المشهد الإعلامي العالمي في سطور... اندماج كيانات وتوقف صحف وقنوات

قوانين وتشريعات عربية ودولية لضبط المشهد

جانب من منتدى الإعلام السعودي بنسخته الأولى بحضور مختصين في مجال الإعلام من 32 دولة (تصوير: بشير صالح)
جانب من منتدى الإعلام السعودي بنسخته الأولى بحضور مختصين في مجال الإعلام من 32 دولة (تصوير: بشير صالح)
TT

المشهد الإعلامي العالمي في سطور... اندماج كيانات وتوقف صحف وقنوات

جانب من منتدى الإعلام السعودي بنسخته الأولى بحضور مختصين في مجال الإعلام من 32 دولة (تصوير: بشير صالح)
جانب من منتدى الإعلام السعودي بنسخته الأولى بحضور مختصين في مجال الإعلام من 32 دولة (تصوير: بشير صالح)

حفل عام 2019 بالكثير من محاولات استشراف مستقبل الإعلام المرئي والمقروء والمسموع، وقد شهد اندماجا لكيانات إعلامية كبرى، وتوقف صحف وقنوات عربية وعالمية، فضلاً عن بروز عدد من المنتديات الإعلامية. وبموازاة ذلك سارع الكثير من الدول إلى وضع حزم قوانين ضابطة للمشهد الإعلامي واستخدام مواقع التواصل الاجتماعي.
- عالمياً
شهد عام 2019 اكتمال اندماج «فوكس» و«ديزني» في أكبر صفقة في القرن بمبلغ 71.3 مليار دولار، وإطلاق تلفزيون «ديزني» للبث الرقمي. كما أطلقت شركة أبل خدمة «أبل نيوز بلس». كما اندمجت سلسلة «غيت هاوس» التابعة لشركة «نيو ميديا إنفستمنت غروب» مع سلسلة «جانيت» في الولايات المتحدة الأميركية. وتم بث أول عملية سير نسائية في الفضاء مباشرة عبر القنوات التلفزيونية الأميركية. وقدم لاري بيدج، وسيرجي برين، المؤسسان المشاركان لشركة «غوغل» استقالتهما من الشركة الأم «ألفابيت».
وعلى صعيد وسائل التواصل الاجتماعي، برزت فضيحة «فيسبوك» حيث تم التحقيق مع مارك زوكربيرغ في قضية كامبرديج أنالتيكا، وكشف بيانات ملايين المستخدمين لطرف ثالث إلى جانب الكثير من الضغوط التي تمارسها الدول لكشف البيانات الخاصة بالمستخدمين، والحملات التي شُنت عليه والاتهامات بتأثيره على الصحة العقلية للمستخدمين بإخفاء عدد «اللايكات» أو مرات الإعجاب التي تحصل عليها المنشورات على الموقع.
أيضاً أسس موظفون سابقون في «فيسبوك» شبكة تواصل جديدة تحمل اسم «كوكون» وهي شبكة تواصل اجتماعي جديدة خصوصية وليست عمومية مثل شبكات التواصل الاجتماعي الشهيرة، وأطلقت في ديسمبر (كانون الأول) الجاري، على متجر «أبل» بهدف تكريس التواصل بين العائلات فقط.
ومن أهم أحداث الإعلام في عام 2019، خبر تنصيب الصحافية اللبنانية البريطانية رولا خلف، رئيسة لتحرير صحيفة «فايننشال تايمز البريطانية»، لتصبح أول امرأة تشغل المنصب منذ تأسيس الصحيفة قبل أكثر من 130 عاماً.
- عربياً
شهدت المملكة العربية السعودية تأسيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي في أغسطس (آب) الماضي، لتكون الجهة الرسمية المسؤولة عن الأجندة الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي في المملكة تحقيقاً لرؤية المملكة 2030 وأهدافها. كما أطلقت صحيفة «عرب نيوز» السعودية الناطقة بالإنجليزية، نسخة إلكترونية يابانية. وأطلقت المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق النسخة الإلكترونية العربية من صحيفة «الإندبندنت» البريطانية لتقدّم خدمة إخبارية وتحليلية للقارئ العربي. كما دشنت مجموعة «إم بي سي» قناة خاصة بالعراق... وكانت الرياض عاصمة الإعلام العربي لعام 2019، قد شهدت نهاية العام انعقاد النسخة الأولى من منتدى الإعلام السعودي تحت شعار «صناعة الإعلام... الفرص والتحديات»، بحضور نخبة من قادة الإعلام والخبراء والمفكرين، ومشاركة أكثر من ألف إعلامي من 32 دولة. وبشعار «التحولات الذكية في صناعة الإعلام» عقد لأول مرة منتدى «مسك» للإعلام بالقاهرة بحضور أكثر من 1500 إعلامي وخبير سياسي.
وفي مصر، أعلن إطلاق القمر الاصطناعي المصري للاتصالات «طيبة - 1». وأطلق أول تطبيق بث تلفزيوني مصري وهي منصة Watch it. كما شهدت مصر عودة وزارة الإعلام مرة أخرى بعد أن ألغيت. وتم إغلاق صحيفة «التحرير» الخاصة، وقناة «تن» الخاصة قبل أن يتم الإعلان عن إعادة تشغيلها لأسباب تتعلق بالتمويل.
وفي الإمارات، أطلقت صحيفة «الرؤية» بصبغة تطويرية جديدة شملت نسختها الورقية والرقمية. وأصدر المجلس الوطني للإعلام في الإمارات قانوناً جديداً ينظم الإعلام الإلكتروني بما في ذلك المواقع الإعلانية ووسائل التواصل الاجتماعي. كما تم إطلاق أول درجة أكاديمية خاصة بمواقع التواصل الاجتماعي «دبلوم للمؤثرين» الذي أطلقه نادي دبي للصحافة بالشراكة مع «كلية محمد بن راشد للإعلام».
أما في السودان، فقد تم إغلاق شركة «أقمار» المحتكرة للإعلان الحكومي. وفي تونس، أطلقت أول منصة للتحقق من الأخبار الزائفة بالتعاون بين الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (الهايكا) والاتحاد الأوروبي ومجلس أوروبا.
وفي الجزائر، تم اندماج قناتي «دزاير نيوز»، و«دزاير تي. في» في قناة واحدة، كما قررت بعض الصحف الاحتجاب عن الصدور يوم الجمعة بسبب الحراك وضعف الشراء. وشهدت إدخال التربية الإعلامية في مناهج التربية والتعليم بالمدارس والمعاهد والجامعات. وفي المغرب، أطلق البرلمان قناة تلفزيونية مختصة في نقل فعالياته. كما صادقت الحكومة على قانون يتعلق بالصحافة والنشر. بينما في لبنان، توقفت صحيفة «المستقبل» ورقياً مكتفية باستمرارها رقمياً فقط. وأطلقت صحيفة «النهار» حملة على مواقع التواصل الاجتماعي تطلب دعم القراء والمتابعين.
وفي الكويت، قررت وزارة الإعلام إلغاء تراخيص 17 صحيفة ومجلة أسبوعية وشهرية، من بينها «الأسطورة»، و«اليقظة»، و«المجالس». كما قررت صحف «الجريدة»، و«القبس»، و«الأنباء»، و«الرأي» الاحتجاب الجزئي مع بداية العام لترشيد التكاليف. وفي العراق، تم إغلاق قناة «دجلة» الفضائية، وأكثر من 14 مؤسسة إعلامية وصحافية. وصدرت عدة صحف جديدة لتواكب الثورة وأحداثها، منها «الاحتجاج»، وصحيفة «25 أكتوبر (تشرين الأول)». وفي ليبيا، لا يزال المشهد الإعلامي مُرتبكاً ومنقسماً، ولا تزال ليبيا من أخطر أماكن العمل للصحافيين والتغطية الميدانية.
وفقد الوسط الإعلامي العربي، الإعلامي السعودي عبد الرحمن الشبيلي، والكاتب اللبناني سمير سعداوي، والكاتب التونسي جمال الدين الكرماوي، والكاتب المصري سعيد اللاوندي، والصحافي الأردني أمجد ناصر، والكاتب الصحافي المصري محمود صلاح.
- حزم قوانين
في غضون ذلك، شهدت عدة دول عربية وغربية، إجراءات حازمة لضبط المشهد الإعلامي، فيما يخص مواقع التواصل الاجتماعي، أو ما يسمى «الإعلام الجديد» عبر سن قوانين وتشريعات، في محاولة لتقنين ما يبث عليها... ففي مصر تمت صياغة قانون مكافحة الجريمة الإلكترونية.
وطالب الدكتور حسن عماد مكاوي، عميد كلية الإعلام الأسبق بجامعة القاهرة، بقوانين تُمكن الدول من إغلاق الصفحات المحرضة، التي تبث الإشاعات، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك خطوات محمودة في هذا الصدد، وبدأت الدول تعي مخاطر هذا (الإعلام الجديد)؛ لكن الأمر لا يقتضي القوانين فقط؛ بل لا بد أيضاً من الرد على الأفكار بأفكار أخرى، تصحح المفاهيم المغلوطة، إلى جانب نشر ثقافة التسامح والرأي والرأي الآخر عبر المنابر الإعلامية كافة».
في حين أكد الكاتب الصحافي الليبي، أحمد الفيتوري، لـ«الشرق الأوسط»، أن «عام 2019 شهد وقوع الكثير في قبضة (السوشيال ميديا)، فشهد وقائع لتضارب الأخبار، بسبب الاعتماد عليها في تغطية الأخبار، وغابت إلى حد ما مصداقية الإعلامي المختص والحريص».
- توقعات بتعامل احترافي مع الإعلام الرقمي وزيادة الخدمات المدفوعة في 2020
> بدت ملامح المشهد الإعلامي في العالم عام 2019 بشكل جديد، يقوده الذكاء الاصطناعي، ومحاولات ناجحة تبشر بتحولات كبيرة سوف تبرز في عام 2020. وقال خبراء إعلام لـ«الشرق الأوسط»، إن «عام 2019 شهد استمرار أزمات معاناة الصحافة الورقية في العالم وفقاً لمتغيرات العصر الحديث، وتصاعدت تحديات مواجهة الأخبار الزائفة التي تبث عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي شرعت كثير من الدول في اتخاذ إجراءات للتصدي لها». وأبدى الخبراء «تفاؤلاً بوجود مراكز متخصصة للتعامل مع الإشاعات في غالبية الدول العربية والغربية، وإطلاق برامج تدريبية متخصصة وأكاديمية للتعامل مع الإعلام الرقمي باحترافية»، متوقعين «زيادة في الخدمات الإعلامية المدفوعة المقدمة في 2020».
رصد الكاتب السعودي سعود البلوي، المتخصص في الشؤون الإعلامية، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، ما اعتبر أنه «زيادة في وهج وسائل التواصل الاجتماعي في عام 2019، ما أيهم بالسماح للعملة الرديئة أن تطرد العملة الجيدة من السوق، فأصبح لقب (إعلاني) أكثر حظوة وفاعلية من لقب (إعلامي) بسبب حالة الانبهار ببعض مشاهير (السوشيال ميديا)، الذين تقمصوا الدور في هذا المجال دون الاحتراف فيه، فهم لا يقدمون محتوى حقيقياً معتمدين على بث يومياتهم بطريقة تأخذ الشكل العفوي في غالبها؛ لكنها فعلياً موجهة إلى (المستهلك) بطريقة مباشرة وغير مباشرة أياً كان شكل الاستهلاك... وهنا لا بد من القول إن الجمهور من دون وجود ثقافة إعلامية ناقدة لديه، لن يكون قادراً على تكوين صورة موضوعية في ظل تلقيه للصورة الذهنية التي ارتسمت في ذهنه».
وأكد أحمد عصمت، مدير «منتدى الإسكندرية للإعلام»، الباحث في مجال تكنولوجيا الإعلام، أنه «حسب تقرير (هوت سويت) ندخل 2020 بنحو 48 في المائة من سكان العالم على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو رقم ليس بالقليل؛ بل هو في تزايد عالمي»، متوقعاً «زيادة في الخدمات الإعلامية المدفوعة المقدمة إلى الجيل (زد)، والمقصود به من ولدوا بين منتصف التسعينيات ومنتصف العقد الأول من الألفية الثانية، وذلك بسبب زيادة نسبتهم مقارنة بعدد السكان الكلي، ولكونهم وقود حركة البيع والشراء على الإنترنت باستخدام الكروت الذكية والمحافظ المالية التي تدار من خلال تطبيقات الهواتف الجوالة، وكذلك اتساع الهوة بين المستخدمين من الجيل نفسه والأجيال السابقة بسبب انعزالية الجيل (زد) في تطبيقات واستخدامات تختلف عن أقرانهم الأكبر سناً».
وحول المستجدات التي شهدها عام 2019 في بعض الدول العربية. قال الدكتور خالد الحلوة، أستاذ الإعلام في جامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»: «لفت انتباهي انتشار شبكة (نتفليكس) في المنطقة العربية، ودخولها أيضاً في سوق إنتاج الأفلام والمسلسلات والبرامج العربية الموجهة للمشاهدين في المنطقة العربية، ففي بداية (نتفليكس) لم يكن هناك طريقة رسمية للاشتراك في الشبكة في العالم العربي، أما الآن، فأصبحت الاشتراكات متاحة في كل الدول العربية تقريباً، وأصبحنا نشاهد إعلانات شبكة (نتفليكس) في شوارع المدن العربية»، مضيفاً: «الآن أصبحت (نتفليكس) هي التي تختار الموضوعات والقصص، وتتعاقد مع فنانين عرب لإنتاجها، وطبعاً، هذا يساعد على دعم المواهب العربية، ويمنحها الفرصة لتطوير محتواها، والوصول إلى المشاهد العربي في كل مكان؛ لكن هناك سلبيات من الجانب الآخر، حيث تكون بعض الأفلام والمسلسلات المعروضة مخالفة لما هو متعارف عليه لدى الجمهور العربي، والحل المطلوب الآن هو تطوير مصادر الإنتاج العربي والبث عن طريق الإنترنت بواسطة مؤسسات وشركات عربية أقرب لمعرفة احتياجات الشعوب العربية وطموحاتها».
في حين تحدث الدكتور عباس مصطفى صادق، الباحث في مجال الإعلام الرقمي، عن الإمارات، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «المؤسسات الإعلامية في الإمارات باتت متقدمة في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، بحكم ما تتمتع به الإمارات من بنية تحتية متقدمة تكنولوجيا. ففي مايو (أيار) الماضي، أعلنت أبوظبي للإعلام نيتها تقديم أول مذيع روبوت يعمل بالذكاء الاصطناعي، ناطق بالعربية في العالم»، مضيفاً: «هذه الخطوة جاءت في إطار اتفاقية شراكة مع شركة (سوجو) الصينية، وبالتعاون مع البرنامج الوطني الإماراتي للذكاء الاصطناعي، كما يشير صادق إلى أن صحيفة «البيان» التابعة لـ«مؤسسة دبي للإعلام» تتيح خاصية المساعد الافتراضي الصوتي، الذي يسمح للقارئ بالتحدث إلى تطبيق الذكاء الاصطناعي، وسؤاله مباشرة عن الأخبار التي يحتاج إليها، باستخدام الصوت، ومن دون جهد البحث والتصفح، ويتيح المساعد الافتراضي للمتصفحين أن يتحدثوا بصوتهم للتطبيق، ويسألوه عن الأخبار التي يرغبون في الحصول عليها سواء كانت أخبار مسؤولين أو دول أو مدن أو أخبار قطاعات معينة مثل المجتمع والاقتصاد والرياضة والسياسة.
من جهته، قال الدكتور محمود علم الدين، عضو الهيئة الوطنية للصحافة في مصر، لـ«الشرق الأوسط»، إن «معاناة الصحافة الورقية مسألة يعاني منها العالم كله، وفقا لمتغيرات العصر الحديث؛ لكن لاتزال أهم التحديات أمام الصحافة ووسائل الإعلام المرئية تلك الأخبار- التي وصفها بـ(الزائفة)، التي تبث عبر بعض مواقع التواصل الاجتماعي، والتي بدأت بعض الدول في اتخاذ إجراءات لإصلاحها».
ويرى علم الدين أن «صحافة البيانات في العالم العربي لا تزال في مهدها، ولا تزال تنحصر في الإنفوغراف والصور، دون الغوص في قواعد البيانات؛ إلا أن هناك وعي وتوجه عربي بأهمية المنصات الإلكترونية في مواجهة الأخبار المغلوطة، والتواجد الحكومي على (السوشيال ميديا)، وتحديث الصحف لمنصاتها الرقمية، وحرصها على إطلاق المواقع وتأمينها»، معرباً عن «تفاؤله بوجود مراكز رقمية متخصصة للتعامل مع الإشاعات في غالبية الدول العربية والغربية، وإطلاق برامج تدريبية متخصصة وأكاديمية للتعامل مع الإعلام الرقمي باحترافية».
 


مقالات ذات صلة

«مؤثرون» أم «منتشرون»؟ جدل حول تعريف صُنّاع المحتوى في مصر

شمال افريقيا وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)

«مؤثرون» أم «منتشرون»؟ جدل حول تعريف صُنّاع المحتوى في مصر

ما زال الجدل مستمراً في مصر حول لقاء وزير الدولة للإعلام بعدد من صانعي المحتوى، وسط انتقادات للقاء وتساؤلات عن المعايير التي اختير على أساسها المشاركون.

رحاب عليوة (القاهرة)
يوميات الشرق مارسيل غانم تفاعل مع الفكرة منذ اللحظة الأولى لتطبيقها (برنامج صار الوقت)

«صار الوقت» يوظّف الذكاء الاصطناعي في خطوة متقدّمة تلفزيونياً

استعان برنامج «صار الوقت»، على شاشة «إم تي في»، بالذكاء الاصطناعي لتطوير التحضير للحلقات ومقارنة تصريحات الضيوف بمواقفهم السابقة.

فيفيان حداد (بيروت)
الولايات المتحدة​ الصحافي الأميركي بوب وودوارد (أ.ب- أرشيفية)

كاشف أسرار واشنطن... بوب وودوارد يزيح الستار عن مصادره السرية

يكشف الصحافي المخضرم بوب وودوارد في مذكراته الجديدة هويات مصادره السرية، وكواليس تحقيقاته عن أسرار واشنطن، ويوجِّه انتقادات إلى جيف بيزوس.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
إعلام شعار «ميتا» (رويترز)

مخاوف حيال تعديل شروط استخدام الحسابات على «فيسبوك» و«إنستغرام»

أجرت شركة «ميتا» تعديلاً على شروط الاستخدام قد يمنحها صلاحيات واسعة للوصول إلى محتوى المواقع الإخبارية ونسخه وإعادة استخدامه

إيمان مبروك (القاهرة)
يوميات الشرق أُقيم مؤتمر «نساء على خطوط المواجهة» بحضور رئيس مجلس الوزراء نواف سلام (الجهة المنظّمة)

«نساء على خطوط المواجهة» في نسخته الـ13 يواكب التحوّلات الراهنة

اختُتم المؤتمر بتلاوة توصيات شدّدت على ضرورة أن تقود الدولة عملية التعافي ضمن إطار وطني منسّق...

فيفيان حداد (بيروت)

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».


توجّهات آيديولوجية تغطّي على مقاربة الصحافة لاضطرابات فرنسا

جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)
جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)
TT

توجّهات آيديولوجية تغطّي على مقاربة الصحافة لاضطرابات فرنسا

جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)
جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)

ليست المرة الأولى التي تعرف فيها فرنسا حالةً من الغليان الذي يُترجَم في الشارع من خلال المظاهرات والمسيرات، ولكن أيضاً عبر الصدامات مع القوى الأمنية التي تواكبها، بشكل منهجي، حرائق السيارات واستهداف المؤسسات العامة والممتلكات الخاصة والقبض على مئات الأشخاص وتقديمهم للعدالة.

يترافق ذلك كله بحفلات التراشق السياسي بين اليمين واليسار وما يتوسطهما. وبما أن الصحافة، أكانت مكتوبة أم مسموعة ومرئية، ليست سوى صورة لحالة المجتمع وتجاذباته، فإن ما تنتجه يعكس بطبيعة الحال، من جهة، انقساماته العميقة، ومن جهة ثانية، مصالح وطموحات القوى السياسية التي تمول وتصدر الوسائل الإعلامية.

ولعل أبرز مثال على ذلك التغطية الصحافية للأحداث التي عاشتها فرنسا في الأسبوعين الأخيرين: الأولى، مع حراك طلاب المرحلتين الثانوية والجامعية الذي انطلق قبل نحو الشهر من ضاحيتين قريبتين من باريس. والثانية، مع ما صدر عنها بعد «السبت الأسود» و«الأحد الرمادي» اللذين تميَّزا بعنف استثنائي إن على صعيد الصدامات بين المجموعات المتطرفة والقوى الأمنية أو أعمال الشغب والسرقة والنهب والاعتداءات. وهذه ضربت المدن الفرنسية الثلاث الكبرى، باريس وليون ومرسيليا، ومدناً كثيرة غيرها مثل تولوز وبوردو وليموج ورين وليل.

ألسنة اللهب في الشوارع (أ.ف.ب)

مواقف الصحافة اليومية

لنأخذ كنقطة الانطلاق، لمقارنة توجهات الصحافة اليومية، ما صدر عنها يوم الاثنين الذي أعقب يومي «السبت الأسود» و«الأحد الرمادي» مع التركيز على الصحف «الوطنية» الأكثر انتشاراً، أي «لو موند»، و«ليبراسيون»، و«لوفيغارو»، و«لوبينيون»، إضافة إلى الصحيفة الأسبوعية «لو جورنال دو ديمانش» التي تصدر مرة واحدة في الأسبوع، أي يوم الأحد، كما يدل عليها اسمها.

عمّا يقوله اليمين، البداية مع صحيفة «لو فيغارو» التي تنطق باسم اليمين المحافظ. إذ تصدَّرت صفحتها الأولى صورة حريق مبنى بلدية مدينة ليموج، بوسط فرنسا، وفوقها عنوان يقول: «بعد الفوضى... العار والغضب».

وفي الصفحة نفسها افتتاحية بالغة الشدة، تشكِّل مضبَطة اتهامات للدولة واليسار وجان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد والمرشح للانتخابات الرئاسية.

ومما جاء فيها: «الدولة مُهانة داخل مباني بلدياتها ومحافظاتها ومراكز شرطتها. والفرنسيون مذعورون ومستاؤون من هذا الغضب العارم الذي يشوّه بلدهم بعنفه البشع. ورجال الشرطة بلغوا أقصى طاقتهم، شجعانٌ لكنهم عاجزون عن احتواء الوضع».

وتضيف: «التجار يائسون بعد أعمال النهب. والصحافيون يتعرَّضون للتهديد والاعتداء. ومباني إذاعة (أوروبا 1) وقناة (سي نيوز) وصحيفة (لو جورنال دو ديمانش) - وكلها تتبع لرجل الأعمال فانسان بولوريه المتمترس قرب اليمين المتطرف - تتعرَّض لهجوم مباشر».

وتكمل: «في ألسنة اللهب التي اجتاحت هذا اليوم الأسود، احترق نظام كامل من القيم. وتحت الرماد تكمن عقود من الجبن والامتثال الأعمى وانعدام البصيرة. واحتقار كل سلطة تمنح الفرد شعوراً بأنه قادر على فعل كل شيء. وضغائن تاريخية واجتماعية وثقافية تغذّي النزعات الثورية. وعدالة تتساهل مع المجرم، لكنها لا ترحم المواطنين الشرفاء. وامتياز غير مفهوم تتمتع به ميليشيات اليسار المتطرف، التي تحطّم وتحرق وتقتل من دون أن تُحاسَب، وهجرة خارجة عن السيطرة، يقف جزء منها في وجه البلد الذي يستضيفه. ومدرسة جرى تفريغها من العقل والمعرفة. وحركة سياسية، من ميلونشون إلى باغايوكو، تتعمّد تأجيج الحمى الروبسبييرية» - في إشارة إلى ماكسميليان روبسبيير، رجل أحكام المقاصل إبان الثورة الفرنسية.

اتهام يميني لميلونشون

وفي الصفحات الداخلية مادة تتهم ميلونشون بـ«الغموض» في إدانة العنف، لا بل تتهمه بالمسؤولية عنه. ويتضمَّن العدد مطالبات بمزيد من التَّشدُّد البوليسي، ومقترحات اليمين، ومنها حظر حزب ميلونشون، التي أطلقها رئيس حزب «الجمهوريون» اليميني المعتدل ورئيس مجلس الشيوخ جيرار لارشيه، المنتمي إلى الحزب نفسه، وكذلك مقترح غبريال أتال، رئيس الوزراء السابق الذي دعا إلى إنزال الجيش لحفظ الأمن.

وفي السياق الآيديولوجي عينه تندرج تغطية «لو جورنال دو ديمانش»، التي صدرت صفحتها الأولى بعنوان: «الفوضى: اليسار المتطرف يدير المشهد من وراء الكواليس... أعمال شغب ذات طابع تمرّدي ويوم أشبه بنهاية العالم». وفي الداخل، خصّصت الصحيفة مادةً مطوّلةً أصحبتها بصورة لميلونشون وقادة من حزبه اليساري في أثناء مشاركتهم في مظاهرة الأحد الماضي، ومن بينهم بالي باغايوكو، عمدة مدينة سان دوني (الواقعة ضمن باريس الكبرى)، الذي قال يوماً «إن العنف يمكن أن يكون مشروعاً».

ونقلت الصحيفة عن ميلونشون تحميله القوى الأمنية «مسؤولية الفوضى» بسبب استراتيجية حفظ الأمن التي تعمل بموجبها. وبشكل عام، يتهم قادة حزب «فرنسا الأبيّة» الحكومة باللعب بورقة كسب الوقت بانتظار تفكّك الحركة المطلبية، ورهانها أيضاً على تأثير الفرصة المدرسية التي تنتهي بداية الشهر المقبل على التلامذة والطلاب، وأحياناً أخرى على تساقط الأمطار الذي قد يردع الناس عن النزول إلى الشوارع للتظاهر.

ويأخذ الحزب المذكور على الحكومة أنها تهمل المطالب المرفوعة، وتمتنع عن تقديم «حلول سياسية» مفضِّلةً عليها سياسة الهراوة أو «الردود الأمنية».

ميلونشون وحزبه في مرمى الصحافة اليمينية... وإعلام اليسار والوسط يميل لتحميل السلطات المسؤولية

الرأي الآخر

على الجانب الآيديولوجي المقابل، تتغيَّر المقاربات، الأمر الذي يبدو بارزاً في تغطية صحيفة «ليبراسيون»، المُصنَّفة يسارية، للأحداث. ففي عددها الصادر بعد يومَي الحراك، تطرح الصحيفة تساؤلات حول «استراتيجية الحفاظ على الأمن» التي تصفها بـ«غير المناسبة»، وتندِّد بعمليات التحطيم والنهب «على نطاق واسع» في حين تعبِّر عن حزنها بسبب التغطية على «آلاف الأشخاص الذين تظاهروا بطريقة سلمية».

وفي مقال مُسهب، تشرح الصحيفة تعاطي القوى الأمنية مع الحراك، الذي تعدّه «لا يتوافق» مع الوضع، لا بل يمكن اعتباره «خطيراً»، وهذا في حين وصف سيباستيان روش، العالم السوسيولوجي، ما قامت به الشرطة بـ«تعامل هواة». وأعربت الصحيفة في افتتاحيتها عن «الأسى» إزاء ردود الطبقة السياسية على الأحداث، كونها «تفكّر أولاً بالانتخابات المقبلة وكيفية تجيير ما يحصل لصالحها»، وإزاء غياب الطروحات الجدية حول التحديات التي تواجه المجتمع الفرنسي أو التي يمكن أن تعبئ الشباب لتحقيقها.

جدية «لو موند» ووقارها

ما بين اليمين واليسار تتموضع صحيفة «لو موند» المستقلة مع ميل طفيف إلى الجهة اليسرى. واللافت في تغطية هذه الصحيفة الوقورة أنها تكرّس مواد عدة لتشريح تعاطي السلطات مع الحركة المطلبية، وتتساءل عن غياب «الأجوبة السياسية» عن المطالب المرفوعة بوجه الدولة وسلطاتها بينما يشارف عهد الرئيس إيمانويل ماكرون على نهايته؛ إذ إنه سيرحل عن قصر الإليزيه بعد أقل من 200 يوم.

ورغم تنديد الصحيفة، في أكثر من مادة وتحليل، بالعنف والاشتباكات وبالمشاغبين وبمَن «يقتنص فرص المظاهرات لزرع الفوضى واللجوء إلى النهب، إلى جانب أهداف اليسار الأكثر تطرفاً»، فإنها عدَّت في مادة تحليلية أن «العنف ثمرة نظام سياسي راديكالي وسلطة مُعدمة». ما سبق غيض من فيض وصورة مصغرة عن الانقسامات السياسية في مقاربة الأحداث الخطيرة التي تعيشها فرنسا. وهذا التجاذب يظهر بقوة على شاشات التلفزيون، وفي برامجها الحوارية حيث اللغة معلّبة والحجج المسوقة معروفة سلفاً بحيث يكفي التعرّف على هوية المتكلّم لتوقّع ما سيصدر عنه من غير عناء الاستماع إليه.