في مثل هذا اليوم قبل 34 عاماً... قصة أول اعتداء على الأقصى

أرشيف «الشرق الأوسط» يوثق 10 أيام أقلقت العالم العربي

في مثل هذا اليوم قبل 34 عاماً... قصة أول اعتداء على الأقصى
TT

في مثل هذا اليوم قبل 34 عاماً... قصة أول اعتداء على الأقصى

في مثل هذا اليوم قبل 34 عاماً... قصة أول اعتداء على الأقصى

في مثل هذا اليوم، 8 يناير (كانون الثاني)، قبل 34 عاماً، وقعت أول محاولة اعتداء رسمية على المسجد الأقصى. هذا الاعتداء كان فاتحة لعشرة أيام ملتهبة في القدس. الأحداث وثقتها أعداد «الشرق الأوسط» الأرشيفية بتفاصيلها، ولم تغب عن صفحات الجريدة أيضاً تحليلات وآراء عن مستقبل القضية الفلسطينية، في ظل ازدياد الانتهاكات من قبل إسرائيل.
على الصفحة الأولى من العدد الصادر في 9 يناير 1986، خبر تحت عنوان: «حظر تجول ومحاصرة الحرم القدسي: محاولة اعتداء على الأقصى المبارك قادها أعضاء في الكنيست». وقال الخبر إن الاعتداء دفع «جيش الاحتلال لاعتقال عدد كبير من المصلين والمواطنين، وحراس الحرم الشريف، إثر تصديهم لأعضاء لجنة الداخلية التابعة للكنيست الإسرائيلي، وطردهم إلى خارج ساحة الحرم الشريف».

صفحة عدد اليوم التالي الأولى (10 يناير) لم تغب عنها متابعة لتداعيات الحدث. وتحت عنوان «غضبة الأقصى المبارك تجتاح المناطق المحتلة... الأردن يطلع المحافل الدولية على الاعتداء»، نشرت «الشرق الأوسط» على لسان وزير الخارجية الأردني زيد الرفاعي، طلب الوزارة من المندوب الدائم لدى الأمم المتحدة «إطلاع السكرتير العام على تفاصيل الاعتداء، وسياسة الكيان الصهيوني التعسفية ضد المقدسات المسيحية والإسلامية أيضاً في الأراضي العربية المحتلة». وأضاف الخبر في تتمة الداخل: «وتصاعدت حدة الغليان الشعبي في مختلف أنحاء الوطن المحتل، في أعقاب محاولة أعضاء لجنة الشؤون الداخلية في الكنيست الصهيوني اقتحام المسجد الأقصى المبارك».

رداً على غضبة الأقصى، شددت إسرائيل الحصار على مدينتي القدس والخليل في اليوم التالي، الحدث الذي احتل حيزاً على الصفحة الأولى في عدد 11 يناير. ونشرت الصحيفة: «جاب رجال الجيش الصهيوني بآلياتهم الثقيلة وأسلحتهم مختلف شوارع المدينتين (القدس والخليل). كما أقاموا الحواجز المسلحة عند مداخلهما، ومنعوا المواطنين من جميع أنحاء فلسطين المحتلة من دخولهما».

القضية المتفاعلة دفعت منظمة التحرير الفلسطينية إلى رفع مذكرة للأمم المتحدة، تطالب فيها بعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن، لبحث الاعتداءات على المسجد الأقصى. كان هذا من أخبار الصفحة الأولى الرئيسية لعدد 12 يناير.

نقلت أيضاً صفحة الشؤون العربية بياناً لجامعة الدول العربية يدين الاعتداءات. وقال البيان إن «هذه الأعمال وغيرها من أصناف العدوان على حقوق الشعب الفلسطيني ومقدساته الدينية، هي التي تدفع بجموع متزايدة من الفلسطينيين إلى اليأس، وإلى التردي في أعمال العنف التي على الضمير الدولي أن يبحث دوافعها».

وفي العدد ذاته، كرَّست «الشرق الأوسط» افتتاحيتها للحديث عن خطورة الوضع، وتحت عنوان «الخطورة والمسؤولية» قالت: «من الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل، إلى الحرم الشريف في القدس، إلى أي أماكن دينية أخرى في الأرض الفلسطينية، حلقات مترابطة من مفاهيم اليهود عن سعيهم إلى الاستيلاء على الأماكن المقدسة، وتدميرها لإقامة أماكن عبادتهم هم». وأضافت: «المسألة دينية وسياسة على السواء، وهي تتضمن كثيراً من التشعبات التي يتوجب استيعاب مراميها على أكثر من صعيد إقليمي ودولي... المسألة تحتاج إلى ما هو أكثر من تبيان الحقوق أو ممارسة الاحتجاج والاعتراض».

التنديد العربي، والمطالبات لم تقد إلى تهدئة؛ بل أدت إلى تفاقم الأزمة. وفي الصفحة الأولى من عدد 13 يناير، خبر يوثق مواجهة إسرائيل غضبة الأقصى بتصعيد الإجراءات القمعية، المتمثلة في محاصرة مدن الضفة، وعزل نابلس عن العالم. ونقل الخبر أيضاً تفاصيل من داخل الأزمة، وبياناً لحركة «هاتحياه» الصهيونية المتطرفة، ادعت فيه: «إن الضعف الذي أبدته السلطات الإسرائيلية في منطقة المسجد الأقصى عند الاعتداء على أعضاء الكنيست، وعدم اتخاذ الإجراءات الرادعة ضد الخطبة التحريضية في صلاة الجمعة، وإطلاق سراح المئات من رجال المنظمات في إطار عملية تبادل الأسرى الأخيرة، والسماح لهم بالبقاء في المناطق المحتلة، لا يمكن تفسيره إلا على أنه ضعف من الحكومة، ومن شأنه تشجيع رجال المنظمات على التمادي في أعمالهم ضد إسرائيل»، بحسب بيان الحركة الإرهابية حينذاك.

العدد تضمن مقالاً في صفحة الرأي، للصحافي والكاتب السعودي الذي رحل مؤخراً، الدكتور عبد الرحمن الشبيلي، من سلسلة تحت عنوان «الجدران الأولى... والجدران الأخرى»، قال فيه: «تعرض الفلسطيني على يد العدو وعلى يد الأخ لما جعله بهذه الصورة المأساوية، العميقة الجرح على جبين التاريخ». وأضاف الشبيلي: «بلادي المملكة العربية السعودية، وعدة دول عربية أخرى، لم تعترف بضم ما أصبح يعرف فيما بعد باسم الضفة الغربية إلى الأردن، ولا بالسلطة العسكرية المصرية على قطاع غزة». واستطرد كاتباً: «أثق بالشعب الفلسطيني العربي المناضل الصبور المكافح، وأثق بأنه سيجد طريقه إلى حقه».

صفحة الشؤون العربية في عدد 14 يناير، وثقت محاولة جديدة من قبل العصابات الصهيونية لتدنيس الأقصى. وقال الخبر: «وتفيد أنباء الأرض المحتلة بأن المواطنين العرب في القدس يستعدون للرد على التحدي الجديد، ومنع العصابات الصهيونية من تدنيس المسجد المبارك».

وبالفعل، أرغم فلسطينيو بيت المقدس النواب الإسرائيليين على التراجع، الخبر الذي ضمته الصفحة الأولى من عدد 15 يناير من عام 1986، تحت عنوان «القدس تصرح: بالدم والنار تعود يا أقصى»، وترافق مع المظاهرات إضراب عام في كل أنحاء القدس، تعبيراً عن الغضب للتحدي الإسرائيلي.

وفي عدد 16 يناير، تغطية للرد الإسرائيلي الذي اختار تكثيف وجوده حول الأقصى. وصاحب الخبر صورة تجمع جنود الاحتلال والمتظاهرين العرب وجهاً لوجه، عكست محاولة أهالي القدس التصدي للاعتداءات. وفي الصورة يظهر أيضاً مفتي القدس بين الشباب العرب. وتضمن الخبر دعوات لعقد قمة إسلامية طارئة جراء تفاقم الأزمة.

نشرت «الشرق الأوسط» في العدد ذاته دراسة أعدتها الإدارة العامة لشؤون فلسطين في الجامعة العربية، كشفت أن «السلطات الصهيونية تدمر أماكن العبادة، وتمحو الشواهد التاريخية على عروبة فلسطين». الدراسة ضمت أمثلة من عكا، وحيفا، ويافا، وبئر السبع، والقدس.

الوضع كان من سيئ إلى أسوأ، وبعدها جرت حلقة أخرى من الاعتداءات على المسجد الأقصى، قامت بها مجموعة من أعضاء حركة «كاخ» الصهيونية. وبدأت فوراً في مراكش بالمغرب الاستعدادات لعقد الاجتماع الطارئ للجنة القدس المنبثقة عن المؤتمر الإسلامي، ووثقت «الشرق الأوسط» تحضيرات الاجتماع في صفحتها الأولى الصادرة بعدد يوم 20 يناير.

افتتاحية الصحيفة في هذا العدد كُرست لتقييم المعاني والتداعيات والدلالات للمحاولات المتكررة لاقتحام الأقصى الشريف، تزامناً مع إقامة عشرات المستوطنات الجديدة، تحت عنوان «ما معنى الاستيطان؟!» واستخلصت الافتتاحية أن «الوقائع الإسرائيلية تطرح على الراغبين في المفاوضة التساؤل الذي يحتاج إلى إجابة واقعية، عما يعرفونه عن حاضر ومستقبل هذا التمركز الإسرائيلي الداعم في الأرض الفلسطينية المحتلة... إسرائيل غير راغبة في الوصول إلى أي حل، أو رفع يدها عن الأراضي التي احتلتها في عام 1967، أو إعطاء الفلسطينيين هناك أياً من الحقوق التي يطالبون بها».

تغطية مكثفة لمنطقة عربية مهمومة بقضية سياسية ودينية، وثَّقها الأرشيف، وافتتاحية في اليوم العاشر من التغطية، تكهنت بوضع الملف اليوم.



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.