قيادي في «التغيير» لـ «الشرق الأوسط»: نؤسس لدولة محايدة بين الأديان والثقافات

إبراهيم الشيخ قال إن المناطق المهمشة فاقدة للثقة في النخبة ومن حقها التمسك بتقرير المصير

إبراهيم الشيخ متحدثا مع البرهان خلال الاعتصام أمام مقر القوات المسلحة السودانية في أبريل الماضي
إبراهيم الشيخ متحدثا مع البرهان خلال الاعتصام أمام مقر القوات المسلحة السودانية في أبريل الماضي
TT

قيادي في «التغيير» لـ «الشرق الأوسط»: نؤسس لدولة محايدة بين الأديان والثقافات

إبراهيم الشيخ متحدثا مع البرهان خلال الاعتصام أمام مقر القوات المسلحة السودانية في أبريل الماضي
إبراهيم الشيخ متحدثا مع البرهان خلال الاعتصام أمام مقر القوات المسلحة السودانية في أبريل الماضي

لا أحد يستطيع الجزم، بأن لرجل الأعمال إبراهيم الشيخ «استثمارات» على الأرض في جوبا عاصمة جنوب السودان، لكن الكل يقطع بأن للرجل الذي جمع ثروة مقدرة رغم أنف حكم الرئيس المعزول عمر البشير، «استثمارات سياسية» باسم «قوى إعلان الحرية والتغيير»، التي يمثلها في التفاوض الجاري منذ العاشر من ديسمبر (كانون الأول) الجاري ويشغل منصب متحدث مكتبها المركزي الرسمي، في رحلة البحث عن سلام «ضائع» يفقده السودان منذ ثلاثين عاماً.
راوغ «الشيخ» بذكاء لافت نظام الإنقاذ الذي انهار بثورة شعبية في أبريل (نيسان) الماضي، وكون ثروته متجاوزاً بذلك التعقيدات التي ظل يضعها النظام المعزول أمام رجال الأعمال الذين يعارضونه، ولم تحل الاعتقالات والاحتجازات الطويلة والمضايقات التي تعرض لها الرجل دون نجاح أعماله، ودون بروزه قياديا معارضاً ذائع الصيت.
يتزعم الشيخ حزباً معارضاً هو «حزب المؤتمر السوداني»، الذي «سرق» نظام البشير اسمه القديم «المؤتمر الوطني» بقوة الحديد والنار وعلى مرأى من الشهود، ثم لوث الاسم بسيرة شقية أذاقت السودانيين الويلات، ما يجعل استرداد الاسم المسروق بعد قرار حل «حزب المؤتمر الوطني» اتجارا في سلع كاسدة.
منذ العاشر من الشهر، ظل الشيخ ورفاقه في الحرية والتغيير والوفد الحكومي المفاوض، يتجولون في مساحة «ثلاثة» من أشهر فنادق جوبا «بيرميد، بالم آفريكا، وكراون»، يدخلون تفاوضاً ويخرجون من الآخر، بحثاً عن سلام ظل السودانيون يترصدونه في العواصم «الأجنبية».
يقول الشيخ بأن الجولات المكوكية بين الفنادق الثلاثة، راجعت ما تم إبرامه في جولات المفاوضات السابقة، والخاصة بإجراءات بناء الثقة، التي تتمثل في إطلاق سراح الأسرى والمسجونين السياسيين التابعين للحركات المسلحة المختلفة، ومسارات العون الإنساني وتقديم الإغاثات للمناطق المتأثرة بالحرب، ووقف الأعمال العدائية، والاتفاق السياسي مع الجبهة الثورية.
ويوضح الشيخ أن المراجعات التي جرت طوال الأسبوع الماضي، كشفت أن بعض ملفات إعلان جوبا لم تعالج بصورة نهائية، لأسباب «غير جوهرية وليست مقصودة لذاتها، بل بسبب عدم التواصل بالصورة المطلوبة، ما أخر توصيل المعونات الإنسانية لبعض مناطق الحركات، وعدم إطلاق سراح بعض الأسرى لعدم معرفة مواقع احتجازهم، لضعف المتابعة في السجون المختلفة».
ووفقاً لحديث الشيخ لـ«الشرق الأوسط»، فإن لجنة مشتركة تم تكوينها لتدارك قصور التنفيذ وإنفاذ إجراءات بناء الثقة بين الطرف الحكومي، والحركات المسلحة، ووضع قوانين ولوائح لضبط التداول في مسارات التفاوض المختلفة.
ويدور التفاوض بين وفد الحكومة الانتقالية التفاوضي، والحركات المسلحة وقوى الجبهة الثورية، وممثلين عن مناطق السودان المختلفة، في خمسة مسارات هي «مسار المنطقتين، مسار دارفور، مسار شرق السودان، مسار وسط السودان، ومسار شمال السودان».
يقول الشيخ: «مسار التفاوض مع الحركة الشعبية الشمال بقيادة عبد العزيز الحلو يجري معه تشاور لتقديم بدائل لخياراته المطروحة، كما انطلق مسار الوسط وتم تناول قضاياه وهمومه من قضايا التنمية والتعليم والصحة، وقضايا (الكنابي) في الجزيرة والأراضي والمشاريع الزراعية ونصيب المسار في الإيرادات الولائية والقومية، وتسلم ورقة مكتوبة عن كل قضايا المسار، للوصول لحل قومي لكل قضايا السودان».
ويرى الشيخ أن قضايا المناطق التي لا تشهد حروباً، مكانها الأفضل منبر قومي موحد يتعلق بالقضايا السياسية وقضايا التنمية المختلفة، ويستدرك بأن الجولة الأولى والثانية صنعت المسارات الحالية، ما جعلها أمراً واقعاً، دمج قضايا السلام والمسارات المختلفة.
ولا يرفض الشيخ ما تم الاتفاق عليه، ويقول إن ما أبرم في الجولات السابقة من التفاوض، تحول لالتزام لا يضير مسار السلام حال التعاطي معه بموضوعية مستندة على الحقائق والمعلومات، ويتابع: «المهم إيجاد حلول لقضايا المناطق المختلفة باعتباره حق أصيل لكل مجموعة ومواطن سوداني».
وعقّدت تباينات مكونات مسار شرق السودان التفاوض، ما دفع الوسيط الجنوب سوداني «توت قلواك» لتأجيل التباحث حوله، ويقول الشيخ: «مسار الشرق أحد المسارات التي حددت في الجولات السابقة، ووقع ممثلوه إعلان جوبا والاتفاق السياسي».
ويرجع تعقيد المسار إلى النزاعات المؤسفة في شرق البلاد، والتي حدثت بعد الجولة السابقة، ما دفع الحرية والتغيير والحكومة لزيارة الشرق ومدينة بورتسودان على وجه الخصوص، والتقاء الأطراف في «مؤتمر البجا، والقبائل والإثنيات المختلفة، النشطاء، والسياسيين»، ما كشف مشكلة كبيرة في شرق البلاد.
ولتلافي التوتر الذي راح ضحيته عدد من القتلى والجرحى، عقد في بورتسودان اتفاق صلح بين الأطراف المتنازعة عرف محليا بـ«القَلد» أو الهدنة المؤقتة، وقضى بضرورة مراجعة «اتفاقية أسمرا 2006» لشرق السودان، وصندوق شرق السودان المترتب عليها، وهو سبب تأجيل التفاوض من أجل تمثيل عادل لمكونات الإقليم، يقول الشيخ: «الاتجاه السائد هو حضور المجموعات الممثلة للإقليم لجوبا، للتحاور من أجل الوصول لقواسم مشتركة تحدد القضايا موضوع الخلاف وتحديد من يمثل الإقليم بالتراضي».
ويقطع الشيخ بأن هناك إجماعا بأن لـ«شرق السودان» قضية، ويعاني التهميش والفقر مثل كل الأقاليم المنسية، ما جعل من قضيته في مسار السلام الجاري، محاولة لإيجاد علاج جذري ضمن اتفاق سلام شامل يطفئ بؤر النزاع والصراع ويجنب إشكالات المستقبل.
وفي مسار المنطقتين «جبال النوبة والنيل الأزرق» وتمثله الحركة الشعبية لتحرير السودان بجناحيها بقيادة كل من عبد العزيز الحلو ومالك عقار، ويخوض كل منهما تفاوضا مستقلاً يقول الشيخ: «نطمح في تنسيق بين الطرفين، لكن الواضح أن هذا غير متاح، وقدر الوفد الحكومي التعامل مع طرفين على القضية الواحدة»، ويستطرد: «بوصول التفاوض لمرحلة مخاطبة جذور الأزمة ستكون هناك ثمة مساحة يلتقي عليها الطرفان بشأن القضايا الأساسية».
وتتمسك الحركة الشعبية الشمال جناح عبد العزيز الحلو على «دولة علمانية» في السودان، وتضع مقابل ذلك المطالبة بـ«حق تقرير المصير»، الذي قد يصل لمرحلة تكوين دولة مستقلة، يقول الشيخ: «لا نتعاطى مع القضيتين باعتبارهما سقفا تفاوضيا، بل قضايا مبدئية ذات أسباب موضوعية نتجت عن العسف والاضطهاد والقمع والقصف بالطيران الحربي والانتهاكات والتمييز العرقي والديني والثقافي ضد سكان المنطقة»، ويتابع: «الطبيعي أن ينزعوا للمطالبة بتقرير المصير ودولة علمانية، لأن المجموعات الدينية التي حكمت البلاد عبر الحقب المختلفة، لم تستطع التمييز بين حقوق المواطنة والمسافة بين الدين والدولة»، ويستطرد: «المؤسف أن هذه الانتهاكات تمت تحت عباءة الدين واستغلاله في السياسة، وتعاملنا مع هذه الملفات يجيء وفقاً لهذا المنظور».
ويرى الشيخ أن الالتزام بـ«دولة المواطنة» التي لا تميز المواطنين بسبب الدين ولا العرق ولا الثقافة هي الحل للنزاع، ويضيف: «القضية أن هذه المناطق فقدت الثقة في النخب الحاكمة التي لم تلتزم بدستور، رغم نص الدساتير الحقوق»، ويستطرد: «دستور السودان الانتقالي لسنة 2005، تضمن (وثيقة الحقوق) حوت أفضل توصيف لحفظ لحقوق الإنسان، لكن الدوس عليها بـ(البوت)، وعدم احترامها وسع هوة عدم الثقة».
ويراهن الشيخ على ثورة ديسمبر (كانون الأول) التي أسقطت نظام البشير والتغيير الذي أحدثته قائلا: «جاءت الثورة بقيم وشعارات تنبذ العنصرية والتمييز بين المواطنين، عززته مواكب الثوار طوال شهور الثورة، وبالتالي فالحكومة السودانية الحالية وإطارها السياسي «الحرية والتغيير» ملتزمون بتقديم قوانين وتشريعات ودستور وحوار تشيع قيم الاعتراف بالتنوع وتؤكد عليه، وتحفظها وتضمن تنفيذها في القوانين، بما يطمئن المجموعات المختلفة بأن هناك تغيير حقيقي»، ويضيف: «لن تكفي الكلمات المعسولة، بل يجب تحويل التغيير لواقع يلمسه الناس، يكفل المواطنة المتساوية، ووقوف الدولة على مسافة واحدة من الأديان كلها».
ويقطع بأن تحقيق هذه الأهداف تجعل من مطلب تقرير المصير بلا جدوى، لأنه في الأصل خيار بديل للعجز عن تحقيق دولة المواطنة، ويتابع: «لا نريد دستورا يحفظ الحقوق لتقيده بقوانين تنزع الحقوق الدستورية».
ووفقا للشيخ فإن النص على «علمانية الدولة» وحده ليس كافياً، ويقول: «النص دستورا على ذلك، مع تقييد الدستور بالقوانين يناقض القيمة الأساسية، وهي دولة المواطنة والحقوق»، ويضيف: «نريد النفاذ لجوهر القضايا دون التعلل بالمسميات»، ويستطرد: «نريد دولة تكفل الحقوق، ولا تميز بين المواطنين، وتحكمها قوانين لا تنتصر لدين على آخر، دولة متعددة الأديان والثقافات».
ويستطرد: «الدين الإسلامي موجود في قلوب أهل السودان، وبالتالي لا يستطيع أحد طرده من الصدور أو من المساجد أو الحياة اليومية للناس، أما الدولة فيجب أن تبقى محايدة بين كل المكونات، وتقف على مسافة واحدة من كل الأديان».
لم يبدأ التفاوض على مسار دارفور رغم أنه أحد أهم الملفات، وعنه يقول الشيخ: «أبلغنا الوسيط أن مسار دارفور بحاجة لثلاثة أيام، وممثلية ينظمون ورشة في دولة تشاد لصياغة رؤيتهم الكلية، وحتى اليوم السابع لم تقدم لنا اتفاق أو رؤية لمسار دارفور»، ويتابع: «ربما يكونوا قد تأخروا انجمينا بتشاد، أو ربما ألقت تعقيدات مسار الشرق بظلالها على مسار دارفور وأخرته، نحن بانتظار جدول جديد للمسارات لتنطلق المفاوضات مجدداً».
جدد المتفاوضون فترة سريان «إعلان جوبا» لشهرين إضافيين، وهو ما قدره مراقبون بأن التفاوض عاد لنقطة البداية، لكن الشيخ يقول: «تجديد إعلان جوبا تأكيد للرغبة في البحث عن السلام، فقد نص أن الطرفين سيدخلون مفاوضات 14 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ويوقعون اتفاقية سلام في 14 ديسمبر (كانون الأول) الجاري، لكن هذا لم يحدث حتى نهاية الجولة الثانية وبداية الجولة الثالثة وانتهى أجل الإعلان، فتم تجديده إلى 15 فبراير (شباط) المقبل، لارتباطه بالوثيقة الدستورية التي حددت الوصول لسلام في ستة أشهر من توقيعها في 17 أغسطس (آب) الماضي».
ويحذر الشيخ من مشكلة تواجه الجميع حال عدم الوصول لاتفاق سلام بحدود 15 فبراير (شباط) 2020. لأن عليهم مواجهة معضلة تعديل الوثيقة الدستورية، ويقول: «هذا هو التحدي الكبير الذي يواجه عملية السلام، ويستلزم إنجازه قبل نهاية إعلان جوبا، قبل الأجل المحدد بالوثيقة الدستورية 20 فبراير المقبل».
ويقارن الشيخ بين اتفاقية «نيفاشا» والمفاوضات الجارية، ويقول: «المفاوضات الراهنة مختلفة، لأن نيفاشا كانت بين طرفين، أما المفاوضات الحالية فقد جعلت الوسيط الجنوبي يعمل في واقع معقد، فهو يدير الوساطة بين مجموعات متباينة وملفات ومسارات مختلفة، ما يصعب من مهمته.
ولا يحمل الشيخ الوساطة أي مسؤولية على بطء التفاوض، ويقول: «لا يمكن إلقاء اللوم على الوساطة، بل هي مسؤولية الأطراف السودانية»، ويستطرد: «هذا ما يضطر الوساطة لعدم التعامل بالحسم ورفع العصا بوجه المتفاوضين، فالوسيط يتعامل مع الأطراف في المسارات المختلفة، لأن تعقيدات التفاوض سببها طبيعة الوفود المكونة من حركات مسلحة وحركات مدنية بمسارات متعددة، وفي المشهد الكلي فإن المجموعات المتفاوضة هي سبب البطء وليس بسبب الوساطة، أو ضعف يشوب أداءها».
وفي تفسيره لضعف الوجود الدولي والإقليمي في المفاوضات يقول: «حتى نهاية الجولة الثانية لم يكن هناك أي وجود دولي، رغم وعي الأطراف وخاصة حملة السلاح بضرورة مظلة إقليمية ودولية ترعى السلام، وتحصنه وتدعمه ماديا، أو بالرأي والمشورة، وتقدم التسهيلات اللازمة بوجه التعقيدات».
ويضيف: «حكومة السودان لم تكن راغبة بوجود وسطاء كثر في التفاوض، لذلك قبلت بالتفاوض في جوبا، ومؤخراً وافقت على دور للاتحاد الأوروبي ويوناميد بالمشاركة في سكرتارية التفاوض»، ويستطرد: «في ظني هذا هو السبب الرئيسي ومعه أسباب أخرى من المجتمع الدولي لا أريد الخوض فيها الآن».
وغادر جوبا عائدا إلى الخرطوم أول من أمس، عدد من العسكريين المشاركين في الوفد التفاوضي بما فيهم وزير الدفاع ما أحدث إرباكاً للمراقبين، يقول عنه الشيخ: «من غادروا عسكريون معنيون بالترتيبات الأمنية، ولأنها لم تنطلق باعتبارها آخر الملفات، إضافة لحاجة وجودهم في وحداتهم، لأن غيابهم القيادي الطويل عن وحداتهم مؤثر».
غادر العسكريون ووصل جوبا عضوا مجلس السيادة ياسر العطا وعائشة موسى، ووزير العدل عبد الباري مفرح، لدعم وتعزيز فريق التفاوض الحكومي، وليقدم مشورة قانونية حول «علمانية الدولة»، والتشاور مع اللجنة الفنية للتشريعات والقوانين، يقول الشيخ: «تواجهنا العديد من القضايا القانونية التي تستلزم وجوده وزير العدل».
ويستطرد الشيخ: «رغم التعقيدات فإن الفشل بالوصول لسلام في وقت وجيز كما كان يتردد، يكشف عدم دقة التقديرات الأولية بحدوث السلام في ظرف أسابيع، وأن مطالبة الحركات المسلحة بإرجاء تشكيل هياكل الحكومة الانتقالية، لما بعد التفاوض مع المجلس العسكري الانتقالي على الترتيبات الأمنية كان تقديرا غير دقيق»، ويضيف: «نحن نرى مباحثات السلام معقدة ولا يمكن إنجازها في شهرين ناهيك عن أسبوعين، لكنهم صوروا لنا سهولة الأمر، ومع أننا لم نستطع شراء هذه السلعة منهم بهذه الطريقة، لكن هذا ما حدث»، ويتابع: «رغم التعقيدات حققت الجهود الأولى وقف العدائيات الدائم وأدت لإعلان جوبا بكل تعقيداته، وحققت الإعلان السياسي، ما يرسل رسائل إيجابية، ومع أننا لم نحقق السلام حتى الآن لكن لا توجد رسائل سلبية، وما زال الأمل يملأنا بأن ثمة فرصا متاحة، لو زالت غشاوة عدم الثقة وأقبلنا على القضايا الجوهرية بعيدا عن الذاتية أو التفكير الرغائبي لننجز السلام خلال الشهرين المتبقيين».



مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
TT

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)

تحوَّل مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» في اليمن إلى نموذج للتدخل المزدوج، بتوفير فرص عمل، ومساعدة المزارعين في مواجهة انعدام الأمن الغذائي من جهة، وتنمية زراعة البن بوصفه محصولاً تراثياً واستراتيجياً.

ونجح مشروع ينفِّذه «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في محافظة تعز (جنوب غربي البلاد)، بتمويل من البنك الدولي، في خلق فرص عمل مباشرة لأكثر من 43 ألف شخص، بينهم 4 آلاف امرأة، عبر 1.3 مليون يوم عمل، وتوفير 200 ألف متر مكعب من المياه داخل خزانات مستحدثة، وتحسين 8351 هكتاراً من الأراضي.

ومكَّن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» الذي ينفِّذه، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، بتمويل من البنك الدولي، 17 ألف مزارع من استعادة القدرة على استغلال أراضيهم بكفاءة، إلى جانب دعم المزارعين في مناطق إنتاج القهوة، خصوصاً في محافظة تعز، من خلال إنشاء بنية تحتية مائية تقلل من أثر تراجع الأمطار.

يركِّز المشروع، بحسب تقرير صادر عن البرنامج الأممي، على إنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار، تُستخدَم خلال فترات الجفاف؛ لضمان استمرارية الري، وفي مديرية صبر الموادم، جرى إنشاء خزانين بسعة 400 متر مكعب لكل منهما.

يمنية تعرض عيّنة من محصول البن الذي أنتجته مزرعتها (الأمم المتحدة)

وطبقاً لبيانات المشروع، فإنَّ المزارعين الذين تمكَّنوا من الوصول إلى هذه الموارد سجَّلوا تحسناً ملحوظاً في إنتاجهم خلال الموسم الأخير، مقارنة بغيرهم ممَّن ظلوا يعتمدون على الأمطار غير المنتظمة.

يستند المشروع إلى تمويل تقديري يبلغ 64 مليون دولار أميركي، وتغطي تدخلاته 47 مديرية في عدد من المحافظات اليمنية، خصوصاً المناطق الأكثر هشاشة زراعياً، ومن المقرر أن تستمر أعماله حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

تحسين البنية التحتية

ويأتي المشروع بتمويل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ويُنفَّذ ضمن شراكة يقودها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، إلى جانب «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي»، ضمن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن».

خزان مياه بناه مشروع أممي لمساعدة المزارعين في تعز على استدامة الإنتاج (الأمم المتحدة)

ويركز «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التغيُّرات المناخية، بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.

يقول سعيد الشرجبي، المهندس الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ زراعة البن في اليمن بحاجة إلى حزمة من الإجراءات الخاصة بالبنية التحتية، مثل ربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية والطرق الزراعية لتقليل تكاليف النقل، إضافة إلى الاستفادة منها فيما تُعرَف بالسياحة البيئية أو السياحة الزراعية.

ويدعو الشرجبي إلى إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء المشاتل لإنتاج شتلات البن، ووضع مواصفات فنية لها يتقيَّد بها القائمون على المشاتل، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، مثل الإنتاج والتسويق، وتصنيع مستلزمات الإنتاج من مواد صديقة للبيئة.

وشملت أنشطة المشروع تأهيل أكثر من 201 كيلومتر من الطرق الزراعية، ما أسهم في تسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم وأسواقهم، وإنشاء وتحسين خزانات مياه بسعة إجمالية تجاوزت 200 ألف متر مكعب؛ لتقليل الاعتماد على الأمطار الموسمية، وتعزيز استقرار الري.

يمني في تعز يعدّ قهوة من محصول البن الذي تنتجه مزرعته (الأمم المتحدة)

وامتدت التدخلات إلى حماية الأراضي الزراعية، حيث تم تحسين وإعادة تأهيل نحو 8351 هكتاراً، وريّ أكثر من 13 ألف هكتار، وتطوير أكثر من 110 آلاف متر من قنوات الري؛ بهدف رفع كفاءة التوزيع والحدِّ من الفاقد.

ووفَّر المشروع أكثر من 1.3 مليون يوم عمل وفق بيانات البرنامج الأممي، منها نحو 130 ألف يوم لصالح النساء، بينما تمكَّن أكثر من 22 ألف مزارع من تحسين حصولهم على المياه.

إعادة إحياء الأرياف

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من برنامج أوسع تموله المؤسسة الدولية للتنمية، الذراع التمويلية الميسّرة للبنك الدولي، ويُنفَّذ بالشراكة مع عدد من الوكالات الدولية، بينها «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي».

ولفتت هذه التحولات الزراعية أنظار كثير من المجتمعات الريفية التي تأثرت بالتغيُّرات المناخية، حيث يسعى كثير من المزارعين إلى الحصول على تمويل لمساعدتهم على تغيير وتطوير أنشطتهم الزراعية؛ لمواجهة مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

عاملون في تعز يفحصون حبوب البن لفرزها قبل البدء بتسويقها (الأمم المتحدة)

ويشير سمير المقطري، وهو مهندس زراعي وموظف حكومي، إلى أنَّ كثيراً من الأراضي الزراعية في ريف محافظة تعز باتت مهجورة إما بسبب شح المياه، أو الهجرة الداخلية بحثاً عن الخدمات، وهو ما يهدِّد بتدهورها وانهيارها بفعل أمطار غزيرة مفاجئة بعد سنوات من الجفاف والتصحر.

ويطالب المقطري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الجهات المعنية، الحكومية والأممية والدولية، بتوسيع نطاق المشروعات الداعمة لتعزيز الأمن الغذائي، وانتهاز فرصة تخلي آلاف المزارعين عن نبتة القات؛ لدعم استبدال شجرة البن بها، خصوصاً أن الظروف البيئية والمناخية لنموهما متشابهة إلى حدّ كبير.

وتُظهر النتائج الأولية أن تحسين إدارة المياه يمثل عاملاً حاسماً في حماية زراعة البُن، التي تعتمد تقليدياً على الأمطار المتقلبة، كما تسهم هذه التدخلات في الحد من خسائر المحاصيل، وتحسين استقرار دخل المزارعين، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.

Your Premium trial has ended


الحوثيون يطلقون أسماء قتلاهم على مدارس في صنعاء

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يطلقون أسماء قتلاهم على مدارس في صنعاء

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)

تشهد العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، موجةً جديدةً من التغييرات في القطاع التعليمي، مع إقدام الجماعة الحوثية على تعديل أسماء عدد من المدارس الحكومية والأهلية، في إطار سياسة الجماعة لإعادة تشكيل الوعي المجتمعي وفق توجهات آيديولوجية بصبغة طائفية.

وقالت مصادر تربوية إنَّ هذه الإجراءات لا تقتصر على تغيير الأسماء، بل تمتد إلى إعادة صياغة البيئة التعليمية، بما يشمل الأنشطة الثقافية والمضامين التربوية، في سياق سعي الجماعة لترسيخ خطاب فكري أحادي داخل المؤسسات التعليمية، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وطالت التعديلات الحوثية مدارس معروفة بأسمائها التاريخية، حيث جرى استبدال أسماء شخصيات مرتبطة بالجماعة أو قتلى سقطوا في صفوفها، بأسماء تلك المدارس. ومن أبرز الأمثلة، تغيير اسم مدرسة «آزال الوادي» في مديرية الوحدة إلى اسم أحد قتلى الجماعة المعروف بـ«أبو زعبل»، إضافة إلى تغيير اسم مدرسة «موسى بن نصير» في مديرية معين إلى اسم «هاني طومر».

طلبة خلال طابور الصباح في مدرسة بصنعاء (إ.ب.أ)

وأثارت هذه الخطوة استياءً واسعاً في الأوساط التربوية والطلابية، حيث عدّها معلمون وأولياء أمور محاولةً لطمس الهوية التعليمية والوطنية، مشيرين إلى أنَّ أسماء المدارس تمثل جزءاً من الذاكرة الثقافية، وأنَّ تغييرها يعكس توجهاً نحو «حوثنة» المؤسسات التعليمية، وفرض رموز ذات دلالات طائفية.

تعديلات موازية

وأكد عاملون في القطاع التربوي أنَّ قرارات تغيير الأسماء رافقها إدخال تعديلات على الأنشطة المدرسية والمحتوى الثقافي، بما يعزِّز خطاباً فكرياً موجَّهاً داخل المدارس. ويرى مختصون أنَّ هذه التغييرات قد تسهم في تقليص مساحة التنوع الفكري، وتحويل المؤسسات التعليمية إلى أدوات لنشر توجهات آيديولوجية.

من جهتهم، عبَّر طلاب في المدارس المستهدفة عن امتعاضهم من هذه الإجراءات، مؤكدين أنَّ التعليم يجب أن يبقى بعيداً عن أي توظيف سياسي أو طائفي. كما أبدى عدد من أولياء الأمور قلقهم من هذه التحولات، مشيرين إلى توجه بعضهم لنقل أبنائهم إلى مدارس أخرى، رغم محدودية الخيارات المتاحة.

تحذيرات أممية

تتزامن هذه التطورات مع أزمة تعليمية عميقة في اليمن، حيث يعاني القطاع من تدهور البنية التحتية، وانقطاع رواتب المعلمين، ونقص حاد في الموارد.

وفي هذا السياق، كشفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) عن أنَّ نحو 3 ملايين و200 ألف طفل في اليمن خارج مقاعد الدراسة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه العملية التعليمية.

الحوثيون يجبرون منتسبي الجامعات والمدارس على تمجيد زعيم الجماعة (إكس)

وأوضحت المنظمة أنَّها تعمل خلال عام 2026 على إعادة أكثر من 172 ألف طفل إلى المدارس، إلى جانب توزيع مستلزمات تعليمية على أكثر من 316 ألف طالب، ودعم نحو 1200 معلّم عبر برامج تدريب وتأهيل مهني. إلا أنَّ هذه الجهود تصطدم بواقع معقد، في ظلِّ استمرار النزاع، وتداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية.

ويحذِّر مراقبون من أنَّ استمرار التلاعب بالعملية التعليمية، سواء عبر تغيير الأسماء أو المناهج، قد يؤدي إلى تعميق الانقسام المجتمعي، وتقويض فرص التعافي، مؤكدين أنَّ تحييد التعليم عن الصراعات يمثل شرطاً أساسياً لحماية مستقبل الأجيال.


مكافأة أميركية بقيمة 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن قائد «كتائب سيد الشهداء» العراقية

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

مكافأة أميركية بقيمة 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن قائد «كتائب سيد الشهداء» العراقية

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

عرضت وزارة الخارجية الأميركية مكافأة تصل إلى عشرة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن الأمين العام لـ«كتائب سيد الشهداء» العراقية المسلحة المدعومة من إيران هاشم فنيان رحيمي السراجي، التي تعتبرها واشنطن منظمة إرهابية.

وقالت وزارة الخارجية في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، الخميس، إن البحث جارٍ عن السراجي المعروف أيضاً باسم أبو آلاء الولائي، وفقاً لما أوردته وكالة الصحافة الفرنسية.

وجاء في المنشور أن «كتائب سيد الشهداء»، «قتلت مدنيين عراقيين وهاجمت منشآت دبلوماسية أميركية في العراق، بالإضافة لمهاجمة قواعد عسكرية أميركية وأفراد في العراق وسوريا».

وعرض المنشور إمكان الإقامة في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى المكافأة المالية لمن يدلي بمعلومات عنه.

والسراجي أحد قادة تحالف «الإطار التنسيقي» المؤلف من أحزاب شيعية مقرّبة من إيران ويشكّل الكتلة الأكبر في البرلمان.

وتستهدف جماعات مدعومة من إيران السفارة الأميركية في بغداد ومنشآتها الدبلوماسية واللوجستية في المطار، بالإضافة إلى حقول نفط تديرها شركات أجنبية.

ولم يسلم العراق من تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، التي استمرت أكثر من 40 يوماً. وخلالها، تعرّضت مقار للحشد الشعبي ولفصائل عراقية مسلحة موالية لإيران لغارات منسوبة للولايات المتحدة وإسرائيل، فيما استهدفت مصالح أميركية بهجمات تبنتها فصائل عراقية، ونفّذت طهران ضربات ضد مجموعات إيرانية كردية معارِضة في شمال البلاد.

وكثّفت واشنطن ضغطها على بغداد لمواجهة الفصائل الموالية لطهران من خلال تعليق شحنات النقد وتجميد تمويل برامج أمنية في العراق.