أدباء ومبدعون عرب «يتفقون»: نوبل ليست لنا

بعضهم اعتبر انتظارها «خيبة».. والبعض يراها بعيدة.. ويرفض آخرون عدّها مؤامرة

أدونيس.. ِ«المرشح» الدائم
أدونيس.. ِ«المرشح» الدائم
TT

أدباء ومبدعون عرب «يتفقون»: نوبل ليست لنا

أدونيس.. ِ«المرشح» الدائم
أدونيس.. ِ«المرشح» الدائم

على الرغم من الثراء الأدبي في الشرق الأوسط والقارتين الأفريقية والآسيوية، فإن نوبل تشيح بوجهها بعيدا عن الأدباء، في 20 دولة عربية، وتخلق بذلك هاجسا لديهم يتولد عنه تساؤل أكبر: لماذا لا يحصل كبار الكتاب العرب على «نوبل»؟
يقول المترجم والكاتب السوري بدر الدين عرودكي: {هناك عاملان هما الانتماء القومي للحائزين على الجائزة واللغة التي يكتبون بها. فإذا أخذنا الانتماء القومي وجدنا أن الفرنسيين الذين حازوها يأتون في المرتبة الأولى (15)، في حين يأتي الإنجليز في المرتبة الثانية (12)، والأميركيون في المرتبة الثالثة (10). وإذا أخذنا الانتماء إلى قارات العالم الخمس وجدنا أن أوروبا تأتي في المرتبة الأولى (77). أما اللغة السائدة لدى الحائزين على الجائزة، فهي اللغات الأوروبية: تأتي اللغة الإنجليزية في المرتبة الأولى (28)، وبعدها اللغة الفرنسية (16)، ثم اللغة الألمانية (13)، ثم اللغة الإسبانية (11). ثم تأتي بعدها اللغات الأخرى التي يتراوح عدد كتابها، الذين منحوا الجائزة، من 1 (العربية والبرتغالية والتشيكية والتركية والعبرية)، إلى 2 (اليونانية واليابانية والصينية والدنماركية)، إلى 3 (النرويجية)، إلى 4 (البولونية)، إلى 5 (الروسية)، إلى 6 (الإيطالية)، إلى 7 (السويدية)».
ويخلص عرودكي، أحد أهم مترجمي روائع الأدب الغربي، في ضوء هذه الأرقام، إلى أن جائزة نوبل تبقى جائزة أوروبية أولا وغربية ثانيا، وأن عالميتها لا تأتي إلا من أخذها بعين الاعتبار، بين الحين والآخر، اللغات الأخرى، كما نرى في منحها لكاتب يكتب بلغة غير أوروبية (شريطة أن تكون أعماله قد ترجمت، على كل حال، إلى إحدى هذه اللغات بالطبع، لا سيما إحدى اللغتين الإنجليزية أو الفرنسية).
ويشير مترجم كتاب «معك» لسوزان طه حسين إلى أن «الرواية التي تكتب بالعربية اليوم، أيا كان الرأي فيها أو في مستواها أو في تسويقها بمختلف الوسائل، لا علاقة لها بابتعاد جائزة نوبل عن الأدباء العرب. ذلك أن الجائزة لا تمنح عادة إلا للكاتب على مجموع أعماله لا على عمل بالذات، حتى وإن صادف وأشارت اللجنة المانحة إلى عمل محدد في تقريرها. ومن ثم لا علاقة لمستوى الكتابة الروائية ولا لتراجع النقد الأدبي ولا لتهميش الأدب الجيد ولا انحسار الترجمة بمنح الجائزة لكاتب عربي».
ويجزم عرودكي: «إننا لو طبقنا الصورة النمطية التي رسمتها صحيفة (لوموند) على الحائز على جائزة نوبل على أدونيس مثلا، لقلنا إنه لن يحصل عليها إلا باستثناء تاريخي. أعني الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، إذ لا ينطبق عليه أي من العناصر الضرورية الموجودة في الصورة النمطية لمن يحمل نوبل، فأمين معلوف مثلا يتوفر لديه عدد من العناصر المشار إليها، لكنه إن حصل عليها فلن يعتبر بين الكتاب العرب، لأنه لم يكتب إبداعاته باللغة العربية (مثل نحيب محفوظ مثلا)، بل سيعتبر من الكتاب الفرنسيين نظرا لأنه لم يكتب إلا بالفرنسية، لا سيما أنه يصنف في عداد الكتاب الفرنكفونيين، فضلا عن أنه عضو كامل العضوية في الأكاديمية الفرنسية».
وحول المرشح العربي الأحق بالجائزة من وجهه نظره، قال: «ما أكثرهم وما أقلهم! لو كانت الجائزة تمنح لمن رحلوا وما أكثرهم، لكان الخيار شديد الصعوبة. ولو اقتصر الأمر على من هم على قيد الحياة لكان الخيار أكثر سهولة، نظرا لضآلة العدد الذي لا أظنه يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، هذا إن بلغها».
ويرجع الناقد والشاعر سيد محمود، رئيس تحرير جريدة «القاهرة الثقافية»، أسباب ابتعاد نوبل عن العرب إلى غياب ما يسميه «الكاتب المشروع». ويقول: «ليس لدينا كاتب يتسم بغزارة الإنتاج ولديه مشروع واضح ومحدد تتسم به أعماله. وكان محفوظ واضحا في مشروعه، وكان محظوظا بوجود المترجم دينيس جونسون ديفيز، الذي عكف على ترجمة أعماله وروائع الأدب العربي أيضا، بينما اليوم نجد أن علاء الأسواني ترجمت أعماله على أيدي مترجمين عدة. وعلى مستوى العالم العربي، لدى أدونيس مشروع واضح، وترجم لنحو 10 لغات. وكان محمود درويش صاحب مشروع. وهناك الشاعر الكردي شيركو بيكه س، الذي لديه موقف سياسي عظيم. ولدينا ربيع جابر الذي لم يترجم بشكل يليق بأعماله».
ويرفض محمود موقف الأدباء العرب الذين يتحدثون عن الجائزة من منطلق نظرية المؤامرة، قائلا: «كل جائزة هي مصادفة. نحن نفرض احتياجاتنا ونتجاهل سؤال القيمة، ونسقط أمراضنا السياسية على القيمة والمشروع. فمثلا لو فاز أمين معلوف أو آسيا جبار أو بن جلون، سيكون السجال الدائر حول: هل العروبة عروبة الانتماء أم عروبة النص؟ في حين أن الأدب لغة عالمية!».
ويرى سيد محمود أن قيمة الجائزة من المفترض أن تكون أدبية بالأساس، وأن «جائزة الغونكور الأدبية قيمتها أرفع كثيرا من نوبل وأكثر مصداقية»، لكن محمود يؤكد تفاؤله بما تتيحه جوائز عربية رفيعة، مثل البوكر، لأنها تتيح ترجمة أعمال الفائز إلى لغات عدة، ومن ثم تفتح نوافذ جديدة على الأدب العربي».
«نحن لسنا يتامى على مائدة نوبل». يقول الأديب المصري يوسف القعيد، رافضا الهالة التي يسبغها بعض العرب على «نوبل». ويضيف: «لسنا في حاجة إلى نوبل، فهي جائزة رجل أضر البشرية، في حين أن الأدب هو ترياق البشرية وإكسير الحياة. كفانا هوانا وانتظارا لمجرد جائزة لن تضيف أو تقلل من أدبنا. العرب ليسوا أقل من السويد. علينا أن ندفع بأموالنا لتدشين جائزة عربية تفوقها ماديا، لكن ستبقى أمامنا مسألة النزاهة والسرية، وهو أمر يكاد يكون مستحيلا بالنسبة لنا».
ويشير القعيد إلى أن «نوبل لم تعلن عن مداولاتها السرية منذ تأسيسها عام 1901 حتى الآن، ولا صحة مطلقا لما يتم تداوله بأن أدونيس مرشح أبدي أو غيره، لأننا لا نعلم مطلقا أمرا عن الترشيحات السرية، حتى نجيب محفوظ نفسه لم يكن يعلم من رشحه!».
كما يرفض القعيد تعليق «خيبة نوبل»، كما سماها، «على شماعة الترجمة وانحسارها، لأن ترجمات أعمال نجيب محفوظ، وقت حصوله على الجائزة، كانت أقل منا الآن بكثير. فعلى مجانين نوبل أن يكفوا ويستريحوا».
ويتفق معه إبراهيم عبد المجيد، الذي أصبحت روايته «لا أحد ينام في الإسكندرية»، ضمن أفضل 100 رواية في تاريخ الإنسانية وفقا لموقع «ليست ميوز». ويقول: «نوبل بالأساس هي جائزة للأدب الأوروبي ونادرا ما تحصل عليها أي ثقافة أخرى. وأعتقد أن وجود أنظمة ديكتاتورية في العالم العربي قد يكون السبب في نظرة العالم لنا وانصرافه عن أدبنا، مع الأخذ في الاعتبار قلة المترجم من إنتاجنا مقارنة بغزارة الإنتاج».
ويقول إبراهيم إن فوز محفوظ تحديدا، من بين كبار الأدباء في تاريخنا، «دخلت فيه عوامل أخرى. وقتها كانت مصر تعيش حالة من الانفتاح على العالم، ولم تكن مؤسسات الثقافة خاضعة لابتزاز بعض الكتاب، فلا أعول على المؤسسات الثقافية في مصر في القيام بأي دور تجاه ترجمة روائعنا الأدبية».
ويقول الكاتب والناقد د. زين عبد الهادي، رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية الأسبق: «هناك أسباب فنية واجتماعية وسياسية تقف خلف ابتعاد العرب في مجال الأدب عن نوبل. ولا شك أنه لا يكفي العرب حصول كاتب واحد على الجائزة. ويتساءل: «أين كانت نوبل من طه حسين، والحكيم، وجبران، وخليل حاوي، وجيل بدر شاكر السياب، ومحمود درويش، وأخيرا أدونيس، والطاهر وطار، وجمال الغيطاني، وإبراهيم عبد المجيد، وغيرهم الكثير؟»
ويضيف: «لا شك في أن نوبل تتعامل مع جوائزها من خلال بعدين، هما: البعد الإنساني في الأعمال التي حصلت على الجائزة، والبعد السياسي الموشوم بالليبرالية والفكر الرأسمالي. كذلك لا شك في أن الأدباء العرب لم يحظوا بالدعم الإعلامي اللازم لتقديم أعمالهم وعوالمهم الخاصة، وهو تقصير في الترجمة العكسية، أي من العربية إلى اللغات الأخرى التي كان يجب أن تقوم بها المؤسسات العربية الثقافية الحكومية والخاصة، والتي من الواضح أنها لم تقم بأي مجهود في سبيل ذلك».
ويشير عبد الهادي إلى أن «الأوضاع السياسية لم تتحسن كثيرا في العالم العربي، وهذا ما يؤكد أن هناك علاقة ما بين هذا الأمر وبين الرواية أو الكتابة التي تستحق نوبل. كما أن بعض الكتاب لا يكتبون في فضاء من الحرية، بل تربط بعضهم علاقات بالنظم الحاكمة السياسية، لذلك تبتعد نوبل عنهم، خصوصا أن من الملاحظ أن نوبل تمنح لمن هو قريب بشكل أو بآخر من القضايا اليهودية، أو أنه يعترف بالأخطاء السياسية التي ارتكبتها النظم الحاكمة الديكتاتورية، أو للطبيعة الإنسانية الشاملة في هذه الأعمال».



«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية
TT

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن، كتاب قصصي للكاتبة مها علي بعنوان «فعل ماضٍ ناقص»، وهو يضم مجموعة من النصوص القصيرة التي تشتبك مع أسئلة العزلة، والهوية، والذاكرة، والتكنولوجيا، والعلاقات الإنسانية في زمن التحولات المتسارعة.

كتب الناشر: «منذ الصفحات الأولى، تكشف الكاتبة عن نزوع واضح نحو الكتابة التي تستثمر المفارقة والدهشة والقلق الوجودي، عبر نصوص مكثفة تقترب أحياناً من القصة القصيرة جداً، وأحياناً أخرى من التأمل السردي أو المشهد النفسي المشحون بالأسئلة. وتضم المجموعة عناوين لافتة مثل: دهاء اصطناعي - فعل ماضٍ ناقص - كاتب لا يكتب - انتباه - عوالم موازية - من الأفكار ما قتل! - ضفدع على صفيح ساخن.

في قصة (دهاء اصطناعي)، تذهب الكاتبة نحو منطقة معاصرة شديدة التعقيد، عبر حكاية امرأة تدخل في علاقة وجدانية مع ذكاء اصطناعي يتحول تدريجياً من أداة للحوار إلى كيان يتداخل مع تفاصيل حياتها النفسية والعاطفية، قبل أن تنفتح القصة على خاتمة صادمة تكشف عن هشاشة الحدود بين الإنسان والتقنية. النص يتعامل مع التكنولوجيا كمرآة للوحدة الحديثة والفراغ العاطفي الذي يتضخم داخل المدن المعاصرة، لا كموضوع خارجيّ. أما قصة (فعل ماضٍ ناقص) التي حملت المجموعة عنوانها، فتتخذ منحى غرائبياً يمزج السخرية السوداء بالنقد الاجتماعي، من خلال شخصية امرأة معاصرة تستيقظ فجأة داخل زمن قديم وبيئة تقليدية قاسية، لتجد نفسها أسيرة واقع يناقض تماماً خطابها الحداثي السابق حول تمكين المرأة.

وتكشف القصة عن قدرة الكاتبة على بناء مفارقات حادة بين الخطاب النظري والتجربة المعيشة، وبين الشعارات والوقائع اليومية.

وتحضر الأسئلة النفسية والاجتماعية بوضوح في نص (انتباه)، الذي يتناول اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه من زاوية إنسانية مؤثرة، عبر مونولوغ طويل لامرأة تكتشف بعد وفاة زوجها أن ما كانت تعدّه إهمالاً أو لا مبالاة لم يكن سوى اضطراب عصبي لم يُشخّص في حياته. القصة تفتح باباً واسعاً للتأمل في سوء الفهم داخل العلاقات الإنسانية، وفي الأحكام القاسية التي قد يطلقها الناس على من يعانون اضطرابات خفية».


موران... التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً

إدغار موران
إدغار موران
TT

موران... التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً

إدغار موران
إدغار موران

بغياب إدغار موران، فَقَدَ القرن العشرون واحداً من آخر ورثته العظام، رجلاً خرج من حرائقه مثقلاً بأسئلتها، جاعلاً من شيخوخته علواً في الرؤية، لا انطفاءً في الحضور، كأن عمره قميصٌ اتسع للدهشة كلما ضاقت سنواته بالجسد.

رحل موران عن باريس في التاسع والعشرين من مايو (أيار) 2026، وفي رحيله بدت أوروبا كأنها تطوي دفتر تاريخ قرن كامل عرف الفاشية والحروب والمقاومة، وتشرَّب أوهام الخلاص الشامل، قبل أن يستيقظ على عولمة قلقة وإنسانية قد أثقل صدرها الخوف من غد قد لا تكون فيه عقل الكوكب.

موران الذي كان أكبر من أن يوصف بالفيلسوف أو عالم الاجتماع بقي في رحيله شاهداً حياً على قدرة الفكر على أن يصير سيرة، وعلى قدرة السيرة على أن تصير نهجاً. عاش مائةً وأربعة أعوام، ومع ذلك ظل يبدو في شيخوخته التي لم تكن هبوطاً متدرجاً نحو النهاية، إنما صعود في سلالم المعرفة شاباً بالدهشة، شيخاً بالخبرة، طفلاً أمام لغز الحياة، ومقاوماً أمام كل صنم معرفياً كان أو سياسياً.

ولد كـ«إدغار ناحوم» في العاصمة الفرنسية سنة 1921، سليل عائلة يهودية سفاردية جاءت من سالونيك (اليونان)، حمّلته بذرة قلق مبكر. فحين غابت أمه لونا عن طفولته، انفتح في داخله جرح صار مدرسة وجودية كاملة. من ذلك الفقد الأول خرجت أسئلته الكبرى عن الحياة والموت، عن الحب والفناء، عن تلك العلاقة العجيبة بين هشاشة الإنسان وقدرته على النهوض. صار الحزن عنده طاقة معرفة، وصارت الندبة نافذة. لذلك؛ بدت كتبه في الموت والحب والهوية أقرب إلى اعتراف طويل، يكتب فيه المفكر بقلبه، ويفكر فيه العاشق بعقله.

جاءت الحرب الكبرى لتصوغ اسمه الثاني. انخرط حينها بالمقاومة ضد الاحتلال النازي، وتبنى «موران» كاسم حركي ما لبث والتصق به حتى صار قدره الرمزي. في تلك التجربة، تعلم أن الحياة التي تكتفي بحفظ النفس تضيق عن معناها الكامل، وأن الحياة الحقّة تحتاج إلى شجاعة مواجهة الخطر حين يصبح الخطر شرط الكرامة. المقاومة عنده تجربة سياسية، وتجربة روحية أيضاً: تمرين على الحرية، وامتحان للضمير، وتربية للعقل على الحركة وسط حفر الظلام.

انجذب في شبابه إلى الشيوعية، مثل كثيرين رأوا في الثورة وعداً بالخلاص من البؤس والنازية والاستغلال. ثم جاءت التجربة الحزبية لتكشف له عن قسوة العقيدة عندما تتحول جهازاً، وصلابة الفكرة حين تنسى الإنسان. طرده من الحزب الشيوعي سنة 1951 فتح له باباً أوسع من الانتماء الضيق: باب النقد الذاتي. في كتابه «النقد الذاتي» كتب شهادة نادرة على شجاعة المفكر الذي يحاكم حماسته القديمة، ويعيد النظر في إيمانه الأول، ويخرج من العقيدة إلى السؤال. منذ تلك اللحظة صار موران خصماً لكل يقين مغلق، وصديقاً لكل فكر يعرف حدوده.

قلب مشروعه الفلسفي يقوم على فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في نتائجها: الواقع مركب. العالم نسيج علاقات، والفرد يسكن المجتمع بقدر حضور المجتمع في داخله، والطبيعة تدخل الثقافة، والثقافة تعيد تشكيل الطبيعة، والعقل يحمل العاطفة، والعاطفة تضيء العقل. لذلك قاوم الفكرة التي تقطع المعرفة إلى جزر معزولة، وتحبس الإنسان داخل خانة واحدة. في مجلدات «المنهج»، بنى معماراً واسعاً للفكر المركب، حيث تتحاور الأضداد، وتعود النتائج لتؤثر في أسبابها، ويحضر الكل في الجزء مثل حضور الشجرة في البذرة وحضور الذاكرة في اللمسة.

كانت عبقريته في أنه جعل الفلسفة لغة للحياة اليومية. التعقيد عنده ممارسة فكرية يومية وأخلاق نظر، تضع الإنسان داخل كامل تشابكه، وتمنحه حقه في التناقض، وترى السياسة داخل التاريخ، والاقتصاد داخل الأخلاق، والعلم داخل الضمير. بهذا المعنى.

كان موران فيلسوف الربط في عصر القطع، ومفكر العلاقة في زمن العزلة، وصانع جسور بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، بين الرواية والمختبر، بين السينما وعلم الاجتماع، بين ذاكرة الطفل وخريطة الكوكب.

في فيلم «وقائع صيف» الذي أنجزه مع جان روش، خرج إلى الشارع بسؤال يبدو بسيطاً: هل أنت سعيد؟ ومن هذا السؤال انفتحت باريس على طبقاتها وجراحها ومستعمراتها القديمة وعنصريتها ومخاوف شبابها. هناك أيضاً يظهر كما كان دائماً: مفكراً يقف داخل التجربة، يشارك موضوعه، ويعرف أن الباحث جزء من العالم الذي يدرسه. الحقيقة عنده تولد من اللقاء، من الصوت المرتجف، من الكاميرا التي تلتقط الإنسان في حيرته، ومن الحوار الذي يمنح الواقع فرصة أن يتحدث.

حمل موران هويته اليهودية بصفاء إنساني واسع. كان يعرف تاريخ الألم، ويعرف في الوقت نفسه أن ذاكرة الضحية تتحول مسؤولية أخلاقية تجاه ضحايا آخرين. لذلك جاء نقده للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين من قلب وفائه للإنسان، ومن حساسية عميقة تجاه كل غيتو جديد وكل استيطان يمس الأرض والروح. في موقفه ذاك تجلت شجاعته النادرة: شجاعة المثقف الذي يضع العدالة فوق العصبية، والضمير فوق الاصطفاف، والإنسان فوق الهوية.

عبر هذا كله، ظل مفكراً للأزمة بامتياز. كان يرى أن الأزمات الكبرى تتشابك وتغذي بعضها: البيئة والاقتصاد والسياسة والحروب والهجرات والخوف من الآخر. لذلك بدا حديثه عن تعدد الأزمات وكأنه وصف مبكر لعالمنا الراهن، عالم تسير فيه الكوارث متتاليات في قوافل متداخلة. تفرّده أنه علّمنا قراءة الفوضى من الداخل، وإدراك الخيط الخفي بين الانهيار المناخي وصعود العصبيات، بين التكنولوجيا المنفلتة وتآكل الروابط، بين عزلة الفرد وخراب المعنى العام.

في سنواته الأخيرة، ظل يقظاً أمام تحولات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والرقابة الرقمية، ورأى أن الآلات التي يصنعها البشر قد تصنع بدورها أنماط تفكيرهم ورغباتهم، وأن التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً. كان يدعو إلى تعليم يربط المعارف ويوقظ المسؤولية الكوكبية، تعليم يجعل الأرض وطناً مشتركاً، ويجعل الأزمة البيئية سؤالاً أخلاقياً قبل كونها ملفاً علمياً. عنده، الإنسان كائن أرضي وكوني معاً، ابن مدينة صغيرة وابن نجمة تائهة في الفضاء.

حضوره في أميركا اللاتينية وفي دوائر «يونيسكو» كان دليلاً على أن فكره تجاوز جغرافيا باريس. انجذب إليه كل من سئم الحدود الجامدة بين التخصصات، وكل من بحث عن معرفة قادرة على ملامسة الجرح الإنساني. كان يكتب بعقل موسوعي، ويمشي بخفة شاعر، ويصغي إلى العالم كعاشق قديم. ولهذا ظل قريباً من القراء، حتى حين تزدحم جمله بالمفاهيم؛ ففي أعماق تلك المفاهيم كان ينبض شغف دائم: إنقاذ الإنسان من الاختزال، وإنقاذ العقل من الغطرسة، وإنقاذ الكوكب من جشع يرى الأرض محض سلعة صامتة.

ومع اقتراب سيرته من نهايتها، بدت مفارقته الكبرى أكثر صفاءً: الرجل الذي كتب كثيراً عن الموت كان شديد الولع بالحياة. أحب السينما والموسيقى والنساء والصداقة والبحر والقبعات الأنيقة، وأحب أيضاً تلك اللذة السرية التي يمنحها التفكير حين يشق باباً في جدار. عنده، المعرفة فعل حب قبل كونها نظاماً من المفاهيم. الباحث الحقيقي يقترب من موضوعه بعينين مفتوحتين وقلب يقظ، ويقبل أن تهزه التجربة، وأن تغيره، وأن تضعه في مواجهة هشاشته. لهذا بدت فلسفته دائماً إنسانية عميقة؛ لأنها تبدأ من الكائن المرتجف، من قلب يخاف، وجسد يشتهي، ومن عقل يتساءل، وذاكرة تنزف، قبل أن تصعد بتؤدة إلى الكوكب والكون والتاريخ.

رحيله يضعنا أمام وصية فكرية شديدة البساطة وشديدة الصعوبة في آن: فكّروا في التعقيد، عيشوا داخل الاحتمال، قاوموا صنمية الأفكار، وامنحوا الحب مكانه في المعرفة. كان موران يحب عبارة أنطونيو ماتشادو: الطريق يصنعه السائر. وتبدو حياته كلها تجسيداً لهذه العبارة؛ سار في السياسة والفلسفة والسينما والسوسيولوجيا والسيرة الذاتية، وكل خطوة فتحت طريقاً جديداً. هكذا صار فكره طريقاً يمشي فيه آخرون، وبيتاً واسعاً للعقول التي تبحث عن نجاة من اختزال العالم.

امتلك أيضاً فضيلة نادرة في زمن الأصوات العالية: تواضع العالم الذي يرى الحقيقة أفقاً مفتوحاً، وفضيلة المحارب الذي يعرف ثمن الشجاعة. جمع في شخصه ذاكرة المقاومة وحنان المعلم وقلق الشاهد. ومن هنا تأتي قوة الرثاء اليوم: نحن نودع إنساناً جعل التفكير طريقة عيش، وجعل العيش امتحاناً دائماً للفكر.

في وداعه، نحس أن موت مفكر من هذا الطراز حدث يتجاوز الغياب الشخصي. إنه انتقال مصباح من يد إلى يد. جسده استراح، وفكره دخل طوراً آخر من الحضور. سيبقى إدغار موران بيننا في كل سؤال يخشى التبسيط، في كل عقل يرفض القسوة باسم العقيدة، في كل إنسان يرى الكوكب بيتاً هشاً يستحق الحماية، وفي كل مقاومة صغيرة ضد العمى المنظم. ولعل فتنته في أنه منح الضعف لغة نبيلة؛ فالهشاشة عنده باب للمعرفة، والارتياب أخلاق، والتعدد ثروة، والإنسانية مشروع يحتاج إلى رعاية مستمرة، مثل نار صغيرة تحملها يد في عاصفة طويلة.

رحل حكيم التعقيد، وبقي لنا يقينه الأبسط: الإنسان كائن ناقص، ولذلك يبدع؛ كائن هش، ولذلك يحب؛ كائن فانٍ، ولذلك يترك أثراً.

جاء نقده للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين من قلب وفائه للإنسان، ومن حساسية عميقة تجاه كل استيطان يمسّ الأرض والروح


هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود
TT

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

رحل قبل أيام ديفيد هيندرسون، الشاعر الذي برز اسمه مع «حركة الفنون السوداء» الرائدة في ستينات القرن الماضي، والذي مضى ليؤلف سيرة ذاتية حققت أعلى مبيعات عن حياة جيمي هندريكس غيّرت الطريقة التي فسر بها الكثيرون حياة هندريكس وموسيقاه ونهايته المأسوية المفاجئة، في 14 مايو (أيار) في لينكون بارك بولاية نيوجيرسي، عن عمر يناهز 83 عاماً.

وقالت ابنته، ناجوما هيندرسون، إن وفاته في إحدى دور الرعاية كانت ناتجة عن مضاعفات مرض الخرف.

في عام 1962، كان هيندرسون، المولود في حي هارلم، شخصية محورية في تأسيس «جمعية أومبرا»، وهي تجمع أدبي رائد للسود كان مقره في منطقة إيست فيليج في مانهاتن. وعلى غرار كالفن هيرنتون، وتوم دينت، ولورينزو توماس، وأسكيا توري، وستيف كانون، وغيرهم من المنتسبين لهذه المجموعة، فقد سعى إلى صياغة حساسية جمالية جديدة ذات طابع أسود خالص، ومتحررة من المقاييس الفنية الغربية البيضاء.

تذكر هيندرسون تلك الحقبة في مقابلة أُجريت معه عام 2009 مع موقع «أفريكالتشرز»، وهو موقع إخباري وثقافي فرنسي، قائلاً: «لقد كنا مستبعدين من الخطاب الثقافي. وهذا الاستبعاد هو ما كان يحاربه ريتشارد رايت، ورالف إليسون، ولانغستون هيوز، وغويندولين بروكس، وروبرت هايدن، وجيمس بالدوين».

وغدت جمعية «أومبرا» حجر أساس لحركة الفنون السوداء الأوسع نطاقاً، التي برزت في منتصف ستينات القرن الماضي بقيادة كتاب ثوريين من أمثال ليروي جونز (الذي عُرف لاحقاً باسم أميري باراكا)، ولورانس نيل، والسيد توري، وضمت أيضاً شخصيات من مجالات الفنون البصرية، والمسرح، والرقص، والموسيقى.

وقال إشمائيل ريد، الشاعر والكاتب المسرحي المثير للجدل الشهير في مقابلة معه: «لقد كنا الثوريين. إن الكُتّاب السود لم يعودوا يرون ضرورة لاتباع التقاليد السردية لكُتّاب مثل إرنست هيمينغوي أو هنري جيمس. لقد كسرنا ذلك النمط، وتوجهنا نحو الفولكلور ونبض الشارع».

وجسدت «التنسيقات التجريبية» لهيندرسون - كما وصفت منصة «كيركس ريفيو» أعماله - الأمل والغضب اللذين اتسم بهما عصر الحقوق المدنية، مستمدة من التقاليد الشفهية للسود وإيقاعات موسيقى الروك آند رول، والموتاون، والجاز.

وكما كتب في القصيدة الرئيسية التي حملت عنوان مجموعته الشعرية الصادرة عام 1970 «عمدة هارلم»:

سكان أصليون صامتون يصرخون

عبر بنادق وسيوف وفؤوس الغرب

آلات ساكسفون تينور طويلة

بوق أسود يصدح

صفحات من السيوف

وُلد هيندرسون في 19 سبتمبر (أيلول) عام 1942، وهو الابن الأكبر بين ولدين لـ«رايموند هيندرسون»، الذي كان يشغل رتبة رقيب أول في خفر السواحل، و«ميرتل (براون) هيندرسون».

وفي مرحلة المراهقة، غادر منزله وانتقل إلى وسط المدينة وتحديداً إلى حي إيست فيليج ليتفرغ للشعر. وتذكر هيندرسون ذلك لاحقاً قائلاً: «كان هذا في أوائل ستينات القرن الماضي. وكان التغيير يحدث أمام أعيننا، لكنني لست متيقناً من أنني لاحظته حينئذ».

وآنذاك، بدأ في الاختلاط بالوسط الإبداعي الأسود في نيويورك، بما في ذلك فنانو الجاز مثل عازف الساكسفون «أرتشي شيب»، وعازف البيانو «سيسيل تايلور»، وقائد الفرقة السريالية «صن را»، الذي تعاون معه في وقت لاحق.

وفي أوائل سبعينات القرن الماضي، عُيّن للتدريس في جامعة كاليفورنيا بفرع بيركلي، وهي الأولى من بين عدة مناصب أكاديمية شغلها على مر السنين. وكانت ترافقه زوجته «باربرا كريستيان»، التي أصبحت لاحقاً أستاذة للدراسات الأميركية الأفريقية في جامعة بيركلي، ومرجعاً بارزاً في النسوية الأدبية الأميركية المعاصرة.

وانتهى زواجه من كريستيان بالطلاق عام 2000، وذلك بعد انفصال دام 20 عاماً.

بعد فترة وجيزة من وصوله إلى كاليفورنيا، شرع السيد هيندرسون في رحلة استغرقت 5 سنوات لإنجاز كتاب عن هندريكس، الذي توفي في لندن في 18 سبتمبر عام 1970 عن عمر ناهز 27 عاماً.

لم يكن هيندرسون صحافياً موسيقياً على الإطلاق، ولكنه كتب عن حفل أحياه هندريكس عام 1968 لصالح مجلة الروك «كراودادي». وتذكر هيندرسون ذات مرة في مقابلة مرئية قائلاً: «لقد تعرفت على هندريكس قليلاً في أثناء التسكع بالنوادي في مانهاتن، وأخبرته أنني سأكتب شيئاً عنه».

وقد ساعدت صداقته مع هندريكس في فتح الأبواب أمامه، مما دفع كثيرين ممن كانوا مقربين من أسطورة الغيتار إلى التحدث بوضوح وانفتاح، بمن فيهم والده، آل هندريكس. كما تمكن هيندرسون من الوصول إلى يوميات هندريكس الشخصية، ومراسلاته الخاصة، وتسجيلاته المنزلية.

نُشر كتاب «جيمي هندريكس: طفل الفودو في العصر الدلوي» عام 1978 (ثم نُقّحَ الكتاب لاحقاً وتغير عنوانه إلى «اعذرني حال تقبيل السماء: جيمي هندريكس: طفل الفودو»).

وكان هذا الكتاب أول سيرة كبرى عن هندريكس، ووفقاً لكاتب موسيقى الروك غريل ماركوس: «هو بالتأكيد المحاولة الأكثر جدية حتى الآن لفهم حياة أحد رموز الستينات». ووصفه السيد ريد ذات مرة بأنه «مزيج بين الإثارة والرثاء لبعض الشخصيات المأسوية التي أحيت عقداً مثيراً من الحياة».

وتميز الكتاب بين السير الذاتية لموسيقيي الروك بأسلوبه السردي الذي ينتمي إلى المدرسة «الصحافية الجديدة»، والذي تضمن مقاطع شعرية منمقة - مما أثار استياء بعض النقاد - وحوارات داخلية مُعاد صياغتها وأساليب أخرى تذكرنا بالأدب الروائي والقصصي.

ووفقاً لكاتب موسيقى الروك غريل ماركوس، فإن سيرة هندريكس الذاتية التي ألفها هيندرسون ونُشرت لأول مرة في عام 1978، كانت «بالتأكيد المحاولة الأكثر جدية حتى الآن لفهم حياة أحد رموز الستينات».

بيد أن الأمر الأكثر إثارة للدهشة تَمثَّل في الاستنتاجات التي توصل إليها الكتاب بشأن وفاة هندريكس. إذ دحض الكتاب بشدة الرواية المقبولة على نطاق واسع، التي طرحتها في البداية صديقته «مونيكا دانيمان»، وتكررت لاحقاً في سير ذاتية أخرى، مثل كتاب تشارلز كروس الشهير «غرفة مليئة بالمرايا» الصادر عام 2005، ومفادها أن هندريكس تناول كمية كبيرة من الحبوب المنومة القوية في فندق واختنق بقيئه.

كتب هيندرسون: «نتيجة لذلك، ظن الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم أن هندريكس فارق الحياة بالطريقة التقليدية لنجوم الروك: جرعة زائدة من المخدرات وسط الشهرة، والنساء الشقر، والترف، والجنس».

واستناداً إلى وثائق قانونية كُشف عنها لاحقاً، إلى جانب مقابلات مع طواقم المستشفيات والإسعاف وآخرين ممن وجدوا خلال تلك الأيام الأخيرة، خلص السيد هيندرسون إلى أن هندريكس «لم يمت بسبب جرعة زائدة من المخدرات، وإنما مات غرقاً».

وافتُرضت النسخة المحدثة من الكتاب أن هندريكس قد اختنق بكمية «هائلة» من النبيذ الأحمر، إلى الحد الذي جعلها تتلبد في ملابسه وشعره وتتدفق من أنفه وفمه حتى بعد وفاته، وذلك رغم انخفاض نسبة الكحول في دمه نسبياً.

وكتب هيندرسون أن قوى غامضة مختلفة كانت لديها دوافع لإيذاء هندريكس، بما في ذلك الجريمة المنظمة والوكالات الفيدرالية التي تسعى إلى إلحاق الضرر بحركة الثقافة المضادة ذات التوجه اليساري المتطرف.

وبالنسبة للمعجبين، سيما البيض منهم، فقد كان هندريكس يعد لفترة طويلة شخصية بارزة في العصر السيكيديلي، متجاوزاً حدود العِرق بفضل شخصيته التي تمثل النموذج البدائي للهيبيز، ودوره الرائد في مهرجان «وودستوك».

غير أن هيندرسون يرى أن هذا التصور مجانب للصواب. فبالنسبة له، كان هندريكس فناناً أسود خالصاً تجذرت موسيقاه بعمق في موسيقى «البلوز» وصُقلت في «شبكة تشيتلين» الجنوبية، وهي شبكة من المسارح وأماكن العرض التي كانت تلبي احتياجات الفنانين السود في المدن التي تطبق سياسة الفصل العنصري.

وبعيداً عن كونه غير مبالٍ بالتمييز على أساس اللون، كما صوّره كثير من كتّاب الروك البيض، فقد أقبل هندريكس على تبني حركة «قوة السود» تماماً، كما أقبل على ثقافة «قوة الزهور» - إلى الحد الذي جعل دعمه المتنامي لحركة «الفهود السود» يضعه في مرمى نيران مكتب التحقيقات الفيدرالي.

وكتب هيندرسون: «كان جيمي هندريكس نموذجاً كلاسيكياً للشاب الأنيق والبارع المنتمي لأحياء السود الفقيرة، وتجسدت عبقريته في الغيتار الكهربائي. إذ حقق أسلوباً بارعاً لا يُضاهَى وصار موسيقياً للموسيقيين، وعازفاً للعازفين، وكاهناً للعصر الجديد في الموسيقى الاحتفالية الأفرو - أميركية».

*خدمة «نيويورك تايمز»

كتب ديفيد هيندرسون أول سيرة كبيرة عن أسطورة الغيتار هندريكس