بكين تجدد «مبادرة الحزام والطريق» لتحفيز الزخم العالمي

وسط انتقادات أميركية وأوروبية

مشروعات بنية تحتية في بكين عاصمة الصين
مشروعات بنية تحتية في بكين عاصمة الصين
TT

بكين تجدد «مبادرة الحزام والطريق» لتحفيز الزخم العالمي

مشروعات بنية تحتية في بكين عاصمة الصين
مشروعات بنية تحتية في بكين عاصمة الصين

يبدو أن المبادرة الضخمة المعنية بإنفاق المبالغ المالية الهائلة على تشييد الموانئ وخطوط السكك الحديدية وشبكات الاتصالات المختلفة حول العالم - مع زيادة النفوذ السياسي الصيني في خضم هذه العملية - قد نفدت طاقاتها قبل أن تبدأ منذ عام واحد فقط.
أما الآن، فقد عاد البرنامج الصيني الكبير الذي يحمل اسم «مبادرة الحزام والطريق» إلى التفاعل من جديد. ويجدد المسؤولون الغربيون والشركات الغربية المعنية تحذيراتهم بشأن أن المكاسب الصينية المتوقعة على صعيد المال والأعمال، وعلى الصعيد السياسي، سوف تكون على حسابهم.
وكانت الشركات الصينية قد وقعت على تعاقدات «الحزام والطريق» التي تبلغ قيمتها التقريبية نحو 128 مليار دولار خلال أول 11 شهراً من العام الماضي، وذلك وفقاً لبيانات وزارة التجارة الصينية، بزيادة بلغت 41 في المائة عن الفترة نفسها من عام 2018. وتتعلق أغلب التعاقدات بمشاريع البناء والمعدات من جانب الشركات الصينية العملاقة التي تستعين بالعمالة الصينية الماهرة، فضلاً عن القروض من البنوك الصينية، مع حقيقة أن تلك المشاريع تخلق كثيراً من فرص العمل للعمالة الصينية المحلية أيضاً.
وتشتمل آخر تلك التعاقدات على إنشاء نظام لمترو الأنفاق في مدينة بلغراد الصربية، وخط للسكك الحديدية المعلقة في مدينة بوغوتا الكولومبية، مع مركز لبيانات الاتصالات السلكية واللاسلكية بالقرب من مدينة نيروبي الكينية.
ومن المرجح لعودة العمل بـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية أن تثير المزيد من التوترات مع الولايات المتحدة التي يساورها القلق بشأن بناء الصين لتكتل عالمي شمولي يضم البلدان التي تبتاع أغلبها السلع والبضائع الصينية، مع الميل الواضح إلى اعتماد النموذج السياسي الاستبدادي الصيني في الحكم والسياسة. وتشرف المبادرة الصينية على كثير من أوجه الخلاف بين البلدين من زاوية الأمن القومي والتكنولوجيا.
وجاء الاندفاع الجديد على مسار «الحزام والطريق» إثر التراجع الرسمي الذي اتخذه المسؤولون الصينيون في عام 2018، في أعقاب الانتقادات اللاذعة التي نالت من المسؤولين المحليين في كل من ماليزيا وسريلانكا وباكستان وغيرها من البلدان المعنية بسبب المشاريع الضخمة ذات التكاليف الهائلة والعوائد الطفيفة. وقالت الحكومة الصينية إنها عكفت - منذ تلك الأثناء - على تنقيح الممارسات بهدف الحد من النفايات!
وصرح الرئيس الصيني خلال زيارة قام بها إلى البرازيل في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي: «سوف نواصل متابعة المنهج المستدام القائم على المعايير الفائقة، والمعني بالعنصر البشري في المقام الأول، بغية تعزيز التعاون في (مبادرة الحزام والطريق) مع البلدان المشاركة».
وطالما حاول المسؤولون الصينيون تسويق تلك المبادرة باعتبارها فرصة لمنح الأسواق الناشئة البنية التحتية المطلوبة من المستوى العالمي، التي ساعدت الصين على التحول إلى قوة اقتصادية عالمية. وبموجب بنود «مبادرة الحزام والطريق»، تقوم البنوك الصينية المملوكة للدولة بإقراض الأموال لصالح المشاريع الإنشائية التي تتولاها الشركات الصينية، ثم يتعين على البلدان المقترضة للأموال سدادها، إما بالنفط أو بالموارد الطبيعية الأخرى.

انتقادات أوروبية وأميركية

تعرض المسؤولون في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية بالانتقادات للمبادرة الصينية، ووصفوها بالمبادرة العدائية. وفي السنوات الأخيرة، بدأ بعض المسؤولين في البلدان النامية المعنية في الموافقة على الانضمام إلى المبادرة الصينية. وفي عام 2018، قررت حكومة سريلانكا فتح مينائها الرئيسي أمام الحكومة الصينية، بعد عجزها عن سداد القروض الصينية، في حين أوقفت الحكومة الماليزية مشاريعها الخاصة بـ«مبادرة الحزام والطريق» منذ ذلك الحين.
وشرع الزعماء في الصين في الاعتراف بالانتقادات المشار إليها. وأثار نائب رئيس مجلس الدولة الصيني المخاوف في أوائل عام 2018 بشأن عمليات الإقراض الكبيرة التي وافقت عليها البنوك الصينية، والتي لا تتعلق بـ«مبادرة الحزام والطريق» فحسب.
وفي الشهور التالية لذلك، شنت الجهات الرقابية المالية الصينية حملات شديدة على ممارسات الإقراض، المحلية والخارجية على حد سواء. وأسفر ذلك عن تراجع واضح في تعاقدات مشاريع «الحزام والطريق»، كما أظهرت البيانات الصينية ذات الصلة. وطلبت الجهات الرقابية الصينية من البنوك المحلية التفكير ملياً قبل الموافقة على إقراض البلدان الفقيرة. كما توقف كبار الزعماء في الصين عن محاولة ذكر البرنامج والمبادرة في وسائل الإعلام.
غير أن أزمة الائتمان قد أسفرت عن تباطؤ واسع النطاق أكثر من المتوقع في الاقتصاد الصيني في عام 2018ن ومن ثم اعتمدت الجهات الرقابية المالية في الصين عكس مسار العمل، الأمر الذي أفضى إلى إعادة العمل بنظام القروض لمشاريع البنية التحتية المحلية ولمشاريع «مبادرة الحزام والطريق» على حد سواء. وبدأت التعاقدات في التوارد بصورة جدية مرة أخرى خلال الأسابيع الأخيرة من عام 2018، وتوالى الزخم في اندفاعه خلال العام الماضي كذلك.
وفي الأيام الأخيرة، أثارت مجموعتان دوليتان تمثلان الحكومات والشركات والبنوك الغربية التساؤلات حول عودة «مبادرة الحزام والطريق» إلى الحياة من جديد.
وخلص تقرير عن غرفة التجارة الأوروبية في الصين، صدر صباح الخميس، إلى أن شبكات الموانئ والاتصالات صينية الصنع التي جرى إنشاؤها قد شُيدت بطريقة تجعل من الصعب على شركات الشحن الأوروبية وموفري خدمات البرمجيات الحاسوبية، وغيرها من الشركات والأعمال الأخرى، الدخول في منافسة مع الشركات الصينية.
كما خلصت دراسة استقصائية أعدتها الغرفة ذاتها إلى أنه قد جرى استبعاد أعضاء الغرفة بالكامل من التقدم بعطاءات المشاركة في والحصول على تعاقدات مشاريع «الحزام والطريق»، التي ذهب أغلبها لصالح الشركات الصينية المملوكة للدولة.
وقال السيد جورغ ووتكي، رئيس غرفة التجارة الأوروبية في الصين: «كان من المنطقي توقع ذلك الأمر بالنسبة إلى الشركات، ولقد كان من غير المهم ما سوف نحققه من وراء ذلك».
وأصدر معهد التمويل الدولي، وهو المؤسسة البحثية في العاصمة واشنطن التي تدعمها البنوك الغربية الكبرى بصفة أساسية، تحذيراً مختلفاً يوم الاثنين، في جزء من تقرير واسع أعده المعهد حول الديون العالمية.

فخ الديون

وجاء في تقرير المعهد أن كثيراً من البلدان الفقيرة المنضمة إلى «مبادرة الحزام والطريق» وجدت نفسها الآن ترزح تحت وطأة الديون الهائلة المتزايدة بصورة كبيرة. وأفاد التقرير بأن كثيراً من هذه البلدان تتأهل بصعوبة بالغة للحصول على القروض الخارجية، فضلاً عن تحملها للديون الجديدة.
كما أفاد التقرير بأن هناك نسبة 85 في المائة من مشاريع «الحزام والطريق» ضالعة في ممارسات الانبعاثات الهائلة للغازات الدفيئة ذات الصلة الوثيقة بالتغيرات المناخية العالمية، حيث تتضمن هذه المشاريع نحو 63 محطة لتوليد الطاقة الكهربائية على الأقل تعمل بالفحم.
وجاءت التقارير الجديدة في أعقاب التحذير الذي أصدرته شركة «المقاولون الأوروبيون الدوليون»، وهي عبارة عن تكتل تجاري أوروبي من شركات المقاولات والاستشارات الهندسية. وحذر التكتل التجاري الأوروبي من أن القروض الصادرة لمشاريع «مبادرة الحزام والطريق» تميل إلى تحمل أسعار فائدة أعلى بكثير من تلك التي تقدمها مؤسسات الإقراض الدولية، مثل البنك الدولي.
وقالت مجموعة صناعات التشييد، وكذلك الغرفة الأوروبية، إن تكاليف مشاريع «مبادرة الحزام والطريق» غالباً ما يُستهان بشأنها إلى حد كبير، حتى يسهل تمريرها من تحت أنوف المسؤولين في الصين. ثم ينتهي الأمر بالبلدان الفقيرة في النهاية إلى سداد التجاوزات الكبيرة في التكاليف.
وركزت مجموعات الأعمال الأوروبية، التي تضم شركات صناعة معدات الاتصالات السلكية واللاسلكية، في الآونة الأخيرة على اهتمام «مبادرة الحزام والطريق» بمجال الاتصالات. وتملك كثير من البلدان النامية حالياً شبكات الاتصالات الوطنية من أعمال شركتين صينيتين، هما «هواوي» و«زد تي إي»، وهما من الشركات ذات المشاركات الكبيرة في مشاريع «الحزام والطريق». وحصلت شركة «هواوي» على تعاقد في الربيع الماضي لبناء مركز كبير لبيانات الاتصالات في كينيا.
وذكر تقرير الغرفة الأوروبية أن تلك الشبكات مصممة بطرق زادت من صعوبة الشركات الأوروبية في بيع أي معدات أو برمجيات أخرى في تلك الأسواق. وعلى العكس من ذلك، تعد الأسواق الأوروبية لمعدات الاتصالات أكثر انفتاحاً من النموذج الصيني، وفقاً للتقرير. وكانت شركة «هواوي»، على سبيل المثال، قد حاولت توفير معدات الاتصالات إلى ألمانيا وبريطانيا.
وإلى جانب الاتصالات السلكية واللاسلكية، فإن أكبر الشواغل الأمنية لدى الغرب بشأن مبادرة الحزام والطريق تتمثل في بناء أو التوسع الصيني الكبير في بناء الموانئ الخارجية، إذ تطوق هذه الموانئ الآن المحيط الهندي، وتمتد حتى السواحل الغربية الأفريقية، وحتى البحر الأبيض المتوسط.
وقال تقرير الغرفة الأوروبية إن شركات الشحن الأوروبية، التي تصنف ضمن أكبر شركات الشحن على مستوى العالم منذ العصور الوسطى، تجد نفسها الآن وبصورة متزايدة في أوضاع غير مواتية على صعيد المنافسة، إذ تخضع الموانئ الجديدة للتصاميم والإدارة من قبل الشركات الصينية المملوكة للدولة تحت سيطرة الوكالة الحكومية نفسها، مثل شركات بناء السفن وشركات الشحن الصينية.
وتزعم الصين أن النمو الاقتصادي يعالج صعوبات جمة لدى كثير من الأسواق الناشئة بسبب ارتفاع تكاليف النقل، وأن بناء الموانئ الجديدة من شأنه التقليل من وطأة هذه التكاليف.
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

خاص من مراسم استقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الحديقة الجنوبية بالبيت الأبيض نوفمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

كرّست الشراكة السعودية الأميركية في 2025 موقع الرياض كوسيط دولي موثوق انعكس أيضاً في حزمة اتفاقيات شملت الدفاع الاستراتيجي والذكاء الاصطناعي والطاقة وغيرها.

غازي الحارثي (الرياض)
يوميات الشرق «فيلا الحجر» أول مؤسّسة ثقافية سعودية - فرنسية مشتركة (حساب الأمير بدر على «إكس»)

«فيلا الحِجر» بالعلا... استثمار في الإبداع

وصف وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو «فيلا الحِجر» الإبداعية في العلا بأنها «مثل زهرة تتشكَّل من رمال الصحراء للمبدعين».

عبد الهادي حبتور (العلا)
يوميات الشرق ستندرج «فيلا الحجر» ضمن البيئة الثقافية للمملكة والمنطقة (الهيئة الملكية للعلا)

«فيلا الحجر»... جسر ثقافي بين السعودية وفرنسا يُزهر من رمال العلا

المشروع يُجسّد متانة العلاقات الفرنسية - السعودية، خصوصاً في مجالات السلام وتعزيز الحوار والثقافة على مستوى العالم.

عبد الهادي حبتور (العلا)
العالم العربي باتريك ميزوناف السفير الفرنسي لدى السعودية (الشرق الأوسط) p-circle

سفير فرنسا لدى السعودية لـ«الشرق الأوسط»: العمل المشترك وراء إنجاح مؤتمر نيويورك

شدد مسؤول فرنسي على ضرورة العمل لإنهاء المذبحة وإنقاذ الرهائن وحماية المدنيين في غزة، محذراً من أن أي ضمّ للضفة الغربية يشكل خطاً أحمر.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
يوميات الشرق جانب من مراسم توقيع البرنامج التنفيذي في باريس الجمعة (واس)

تعاون سعودي - فرنسي في مجال الموسيقى

وقَّعت هيئة الموسيقى السعودية مع «فيلهارموني باريس»، برنامجاً تنفيذياً لترسيخ التعاون في عدة مجالات، بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي

«الشرق الأوسط» (باريس)

البيت الأبيض: ناقلات النفط «بدأت العبور ببطء» إلى مضيق هرمز

وصلت السفينة الهندية «ناندا ديفي» المحمَّلة بغاز البترول المسال إلى ميناء فادينار بولاية غوجارات بعد أن سمحت لها إيران بالمرور عبر مضيق هرمز (أ.ف.ب)
وصلت السفينة الهندية «ناندا ديفي» المحمَّلة بغاز البترول المسال إلى ميناء فادينار بولاية غوجارات بعد أن سمحت لها إيران بالمرور عبر مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

البيت الأبيض: ناقلات النفط «بدأت العبور ببطء» إلى مضيق هرمز

وصلت السفينة الهندية «ناندا ديفي» المحمَّلة بغاز البترول المسال إلى ميناء فادينار بولاية غوجارات بعد أن سمحت لها إيران بالمرور عبر مضيق هرمز (أ.ف.ب)
وصلت السفينة الهندية «ناندا ديفي» المحمَّلة بغاز البترول المسال إلى ميناء فادينار بولاية غوجارات بعد أن سمحت لها إيران بالمرور عبر مضيق هرمز (أ.ف.ب)

كشف كيفن هاسيت، المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض، لقناة «سي إن بي سي»، يوم الثلاثاء، أن ناقلات النفط تَعبر مضيق هرمز، مشدداً على أن إجراءات إيران لعرقلة حركة الملاحة في هذا الممر الملاحي لم تُلحق ضرراً بالاقتصاد الأميركي، مؤكداً بذلك موقف إدارة ترمب بأن الحرب يجب أن تنتهي في غضون أسابيع، لا أشهر.

وقال: «نرى، بالفعل، ناقلات النفط تبدأ العبور ببطء للمضيق، وأعتقد أن هذا دليل على مدى ضعف إيران المتبقّي». وأضاف: «نحن متفائلون جداً بأن هذا سينتهي على المدى القريب، وستكون هناك تداعيات على الأسعار، لبضعة أسابيع بعد انتهائه، ريثما تصل السفن إلى المصافي».

وأكد هاسيت أن هناك مخاوف من أن آسيا قد لا تُصدِّر كميات كافية من النفط المكرَّر إلى الولايات المتحدة لمواجهة انخفاض الإمدادات من الشرق الأوسط. وأضاف: «نرى بعض المؤشرات على أنهم قد يُقلّصون صادراتهم لضمان حصولهم على ما يكفي من الطاقة. ولدينا خطة لذلك».

وأجَّل ترمب، يوم الاثنين، اجتماعه مع الرئيس الصيني شي جينبينغ للتركيز على الحرب في إيران.

وقال هاسيت إن التدخل الأميركي في إيران يصب في مصلحة الصين. وأضاف: «هذه إحدى الحالات التي تتوافق فيها أهداف البلدين، فنحن نريد، كما تعلمون، سوق نفط عالمية مستقرة». وتابع: «عندما تنتهي هذه الحرب، وهو ما سيحدث قريباً، أنا متأكد من أنهم سيجتمعون وسيكون لديهم كثير ليناقشوه، ونأمل أن يُعرب الصينيون عن امتنانهم حينها».


محافظ بنك اليابان يؤكد ضرورة وصول التضخم إلى 2 % مدعوماً بارتفاع الأجور

محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)
محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)
TT

محافظ بنك اليابان يؤكد ضرورة وصول التضخم إلى 2 % مدعوماً بارتفاع الأجور

محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)
محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)

قال محافظ بنك اليابان، كازو أويدا، إن التضخم الأساسي يتسارع نحو هدف البنك البالغ 2 في المائة، مؤكداً ضرورة أن يقابل ارتفاع الأسعار بارتفاع قوي في الأجور. وجاءت هذه التصريحات قبيل اجتماع السياسة النقدية للبنك المركزي الذي يستمر يومين، وينتهي يوم الخميس، حيث من المتوقع على نطاق واسع أن يُبقي مجلس الإدارة أسعار الفائدة ثابتة عند 0.75 في المائة. وتُفاقم أسعار النفط المرتفعة نتيجةً للصراع في الشرق الأوسط الضغوط التضخمية المتزايدة أصلاً، مما يُعقّد قرار بنك اليابان بشأن موعد رفع أسعار الفائدة، إذ تعتمد اليابان على واردات الطاقة لتشغيل اقتصادها. وصرح أويدا أمام البرلمان بأن الأجور والأسعار ترتفعان بشكل معتدل، ومتزامن، مع تزايد جرأة الشركات في تحميل المستهلكين تكاليف المواد الخام، والعمالة المرتفعة. وقال: «يتسارع التضخم الأساسي تدريجياً نحو هدفنا البالغ 2 في المائة، ومن المتوقع أن يتقارب حول 2 في المائة في وقت ما بين النصف الثاني من السنة المالية 2026 وحتى عام 2027». وأضاف: «سنوجه السياسة النقدية بشكل مناسب لضمان تحقيق اليابان تضخماً بنسبة 2 في المائة بشكل مستدام، ومستقر، مصحوباً بزيادة في الأجور».

وتتوافق هذه التصريحات مع تصريحات رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي التي حثت بنك اليابان على ضمان تحقيق هدف التضخم ليس من خلال رفع تكاليف المواد الخام، بل من خلال زيادة الأجور. وامتنع أويدا عن تكرار تعهد بنك اليابان المعتاد بمواصلة رفع أسعار الفائدة إذا استمر الاقتصاد في التعافي. وبينما ظل التضخم الأساسي أعلى من هدف بنك اليابان لما يقرب من أربع سنوات، فقد انتهج البنك المركزي نهجاً حذراً في رفع أسعار الفائدة، انطلاقاً من رأيه بأن التضخم الأساسي -أو ارتفاع الأسعار الناتج عن الطلب المحلي وزيادة الأجور- لا يزال أقل من 2 في المائة. وقد ألقى النقاد باللوم على بطء وتيرة رفع أسعار الفائدة في زيادة تكاليف الاستيراد نتيجة لضعف الين. وكررت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما يوم الثلاثاء أن السلطات مستعدة لاتخاذ «جميع الخطوات المتاحة» لمواجهة تقلبات العملة، حيث انخفض الين إلى ما يقارب مستوى 160 يناً للدولار، وهو مستوى مهم نفسياً.

• لا لتجديد الديون. وبعد رفع أسعار الفائدة إلى 0.75 في المائة في ديسمبر (كانون الأول)، أشار بنك اليابان إلى استعداده لمواصلة رفع تكاليف الاقتراض. وقد توقعت الأسواق احتمالاً بنسبة 70 في المائة تقريباً لرفع آخر في أبريل (نيسان). لكن المقربين من تاكايتشي يقولون إن لديها تحفظات بشأن رفع أسعار الفائدة أكثر من ذلك خشية الإضرار بالاقتصاد الياباني الهش. ويُعدّ أمن الطاقة في اليابان مُهدداً بشدة. إذ تستورد البلاد نحو 95 في المائة من نفطها من الشرق الأوسط، ويمرّ ما يقرب من 90 في المائة من هذه الإمدادات عبر مضيق هرمز، وهو شريان حيوي للطاقة العالمية، وقد تعرّض لاختناقات شديدة منذ اندلاع الحرب. وقررت الحكومة كبح أسعار البنزين عبر الدعم، وهي خطوة قد تزيد من حجم ديون اليابان الهائلة. وبينما يُقلّص بنك اليابان شراء السندات كجزء من خروجه من سياسة التيسير النقدي المفرط، حثّ بعض نواب المعارضة البنك المركزي على زيادة مشترياته لتمويل الإنفاق الحكومي. ورفضت وزيرة المالية الفكرة في البرلمان، قائلة إن على الحكومة تجنّب إعطاء الأسواق انطباعاً بأن اليابان تُموّل ديونها عبر طباعة النقود من قِبل بنك اليابان. وبدوره أكد أويدا مجدداً موقف بنك اليابان المركزي المتمثل في قصر أي تدخل في سوق السندات الحكومية اليابانية على الحالات الاستثنائية، مثل الارتفاع المفاجئ في العائدات. وقال أويدا: «تُحدد أسعار الفائدة طويلة الأجل بشكل أساسي من قِبل الأسواق، وتتذبذب إلى حد ما، مما يعكس رؤى السوق للتوقعات الاقتصادية، والأسعارية، فضلاً عن السياسات المالية، والنقدية». وأضاف: «سنتخذ إجراءات سريعة في الحالات الاستثنائية، عندما ترتفع أسعار الفائدة طويلة الأجل بشكل حاد، بما يخالف تحركات السوق الطبيعية».


سندات اليورو تواصل التراجع مع ترقب قرارات البنوك المركزية وضغوط الطاقة

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
TT

سندات اليورو تواصل التراجع مع ترقب قرارات البنوك المركزية وضغوط الطاقة

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

تراجعت عوائد سندات منطقة اليورو لليوم الثاني على التوالي، في وقت يترقب فيه المستثمرون قرارات البنوك المركزية وسط تصاعد أسعار الطاقة.

وارتفعت أسعار خام برنت بنحو 3 في المائة نتيجة استمرار اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، مما زاد المخاوف بشأن تكاليف الطاقة والتضخم. ويصدر مجلس الاحتياطي الفيدرالي قراره بشأن السياسة النقدية يوم الأربعاء، يليه يوم الخميس كل من البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا وبنك اليابان، وفق «رويترز».

وقال إريك ليم، استراتيجي أسعار الفائدة في «كوميرتس بنك»، في مذكرة: «تستعد الأسواق لموجة من السياسات النقدية التي ستصدر عن البنوك المركزية غداً». وتبددت التوقعات بخفض أسعار الفائدة على المدى القريب من قبل الاحتياطي الفيدرالي وبنك إنجلترا نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، فيما بدأت الأسواق في تسعير سياسة نقدية أكثر تشدداً من قبل البنك المركزي الأوروبي بنهاية العام.

وقد دفعت هذه التوقعات المتشددة عالمياً عوائد سندات منطقة اليورو إلى مستويات قياسية، رغم الانخفاض الطفيف خلال الأسبوع الحالي. وقال جوسي هيلغانين، استراتيجي أسعار الفائدة في بنك «سيب»: «الانخفاض الذي شهدناه خلال اليومين الماضيين يعد تصحيحاً بعد عمليات البيع المكثفة»، مشيراً إلى أن حركة العوائد عكسية للأسعار.

وانخفض عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات، وهو المعيار لمنطقة اليورو، بمقدار نقطتين أساسيتين إلى 2.928 في المائة، مع بقائه قريباً من ذروة يوم الجمعة البالغة 2.994 في المائة، وهي أعلى نسبة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023. كما انخفض عائد السندات لأجل عامين، الأكثر تأثراً بتوقعات البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة، بمقدار نقطتين أساسيتين إلى 2.391 في المائة بعد أن ارتفع بأكثر من 40 نقطة أساس منذ اندلاع النزاع.

ويتوقع متداولو سوق المال تشديد السياسة النقدية من قبل البنك المركزي الأوروبي بنحو 38 نقطة أساس بحلول نهاية العام، ما يعني رفع سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة، مع احتمال رفعه مرة أخرى بنسبة 50 في المائة. وأوضح هيلغانين أن الأسواق قد تحتاج إلى توقع مزيد من التشديد النقدي في ظل استمرار أزمة الشرق الأوسط، وارتفاع أسعار الطاقة، وقال: «إذا استمر الوضع على ما هو عليه لعدة أشهر، فمن المتوقع أن ترفع الأسواق توقعاتها لتشديد البنك المركزي الأوروبي مرتين أو ثلاث مرات هذا العام».

كما انخفض عائد السندات الإيطالية لأجل 10 سنوات، وهو المعيار للدول الأكثر مديونية في منطقة اليورو، بمقدار 3.5 نقطة أساس ليصل إلى 3.694 في المائة، مما قلص الفارق مع السندات الألمانية إلى 75.5 نقطة أساس.