السوريات الناجيات يلتحقن بالعمل بعد أن اختفى الرجال

أذعنت العادات القديمة لمقتضيات الحرب والاقتصاد المنهار

معمل ملابس في شرق حلب تعمل فيه أرامل الحرب السورية (نيويورك تايمز)
معمل ملابس في شرق حلب تعمل فيه أرامل الحرب السورية (نيويورك تايمز)
TT

السوريات الناجيات يلتحقن بالعمل بعد أن اختفى الرجال

معمل ملابس في شرق حلب تعمل فيه أرامل الحرب السورية (نيويورك تايمز)
معمل ملابس في شرق حلب تعمل فيه أرامل الحرب السورية (نيويورك تايمز)

نادراً ما كانت نساء شرق حلب يغادرن بيوتهن قبل الحرب، لكنهن أصبحن الآن يشكلن وجه السلام المرير. ففي المناطق الفقيرة والمتمسكة بتقاليدها القديمة في العاصمة التجارية القديمة لسوريا، نادراً ما غادرت النساء بيوتهن، وإذا حدث فبصحبة أزواجهن. كان الحصول على لقمة العيش مهمة الرجال وحدهم، إلى أن اشتعلت الحرب الأهلية.
تسببت 8 سنوات لم تنتهِ معها الحرب، في إراقة دماء جيل كامل من السوريين، منهم من لقي حتفه، ومنهم من ألقي في غياهب السجون، ومنهم من رحل ليعيش حياة غير مستقرة لاجئاً في الشتات.
الآن ومع عودة معظم أنحاء البلاد لسيطرة الحكومة مرة أخرى، لكن بعد أن تشوهت شوارعها وبيوتها للدرجة التي يستحيل معها معرفة ملامحها القديمة، فإن السير إلى الأمام بات مهمة النساء الناجيات والثكالى والأرامل. تتولى الجدات تربية الأحفاد اليتامى، وتشعر النساء العازبات بالقلق من عدم العثور على أزواج، وتقوم الأرامل بمساعدة العائلات التي تعرّضت لكوارث بدت مستعصية على الحل، لكنها باتت الآن روتينية.
في كثير من هذه الحالات، تغادر النساء المنزل بمفردهن ليعملن لأول مرة؛ حيث أذعنت العادات القديمة لمقتضيات الحرب والاقتصاد المنهار. لا شيء جديد في المدن الكبيرة مثل العاصمة دمشق سوى التحول السريع من نمط الحياة التقليدية المحافظة اجتماعياً ودينياً إلى العمل.
في هذا الصدد، قالت فاطمة رواس (32 عاماً)، التي افتتحت صالون تجميل للنساء المحجبات في شهر مايو (أيار) بعد 3 سنوات من وفاة زوجها في الحرب: «في الماضي، كانت النساء يخشين كل شيء. لكن الآن لا يوجد شيء نخشاه».
لم تعرف رواس رجلاً خارج أسرتها الصغيرة؛ حيث خطبت لزوجها في سن التاسعة عشرة. وبعد أن استقرا في شرق حلب، بحسب رواس، نادراً ما كانت تغادر بيتها؛ حيث كان زوجها الراحل يتولى التسوق وشراء البقالة، وكانت تفكر دوماً في الأطفال.
في عام 2012، شطر القتال بين المتمردين في شرق حلب والقوات النظام في غربها المدينة إلى جزأين. وعندما استعاد النظام المدينة في أواخر عام 2016 بعد 4 سنوات من المجازر وسفك الدماء، كان شرق حلب قد سُحق، وتفرغت الحكومة للحرب.
توسلت رواس زوجها للفرار، لكنه أصر على البقاء لحراسة ورشة النجارة التي يمتلكها، ورفض الانضمام إلى الفصائل المعارضة التي ألقوا به في نهاية المطاف في السجن.
أصرت رواس على الخروج لشراء بعض الحليب للمرة الأولى بعد اندلاع القتال. كانت القنابل والقذائف من طرف قوات النظام تنهمر في الخارج، بعضها استهدف المستشفيات، وكان القناصة يتصيدون المارة في الشوارع.
تتذكر زوجها يقول في يوليو (تموز) 2016 بعد إطلاق سراحه: «أتمنى أن أموت قبلك لأنك أقوى مني». في اليوم التالي سمعا دوي انفجارات، وعندما هرع إلى الخارج ليستطلع، قتلته في الحال شظايا قذائف الطائرات.
قالت رواس إنها كانت تسير إلى المتاجر عبر شوارع لم تكن قد اعتادت عليها، وتفادت أنظار الرجال الغرباء. توجهت إلى الطبيب الذي عالجها من الإرهاق والاكتئاب، ثم إلى مدرسة حيث بدأت في تلقي دروس في فن التجميل. وتمكنت من ادخار بعض المال وحصلت على قرض من «جمعية الهلال الأحمر».
وفي مايو (أيار)، فتحت رواس صالوناً في غرفة الطابق العلوي المدمرة جزئياً، وعلقت لافتة حملت اسمها. وقالت: «عندما تعمل، لن تحتاج أن تطلب أي شيء من أي شخص». كانت رواس تقوم بعمل المكياج وتصفيف شعر النساء المحجبات مثلها. فقد استمررن في الاهتمام بمظهرهن رغم كل شيء، ويتساءلن: «هل نموت بعد أن مات أزواجنا؟». لقد ساعدهن العمل على النسيان. قالت: «في الليل فقط أتذكر كل الأشياء السيئة التي حدثت. لم يعد هناك رجال في سوريا».

- اقتحام صناعة الذكور
في مقرها في الطابق السفلي، افتتحت بارو مانوكيان الأرمنية (44 عاماً) ورشة «بارو للأزياء» العصرية في حلب بعد طلاقها عام 2011. بارو مسيحية أرمنية، قررت العمل في صناعة يهيمن عليها الذكور. جميع العاملين لديها من النساء اللاتي خرج غالبية أزواجهن وأشقائهن وأبنائهن للمشاركة في الحرب. عددهن بضع عشرات يعملن في الورشة، لا يسترهم عن عيون الرجال القلائل سوى ستارة بلاستيكية.
تحدثت 3 عاملات عن مشكلاتهن؛ المال والرجال والأطفال، فيما كن يؤدين عملهن، وإن حاولن ألا يتحدثن كثيراً عن رجالهن اللائي فقدنهن.
كان زوج حياة كشاش يمنعها من العمل، لكن بعد أن عجز راتبه الحكومي عن مواكبة ارتفاع الأسعار العام الماضي، أصرت الزوجة (53 عاماً) على الخروج إلى العمل حتى من دون إذنه. لديها ابنان مجندان في الجيش، وأرادت أن تشغل نفسها بالعمل، قالت: «جئت هرباً».
وقالت فاطمة كيلزي، فيما كانت تتولى تطريز قميص: «أنا هنا لأهرب من أطفالي»، قالتها ليضحك الجميع. كانت تطلق النكات، وكانت أول من نهض ورقص عندما طلبوا منها.
تزوجت في الحادية عشرة من عمرها، ولم تتخيل أي مهنة غير مهنة ربة بيت. الآن، وهي في الرابعة والأربعين من عمرها باتت أرملة عاملة، معها 6 بنات غير متزوجات مطالبة بإطعامهن. قالت: «أنا أعمل من أجل أطفالي، لأنني الآن الأب والأم».
كانت الشوارع المحيطة بورشة «بارو للملابس» مزخرفة بلافتات تحمل أسماء ورش خياطة غيرها.
فوجئ محمد داغر (38 عاماً) بالنداءات التي تلقّاها من الأرامل الباحثات عن عمل عندما أعاد فتح مصنعه قبل 3 سنوات. الآن بات هناك كثير من النساء اللائي يعملن في قسم الستائر. لكنه كان يدفع أجوراً أقل من التي يتقاضاها العاملون الرجال، لأنه يرى أنهن عديمات الخبرة بالخياطة. يقول إنهن «كن بطيئات وكن حديثات العهد بهذا العمل». أضاف، لكنهن الآن «أصبحن متساويات مع الرجال. وأصبحن يعملن بجد».
- خدمة «نيويورك تايمز»



آلاف الأكراد يتظاهرون في شمال شرقي سوريا عشية بدء تنفيذ اتفاق مع دمشق

تظاهر آلاف الأكراد في مدينة القامشلي في شمال شرقي سوريا دعماً لـ«الوحدة الكردية» (أ.ف.ب)
تظاهر آلاف الأكراد في مدينة القامشلي في شمال شرقي سوريا دعماً لـ«الوحدة الكردية» (أ.ف.ب)
TT

آلاف الأكراد يتظاهرون في شمال شرقي سوريا عشية بدء تنفيذ اتفاق مع دمشق

تظاهر آلاف الأكراد في مدينة القامشلي في شمال شرقي سوريا دعماً لـ«الوحدة الكردية» (أ.ف.ب)
تظاهر آلاف الأكراد في مدينة القامشلي في شمال شرقي سوريا دعماً لـ«الوحدة الكردية» (أ.ف.ب)

تظاهر آلاف الأكراد، الأحد، في مدينة القامشلي في شمال شرقي سوريا دعماً لـ«الوحدة الكردية»، وفق ما أفاد مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية»، عشية بدء تنفيذ اتفاق تم التوصل إليه مع الحكومة لدمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية في الدولة.

وأعلنت دمشق و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، الجمعة، التوصل إلى اتفاق «شامل» لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية للإدارة الذاتية الكردية في الدولة، بعد أسابيع من الاشتباكات بين القوات الحكومية والكردية، تمكّنت دمشق على أثرها من بسط سيطرتها على مناطق واسعة في شمال البلاد وشرقها تضمّ حقول نفط كبيرة.

وشكَّل الاتفاق عملياً ضربة قاصمة للأكراد الذين كانوا يطمحون للحفاظ على مكتسبات الإدارة الذاتية التي بنوها خلال سنوات النزاع، وشملت مؤسسات مدنية وعسكرية منظمة ومدربة تولت إدارة مساحات واسعة في شمال وشرق سوريا.

وتقدّم المظاهرة عدد من الفتيات الكرديات يحملن دفوفاً صغيرة ويردّدن «الشعب الكردي واحد». وكان بين المتظاهرين أطفال رسم على وجوههم علم كردستان، ونساء يرفعن صور أبنائهن الذين قتلوا في المعارك ورايات تدعم القوات الكردية.

وقالت الطالبة بارين حمزة (18 عاماً): «خرجنا من أجل الوحدة الكردية»، مضيفة: «نخاف من الغدر لأن لا ثقة لنا بهذه الحكومة».

ويشمل الاتفاق الجديد «انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس ودخول قوات أمن تابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي الحسكة والقامشلي» في شمال شرقي سوريا.

كما ينص على «الدمج التدريجي» للقوى العسكرية والمؤسسات الإدارية الكردية ضمن هيكل الدولة السورية، إلى جانب إنشاء ألوية عسكرية كردية ضمن تشكيلات الجيش السوري.

وكان قائد «قوات سوريا الديمقراطية»، مظلوم عبدي، قد قال إن الاتفاق سيبدأ تطبيقه ميدانياً اعتباراً من الاثنين، مع تراجع قواته والقوات الحكومية من «خطوط الاشتباك في كوباني» وفي شمال شرقي البلاد.

وقالت ربة المنزل نورشانا محمّد (40 عاماً) إنها شاركت في المظاهرة من أجل «حماية منجزاتنا نحن الكرد وحماية كل ما حصلنا عليه والحفاظ عليه».

وأضافت: «إن وجود (قسد) مهم بالنسبة لنا لأنها تحمينا وأنقذتنا من (داعش)».

وأدت «قسد» بقيادة الأكراد دوراً محورياً في سنوات النزاع في سوريا. وقاتلت بدعم أميركي تنظيم «داعش»، ونجحت في القضاء عليه تقريباً في البلاد. وتمكّنت نتيجة ذلك من بسط سيطرتها على مناطق واسعة في الشمال والشرق تضمّ حقولاً نفط كبيرة، وأقامت فيها إدارة ذاتية.

وقال وزير الإعلام، حمزة المصطفى، في تصريح نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، الجمعة، إن الدمج العسكري سيتم على أساس فردي، بحيث يتم إلحاق عناصر «قسد» بثلاثة ألوية يجري تشكيلها ضمن هيكلية الجيش السوري، «على أن تخضع هذه الألوية لقيادة الجيش مباشرة، دون أي خصوصية أو استقلالية تنظيمية».

وأشار المصطفى إلى أن الاتفاق يشمل تسليم حقول النفط في رميلان والسويدية ومطار القامشلي وجميع المعابر الحدودية خلال فترة لا تتجاوز عشرة أيام، إضافة إلى مباشرة مدير الأمن في محافظة الحسكة مهامه ابتداء من الأسبوع المقبل.

وقالت ليلى كلش (53 عاماً) خلال مشاركتها في المظاهرة: «إن (قسد) تحمي حقوقنا (...) لن نترك (قسد) لن نتركها».


لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)
سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)
TT

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)
سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

اختتمت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولها الميداني إلى محافظة أرخبيل سقطرى، ضمن إطار ولايتها القانونية للتحقيق في الانتهاكات المبلغ عنها، وفي سياق تقييم تداعيات الأحداث الأخيرة التي شهدتها المحافظة.

وقالت اللجنة في بيان إن هذا النزول جاء استناداً إلى شكاوى وبلاغات تلقتها بشأن انتهاكات وقعت في الأرخبيل منذ آخر زيارة لها، وللوقوف على الأوضاع الحقوقية والإنسانية لسكان سقطرى.

أعضاء اللجنة خلال الزيارة الميدانية لتوثيق الانتهاكات في سقطرى (اللجنة الوطنية)

وحسب اللجنة فقد انتقل أعضاؤها، عقب الاستماع إلى إفادات عدد من الضحايا والشهود، إلى أحد المواقع التي أفادت الشهادات باستخدامه مركز اعتقال، حيث تمت معاينة المبنى الذي يضم غرفاً ضيقة جرى فيها تقييد حرية عدد من العمال والنشطاء والصحافيين والسياسيين.

وأضافت: «قام الفريق بتفقد العنابر وتوثيق بيانات تتعلق بالسعة والمساحة وفترات وطريقة الاستخدام، وذلك في إطار استكمال إجراءات التحقيق والربط والتحليل لوقائع الاعتقال محل التحقيق».

من جهة أخرى، نفذ أعضاء اللجنة زيارة ميدانية إلى محمية دكسم الطبيعية، عقب تلقي اللجنة بلاغات بشأن اعتداءات طالت مساحات من المحمية، وتعريض عدد من الأشجار والطيور، لا سيما الأنواع المهددة بالانقراض، لمخاطر جسيمة، وخلال الزيارة، استمع الفريق إلى إفادات عدد من المختصين والخبراء في المجال البيئي، واطلع على طبيعة الأضرار المبلغ عنها.

سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

كما شملت الزيارة الاطلاع على أوضاع عدد من المؤسسات الخدمية، من بينها الميناء والجمارك، إلى جانب مشاريع اقتصادية، لا سيما في القطاع السمكي، حيث تقدم مديرو تلك المشاريع وملاكها وعدد من المواطنين ببلاغات حول الأضرار التي لحقت بهم نتيجة توقف أنشطتهم خلال الفترة من 2021 وحتى 2025.

في السياق ذاته، استمع أعضاء اللجنة القضاة حسين المشدلي، إشراق المقطري، ناصر العوذلي، ومحمد طليان إلى إفادات عشرة من مديري المكاتب الحكومية ووكلاء المحافظة ومديري المديريات، الذين أفادوا بتعرضهم للمنع من مزاولة أعمالهم بالقوة خلال الفترة السابقة.

وفي ختام نزول اللجنة الوطنية الميداني، شددت على استمرارها في أعمال التحقيق والتوثيق، واستقبال البلاغات من جميع الضحايا دون تمييز أو استثناء، بما يسهم في تعزيز حماية حقوق الإنسان في أرخبيل سقطرى، وضمان إنصاف الضحايا وتعويضهم عما لحق بهم من أضرار، أياً كان نوعها أو الجهة المتسببة بها.

أحد السجون التي وثقتها اللجنة في سقطرى (اللجنة الوطنية)

كما دعت اللجنة الجهات الأمنية والعسكرية والإدارية والخدمية المعنية إلى الاضطلاع بمسؤولياتها القانونية في صيانة الحريات العامة، وحماية الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، وضمان سيادة القانون.


بإسناد سعودي... عدن تستعيد مدنيتها بعد عقود من الصراع

قوات حماية المنشآت تتسلم المعسكرات في مدينة عدن (إعلام حكومي)
قوات حماية المنشآت تتسلم المعسكرات في مدينة عدن (إعلام حكومي)
TT

بإسناد سعودي... عدن تستعيد مدنيتها بعد عقود من الصراع

قوات حماية المنشآت تتسلم المعسكرات في مدينة عدن (إعلام حكومي)
قوات حماية المنشآت تتسلم المعسكرات في مدينة عدن (إعلام حكومي)

لا يكاد يخلو مجلس أو مقهى شعبي في مدينة عدن هذه الأيام من الحديث عن التغيرات اللافتة التي تشهدها المدينة بدعم سعودي واسع، وفي مقدمها التحسن الملحوظ في خدمة الكهرباء، والانطلاق العملي للمرحلة الثانية من عملية إخراج المعسكرات من الأحياء السكنية، في خطوة ينظر إليها السكان على أنها بداية فعلية لاستعادة الطابع المدني لمدينة أنهكتها الصراعات لعقود طويلة.

في الحي القديم من عدن، لا تزال المقاهي الشعبية تحتفظ بحضورها مساحةً يوميةً للنقاش وتبادل الآراء. ففي مقهى عبدان، يجلس عبد العزيز، وهو موظف حكومي، برفقة مروان سعيد، يتناولان الشاي بالحليب العدني الشهير، ويتحدثان بدهشة عن استمرار خدمة الكهرباء لساعات طويلة، وتراجع ساعات الانقطاع إلى مستويات لم يألفها سكان المدينة منذ سنوات ما بعد تحريرها من قبضة الحوثيين.

هذا التحسن، وإن قوبل بارتياح واضح، لكنه أعاد إلى الأذهان تساؤلات مؤلمة حول أسباب المعاناة السابقة، حين كانت ساعات الإطفاء تصل إلى 18 ساعة يومياً، وما رافق ذلك من أعباء معيشية أثقلت كاهل المواطنين، في مدينة كانت تُعرف تاريخياً باستقرارها ونظامها المدني.

لا يخفي عبد العزيز ومروان امتعاضهما من تدني رواتب موظفي القطاع المدني مقارنة بمنتسبي الجيش والأمن، في ظل الارتفاع الكبير لأسعار السلع الأساسية، وتدهور قيمة العملة المحلية أمام الدولار.

لا تزال المقاهي الشعبية حاضرة في الحي القديم من مدينة عدن (إعلام محلي)

ومع ذلك، يثني الرجلان على تكفّل السعودية بصرف رواتب التشكيلات الأمنية والعسكرية والقضاة، عادّين أن هذه الخطوة أسهمت في استقرار الوضع الأمني، ومطالبين الحكومة اليمنية بإعادة النظر سريعاً في سلم الأجور، بما يضمن الحد الأدنى من العيش الكريم للموظفين المدنيين.

حالة من الرضا

في شوارع عدن، يمكن ملاحظة حالة الرضا التي يبديها سائقو وسائل النقل العامة تجاه تعامل نقاط التفتيش المنتشرة في المدينة التي تتمركز فيها وحدات من قوات حماية المنشآت والأمن الوطني. مراد، وهو فني كهرباء، يؤكد أن الجنود يتعاملون باحترام ولطف مع المواطنين، وأن هذا الأسلوب الإيجابي يشمل الجميع، بمن فيهم القادمون من مناطق سيطرة الحوثيين، ممن يقصدون عدن لاستخراج بطاقات الهوية أو جوازات السفر.

أما صهيب، وهو مدرس في إحدى مدارس المدينة، فيلخص المزاج العام للسكان بقوله إن من يوفر الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والمياه، ويصرف الرواتب، ويحقق الأمن والاستقرار، ويدعم التعليم والصحة، سيحظى بدعم الناس، لأن المواطنين، حسب تعبيره، «لا شأن لهم بالسياسة أو الصراعات الحزبية، وكل ما يريدونه هو العيش بهدوء وسلام».

مطالب القضاة

مع بدء المرحلة الثانية من عملية إخراج المعسكرات من مدينة عدن، التي تتخذها الحكومة اليمنية مقراً لها، برزت مطالب رسمية وقضائية بإعادة توظيف بعض المواقع العسكرية السابقة، بما يخدم الطابع المدني والمؤسسي للمدينة.

وفي هذا السياق، دخل القضاة على خط المساندة، مطالبين بتحويل معسكر النقل العام -الواقع أمام المجمع القضائي في مديرية خورمكسر، والذي كان جزءاً من معسكر طارق سابقاً- إلى مجمع قضائي متكامل متعدد الأغراض. ويرى القضاة أن هذه الخطوة ستُسهم في تطوير منظومة العدالة، وتليق بمكانة السلطة القضائية ودورها.

قوات «درع الوطن» تنفذ حملة لمنع حمل الأسلحة في وادي حضرموت (إعلام حكومي)

وفي رسالة وُجهت إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى، محسن بن طالب، أشار القضاة إلى أن استمرار وجود الهيئات القضائية العليا، مثل مجلس القضاء الأعلى والمحكمة العليا والتفتيش القضائي، داخل مبنى مؤجر، لا ينسجم مع مكانة السلطة القضائية، مؤكدين ضرورة إنشاء مبنى متكامل يضم أيضاً المعهد العالي للقضاء.

وأشار القضاة إلى أن الأرض التابعة لوزارة الدفاع، والخاصة بمعسكر النقل، قادرة على استيعاب مشروع مجمع قضائي ضخم في قلب عدن، وهي مدينة تفتقر إلى مبنى قضائي ينسجم مع تاريخها الطويل القائم على النظام والقانون والمؤسسات.

إجراءات أمنية في حضرموت

بالتوازي مع ما تشهده عدن، استكملت قوات الطوارئ في محافظة حضرموت تسليم المواقع العسكرية والحيوية لقوات «درع الوطن»، وأعادت تمركزها في منطقة العبر الحدودية، ضمن ترتيبات أمنية تهدف إلى تعزيز الاستقرار وحماية الطرق الدولية.

ووفقاً للإعلام العسكري، تسلمت وحدات من قوات الطوارئ النقاط الرئيسية على الطريق الدولي في منطقة العبر، ابتداءً من مجمع الناصر، مروراً بمفرق العبر، وصولاً إلى الخط الدولي المؤدي إلى حضرموت الوادي والصحراء، ضمن مهام أمنية لحماية خطوط السفر وتأمين المواقع الحيوية.

قوات الطوارئ اليمنية تستكمل انسحابها من وادي حضرموت (إعلام حكومي)

وأعلنت قيادة قوات الطوارئ عن منع حمل السلاح الشخصي أو التجول به إلا بتصريح رسمي، ومنع حمل أكثر من قطعة سلاح إلا ببلاغ عملياتي معتمد، في إطار جهود ضبط الأمن، ومنع أي مظاهر مسلحة مخالفة للنظام.

وتأتي هذه الخطوات، حسب مصادر عسكرية، ضمن حملة أمنية وخدمية شملت إزالة المخالفات في مديرية العبر وعلى امتداد الخط الدولي، بما في ذلك إزالة الأكشاك العشوائية، وإغلاق محال بيع الأسلحة والذخائر، ومنع التحصيلات غير القانونية، إلى جانب تأمين الطرق المؤدية إلى مأرب والوديعة وحضرموت، بما يُعزز أمن المسافرين ويحسن المظهر العام.