في مثل هذا اليوم قبل 34 عاماً... قصة أول اعتداء على الأقصى

أرشيف «الشرق الأوسط» يوثق 10 أيام أقلقت العالم العربي

في مثل هذا اليوم قبل 34 عاماً... قصة أول اعتداء على الأقصى
TT

في مثل هذا اليوم قبل 34 عاماً... قصة أول اعتداء على الأقصى

في مثل هذا اليوم قبل 34 عاماً... قصة أول اعتداء على الأقصى

في مثل هذا اليوم، 8 يناير (كانون الثاني)، قبل 34 عاماً، وقعت أول محاولة اعتداء رسمية على المسجد الأقصى. هذا الاعتداء كان فاتحة لعشرة أيام ملتهبة في القدس. الأحداث وثقتها أعداد «الشرق الأوسط» الأرشيفية بتفاصيلها، ولم تغب عن صفحات الجريدة أيضاً تحليلات وآراء عن مستقبل القضية الفلسطينية، في ظل ازدياد الانتهاكات من قبل إسرائيل.
على الصفحة الأولى من العدد الصادر في 9 يناير 1986، خبر تحت عنوان: «حظر تجول ومحاصرة الحرم القدسي: محاولة اعتداء على الأقصى المبارك قادها أعضاء في الكنيست». وقال الخبر إن الاعتداء دفع «جيش الاحتلال لاعتقال عدد كبير من المصلين والمواطنين، وحراس الحرم الشريف، إثر تصديهم لأعضاء لجنة الداخلية التابعة للكنيست الإسرائيلي، وطردهم إلى خارج ساحة الحرم الشريف».

صفحة عدد اليوم التالي الأولى (10 يناير) لم تغب عنها متابعة لتداعيات الحدث. وتحت عنوان «غضبة الأقصى المبارك تجتاح المناطق المحتلة... الأردن يطلع المحافل الدولية على الاعتداء»، نشرت «الشرق الأوسط» على لسان وزير الخارجية الأردني زيد الرفاعي، طلب الوزارة من المندوب الدائم لدى الأمم المتحدة «إطلاع السكرتير العام على تفاصيل الاعتداء، وسياسة الكيان الصهيوني التعسفية ضد المقدسات المسيحية والإسلامية أيضاً في الأراضي العربية المحتلة». وأضاف الخبر في تتمة الداخل: «وتصاعدت حدة الغليان الشعبي في مختلف أنحاء الوطن المحتل، في أعقاب محاولة أعضاء لجنة الشؤون الداخلية في الكنيست الصهيوني اقتحام المسجد الأقصى المبارك».

رداً على غضبة الأقصى، شددت إسرائيل الحصار على مدينتي القدس والخليل في اليوم التالي، الحدث الذي احتل حيزاً على الصفحة الأولى في عدد 11 يناير. ونشرت الصحيفة: «جاب رجال الجيش الصهيوني بآلياتهم الثقيلة وأسلحتهم مختلف شوارع المدينتين (القدس والخليل). كما أقاموا الحواجز المسلحة عند مداخلهما، ومنعوا المواطنين من جميع أنحاء فلسطين المحتلة من دخولهما».

القضية المتفاعلة دفعت منظمة التحرير الفلسطينية إلى رفع مذكرة للأمم المتحدة، تطالب فيها بعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن، لبحث الاعتداءات على المسجد الأقصى. كان هذا من أخبار الصفحة الأولى الرئيسية لعدد 12 يناير.

نقلت أيضاً صفحة الشؤون العربية بياناً لجامعة الدول العربية يدين الاعتداءات. وقال البيان إن «هذه الأعمال وغيرها من أصناف العدوان على حقوق الشعب الفلسطيني ومقدساته الدينية، هي التي تدفع بجموع متزايدة من الفلسطينيين إلى اليأس، وإلى التردي في أعمال العنف التي على الضمير الدولي أن يبحث دوافعها».

وفي العدد ذاته، كرَّست «الشرق الأوسط» افتتاحيتها للحديث عن خطورة الوضع، وتحت عنوان «الخطورة والمسؤولية» قالت: «من الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل، إلى الحرم الشريف في القدس، إلى أي أماكن دينية أخرى في الأرض الفلسطينية، حلقات مترابطة من مفاهيم اليهود عن سعيهم إلى الاستيلاء على الأماكن المقدسة، وتدميرها لإقامة أماكن عبادتهم هم». وأضافت: «المسألة دينية وسياسة على السواء، وهي تتضمن كثيراً من التشعبات التي يتوجب استيعاب مراميها على أكثر من صعيد إقليمي ودولي... المسألة تحتاج إلى ما هو أكثر من تبيان الحقوق أو ممارسة الاحتجاج والاعتراض».

التنديد العربي، والمطالبات لم تقد إلى تهدئة؛ بل أدت إلى تفاقم الأزمة. وفي الصفحة الأولى من عدد 13 يناير، خبر يوثق مواجهة إسرائيل غضبة الأقصى بتصعيد الإجراءات القمعية، المتمثلة في محاصرة مدن الضفة، وعزل نابلس عن العالم. ونقل الخبر أيضاً تفاصيل من داخل الأزمة، وبياناً لحركة «هاتحياه» الصهيونية المتطرفة، ادعت فيه: «إن الضعف الذي أبدته السلطات الإسرائيلية في منطقة المسجد الأقصى عند الاعتداء على أعضاء الكنيست، وعدم اتخاذ الإجراءات الرادعة ضد الخطبة التحريضية في صلاة الجمعة، وإطلاق سراح المئات من رجال المنظمات في إطار عملية تبادل الأسرى الأخيرة، والسماح لهم بالبقاء في المناطق المحتلة، لا يمكن تفسيره إلا على أنه ضعف من الحكومة، ومن شأنه تشجيع رجال المنظمات على التمادي في أعمالهم ضد إسرائيل»، بحسب بيان الحركة الإرهابية حينذاك.

العدد تضمن مقالاً في صفحة الرأي، للصحافي والكاتب السعودي الذي رحل مؤخراً، الدكتور عبد الرحمن الشبيلي، من سلسلة تحت عنوان «الجدران الأولى... والجدران الأخرى»، قال فيه: «تعرض الفلسطيني على يد العدو وعلى يد الأخ لما جعله بهذه الصورة المأساوية، العميقة الجرح على جبين التاريخ». وأضاف الشبيلي: «بلادي المملكة العربية السعودية، وعدة دول عربية أخرى، لم تعترف بضم ما أصبح يعرف فيما بعد باسم الضفة الغربية إلى الأردن، ولا بالسلطة العسكرية المصرية على قطاع غزة». واستطرد كاتباً: «أثق بالشعب الفلسطيني العربي المناضل الصبور المكافح، وأثق بأنه سيجد طريقه إلى حقه».

صفحة الشؤون العربية في عدد 14 يناير، وثقت محاولة جديدة من قبل العصابات الصهيونية لتدنيس الأقصى. وقال الخبر: «وتفيد أنباء الأرض المحتلة بأن المواطنين العرب في القدس يستعدون للرد على التحدي الجديد، ومنع العصابات الصهيونية من تدنيس المسجد المبارك».

وبالفعل، أرغم فلسطينيو بيت المقدس النواب الإسرائيليين على التراجع، الخبر الذي ضمته الصفحة الأولى من عدد 15 يناير من عام 1986، تحت عنوان «القدس تصرح: بالدم والنار تعود يا أقصى»، وترافق مع المظاهرات إضراب عام في كل أنحاء القدس، تعبيراً عن الغضب للتحدي الإسرائيلي.

وفي عدد 16 يناير، تغطية للرد الإسرائيلي الذي اختار تكثيف وجوده حول الأقصى. وصاحب الخبر صورة تجمع جنود الاحتلال والمتظاهرين العرب وجهاً لوجه، عكست محاولة أهالي القدس التصدي للاعتداءات. وفي الصورة يظهر أيضاً مفتي القدس بين الشباب العرب. وتضمن الخبر دعوات لعقد قمة إسلامية طارئة جراء تفاقم الأزمة.

نشرت «الشرق الأوسط» في العدد ذاته دراسة أعدتها الإدارة العامة لشؤون فلسطين في الجامعة العربية، كشفت أن «السلطات الصهيونية تدمر أماكن العبادة، وتمحو الشواهد التاريخية على عروبة فلسطين». الدراسة ضمت أمثلة من عكا، وحيفا، ويافا، وبئر السبع، والقدس.

الوضع كان من سيئ إلى أسوأ، وبعدها جرت حلقة أخرى من الاعتداءات على المسجد الأقصى، قامت بها مجموعة من أعضاء حركة «كاخ» الصهيونية. وبدأت فوراً في مراكش بالمغرب الاستعدادات لعقد الاجتماع الطارئ للجنة القدس المنبثقة عن المؤتمر الإسلامي، ووثقت «الشرق الأوسط» تحضيرات الاجتماع في صفحتها الأولى الصادرة بعدد يوم 20 يناير.

افتتاحية الصحيفة في هذا العدد كُرست لتقييم المعاني والتداعيات والدلالات للمحاولات المتكررة لاقتحام الأقصى الشريف، تزامناً مع إقامة عشرات المستوطنات الجديدة، تحت عنوان «ما معنى الاستيطان؟!» واستخلصت الافتتاحية أن «الوقائع الإسرائيلية تطرح على الراغبين في المفاوضة التساؤل الذي يحتاج إلى إجابة واقعية، عما يعرفونه عن حاضر ومستقبل هذا التمركز الإسرائيلي الداعم في الأرض الفلسطينية المحتلة... إسرائيل غير راغبة في الوصول إلى أي حل، أو رفع يدها عن الأراضي التي احتلتها في عام 1967، أو إعطاء الفلسطينيين هناك أياً من الحقوق التي يطالبون بها».

تغطية مكثفة لمنطقة عربية مهمومة بقضية سياسية ودينية، وثَّقها الأرشيف، وافتتاحية في اليوم العاشر من التغطية، تكهنت بوضع الملف اليوم.



مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.


قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
TT

قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)

على الرغم من استقرار أسعار كثير من السلع الأساسية، فإن اليمنيين يترقبون بقلق بالغ تأثيرات خطرة جراء التطوراتِ العسكرية في المنطقة، واستهدافِ مصادر الطاقة وخطوط نقلها، وانعكاس ذلك على اقتصاد بلدهم الذي يعاني الهشاشة، ويعدّ الأكبر اعتماداً على الواردات والأقل قدرة على امتصاص الصدمات.

ومثلما يهدد استهداف منشآت الطاقة وخطوط نقلها ضمن العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، الاقتصاد العالمي بمزيد من الأزمات، فإن اليمن يقع في مركز دائرة الخطر؛ حيث تسود مخاوف واسعة من تضخم فاتورة الاستيراد، وتوسع حجم الفجوة المالية التي تؤرق السلطات والسكان.

ويستورد اليمن نحو 90 في المائة من غذائه؛ مما يرجح احتمال تأثر القدرة الشرائية للسكان بسرعة بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو طرق التجارة الدولية.

واشتكى أمين مهيم، وهو مهندس نظم معلومات، من ارتفاع أسعار كثير من السلع، التي تُستهلك بوصفها هدايا في المناسبات، خلال الأيام الماضية، رغم انقضاء إجازة العيد، وهو الذي توجه إلى الأسواق، أخيراً، مفترضاَ انخفاض أسعارها.

الجزء الأكبر من غذاء اليمنيين يأتي عبر الاستيراد مما يجعل البلد عرضة لتأثر النقل بالحرب (أ.ف.ب)

وبين مهيم لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر إلى السفر إلى قريته بمحافظة لحج بعد عيد الفطر؛ بسبب ارتباطاته المهنية خلال الإجازة، وحين عرج على الأسواق لشراء هدايا وأغذية غير أساسية، مثل الزبيب والمكسرات، ليحملها إلى أقاربه، فوجئ بفوارق سعرية كبيرة عمّا كانت عليه قبيل العيد، وسط تبريرات الباعة بأن الحرب فرضت تكاليف نقل كبيرة على الاستيراد.

وبينما يبدي عشرات التجار والمستوردين وسائقي النقل مخاوفهم من عدم القدرة على السيطرة على الأسعار خلال الأسابيع المقبلة، أكد مصدر مسؤول في وزارة النقل أن جميع المعنيين بنقل وتوريد السلع أُبلغوا بعدم زيادة الرسوم الخاصة بما تُسمى «مخاطر الحرب»؛ «لأن اليمن لم يتأثر، حتى الآن، بشكل مباشر بالعمليات العسكرية الدائرة في المنطقة».

بوادر غلاء

المصدر الحكومي، الذي فضل التحفظ على هويته؛ لعدم امتلاكه صلاحية الحديث لوسائل الإعلام، أوضح أن السلع الأساسية المتوجهة إلى اليمن «لم تتأثر إلا بشكل محدود بسبب عدم مرورها بطرق التجارة التي تقع ضمن دائرة الحرب، على عكس سلع أخرى توقفت في موانئ خليجية، مثل الملابس والأجهزة الإلكترونية».

متطلبات المعيشة في اليمن تتأثر بقوة جراء أي أزمة في الوقود (رويترز)

إلا إنه رفض التعليق بشأن إمكانية أن يَظهر تأثير كبير أو خطير في الفترة المقبلة، مطالباً بعدم إثارة فزع السكان.

ولم تشهد أسعار الوقود أي زيادة في اليمن، إلا إن الشركات التجارية وشركات النقل تتذرع بارتفاع تكلفة النقل الخارجي والتأمين البحري بفعل تهديدات الملاحة العالمية وارتفاع أسعار الوقود؛ بسبب استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج وإغلاق إيران مضيق هرمز.

ويقول عاملون في قطاع النقل البحري إن شركات الشحن تفرض عادة رسوماً إضافية تُعرف بـ«رسوم مخاطر الحرب» عندما ترتفع التوترات في الممرات البحرية القريبة من مناطق الصراع.

ويرتبط الموقع الجغرافي لليمن مباشرة بالتوترات التي تطول الملاحة البحرية في المنطقة، بالنظر إلى الإطلالة على مضيق باب المندب؛ أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تمرّ نسبة مهمة من تجارة الطاقة العالمية عبره، حيث يؤثر سريعاً أيُّ تصاعد في المخاطر الأمنية بالبحر الأحمر على تكاليف الشحن والتأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ اليمنية.

التطورات العسكرية الإقليمية تهدد الإصلاحات الحكومية اليمنية لدعم استقرار العملة المحلية (أ.ف.ب)

ويدعو يوسف سعيد أحمد، أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى مواصلة دعم وتعضيد السياسات الاحترازية التي يتبعها «البنك المركزي»، والتي من شأنها الوقاية من الآثار المباشرة للحرب الدائرة في المنطقة على الاقتصاد اليمني.

وحذر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من انعكاس التطورات الاقتصادية للحرب الحالية على حجم الموارد الخارجية، وتأثر أسعار الصرف سلباً، «خصوصاً أن الحرب ما زالت مستمرة، واليمن مرتبط بالاقتصاد الخليجي، خصوصاً السعودي، سواء أكان من جهة الدعم أم تحويلات المغتربين، وهما متغيران من المحتمل أن يتركا آثارهما على البلاد».

اختلال الميزان التجاري

يبدي كثير من المسؤولين الحكوميين والسكان والتجار اليمنيين قلقاً من احتمالية ظهور سوق سوداء للوقود في حال تأخر وصول شحنات النفط إلى الموانئ اليمنية، أو تأثرت البلاد بارتفاع أسعاره عالمياً، هذا إلى جانب احتمال ارتفاع أسعاره محلياً في أي وقت.

الأسواق اليمنية شهدت ارتفاع أسعار بعض السلع بحجة ازدياد تكلفة النقل البحري (أ.ف.ب)

ويتوقع فارس النجار، المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، أن تؤدي أي صدمة خارجية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد، إلى تأثيرات مضاعفة، «فزيادة بنسبة ما بين 10 و12 في المائة ستضيف في فاتورة الاستيراد ما بين 1.5 و1.8 مليار دولار سنوياً».

ويشير إلى أن قيمة الواردات اليمنية خلال العام ما قبل الماضي «بلغت نحو 15.5 مليار دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز ملياراً؛ مما يعكس اختلالاً واضحاً في الميزان التجاري واعتماداً كبيراً على التحويلات والمنح لتغطية فجوة تمويلية ضخمة».

إلا إنه يتفاءل بالتجربة الأخيرة لإدارة السياسات الاقتصادية التي يمكن أن تحد من حدة الصدمات، «بعد أن أدت إجراءات (البنك المركزي)، وتنظيم الاستيراد، إلى استقرار سعر الصرف وتحسين الإيرادات غير النفطية للحكومة بنحو 50 في المائة، وإن كان تحسناً هشاً بسبب غياب الموارد السيادية».

اقتصاد اليمن يفتقر إلى أهم موارده وهو إيرادات النفط الذي استهدف الحوثيون منشآت تصديره (رويترز)

ومنذ سنوات أدى توقف صادرات النفط، بفعل اعتداءات الجماعة الحوثية، إلى حرمان الحكومة من أهم مصدر للإيرادات، وتتضاعف تكلفة هذا التوقف حالياً بسبب ارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

ويقدر خبراء مطلعون على السجلات الرسمية أن نحو 70 في المائة من إيرادات الحكومة كانت تأتي من النفط، في وقت يعاني فيه نحو 22 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي، وفق تقديرات أممية؛ مما يجعل أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو الغذاء عبئاً إضافياً على ملايين الأسر.


تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
TT

تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)

شنّت الجماعة الحوثية حملة اعتقالات واسعة شملت عشرات المدنيين في محافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء) عقب مقتل عشرة من عناصرها في كمين استهدف إحدى دورياتها، في تطور يعكس تصاعد المواجهة مع أبناء القبائل في مناطق سيطرتها.

جاء ذلك بالتوازي مع إعلان القوات اليمنية الحكومية إحباط تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة في محافظة حضرموت كانت متجهة إلى مناطق سيطرة الجماعة الحوثية.

وأفادت مصادر محلية في البيضاء لـ«الشرق الأوسط» بأن أبناء القبائل في منطقتي المناسح وحمة صرار، التابعتين لمديرية «ولد ربيع»، نفذوا هجوماً استهدف دورية أمنية حوثية على الطريق الرئيسي، كانت تقل عشرة من عناصر الجماعة، بينهم مشرفون ميدانيون، ما أدى إلى مقتلهم جميعاً.

وحسب المصادر، جرى تنفيذ العملية باستخدام عبوات ناسفة، بعد رصد دقيق لتحركات الدورية، في سياق حالة احتقان متصاعدة تشهدها المديرية، نتيجة ما يصفه السكان بانتهاكات متكررة تشمل الاعتداء على الممتلكات والمزارع، والتضييق على الأنشطة الدينية، في إطار محاولات فرض توجهات فكرية ومذهبية.

كمية من الأسلحة صادرتها قوات درع الوطن في وادي حضرموت (إعلام عسكري)

وفي أعقاب الهجوم، دفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى مديرية ولد ربيع، ضمت عشرات العربات والمسلحين، ونفذت حملة مداهمات واسعة في قرى المناسح وحمة صرار وسيلة الجراح، أسفرت عن اعتقال عشرات المدنيين، بذريعة البحث عن المتورطين في الكمين.

وقال مدير مديرية رداع المعين من الحكومة الشرعية، منيف الذهب، إن المعتقلين جرى اقتيادهم إلى مركز قضاء رداع، حيث انضموا إلى محتجزين آخرين من أبناء المنطقة، كانوا قد اعتُقلوا في حملات سابقة على خلفية حوادث مشابهة، ما يعزز مخاوف السكان من تصاعد سياسة العقاب الجماعي.

إحباط تهريب أسلحة

بالتزامن مع هذه التطورات، أعلنت قوات الطوارئ اليمنية إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة كانت في طريقها إلى الجماعة الحوثية، في عملية نوعية نُفذت بمحافظة حضرموت.

وذكر المركز الإعلامي للفرقة الأولى أن الشحنة ضُبطت داخل شاحنة نقل كبيرة كانت محمّلة بسلال من الخضراوات، حيث أخفيت الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة بإحكام أسفل الحمولة، في محاولة للتمويه وتفادي نقاط التفتيش.

وأوضح أن العملية أسفرت عن ضبط السائق والتحفظ على المضبوطات، تمهيداً لإحالتهما إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية، مشيراً إلى أن هذه العملية تعكس مستوى متقدماً من الجاهزية الأمنية والقدرة على تفكيك شبكات التهريب.

وتأتي هذه الضبطية ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى قطع خطوط الإمداد العسكري للجماعة الحوثية، التي تعتمد، وفق تقديرات حكومية، على شبكات تهريب معقدة لإيصال الأسلحة النوعية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، إلى مناطق سيطرتها.

هيكلة الأمن في عدن

في سياق موازٍ، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لإعادة تنظيم المنظومة الأمنية في المناطق المحررة، حيث عقدت اللجنة المكلفة بهيكلة ودمج التشكيلات الأمنية اجتماعاً مشتركاً مع قيادة أمن عدن، بحضور قيادات بارزة من وزارة الداخلية والمؤسسات العسكرية.

وناقش الاجتماع احتياجات شرطة عدن من الموارد البشرية والآليات، إلى جانب آليات دمج التشكيلات الأمنية التي لا تزال خارج إطار الوزارة، بما يسهم في توحيد القرار الأمني وتحديد الاختصاصات بشكل واضح.

لجنة دمج وهيكلة الوحدات الأمنية تلتقي قيادة أمن عدن (الإعلام الأمني)

وأكد المشاركون أن هذه الخطوة تمثل مساراً استراتيجياً لبناء جهاز أمني متكامل، قادر على مواجهة التحديات الأمنية وتعزيز الاستقرار، خصوصاً في ظل التهديدات المستمرة التي تواجهها البلاد.

كما شددوا على أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف الوحدات، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يعزز كفاءة الأداء الأمني، ويعيد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون أن نجاح جهود الدمج والهيكلة يمثل عنصراً حاسماً في تثبيت الاستقرار في المدن المحررة، ومنع أي اختلالات أمنية قد تستغلها الجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية.