان لكل هذا أن يتحقق لولا تصميم المكان الذي يضم 12 مقعداً فقط، ويخلق مشهداً تفاعلياً متكاملاً. وقال شهزاد: «لم تكن الفكرة يوماً أن يظل الضيف مجرد مراقب»، فمطعم «بابا» يكسر ذلك الحاجز غير المرئي. وأضاف: «حتى بعد أن ينسوا مذاق الطعام الذي تناولوه، سيظلون دائماً يتذكرون الشعور، الذي انتابهم في تلك اللحظة».

قد يكون هذا صحيحاً، لكن هناك تقارباً واضحاً بين هذا النمط من تناول الطعام ونهج «المذاق أولاً»؛ فالطهي القائم على المفاهيم المعقدة لا يناسب هذه التجربة. وقال لاسترا: «سيبقى الناس دائماً أوفياء للنكهة». وتتطابق قائمة الطعام الحالية لمطعم «كول» مع هذا الاعتقاد. وأضاف: «الطعام يصنع لإطعام الآخرين ومنحهم المتعة».

وعبر فيدوفي عن اتفاقه مع هذا الطرح، موضحاً أن الملعقة الأولى يجب أن تقدم المتعة، وأن الضيوف طوال التجربة «يجب أن يتعرفوا إلى ما يأكلونه». ويعمد كل من وارد وشهزاد إلى استغلال الحنين إلى الماضي باعتباره خريطة طريق، ما يعتقد شهزاد أنه يوفر أساساً لإضافة طبقات متعددة من العناصر الحسية إلى تجربة تناول الطعام.

إلا أنه في النهاية، تؤدي التوقعات المتغيرة إلى إعادة كتابة القواعد من جديد؛ فمفهوم المطاعم الراقية «لم يعد يعتمد على كمية الكافيار الموجودة في الطبق»، على حد تعبيره، بل «أصبحت الرفاهية تكمن في التجربة ذاتها».


كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
TT

كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)

بصفتي صانعة لوصفات الطعام، فإن الغوص في تفاصيل الوصفة، مكوناً تلو الآخر، هو الجزء المفضل لديّ في عملي. وفي كثير من الأحيان، يكون من السهل التنبؤ بكيفية تفاعل هذه المكونات وتعديلها بناء على ذلك؛ ومع ذلك، قد تبدو بعض الوصفات في بعض الأحيان صعبة للغاية، وهنا يأتي دور كعكات الأرز بالزبدة.

وتُعرف هذه الكعكات أيضاً باسم «موتشي الزبدة على طريقة شنغهاي» و«توك الزبدة»، وهي نوع من حلوى الموتشي تتميز بحلاوة خفيفة ونكهة غنية بالزبدة، وقد اجتاحت الإنترنت بشكل كبير، لا سيما في كوريا الجنوبية.

وكما هو الحال مع العديد من الوصفات التي تحظى بانتشار واسع للغاية، فإن تاريخ هذه الوصفة يبدو غامضاً؛ حيث تُنسب هذه الكعكات غالباً إلى المخابز المحيطة بمدينة شنغهاي، وتُرجع إحدى النظريات الفضل إلى خباز في مدينة «نانتونغ» الصينية، الواقعة شمال شنغهاي مباشرة، والذي دمج بين كعك الأرز الصيني التقليدي «نيان غاو» وحلوى «الكانيليه» الفرنسية الغنية بالكاسترد. وقد تكون هناك تأثيرات أخرى مثل «موتشي زبدة هاواي» وحلوى «البيبينكا» الفلبينية، ورغم اختلاف مكوناتها وطرق طهيها، فإن قوام عجينتها يبدو متشابهاً.

وكان ابتكار نسخة مخصصة للطهاة في المنزل تكون محمرة ومقرمشة من الخارج مع الحفاظ على قوامها المرن والغني بالزبدة من الداخل عند خبزها في قالب المافن، بمثابة طموح كبير.

في البداية، استخدمت عجيناً سائلاً مصنوعاً، جزئياً، من دقيق التابيوكا وكمية جيدة من الحليب. بيد أن تلك الكعكات انفصلت عن المقلاة ولم تتحمر بالتساوي. وعلمت حينها أنني بحاجة إلى عجين أكثر كثافة، لذا قللت كمية الحليب. وفي نهاية المطاف، استُبدلت بـ«التابيوكا» كميةً أكبر من دقيق الأرز «موتشيكو»، بناء على اقتراح من «جينيفيف كو»، محررتي الخاصة، والتي وجدت أن النتائج قد تختلف من نوع إلى آخر لدقيق التابيوكا.

ولضمان الحصول على تلك القشرة البنية المقرمشة، يُخبز العجين في قالب مدهون جيداً بالزبدة. بيد أن تحديد كمية الزبدة الواجب استخدامها بدقة كان أمراً صعباً. في بادئ الأمر، واعتقاداً مني بأن الماء الموجود في الزبدة يتبخر في قاع الكعكات، قمت بتقليل الكمية؛ وبدلاً من ذلك، تسببت كمية الزبدة القليلة للغاية في جعل القشرة صلبة، مع بقاء التحمير غير مستو. وكان الأمر يتطلب كمية سخية، بل ربما مفرطة تقريباً، من الزبدة.

ومع ذلك، فإن القطعة الأكثر أهمية في هذه الوصفة كانت قالب الخبز نفسه. فبعد إجراء الاختبارات حصرياً في قالب مافن مضاد للالتصاق، جاء التحمير الأكثر استواء من قالب غير مطلي؛ إذ تبين أن الزبدة في قالب المافن المضاد للالتصاق تكون أكثر عرضة للانتشار بشكل غير مستو.

وقد استغرق الأمر أكثر من 12 اختباراً لتأخذ الوصفة شكلها النهائي، ولكن الشعور كان رائعاً للغاية عندما تكللت بالنجاح. وتميزت حلوى الموتشي الناتجة بقشور مكرملة للغاية، وتصدر تلك القرمشة الممتعة والمثيرة للحواس، لتفسح المجال لقوامها الداخلي المرن والمطاطي. وللحصول على أفضل قوام، استمتع بتناولها وهي لا تزال دافئة، كما أن إضافة القليل من الحليب المكثف تجعلها أفضل بكثير.

* خدمة «نيويورك تايمز»


صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
TT

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية. فمع تسارع الابتكارات في عالم المأكولات، باتت بعض الأطباق تستمدّ جاذبيتها من غرابتها، ومن قدرتها على الجمع بين مكوّنات لا تخطر على بال محبّي الطعام. وفي عام 2026، برزت موجة من التجارب التي تعيد تقديم المألوف بأساليب مختلفة، مستفيدةً من فضول الزبائن وتأثير وسائل التواصل في اختياراتهم، فتناقلها مؤثّرو الطعام، لتولّد ترندات تتصدّر المشهد الغذائي في لبنان.

بين الموضة والمذاق لا تنفصل هذه التجارب عن التحوّلات التي يشهدها عالم الطعام، حيث باتت الصورة جزءاً من تجربة التذوّق. والمنصات الرقمية تساهم في انتشار الأطباق الجديدة والتعريف بها.

يلاحظ في الفترة الأخيرة إقبال في لبنان على نكهات آيس كريم غير تقليدية، تستلهم بعضها مكوّنات محلية وأطعمة مألوفة. وهي ظاهرة تعكس رغبة المستهلكين في اكتشاف تجارب جديدة.

لكن انتشار طبق على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعني بالضرورة نجاحه. فالمذاق يبقى العامل الحاسم، فيما تمنحه غرابته فرصة أولى لجذب الانتباه. وبين هذين العاملين، تحاول المطاعم اللبنانية إيجاد معادلة تجمع الابتكار والجودة، وتمنح الزبون سبباً إضافياً للخروج عن اختياراته المعتادة.

لا تتعلّق صرعات الطعام بتغيير المكوّنات فحسب، بل بإعادة النظر في طريقة تقديمها أيضاً. فالأطباق التي تبدو غريبة للوهلة الأولى قد تتحوّل إلى تجارب محبّبة، شرط أن تتجاوز عنصر المفاجأة إلى مذاق يستحقّ التكرار.

ومن البرغر بحلوى الداعوقية إلى السندويشات التي تستلهم قوامها من الـ«بوب كورن»، وصولاً إلى «ستيك الكنافة» الذي يثير الفضول عند سماع اسمه، تتّسع مساحة التجربة في هذا المجال.

برغر الداعوقية يعتمد على عجينة البقلاوة المقرمشة (إنستغرام)

«برغر الداعوقية»: بقلاوة العصر

يحتفظ البرغر بمكانته على قوائم الطعام، لكنه لا يتوقّف عن التجدّد. فإلى جانب الوصفات الكلاسيكية المعتمدة على اللحوم بأنواعها تحضر نسخ منه بأسلوب غريب. ويأتي «برغر الداعوقية» الذي أطلقته محلات الداعوق للحلوى هذا الصيف كواحد من أشكال الحلوى الحديثة في لبنان.

وتكمن جاذبية التركيبة من أنها مصنوعة من طبقتين لعجينة البقلاوة، يتم حشوها بحلوى الداعوقية. وهي مصنوعة من القشدة والسميد المدعوك بالقطر ويغلف المزيج بالفستق المطحون . كما يتم تغطية «البرغر» في مرحلة نهائية برشّة فستق. التركيبة بسيطة لكنها تتميز بالقرمشة التي ترافق سندويشات عديدة تعتمد عليها الوجبات السريعة. وعجينة البقلاوة المستخدمة في هذا السندويش تقوم بالمهمة. يلاقي «برغر الداعوقية» إقبالاً لافتاً من جيل الشباب الذين رأوا فيه تجدداً لحلوى ترافقهم، منذ تأسيس محلات الداعوق في ستينات القرن الماضي.

سندويش الـ«بوب كورن»

فكرة غير تقليدية تدخل السندويشات بدورها في سباق الابتكار، وتسلتهم أفكار مكوّناتها من أطعمة اعتدنا تناولها منفردة. ومن بينها سندويش الـ«بوب كورن»، الذي يقوم على إدخال حبات الذرة المنفوخة أو استخدام نكهتها وقوامها المقرمش، في تركيبة تجمع بين الخبز والصلصات ومكوّنات أخرى.

وتعتمد هذه الفكرة على مفارقة استخدام عنصرين لم نألف الجمع بينهما، لنحصل على تجربة غير مألوفة لمحبي التذوّق. واشتهر هذا السندويش إثر إطلاقه على لائحة طعام أحد المطاعم اللبنانية الجديدة (ألا مينوت) في جونية. والسندويش يتألّف من كريما الحلويات وصلصة الكراميل وحبوب البوب كورن المكرملة مع رشة ملح.

وتراوحت الآراء في هذا السندويش بين مؤيد ورافض. فالبعض عبّر عن إعجابه به في منشوراته على الـ«سوشيال ميديا». فيما اعتبر آخرون أنه من غير المجدي تذوّقه؛ لأن طعمه غير لذيذ.

«ستيك كنافة» أحدث صرعات الحلوى في لبنان (إنستغرام)

ستيك الكنافة

حين تلتقي الحلوى بالابتكار وفي عالم الحلويات، تتواصل محاولات إعادة تقديم الوصفات المعروفة بصيغ جديدة. ويأتي «ستيك الكنافة» مثالاً على هذا التوجّه، من خلال استلهام شكل الستيك بطريقة تقديم الكنافة بالجبن؛ إذ يتم لفّ الكنافة على عيدان الخشب وتغلف بالشعيرية المقرمشة وصلصة الفستق أو الشوكولاته حسب رغبة الزبون.

وتكمن جاذبية الفكرة في الجمع بين اسم يرتبط بالأطباق المالحة وحلوى شرقية لها مكانتها الراسخة على الموائد. وهي مقاربة تفتح المجال أمام الطهاة للعب على الشكل والتقديم، من دون التخلي بالضرورة عن النكهات المألوفة التي تمنح الكنافة هويتها.