ملتقى سعودي يتفاعل باتفاقيات تدعم قطاع الأعمال والصناعة واللوجيستيات

«بيبان» يشهد إبرام 21 شراكة تمويل وتأهيل وتدريب للمنشآت الصغيرة والمتوسطة

ملتقى بيبان ينطلق في الرياض وسط تفاعل القطاعين الخاص والعام لدعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة (الشرق الأوسط)
ملتقى بيبان ينطلق في الرياض وسط تفاعل القطاعين الخاص والعام لدعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة (الشرق الأوسط)
TT

ملتقى سعودي يتفاعل باتفاقيات تدعم قطاع الأعمال والصناعة واللوجيستيات

ملتقى بيبان ينطلق في الرياض وسط تفاعل القطاعين الخاص والعام لدعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة (الشرق الأوسط)
ملتقى بيبان ينطلق في الرياض وسط تفاعل القطاعين الخاص والعام لدعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة (الشرق الأوسط)

سجل ملتقى سعودي منعقد حاليا للدفع بقطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة تفاعلا كبيرا من قبل القطاعين الحكومي والخاص، إذ تم إبرام اتفاقيات ثنائية من شأنها تحفيز أدوار ومسؤوليات الأطراف في دعم الاقتصاد الوطني وقطاع الأعمال، في وقت لوحظ التفاعل على دعم المشاريع الصناعية واللوجيستية للشركات الصغيرة والمتوسطة في المملكة.
ووقعت الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة «منشآت» عدة شراكات استراتيجية مع 21 جهة من القطاع الحكومي والخاص، شملت وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات ووزارة العمل وغرفة الرياض والصندوق الصناعي وبنك التنمية الاجتماعية وشركة سابك وعددا من شركات التمويل والبنوك، وذلك خلال أعمال ملتقى بيبان الرياض.
واستعرضت الهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية «مدن» منتجاتها وخدماتها لدعم رواد الأعمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، خلال مشاركتها في ملتقى «بيبان» الرياض الذي أقيم برعاية الأمير فيصل بن بندر بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض، بمركز المعارض بواجهة الرياض ويستمر حتى مطلع فبراير (شباط) المقبل.
وأوضح مدير إدارة التسويق والاتصال المؤسسي المتحدث الرسمي المكلف قصي العبد الكريم، أن الملتقى يعمل على تهيئة البيئة الملائمة لنمو واستمرار قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، مفيدا بأن «مدن» تطرح عبر ورشة عمل بعنوان «منتجات وخدمات مدن للمنشآت الصغيرة والمتوسطة» ومن خلال جناحها المشارك في باب الصناعة والخدمات اللوجيستية، المحفزات والحلول التمويلية اللازمة لدعم رواد الأعمال بمدنها الصناعية، وتعزيز إسهامهم في الاقتصاد الوطني، وخلق فرص عمل جديدة مستدامة، وذلك عبر استراتيجيتها لتمكين الصناعة وزيادة المحتوى المحلي، وتنفيذاً لمبادراتها ضمن برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجيستية «ندلب».
وأكد أن «رؤية المملكة 2030» تستهدف تعزيز دور المنشآت الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال لتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، ورفع إسهامهم في الناتج المحلي الإجمالي لأكثر من 35 في المائة. وبين أن «مدن» توفر الكثير من المنتجات النوعية والحلول التمويلية التي تقدمها بالتكامل مع شركائها بالقطاعين العام والخاص لدعم رواد الأعمال وأبرزها منتجات: «أرض وقرض» و«مصنع وقرض» مع صندوق التنمية الصناعية السعودي، وكذلك منتج تمويلي مشترك مع البنك السعودي الفرنسي يصل سقفه إلى مليار ريال ويتيح حزما تحفيزية متنوعة ويعزز الأنشطة المساندة كالخدمات اللوجيستية الداعمة للمنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة.
من جهة أخرى، أبرمت على هامش ملتقى «بيبان الرياض» الغرفة التجارية الصناعية بالرياض اتفاقية تعاون مع الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة «منشآت» تهدف لتحقيق جملة من مجالات التعاون المنبثقة لدعم قطاع الأعمال.
ووقع الاتفاقية عن «منشآت» محافظ الهيئة المهندس صالح الرشيد، وعن الغرفة رئيس مجلس إدارة الغرفة عجلان العجلان، حيث تحمل الاتفاقية عددا من المسؤوليات الموكلة لكل طرف من أطراف الاتفاقية وتندرج مسؤوليات «منشآت» في تقديم الدورات التدريبية وورش العمل في مجال ريادة الأعمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة بما يحقق الأهداف المشتركة للطرفين، والتعريف بمبادرات الابتكار وتقديم الاستشارات في مجال الذكاء الصناعي، والمشاركة في ورش العمل والفعاليات التي تختص بمجال ريادة الأعمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة.
وبحسب الاتفاقية ستقوم «غرفة الرياض» بتشكيل فريق عمل مشترك بين الطرفين لحث المهتمين بريادة الأعمال بتقديم الدعم المادي والمشاركة في تطوير مبادرات تخدم رواد الأعمال بمدينة الرياض ووضع آلية العمل المناسبة لذلك.
وعلى هامش الملتقى كذلك، وقع صندوق التنمية الصناعية السعودي أمس، اتفاقية تعاون مشتركة مع «منشآت»، لدعم المشاريع الصناعية واللوجيستية للشركات الصغيرة والمتوسطة في المملكة.
ووقع الاتفاقية الرئيس التنفيذي للصندوق الصناعي الدكتور إبراهيم المعجل، ومحافظ «منشآت» المهندس صالح الرشيد، حيث تهدف الاتفاقية لدعم المشاريع الصناعية واللوجيستية للشركات الصغيرة والمتوسطة في المملكة من خلال التعاون في الجهود المبذولة في مجالات التعليم والمعرفة من خلال تقديم ورش العمل وبرامج الدعم.
وتدعم الاتفاقية مشاركة الصندوق الصناعي في برنامج «نمو السعودية» التابع لـ«منشآت» من خلال منتج «تحفيز نمو المشاريع الصغيرة والمتوسطة الواعدة» الذي يقدمه الصندوق ضمن برنامج «آفاق» لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة من خلال حزمة من الخدمات الاستشارية والحوافز التشجيعية لتمكين روّاد الأعمال.
وفي تطور آخر، دشنت الشركة السعودية للصناعات الأساسية «سابك» المنصة الوطنية الجديدة «جدير»، وهي خدمة إلكترونية تعمل على تأهيل الموردين وتمكين المنشآت الصغيرة والمتوسطة، حيث وقعت الشركة اتفاقية استخدام منصة «جدير» مع هيئة «منشآت» بما يضمن تسهيل وصول المستفيدين إلى الفرص الاستثمارية المتاحة في القطاعين العام والخاص، كما تم تقديم الاستشارات اللازمة لراغبي التسجيل في المنصة من المنشآت والمستثمرين ورواد الأعمال.
من ناحيتها، أبرمت وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات مع «منشآت» اتفاقية دعم وتحفيز قطاع الابتكار وريادة الأعمال الرقمي، حيث تركز على نشر الرقمنة في أنشطة مراكز الابتكار وبرامج ريادة الأعمال الرقمية، وتمكين أصحاب المنشآت الصغيرة والمتوسطة العاملة في القطاع من خلال ربط شبكة مراكز الابتكار الخاصة بالطرفين لتحقيق الاستفادة فيما بينها.


مقالات ذات صلة

«معادن» تعتزم استثمار 110 مليارات دولار لزيادة استكشافات الثروات السعودية

الاقتصاد بوب ويلت يتحدث للحضور في الجلسة الحوارية ضمن مؤتمر التعدين الدولي بالرياض (الشرق الأوسط)

«معادن» تعتزم استثمار 110 مليارات دولار لزيادة استكشافات الثروات السعودية

قال الرئيس التنفيذي لشركة التعدين العربية السعودية «معادن»، بوب ويلت، إن المملكة لديها أساس قوي في وقت دخلت فيه إلى نماذج تنويع المصادر خلال «رؤية 2030».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد صورة جماعية عقب توقيع الاتفاقية لتطوير مجمع منتجات الألمنيوم في مدينة ينبع (الشرق الأوسط)

«الاستثمارات العامة» و«البحر الأحمر» لتطوير مجمع متقدم للألمنيوم بالسعودية

أعلن صندوق الاستثمارات العامة وشركة البحر الأحمر للألمنيوم القابضة (RSAH)، وهي مشروع مشترك مع عدة شركات، تطوير مجمّع متقدم ومتكامل لمنتجات الألمنيوم.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الاجتماع الثاني لشبكة مراكز التميز والتقنية العالمية الذي عُقد ضمن فعاليات النسخة الخامسة من مؤتمر التعدين الدولي بالرياض (واس)

الرياض تجمع قادة الابتكار في اجتماع مراكز التميز والتقنية العالمية

استضافت العاصمة الرياض أعمال الاجتماع الثاني لشبكة مراكز التميز والتقنية العالمية، الذي عُقد ضمن فعاليات النسخة الخامسة من مؤتمر التعدين الدولي.

الاقتصاد الفالح متحدثاً في جلسة خلال مؤتمر التعدين الدولي (الشرق الأوسط)

الفالح: 5 تريليونات دولار استثمارات متوقعة في قطاع التعدين خلال 10 سنوات

قال وزير الاستثمار السعودي المهندس خالد الفالح إن تقديرات مؤسسات عالمية تشير إلى حاجة قطاع التعدين عالمياً لنحو 5 تريليونات دولار خلال السنوات العشر المقبلة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الجلسة الحوارية في وزارة الاقتصاد والتخطيط (إكس)

بمشاركة لاري فينك... الرياض تبحث مع «بلاك روك» تمكين منظومة الادخار الوطني

استضافت وزارة الاقتصاد والتخطيط بالرياض جلسة حوارية رفيعة المستوى، بحضور الرئيس التنفيذي لشركة «بلاك روك»، لاري فينك.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

في أول إطلالة على 2026... «أوبك» تتوقع استمرار نمو الطلب على النفط

شعار «أوبك» (رويترز)
شعار «أوبك» (رويترز)
TT

في أول إطلالة على 2026... «أوبك» تتوقع استمرار نمو الطلب على النفط

شعار «أوبك» (رويترز)
شعار «أوبك» (رويترز)

توقعت منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، في أول تقرير لها في العام الجاري، الأربعاء، أن يرتفع الطلب العالمي على النفط في عام 2027 بمعدل مماثل لهذا العام، مشيرة إلى توازن دقيق بين العرض والطلب في عام 2026.وقالت «أوبك» في التقرير، إن الطلب سيرتفع بمقدار 1.34 مليون برميل يومياً في عام 2027، وهو معدل مماثل للنمو المتوقع هذا العام والبالغ 1.38 مليون برميل يوميا.

وأوضحت أن متوسط إنتاج «أوبك بلس» بلغ 42.83 مليون برميل يوميا في ديسمبر (كانون الأول)، بانخفاض 238 ألف برميل يوميا عن نوفمبر (تشرين الثاني).

وتوقعت أن يبلغ متوسط الطلب العالمي على خام «أوبك بلس»، 43 مليون برميل يومياً في 2026 (دون تغيير عن التوقعات السابقة)، ونحو 43.6 مليون برميل يوميا في 2027.وأضافت أن البرازيل وكندا وأميركا والأرجنتين تقود نمو المعروض النفطي في 2026


سقوط «آينده»... كيف فجَّرت إمبراطورية الظل المالية بركان الغضب في إيران؟

إيرانيون يمرون أمام أحد فروع بنك «آينده» عام 2017 (أ.ف.ب)
إيرانيون يمرون أمام أحد فروع بنك «آينده» عام 2017 (أ.ف.ب)
TT

سقوط «آينده»... كيف فجَّرت إمبراطورية الظل المالية بركان الغضب في إيران؟

إيرانيون يمرون أمام أحد فروع بنك «آينده» عام 2017 (أ.ف.ب)
إيرانيون يمرون أمام أحد فروع بنك «آينده» عام 2017 (أ.ف.ب)

لم تكن الشرارة التي أشعلت فتيل الاضطرابات الأخيرة في إيران ناتجة من مطالب سياسية تقليدية أو صدام آيديولوجي فحسب، بل بدأت من داخل النظام المصرفي الذي ظل لسنوات يمثل «الصندوق الأسود» لتمويل النخبة الحاكمة، وفق تقرير موسع لصحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية.

حين أعلن عن انهيار بنك «آينده» (Ayandeh Bank) أواخر العام الماضي، لم يكن الأمر مجرد إفلاس لمؤسسة مالية، بل كان إيذاناً بنهاية حقبة «اقتصاد الظل» الذي اعتمده النظام للالتفاف على الضغوط الدولية. هذا البنك، الذي أداره مقربون من دوائر القرار، غرق في ديون تجاوزت 5 مليارات دولار نتيجة قروض فاسدة واستثمارات وهمية؛ ما أجبر الحكومة على طباعة كميات هائلة من السيولة لتغطية الفجوة، وهو الإجراء الذي أدى بدوره إلى انفجار تضخمي لم يعد المواطن العادي قادراً على تحمله.

علي أنصاري... مهندس الظل

في قلب هذه العاصفة المالية، يبرز اسم علي أنصاري بوصفه واحداً من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في المشهد الاقتصادي الإيراني. أنصاري، الذي ينحدر من واحدة من أثرى عائلات البلاد، لم يكن مجرد رجل أعمال تقليدي، بل كان مهندساً لشبكة مالية معقدة بدأت خيوطها في عام 2013 عندما أسس بنك «آينده» عبر دمج مصرفين حكوميين مع مؤسسة مالية كان يملكها سابقاً. هذا الصعود السريع لم يكن وليد الصدفة، بل استند إلى علاقات سياسية وثيقة مع التيار المحافظ، وتحديداً مع الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد؛ ما سمح له ببناء إمبراطورية عابرة للحدود، تجلت مظاهر ثرائها في امتلاكه قصراً تقدر قيمته بملايين الدولارات في شمال لندن، بعيداً عن أعين الملايين من الإيرانيين الذين يكافحون تحت وطأة الفقر.

متظاهرة في سيدني تحمل علماً تاريخياً لإيران خلال مسيرة تضامنية مع الاحتجاجات التي تجتاح إيران حالياً (إ.ب.أ)

تمويل «الحرس الثوري» والعقوبات

لم تكن أنشطة أنصاري بعيدة عن أعين الرقابة الدولية؛ فبعد أيام قليلة من الانهيار المدوي لبنك «آينده»، سارعت المملكة المتحدة إلى فرض عقوبات مشددة عليه، واصفةً إياه بـ«المصرفي الفاسد» الذي لعب دوراً محورياً في تمويل الذراع الاقتصادية والعسكرية الأقوى في البلاد، «الحرس الثوري» الإيراني.

وعلى الرغم من هذه الاتهامات، حاول أنصاري التنصل من المسؤولية في بيان أصدره في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عازياً فشل البنك إلى «قرارات وسياسات خارجة عن سيطرته»، في محاولة لإلقاء اللوم على الظروف الاقتصادية الكلية، متجاهلاً حقيقة أن مصرفه اعتمد لسنوات على جذب المودعين عبر تقديم أعلى أسعار فائدة في تاريخ البلاد، وهي السياسة التي وصفتها الدوائر الاقتصادية بأنها «عملية هروب إلى الأمام» أدت في النهاية إلى تراكم قروض غير منتظمة وجبال من الديون التي استنزفت البنك المركزي.

«إيران مول»... نصب تذكاري للفساد

يتجلى عمق المأساة في قصة «إيران مول»، المشروع العملاق الذي موّله بنك «آينده» والذي صُمم ليكون أكبر مركز تجاري في المنطقة بمساحة تفوق حجم «البنتاغون»، وفق «وول ستريت جورنال». في الوقت الذي كان فيه الاقتصاد الإيراني يترنح تحت وطأة العقوبات، كانت أموال المودعين تُضخ لبناء قاعات مرايا ملكية ودور سينما فاخرة، فيما وصفه الخبراء بأنه «مخطط بونزي» (Ponzi Scheme) تحت رعاية رسمية. لقد كان هذا المشروع تجسيداً صارخاً لسياسة «الإقراض الذاتي»، حيث منح البنك قروضاً هائلة لشركات يملكها مؤسسه علي أنصاري؛ ما جعل 90 في المائة من موارد البنك محبوسة في مشاريع عقارية غير سائلة، بينما يعجز المواطنون عن سحب مدخراتهم البسيطة لتأمين لقمة العيش.

المصرف المركزي وطباعة الديون

لقد كشف انهيار بنك «آينده» عن الوجه القبيح للعلاقة بين النخبة المالية والسياسة النقدية في طهران؛ حيث استمر البنك المركزي الإيراني لسنوات في طباعة كميات مهولة من الريالات لضخ السيولة في عروق بنك أنصاري المتصلب، محاولاً إبقاءه على قيد الحياة بأي ثمن. هذا الدعم الحكومي لم يكن لإنقاذ المودعين بقدر ما كان لحماية المصالح المتشابكة للنخبة المرتبطة بـ«الحرس الثوري»، وفق «وول ستريت جورنال».

فرع لبنك «ملي» الذي استحوذ على مصرف «آينده» (أ.ف.ب)

العاصفة الكاملة وتآكل الهيبة

جاء هذا الانهيار المالي في لحظة تاريخية شديدة الحساسية، حيث تزامنت الأزمة الاقتصادية مع تراجع حاد في قدرة النظام على الردع العسكري عقب المواجهة المباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة في يونيو (حزيران) الماضي. هذا الفشل المزدوج، المالي والعسكري، أدى إلى تآكل «شرعية الإنجاز» التي كان النظام يستند إليها. ومع تشديد الرقابة الأميركية على تدفقات الدولار من العراق، والتي كانت تمثل «الرئة المنسية» للاقتصاد الإيراني، وجد البنك المركزي نفسه مجرداً من أدوات التدخل لحماية الريال، الذي هوى في عام 2025 ليفقد 84 في المائة من قيمته، محولاً حياة الطبقة المتوسطة إلى كابوس يومي من الغلاء الفاحش.

الموازنة «الانتحارية» والطريق المسدود

بدلاً من أن تعمل الحكومة على امتصاص غضب الشارع، جاءت موازنة ديسمبر (كانون الأول) لتعمق الجراح عبر إجراءات تقشفية قاسية وصفها محللون بأنها «رصاصة الرحمة» على العقد الاجتماعي الهش. شملت الموازنة رفع الدعم عن الخبز والوقود وإلغاء أسعار الصرف التفضيلية، وهي خطوات كانت تهدف لتوفير 10 مليارات دولار لتغطية عجز الدولة المنهارة.

لكن هذه الأرقام تحولت على أرض الواقع صدمة معيشية دفعت حتى «البازار» التقليدي — وهو العمود الفقري للاستقرار التاريخي في طهران — للنزول إلى الشارع، بعد أن وجد التجار أنفسهم عاجزين عن تسعير بضائعهم في ظل عملة تنهار قيمتها بالدقيقة والساعة.

صورة نشرتها وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» من ثاني أيام احتجاجات البازار (أ.ب)

احتضار النظام المالي

إن ما يحدث اليوم في المدن الإيرانية ليس مجرد احتجاج عابر، بل هو تعبير عن وصول «دولة الاستثناء» إلى طريق مسدود. فبعد عقود من هندسة الالتفاف على العقوبات واستخدام البنوك قنواتٍ لإثراء النخبة المرتبطة بـ«الحرس الثوري»، جفت المنابع تماماً.

وبات انهيار بنك «آينده» يمثل نموذجاً لـ5 بنوك كبرى أخرى تواجه المصير ذاته؛ ما يضع النظام أمام خيارين أحلاهما مر: إما الاستمرار في طباعة الأموال والمخاطرة بانهيار اجتماعي شامل، أو القبول بإصلاحات جذرية قد تقتلع جذور النخبة المالية الحاكمة. وفي ظل أزمات موازية في المياه والكهرباء، يبدو أن الدولة لم تعد تملك سوى «القبضة الأمنية» لمواجهة شعب لم يعد لديه ما يخسره.


المنتدى الاقتصادي العالمي يدق ناقوس الخطر بقرب «المواجهة الاقتصادية»

ارتفاع الرسوم الجمركية والرقابة على الاستثمار الأجنبي وتشديد القيود على إمدادات الموارد أمثلة على «المواجهة الجيواقتصادية» بين الدول (رويترز)
ارتفاع الرسوم الجمركية والرقابة على الاستثمار الأجنبي وتشديد القيود على إمدادات الموارد أمثلة على «المواجهة الجيواقتصادية» بين الدول (رويترز)
TT

المنتدى الاقتصادي العالمي يدق ناقوس الخطر بقرب «المواجهة الاقتصادية»

ارتفاع الرسوم الجمركية والرقابة على الاستثمار الأجنبي وتشديد القيود على إمدادات الموارد أمثلة على «المواجهة الجيواقتصادية» بين الدول (رويترز)
ارتفاع الرسوم الجمركية والرقابة على الاستثمار الأجنبي وتشديد القيود على إمدادات الموارد أمثلة على «المواجهة الجيواقتصادية» بين الدول (رويترز)

تصدرت المواجهة الاقتصادية بين الدول وتداعياتها استطلاع «المنتدى الاقتصادي العالمي» السنوي لتصورات المخاطر، والذي نُشر الأربعاء، لتحل محل النزاع المسلح كأكبر مصدر قلق لدى أكثر من 1300 خبير شملهم الاستطلاع حول العالم.

وأظهر الاستطلاع تراجعاً في تصنيف المخاطر البيئية، بينما برزت مخاوف أخرى، ولا سيما المخاوف بشأن العواقب طويلة الأجل لضعف حوكمة الذكاء الاصطناعي.

وأشارت سعدية زاهدي، المديرة العامة للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، المقرر انطلاقه الأسبوع المقبل، إلى ارتفاع الرسوم الجمركية، والرقابة على الاستثمار الأجنبي، وتشديد القيود على إمدادات الموارد، مثل المعادن الحيوية، كأمثلة على «المواجهة الجيواقتصادية» التي احتلت المرتبة الأولى من حيث المخاطر.

وقالت في مؤتمر صحافي عبر الإنترنت: «نرى ذلك عندما تتحول أدوات السياسة الاقتصادية إلى أسلحة في جوهرها، بدلاً من أن تكون أساساً للتعاون»، مشيرة إلى سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب «أميركا أولاً» التي أدت إلى ارتفاع حاد في الرسوم الجمركية على مستوى العالم، وزادت من حدة التوترات بين الولايات المتحدة والصين، المهيمنة على المعادن الحيوية وثاني أكبر اقتصاد في العالم.

وتراجعت المخاطر المتوقعة المتعلقة بالظواهر الجوية المتطرفة خلال العامين المقبلين من المركز الثاني إلى الرابع، والتلوث من السادس إلى التاسع. كما انخفض القلق بشأن التغيرات الخطيرة في النظم البيئية وفقدان التنوع البيولوجي سبعة وخمسة مراكز على التوالي.

ومع ذلك، عندما سُئل المشاركون أنفسهم عن أبرز مخاوفهم على مدى 10 سنوات، وضعوا هذه المخاوف البيئية ضمن المراكز الثلاثة الأولى. أما القلق بشأن «الآثار السلبية لتقنيات الذكاء الاصطناعي» فقد احتل المركز الثلاثين على مدى عامين، ولكنه تراجع إلى المركز الخامس على مدى 10 سنوات.

وقالت سعدية زاهدي إن الاستطلاع كشف أن معظم المخاوف تركزت على كيفية تأثير قصور الحوكمة حول الذكاء الاصطناعي سلباً على الوظائف والمجتمع والصحة النفسية، في ظل ازدياد استخدامه سلاحاً في الحروب.

وأوضح المنتدى الاقتصادي العالمي أن استطلاعه السنوي يستند إلى ردود أكثر من 1300 من القادة والخبراء العالميين، من الأوساط الأكاديمية وقطاع الأعمال والحكومات والمنظمات الدولية والمجتمع المدني.

وتم إصدار النتائج قبل أيام من الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، المقرر انعقاده في الفترة من 19 إلى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، والذي من المتوقع أن يحضره الرئيس الأميركي دونالد ترمب.