«بالمحبة نواجه التنمر»... مبادرة جديدة في السعودية

نصف الأطفال وربع المراهقين يعانون من ممارسات الأقران السيئة

«بالمحبة نواجه التنمر»... مبادرة جديدة في السعودية
TT

«بالمحبة نواجه التنمر»... مبادرة جديدة في السعودية

«بالمحبة نواجه التنمر»... مبادرة جديدة في السعودية

يعرف التنمر، بوجه عام، بأنه ممارسة العنف والسلوك العدواني المتعمد من فرد أو مجموعة تجاه فرد آخر بغرض فرض السيطرة والهيمنة عليه، سواء كان هذا السلوك العدائي لفظياً أو جسدياً أو بالإشارات والإيحاءات. وقد يحدث التنمر مرة واحدة، أو يتكرر لعدة مرات، أو يستمر طوال الوقت.
وضمن مبادرة رفع مستوى الوعي حول ظاهرة التنمر بجميع أنحاء المملكة، قامت شركة «سن توب»، الرائدة في المبادرات الاجتماعية، بتنظيم مسابقة فنية للرسم (نجم العام 2019) على مستوى مدارس المملكة، وكان عنوان هذا العام «بالمحبة نواجه التنمر»، من زاوية نشر المحبة وتوعية المجتمع بظاهرة التنمر بالمدارس.

دراسات وإحصاءات
استضافت «صحتك» أحد المهتمين المتخصصين في أبعاد هذه المشكلة وحلولها، غدير مصلي، الاختصاصية الاجتماعية والاستشارية الأسرية ببيت الخبرة «ذات» للاستشارات النفسية والأسرية. في البداية، فسرت معنى كلمة «التنمر»، وأن أصلها «نَمِرَ» الشخص، أي غضب وساء خلقه وتصرف كالنمر. والتنمر إما أن يكون مباشراً، وهو السلوك الظاهر الملموس مثل الضرب أو الشتم، أو غير مباشرٍ يتم بالإيماءات والإيحاءات، كرفض المتنمر رغبة المتنمر عليه في الخروج من المكان، أو أخذ بعض المتعلقات الشخصية، أو أن يتم حتى بنشر الشائعات.
ووفقاً لدراسة بحثية أعدها مركز الملك عبد الله للأبحاث، وُجد أن نسبة التنمر في السعودية تبلغ 47 في المائة عند الأطفال، و25 في المائة عند المراهقين.
ووفقاً لتقرير أصدرته «اللجنة الوطنية للطفولة» بالمملكة، فإن 57.1 في المائة من الفتيان، و42.9 في المائة من الفتيات، يعانون من التنمر بالمدارس السعودية. وأظهرت دراسة مسحية أعدها برنامج الأمان الأسري بوزارة الحرس الوطني بالسعودية، بالتعاون مع وزارة التعليم، حول العنف بين الأقران (التنمر)، أن نحو 32.9 في المائة من الطلاب يتعرضون للعنف من الأقران أحياناً، و15 في المائة من الطلاب يتعرضون باستمرار. وقام برنامج الأمان الأسري الوطني (المؤسس الأول لمشروع الوقاية من التنمر) بإبرام اتفاقية تعاون مع اللجنة الوطنية للطفولة ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) للتنسيق لإطلاق المشروع الوطني للوقاية من التنمر بمدارس التعليم العام، الذي يستهدف إعداد برنامج تدريبي يتم تطبيق مكوناته وبرامجه دورياً في المدارس، إلى جانب برامج توعية مدرسية وأسرية ومجتمعية.

أنواع التنمر
كيف تبدأ عملية التنمر؟ أوضحت الاختصاصية غدير مصلي أن عملية التنمر تبدأ عادة من أحد الأقران، ويطلق عليه «المتنمر»، تجاه الطفل الضحية، ويطلق عليه «المتنمر عليه»، بوجود شهود في الغالب لتعزيز القوة وفرض السيطرة والهيمنة؛ أو أن تبدأ العملية من أحد الكبار، سواء الوالدين أو المعلمين، تجاه الطفل الضحية، بوجود شهود، ثم تنتقل هذه العملية إلى تنمر من أحد الأقران ضد الضحية.
أما في عصر التقنية، فتعتبر ألعاب القتال والعنف الإلكترونية أحد أقوي أسباب ظهور التنمر.
وانتشار ثقافة اضرب من يضربك، أو من يأتون من بيئة عنيفة تتعامل بالعنف، هو من المسلمات التي تواجه بالمستوي الثقافي للأسرة لتعزيز الرد على العنف بالعنف، رغبة في تقوية شخصية الطفل، خاصة الذكور.
أما أنواع التنمر، فتشمل:
- التنمر الجسدي: وهو شكل من العدوان، يمارسه المتنمر جسدياً على المتنمر عليه بالضرب أو الركل أو الاحتكاك، مع عدم وجود توازن للقوة. وعادة، يحدث للأقران الأقل قوة جسدياً أو عقلياً، وقد ينتج عنه بروز أو كدمات أو بعض الآلام الموجعة، ويسعى المتنمر عليه دائماً إلى إخفائها عن الوالدين.
- التنمر اللفظي: يكون عادة بالسباب والشتم والتهديد، أو التعليق المتهكم المتكرر، أو بإطلاق لقب أو صفة غير مستحبة على المتنمر عليه، مما يفقد المتنمر عليه ثقته بنفسه لزيادة السيطرة والهيمنة من قبل المتنمر.
- التنمر الاجتماعي: وهو استبعاد المتنمر عليه من الانخراط مع مجموعة الأقران، وينتشر هذا النوع بين فئة الفتيات أكثر منه عند الصبيان، وعادة ما يتم الاستبعاد على أساس الشكل أو الملبس.
- التنمر الإلكتروني: وهو تعمد إيذاء الآخرين بالسب أو الاستيلاء على الحسابات الشخصية، أو التهديد إلكترونياً عن طريق الألعاب الإلكترونية أو البريد الإلكتروني، أو عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، مثل «يوتيوب» أو «سناب شات»، بانتحال الشخصية أو نشر الإشاعات عن المتنمر عليه أو ابتزازه بنشر أسراره. وجدير بالذكر أن المعجبين والمؤيدين لهذا النوع من التنمر بالتأييد أو بالإعجاب أو بإعادة نشر ما كتب يُعتبرون أيضاً من المتنمرين، وهو جزء مهم من استمرار عملية التنمر.
وبالإشارة إلى أحدث الإحصائيات من موقع «مبادرة العطاء الرقمي»، وهي مبادرة سعودية من وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات بخصوص التنمر الإلكتروني، يتضح أن 18 في المائة من الأطفال والمراهقين قد تعرضوا للتنمر، بواقع 7 من كل 10 مستخدمين للإنترنت من كل الفئات العمرية.
- التنمر تجاه العلاقات الشخصية أو العاطفية: ينتج هذا التنمر نتيجة الإعجاب بالشخصية، أو الشعور بمشاعر عاطفية تجاه شخص، سواء كان ذلك في مرحلة المراهقة داخل المدارس أو في البيئة الاجتماعية، أو حتى مع الكبار في بيئة العمل. وفي حال عدم تبادل المتنمر عليه هذا الشعور، يبدأ المتنمر بممارسة التنمر، إما لإخضاع الطرف الآخر للعلاقة أو للانتقام منه.

الأسباب
ترى الاختصاصية غدير مصلي أن التنمر ظاهرة شائعة جداً، رغم إلقاء الضوء عليها، وكثرة ما ينتج عنها من مشكلات اجتماعية ونفسية ومدرسية أكاديمية. وكأي ظاهرة، فللتنمر أسبابه، ونذكر منها ما يلي:
> التنشئة الاجتماعية الخاطئة: ففي العادة، يخلط الوالدان بين التربية الحازمة والتربية المتسلطة التي تمارس العنف على الطفل، وتخضعه لجميع الأوامر، مما يجعل هذا الطفل قنبلة موقوتة، يمارِسُ على الأقران ما يمارَس عليه من الوالدين، أو أن يصبح ضحية سهلة بسبب ضعف الشخصية والخوف الشديد، والانصياع الدائم للأوامر لمن هم أكبر أو أقوى منه. وقد يكون أسلوب التربية المهمل أحد أسباب ظهور هذه الشخصية بسبب قلة الضبط، مهما أساء الطفل التصرف، مما يجعله يأمن العقاب.
> الاضطرابات الأسرية: إن ما تمر به الأسرة من مختلف عوامل التفكك الأسري، كالطلاق والعنف الأسري والفقر، يجد الطفل صعوبة في التعامل معه، ويكون له دور رئيسي في تكوين أسباب نفسية لدى هذا الطفل، مثل الشعور بعدم الأمان، مما يخلق لديه شخصية عدائية متنمرة يستخدمها كوسيلة للتعبير والتنفيس عن الإحباط الذي يعيشه.
> تحول المتنمر عليه إلى متنمر: فكردة فعل، يقوم المتنمر عليه بالتنمر على أقران آخرين، في محاولة منه لإثبات شخصيته وإظهار قوته ورد اعتباره. ويعتبر ذلك سبباً من أسباب انتشار التنمر في البيئة المدرسية، وغالباً ما يغفل عنه المعلمون، خاصة إن أساء المعلم استخدام سلطته لتأديب الطفل أو توجيهه بطريقة غير تربوية.
> التفوق والشعبية: فمما يعزز التنمر في بيئة المدرسة أن يكون للطالب شعبية بين المعلمين والأقران بسبب ذكائه الدراسي، أو الذكاء الاجتماعي للفتيات مثلاً، أو لمهارات كالشهرة في لعبة كرة القدم للذكور مثلاً، أو وجود أخ أكبر في المدرسة نفسها، خاصة إن كان يملك أيضاً شعبية.

آثار التنمر
للتنمر آثار نفسية واجتماعية وأكاديمية كثيرة على الطفل بسبب خصائص النمو المرحلية، وعدم قدرته على التعامل مع التنمر، كأن يميل هو الآخر للعنف، فيمارس التنمر على من هم أقل منه قوة. وقد نجده متغير المزاج عصبياً أو غاضباً.
وقد يعاني من فقدان الشهية أو من زيادتها، أو انسحابه من المحيط، وعدم رغبته في الذهاب إلى المدرسة، وانخفاض مستواه الدراسي بسبب الخوف والقلق. وقد تبدو الحالة من دون أسباب واضحة للأسرة، أو وجود بعض الأعراض الجسدية - النفسية، كالصداع وألم المعدة وبعض الآلام الجسدية، وقد يميل إلى الرغبة في الوحدة والانعزال والانسحاب من النشاطات الاجتماعية المدرسية خاصة. ومن الممكن أن يزيد الأمر سوءاً، فيعاني من الاكتئاب والرغبة في الانتحار.

التنمر في المدرسة
تضيف الاختصاصية غدير مصلي أن من الأماكن الشائعة التي يُرصد فيها التنمر «بيئة المدرسة»، ويكون التنمر فيها بأفعال سلبية متعمدة من جانب تلميذ أو أكثر لإلحاق الأذى بتلميذ آخر، يتم بصورة متكررة أو طوال الوقت.
ويمكن أن يكون فعل التنمر هنا «لفظياً»، كالشتم أو التهديد والإغاظة، وقد يكون «جسدياً»، مثل الضرب أو الركل أو الاحتكاك، أو حتى من دون استخدام الكلمات، كالتكشير أو الإشارات غير اللائقة، ويتعمد عزله عن المجموعة أو رفض الاستجابة لرغبته، كما عرفه العالم دان أولويز (Dan Olweus)، مؤسس أبحاث التنمر.
كيف تكتشف الأسرة أن ابنها متنمر عليه؟ هناك بعض العلامات التي تساعد الوالدين في معرفة إن كان طفلهما يمارس عليه التنمر، مثل الكدمات والجروح أو الخدوش التي لا يستطيع تفسيرها، أو إذا عاد بقطع في الملابس أو الكتب، أو بفقدان أشيائه الشخصية أو تمزقها، والرغبة الدائمة في الغياب عن المدرسة، والكذب وخلق الأعذار والمبررات إذا تراجع أداؤه الدراسي، أو ممارسته العنف على إخوته.

- استشاري طب المجتمع



كيف يؤثر الكافيين على المعدة والقولون؟

تناول فنجان من القهوة صباحاً يُحفّز حركة الأمعاء (بيكسلز)
تناول فنجان من القهوة صباحاً يُحفّز حركة الأمعاء (بيكسلز)
TT

كيف يؤثر الكافيين على المعدة والقولون؟

تناول فنجان من القهوة صباحاً يُحفّز حركة الأمعاء (بيكسلز)
تناول فنجان من القهوة صباحاً يُحفّز حركة الأمعاء (بيكسلز)

يُعدّ الكافيين من أكثر المواد المنبّهة استهلاكاً حول العالم، إذ يلجأ إليه كثيرون لتعزيز النشاط الذهني ومقاومة التعب خلال اليوم. ورغم فوائده قصيرة المدى في تحسين التركيز والانتباه، فإن تأثيره لا يقتصر على الدماغ فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجهاز الهضمي، حيث يمكن أن يُحدث تبايناً ملحوظاً في استجابة المعدة والقولون، خصوصاً عند الإفراط في تناوله. وبين الفوائد والآثار الجانبية، تبرز أهمية فهم كيفية تفاعل الجسم مع الكافيين ومصادره المختلفة.

مصادر الكافيين وتأثيرها على الجهاز الهضمي

لا تقتصر مصادر الكافيين على القهوة وحدها، رغم شيوعها، بل يوجد أيضاً في الشاي بمختلف أنواعه، وجوز الكولا المستخدم في المشروبات الغازية، وقرون الكاكاو التي تدخل في صناعة الشوكولاته. كما تحتوي مشروبات الطاقة على نسب مرتفعة من الكافيين المُصنّع.

وتتفاوت استجابة الجهاز الهضمي لهذه المصادر تبعاً لتركيز الكافيين وطبيعة الجسم، إلا أن تأثيرها العام ينعكس بشكل مباشر على المعدة والقولون، سواء من حيث تحفيز الحركة أو زيادة الإفرازات الهضمية.

الكافيين وحركة الأمعاء

يلاحظ كثير من الأشخاص أن تناول فنجان من القهوة صباحاً يُحفّز حركة الأمعاء، وهو تأثير شائع وملحوظ. ويُعزى ذلك إلى دور القهوة في تحفيز إفراز هرمون الغاسترين، الذي تفرزه المعدة ويسهم في تسريع حركة القولون.

واللافت أن هذا التأثير لا يرتبط بالكافيين وحده، إذ أظهرت دراسات أن القهوة منزوعة الكافيين قد تُحدث استجابة مشابهة، وفقاً لموقع «هيلث لاين». وهذا يشير إلى أن مكونات أخرى في القهوة قد تلعب دوراً في هذا التأثير.

هل يسبب الكافيين الإسهال؟

نظراً لتأثير الكافيين المُحفّز لحركة الأمعاء، فإن تناوله بكميات كبيرة قد يؤدي لدى بعض الأشخاص إلى براز رخو أو حتى الإسهال. وتزداد احتمالية حدوث ذلك لدى من لديهم حساسية في الجهاز الهضمي أو يعانون من اضطرابات معوية.

لذلك، يُنصح بمراقبة الكمية المستهلكة، خصوصاً إذا ظهرت أعراض مزعجة، ومحاولة تقليلها أو استبدال القهوة بخيارات أخف مثل الشاي.

مصادر الكافيين لا تقتصر على القهوة وحدها (بيكسلز)

تأثير الكافيين على حموضة المعدة

من التأثيرات الشائعة للكافيين أيضاً زيادة حموضة المعدة لدى بعض الأشخاص، مما قد يؤدي إلى الشعور بحرقة المعدة أو الانزعاج الهضمي.

ويعود ذلك إلى قدرة الكافيين على تحفيز إنتاج حمض الهيدروكلوريك، وهو حمض أساسي لعملية هضم البروتين. لكن عند إفرازه بكميات زائدة، قد يُسبب تهيّج بطانة المعدة ويؤدي إلى أعراض غير مريحة، خصوصاً لدى من يعانون من حساسية أو مشكلات مسبقة في المعدة.

ويؤثر الكافيين بشكل ملحوظ على الجهاز الهضمي، إذ قد يُحسّن حركة الأمعاء لدى البعض، لكنه قد يُسبب أيضاً اضطرابات مثل الإسهال أو زيادة حموضة المعدة لدى آخرين. ومن هنا، يبقى الاعتدال في استهلاكه هو العامل الأهم لتجنب آثاره السلبية والاستفادة من فوائده دون الإضرار بالصحة.


تقنية مبتكرة تساعد في الإقلاع عن التدخين

التقنية تركز على استهداف دوائر محددة بالدماغ باستخدام التحفيز المغناطيسي غير الجراحي (جامعة ساوث كارولاينا الطبية)
التقنية تركز على استهداف دوائر محددة بالدماغ باستخدام التحفيز المغناطيسي غير الجراحي (جامعة ساوث كارولاينا الطبية)
TT

تقنية مبتكرة تساعد في الإقلاع عن التدخين

التقنية تركز على استهداف دوائر محددة بالدماغ باستخدام التحفيز المغناطيسي غير الجراحي (جامعة ساوث كارولاينا الطبية)
التقنية تركز على استهداف دوائر محددة بالدماغ باستخدام التحفيز المغناطيسي غير الجراحي (جامعة ساوث كارولاينا الطبية)

كشفت دراسة أميركية عن تقنية علاجية مبتكرة قد تساعد المدخنين على الإقلاع عن التدخين، عبر استهداف دوائر محددة في الدماغ باستخدام التحفيز المغناطيسي غير الجراحي.

وأوضح باحثون من جامعة ساوث كارولاينا الطبية أن هذه التقنية قد تمثل مفتاحاً جديداً لكسر دائرة الإدمان. ونُشرت النتائج، الاثنين، بدورية «Journal of Psychiatric Research».

ويُعد التدخين من أبرز العادات الضارة بالصحة العامة، إذ يرتبط بارتفاع خطر الإصابة بأمراض خطيرة، من بينها أمراض القلب والشرايين، وسرطان الرئة، والسكتات الدماغية، فضلاً عن تأثيره السلبي على الجهاز التنفسي والمناعة. كما لا تقتصر أضراره على المدخنين، بل تمتد إلى المحيطين بهم عبر التدخين السلبي. ويُعد الإقلاع عن التدخين خطوة أساسية لتحسين جودة الحياة والحد من مخاطر الأمراض المزمنة، إذ يبدأ الجسم التعافي تدريجياً بعد التوقف.

وركزت الدراسة على فهم كيفية إعادة التوازن داخل الدماغ بين نظامين رئيسيين؛ نظام الرغبة والمكافأة، ونظام التحكم في السلوك واتخاذ القرار.

واعتمد الباحثون على تقنية تُعرَف باسم «التحفيز المغناطيسي المتكرر عبر الجمجمة» (rTMS)، وهي تقنية غير جراحية تستخدم نبضات مغناطيسية دقيقة لتحفيز مناطق محددة في الدماغ دون الحاجة لتدخُّل جراحي أو أدوية. وهدفت هذه التقنية إلى تعديل النشاط العصبي في المناطق المرتبطة بإدمان النيكوتين.

وتعمل التقنية عبر إرسال نبضات مغناطيسية مركزة إلى القشرة الدماغية، تستهدف بصورة خاصة مناطق مسؤولة عن التحكم في السلوك واتخاذ القرار، مثل القشرة الجبهية الجانبية، إلى جانب مناطق مرتبطة بالرغبة والمكافأة. وتسهم هذه النبضات في تنشيط الخلايا العصبية أو تعديل نشاطها، بما يساعد على إعادة التوازن بين نظام «التحكم الذاتي» ونظام «الرغبة».

وشملت الدراسة مجموعة من المدخنين البالغين، جرى تقسيمهم إلى مجموعات خضعت لـ15 جلسة علاجية على مدار ثلاثة أسابيع، مع استخدام تصوير الدماغ لتحديد مواقع التحفيز بدقة.

وأظهرت النتائج أن تحفيز منطقة التحكم الذاتي في الدماغ، المعروفة باسم (DLPFC)، أدى لخفض معدل التدخين بأكثر من 11 سيجارة يومياً، إلى جانب تراجع واضح في الرغبة بالتدخين، وانخفاض مستويات أول أكسيد الكربون في الجسم، وهو مؤشر بيولوجي على تقليل التدخين، مقارنة بالمجموعة التي تلقت علاجاً وهمياً أو خضعت لاستهداف مناطق أخرى بالدماغ. كما استمرت الآثار الإيجابية للعلاج لمدة شهر على الأقل بعد انتهاء الجلسات.

وكشفت صور الدماغ أيضاً عن زيادة نشاط مناطق التحكم الذاتي، مقابل انخفاض نشاط مناطق المكافأة المرتبطة بالإدمان، وهو ما انعكس مباشرة على سلوك المشاركين.

ووفق الباحثين، فإن تعزيز نشاط مراكز التحكم في الدماغ يزيد قدرة الفرد على مقاومة الرغبة في التدخين، بينما يتراجع نشاط المناطق المرتبطة بالمكافأة والإدمان تدريجياً. ومن هذا المنطلق، لا تعتمد التقنية على كبح الرغبة بشكل مباشر، بل على «إعادة تدريب» الدماغ ليصبح أكثر قدرة على ضبط السلوك الإدماني بصورة طبيعية.

ووفق الباحثين، فإن النتائج تُمهد الطريق لإجراء تجارب أوسع قد تجعل من التحفيز الدماغي وسيلة علاجية مساعدة للإقلاع عن التدخين إلى جانب الأدوية والعلاج السلوكي، خصوصاً لدى الأشخاص الذين لم تنجح معهم العلاجات التقليدية.


من المائدة إلى العقل... كيف يؤثر غذاؤك على دماغك؟

الأبحاث تكشف عن علاقة وثيقة بين نوعية الغذاء من جهة والذاكرة والتركيز والمزاج من جهة أخرى (بيكلسز)
الأبحاث تكشف عن علاقة وثيقة بين نوعية الغذاء من جهة والذاكرة والتركيز والمزاج من جهة أخرى (بيكلسز)
TT

من المائدة إلى العقل... كيف يؤثر غذاؤك على دماغك؟

الأبحاث تكشف عن علاقة وثيقة بين نوعية الغذاء من جهة والذاكرة والتركيز والمزاج من جهة أخرى (بيكلسز)
الأبحاث تكشف عن علاقة وثيقة بين نوعية الغذاء من جهة والذاكرة والتركيز والمزاج من جهة أخرى (بيكلسز)

في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتنتشر فيه الوجبات السريعة وأنماط الراحة المفرطة، يغيب عن أذهان كثيرين أن ما نضعه في أطباقنا ينعكس مباشرة على ما يدور في عقولنا. لم تعد التغذية مسألة مرتبطة بالجسد فحسب، بل أصبحت ركيزة أساسية لصحة الدماغ ووظائفه. وتشير أبحاث حديثة في مجالَي علم الأعصاب والتغذية إلى وجود علاقة وثيقة بين نوعية الغذاء من جهة، والذاكرة والتركيز والمزاج من جهة أخرى. فالدماغ شأنه شأن أي عضو آخر يحتاج إلى وقود نوعي ليؤدي مهامه بكفاءة. وعندما يختل هذا الوقود لا تتأثر الطاقة الجسدية فقط، بل تمتد الآثار إلى التفكير، والانتباه، والاستجابة للضغوط اليومية.

العلاقة بين التغذية وصحة الدماغ

يعتمد الدماغ على إمداد مستمر ومتوازن من العناصر الغذائية للحفاظ على أدائه العالي. فالدهون الصحية تدخل في بناء الخلايا العصبية، وتعمل مضادات الأكسدة على حمايته من التلف، في حين تُسهم الفيتامينات والمعادن في تسهيل التواصل بين خلاياه.

ومع مرور الوقت، يمكن للأنظمة الفقيرة بالعناصر الغذائية والغنية بالأطعمة المُصنّعة أن تؤدي إلى زيادة الالتهابات والإجهاد التأكسدي، وهما عاملان يرتبطان بتراجع القدرات الإدراكية وضعف التركيز.

في المقابل، ترتبط الأنماط الغذائية المتوازنة -التي تعتمد على الفواكه والخضراوات والبروتينات الصحية والدهون المفيدة- بتحسين الذاكرة وتعزيز مرونة الدماغ. ولا يكمن السر في عنصر واحد أو ما يُعرف بـ«الأطعمة الخارقة»، بل في اتباع نظام غذائي متكامل ومتوازن يدعم الدماغ على المدى الطويل.

الاحتياجات الغذائية للدماغ

رغم أن الدماغ لا يشكّل سوى نحو 2 في المائة من وزن الجسم، فإنه يستهلك ما يقارب 20 في المائة من طاقته، مما يعكس مدى حساسيته لنوعية الغذاء. ويُعدّ الجلوكوز المصدر الأساسي لطاقة الدماغ، لذلك ترتبط كفاءة عمله ارتباطاً وثيقاً باستقرار مستويات السكر في الدم، وفقاً لموقع «ستانفورد لايف ستايل ميديسين».

لكن الأمر لا يتوقف عند الجلوكوز؛ إذ يحتاج الدماغ إلى مجموعة من العناصر الغذائية الأساسية للحفاظ على نشاطه ووظائفه الحيوية، ومن أبرزها:

أحماض «أوميغا 3» الدهنية: تلعب دوراً محورياً في بناء الخلايا العصبية ودعم وظائف الدماغ، كما تُسهم في تحسين الذاكرة والتعلم. وتوجد في الأسماك الدهنية، وبذور الكتان، والجوز.

مضادات الأكسدة: تحمي الدماغ من الإجهاد التأكسدي والالتهابات، وهي عوامل ترتبط بأمراض عصبية مثل ألزهايمر وباركنسون. وتتوافر بكثرة في الفواكه والخضراوات الملونة.

فيتامينات «ب»: مثل فيتامين «ب12» وحمض الفوليك، وهي ضرورية لإنتاج النواقل العصبية وتنظيم عمليات الطاقة، وتساعد في الحفاظ على الوظائف الإدراكية وتقليل خطر اضطرابات الذاكرة والمزاج.

تأثير النظام الغذائي على الإدراك والذاكرة

مع تزايد الدراسات في هذا المجال، يتضح أن نوعية الغذاء لا تؤثر فقط على الصحة العامة، بل تلعب دوراً مباشراً في القدرات الذهنية، من التعلم إلى التذكر.

الذاكرة والتعلم

يُسهم النظام الغذائي الغني بالعناصر المفيدة في تعزيز قدرة الدماغ على تخزين المعلومات واسترجاعها. فقد أظهرت الدراسات أن أحماض «أوميغا 3» تساعد في ترسيخ الذاكرة، في حين تقلّل مضادات الأكسدة من التلف الذي قد يُضعف الأداء الذهني.

المرونة العصبية

وهي قدرة الدماغ على تكوين روابط جديدة بين الخلايا العصبية، وتُعد أساس التعلم والتكيف. وقد ثبت أن الأنظمة الغذائية الصحية، مثل حمية البحر الأبيض المتوسط، تدعم هذه المرونة وتعزّز الكفاءة الإدراكية.

التدهور الإدراكي

في المقابل، تؤدي الأنظمة الغذائية الغنية بالسكريات المضافة والدهون غير الصحية والكربوهيدرات المكررة إلى تسريع تراجع القدرات الذهنية، وزيادة خطر الإصابة باضطرابات معرفية مع التقدم في العمر.

ولا يقتصر تأثير الغذاء على بناء الجسم، بل يمتد ليشكّل حجر الأساس لصحة الدماغ ووظائفه. ومن خلال تبنّي نمط غذائي متوازن وغني بالعناصر المفيدة، يمكن تعزيز التركيز، وتحسين الذاكرة، والوقاية من التدهور الإدراكي، ما ينعكس إيجاباً على جودة الحياة بأكملها.