«آراء الحكام» تمنح البريطاني جوشوا نزال «بطولة العالم للملاكمة»

البطل جاهز للمواجهة الثالثة... والملاكم المكسيكي بحسرة: زاد وزني كثيراً ولم أستعد جيداً

جوشوا انهال على رويز بلكمات لم يستطع تفاديها خلال جولات الحسم (أ.ب)  -  لحظة نصر جوشوا في ميدان الدرعية لن ينساها (رويترز)
جوشوا انهال على رويز بلكمات لم يستطع تفاديها خلال جولات الحسم (أ.ب) - لحظة نصر جوشوا في ميدان الدرعية لن ينساها (رويترز)
TT

«آراء الحكام» تمنح البريطاني جوشوا نزال «بطولة العالم للملاكمة»

جوشوا انهال على رويز بلكمات لم يستطع تفاديها خلال جولات الحسم (أ.ب)  -  لحظة نصر جوشوا في ميدان الدرعية لن ينساها (رويترز)
جوشوا انهال على رويز بلكمات لم يستطع تفاديها خلال جولات الحسم (أ.ب) - لحظة نصر جوشوا في ميدان الدرعية لن ينساها (رويترز)

تغلب الملاكم البريطاني أنتوني جوشوا على أندي رويز الابن بالنقاط بإجماع آراء الحكام في إعادة لنزال على بطولة العالم في الوزن الثقيل أقيم بالسعودية فجر أمس، ليستعيد الألقاب التي خسرها لصالح منافسه المكسيكي الأميركي، في مفاجأة في يونيو (حزيران) الماضي.
وأقيم النزال في الدرعية بالسعودية على ألقاب الاتحاد الدولي للملاكمة، ورابطة الملاكمة العالمية، ومنظمة الملاكمة العالمية، ومنظمة الملاكمة الدولية، وبدأ جوشوا بقوة ليظهر أنه تعلم من كابوس نيويورك.
واحتسب الحكام النتيجة 118 - 110 و118 - 110 و119 - 109 لصالح جوشوا، البالغ عمره 30 عاماً بعد 12 جولة.
وقال رويز بعد 6 أشهر من انتهاء استحواذه على الألقاب، وذلك عقب الهزيمة أمام 15 ألف متفرج: «كانت هذه ليلته». ورحّب جوشوا باقتراح رويز إقامة نزال ثالث بين الملاكمين. وقال البطل الفائز: «إذا أصغيتم إلى الأمر فسنقيم نزالاً ثالثاً».
وكان رويز أوقف جوشوا، الذي لم يكن قد خسر أي نزال، في الجولة السابعة في ماديسون سكوير جاردن، لكن لم يتمكن هذه المرة من التفوق. وتعرض رويز لجرح أعلى عينه اليسرى في وقت مبكر من النزال، كما نزف جوشوا في الجولة الثانية. ومع استمرار النزال ظهر رويز محبطاً وتعرض لأكثر من تحذير بسبب توجيه لكمات غير قانونية. وأكد رويز أنه كان يحتاج إلى توجيه ضربة قاضية، لكنه لم ينجح. ووصف جوشوا، الذي حقق فوزه 23 مقابل هزيمة وحيدة، الخسارة في يونيو بأنها لا تعد أكثر من مجرد «انتكاسة بسيطة».
لكن هذه المرة كان جوشوا، الفائز باللقب الأولمبي عام 2012 على مستوى التوقعات، وردّ على الانتقادات التي طالته بعد الهزيمة السابقة، والتي وصلت إلى أن البعض اعتبره قد انتهى. ورفض رويز البحث عن مبررات بعد الهزيمة، لكنه قال: «أعتقد أني لم أستعد بالشكل المناسب. زاد وزني كثيراً، لكن لا أبحث عن أعذار. لقد فاز وتفوق خلال النزال». وأضاف رويز: «إذا خضنا نزالاً ثالثاً فسأجعل نفسي في أفضل حالة في مسيرتي».
وبعيداً عن الأضواء بعض الشيء، قاتل الأميركي مايكل هانتر والروسي المخضرم ألكسندر بوفتكين قبل أن ينتهي النزال بينهما بالتعادل في منافسات الوزن الثقيل برابطة الملاكمة العالمية. وفاز البريطاني ديليان وايت على البولندي ماريوش فاخ بإجماع آراء الحكام في نزال آخر. وقال وايت، البالغ عمره 31 عاماً، الذي عوقب بالإيقاف بشكل مؤقت في يوليو (تموز) بسبب نتيجة اختبار بول قبل أن تبرئه الوكالة البريطانية لمكافحة المنشطات يوم الجمعة: «لقد تعرضت لفترات صعبة في آخر شهرين لكننا عدنا».
ونجح جوشوا في استعادة ألقاب الجمعية العالمية، والمنظمة العالمية، والاتحاد الدولي للملاكمة، التي تنازل عنها في يونيو الماضي في نيويورك بخسارته أمام رويز بالضربة القاضية خلال الجولة السابعة. وقدّم جوشوا مباراة مميزة، تفوق فيها بعدد النقاط 118 - 110 من قبل حكمَين اثنين و119 - 109 من قبل الحكم الثالث، ليحسم المباراة لصالحه تحت ناظري ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في لقاء أطلق عليه اسم «نزال الدرعية التاريخي».
واستعاد جوشوا مكانته في هذه الفئة، فاتحاً الباب أمام المواجهات التي ستضخ الأموال أمام بطل المجلس العالمي للملاكمة الأميركي ديونتاي وايلدر، أو مواطنه تايسون فيوري.
وقال البريطاني، البالغ من العمر 30 عاماً بعد الفوز الذي رفع من خلاله اللقب العالمي للمرة الثانية في مسيرته: «المرة الأولى كانت جميلة جداً، لذا كان عليّ القيام بالأمر مرة جديدة». وخاض جوشوا النزال وهو أقل 20 كيلوغراماً من منافسه؛ حيث خسر كثيراً من الوزن منذ المواجهة السابقة بينهما، إذ دخل النزال الذي يعتبر الاختبار الأهم في مسيرته وهو يزن 107.5 كيلوغرام، خلافاً لرويز الذي كسب وزناً منذ مواجهة نيويورك حيث بلغ وزنه الجمعة 128.36 كيلوغرام.
وبلغ وزن جوشوا 112.4 كيلوغرام في يونيو الفائت، لكنه خسر من وزن العضل من أجل أن يحسن تحركاته على الحلبة. وكانت نتيجة يونيو قد شكلت إحدى أكبر المفاجآت المدوية في تاريخ الملاكمة، وسقط خلالها جوشوا، الذي يعد أفضل الملاكمين حالياً، وحامل ذهبية أولمبياد لندن 2012، على البساط 4 مرات قبل أن يعلن الحكم حسم النزال لصالح رويز، بعد مرور دقيقة و26 ثانية على بداية الجولة السابعة.
وأوضح الملاكم البريطاني الذي فاز في مسيرته بـ23 نزالاً، منها 21 بالضربة القاضية، من أصل 24 خاضها: «لقد اعتدت على التفوق على المنافسين، أدركت أنني آذيته، لكنه تمكن من التغلب علي». وتابع: «لا توجد أعذار، لكني قلت لنفسي إني سأقوم بتصحيح هذا الأمر والعودة مجدداً (لمواجهة رويز). لقد أردت فقط أن أقدم عرضاً ممتازاً، وأظهر العلم الجميل لهذه الرياضة النبيلة. توجيه الضربات وعدم تلقيها». وتابع: «لكن في حال خضنا نزالاً ثالثاً، يمكنكم أن تراهنوا على أنني سأكون في أفضل لياقة ممكنة»، مقراً بأن زيادة وزنه «أثرت كثيراً. افترضت أنها ستمنحني شعوراً بالقوة، لكني سأستعد بشكل أفضل للنزال المقبل».
وفرض جوشوا أفضليته منذ بداية النزال، وتحرك بشكل أفضل في مواجهة منافسه، معتمداً على عنصر المراوغة واللكمات المباغتة التي أدت إحداها باليد اليمنى إلى التسبب بجرح فوق العين اليسرى لرويز. وبقيت الأمور على حالها في الجولات الـ12، ولم يتمكن الملاكم الأميركي المكسيكي من إظهار اللمحات التي أتاحت له الفوز في النزال السابق بينهما. وانتظر رويز حتى الجولة الثامنة لتوجيه لكمة قوية إلى جوشوا أخلت بتوازنه، لكن تأثيرها كان محدوداً على البريطاني الذي تمكن من العودة سريعاً إلى أسلوبه التكتيكي والحفاظ على أفضليته حتى النهاية.
ولم يحسم جوشوا ما إذا كان سينافس وايلدر على لقب المجلس العالمي، مشيراً إلى أنه منفتح على ذلك، لكن لن «يطارد» الأميركي لمواجهته. وأوضح: «سنرى ما سيحدث. مطاردة هذا النزال (ضد وايلدر) لم تكن لصالحي، لذا سأدع الأمور تأخذ مسارها. عندما تصبح الفرصة متاحة لأكون بطلاً عالمياً موحداً في الوزن الثقيل، سأقوم بذلك». وأقيمت المباراة الثأرية في حلبة تتسع لـ15 ألف شخص تم بناؤها لاستضافة الحدث في الدرعية التي تضم الطريف، الموقع المدرج على قائمة التراث العالمي لليونيسكو، على مشارف العاصمة الرياض. ورشحت العاصمة الويلزية كارديف لاستضافة النزال على ملعب «برينسيباليتي ستاديوم»، لكن السعودية تفوقت عليها ضمن مسعاها لتعزيز مكانتها العالمية على الساحة الرياضية لاستضافة النزال.
وعلق رئيس الهيئة العامة للرياضة في السعودية الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل على إقامة النزال في الدرعية بالقول: «نفخر جميعاً كسعوديين أن استطعنا تنظيم حدث عالمي وكبير كهذا النزال التاريخي، وهذا لم يكن ليحصل لولا الدعم غير المسبوق والمتواصل» من القيادة السعودية المتمثلة بالملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان.


مقالات ذات صلة

مكغريغور يأمل في العودة إلى الحلبة سريعاً

رياضة عالمية كونور مكغريغور بطل الفنون القتالية المختلطة (أ.ب)

مكغريغور يأمل في العودة إلى الحلبة سريعاً

قال كونور مكغريغور إنَّه سيخضع لجراحة في الركبة، معرباً عن أمله في العودة سريعاً إلى منافسات الفنون القتالية المختلطة.

«الشرق الأوسط» (لاس فيغاس (الولايات المتحدة))
رياضة سعودية المنتخب السعودي اختتم مشاركته في بطولة براغا المفتوحة للملاكمة (الاتحاد السعودي للملاكمة)

المنتخب السعودي للملاكمة يحصد 17 ميدالية في بطولة براغا المفتوحة

اختتم المنتخب السعودي للملاكمة مشاركته في بطولة براغا المفتوحة للملاكمة 2026، المقامة في البرتغال، محققاً 17 ميدالية.

«الشرق الأوسط» (براغا (البرتغال))
رياضة عالمية نزال «العودة» سيقام يوم 25 يوليو الحالي في جدة (موسم الرياض)

تركي آل الشيخ يكشف تفاصيل بطاقة النزالات المصاحبة لحدث «العودة» في جدة

أعلن تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه ورئيس الاتحاد السعودي للملاكمة، تفاصيل بطاقة نزال «العودة» الذي يقام يوم السبت 25 يوليو الحالي في جدة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
رياضة عالمية ماكس هولواي يوجه لكمة إلى ماكغريغور خلال الجولة الأولى من نزالهما في وزن المتوسط (أ.ف.ب)

ماكغريغور يخسر بعد 69 ثانية فقط في عودته إلى نزالات «إم إم إيه»

خسر الآيرلندي كونور ماكغريغور، المتوج سابقاً باللقب العالمي مرتين، أمام الأميركي ماكس هولواي بعد 69 ثانية فقط من انطلاق النزال بسبب إصابة في ركبته اليمنى السبت.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس (الولايات المتحدة))
رياضة عالمية الخميس سيُعقد مؤتمر صحافي للحديث عن أسبوع النزال (الشرق الأوسط)

السعودية: هتان السيف تخوض أول نزال احترافي أمام الجزائرية دانية أوحاشي

تستعد العاصمة السعودية الرياض لاستقبال فعاليات أسبوع النزال لبطولة رابطة المقاتلين المحترفين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

لولوة العنقري (الرياض)

«مونديال 2026»: توقيف 141 شخصاً في باريس وضواحيها

إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)
إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)
TT

«مونديال 2026»: توقيف 141 شخصاً في باريس وضواحيها

إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)
إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)

أُوقِف 141 شخصاً، ليل الثلاثاء-الأربعاء، في باريس وضواحيها، على هامش الاحتفالات المرتبطة بمواجهة فرنسا وإسبانيا في الدور نصف النهائي من «مونديال 2026»، وفق حصيلة أولية صادرة عن مديرية شرطة باريس.

وأوضحت المديرية أن هذه التوقيفات مرتبطة، بشكل رئيس، «لاستخدام مقذوفات الألعاب النارية الموجهة ضد قوات الأمن وخدمات الطوارئ». ووفق المصدر نفسه، لم تُسجَّل إصابات خطرة.

وأُقصي المنتخب الفرنسي من المربع الذهبي للعرس الكُروي العالمي بخسارته أمام إسبانيا 0-2. وفي العام الماضي، وفي التاريخ نفسه، أُوقِف 175 شخصاً. وخلال ليلة 13- 14 يوليو (تموز) الحالي، «أُوقف 98 شخصاً، مقابل 176» العام الماضي.

ونُشر نحو 7000 عنصر من الشرطة والدرك في باريس وضواحيها يومي 13 و14 يوليو.


بصافرة مغربية وهوية أميركية... إسماعيل الفتح يكتب فصلاً جديداً في صراع «الأسود» و«التانغو»

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
TT

بصافرة مغربية وهوية أميركية... إسماعيل الفتح يكتب فصلاً جديداً في صراع «الأسود» و«التانغو»

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)

حين تُسند إدارة قمة كروية ساخنة بحجم مواجهة إنجلترا والأرجنتين في نصف نهائي كأس العالم، فإن القرار لا يحمل في طياته مجرد صافرة تدير تسعين دقيقة من الركض، بل يفتح الباب واسعاً أمام قراءة في كتاب التاريخ وقصص الكفاح الإنساني.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)

هذا هو حال الحكم الأميركي ذي الأصول المغربية إسماعيل الفتح، الذي وجد نفسه تحت مجهر الصحافة البريطانية والأرجنتينية على حد سواء، ليس فقط كقاضٍ لواحدة من أكثر المواجهات إثارة وتاريخية في عالم كرة القدم، بل كفأل حسن دائم يرافق قائد «التانغو» ليونيل ميسي أينما حل وارتحل في الملاعب الأميركية والمونديالية.

من أزقة الدار البيضاء إلى الهندسة الميكانيكية

لم تكن طريق إسماعيل الفتح البالغ من العمر أربعة وأربعين عاماً مفروشة بالورود، فالرجل الذي ولد في أزقة الدار البيضاء المغربية عام 1982، غادر وطنه في سن الثامنة عشرة محملاً بحلم غامض بعد فوزه بقرعة تأشيرة التنوع الهجرة العشوائية عام 2001.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وفي الولايات المتحدة، لم يكتفِ الفتح بالبحث عن لقمة عيش تقليدية، بل واصل تحصيله الأكاديمي بجدية وعصامية لافتة، ليتخرج عام 2006 في جامعة تكساس العريقة حاملاً درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية، إلا أن عشق الساحرة المستديرة ظل يراوده ليتخذ قراره الجريء بدخول عالم التحكيم رسمياً عام 2011، شاقاً طريقه خطوة بخطوة في الدوري الأميركي للمحترفين حتى حصل على الشارة الدولية من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في عام 2016، وهو العام ذاته الذي دوّن فيه اسمه كأول حكم يقود مباراة رسمية تُطبق فيها تقنية الفيديو المساعد في الملاعب الأميركية.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

تميمة حظ ميسي وهواجس الصحافة البريطانية

وقد أحدث اختيار الفتح لموقعة نصف النهائي في أتلانتا ضجة كبرى في الأوساط الرياضية البريطانية، حيث أبدت الصحف اللندنية قلقاً بالغاً من تعيينه، واصفة إياه بالحكم المفضل لليونيل ميسي.

وتستند هذه الهواجس إلى إحصائية مثيرة للاهتمام، إذ إنه منذ انتقال البرغوث الأرجنتيني إلى صفوف إنتر ميامي الأميركي، أدار له الفتح خمس مباريات نجح ميسي في الفوز بها جميعاً.

وتوزعت هذه المواجهات بين بطولتين هما كأس الدوريات ضد فريقي شارلوت وناشفيل (والتي تُوج ميامي بلقبها)، والدوري الأميركي للمحترفين ضد ناشفيل، أورلاندو سيتي، ونيوانغلاند ريفولوشن، سجل خلالها ميسي ستة أهداف حاسمة.

ولا يتوقف هذا الرابط الروحي مع الكرة الأرجنتينية عند هذا الحد، بل يمتد إلى ليلة لوسيل التاريخية في مونديال قطر 2022، حين كان الفتح حكماً رابعاً في المباراة النهائية الأسطورية التي شهدت رفع ميسي لكأس العالم بعد التغلب على فرنسا بركلات الترجيح.

قمة التحليق القاري والعالمي وغضب إسباني

ويعتبر الفتح، اليوم، واحداً من حكام الصف الأول في المنظومة الدولية بفضل تراكم خبراته في المواعيد الكبرى، حيث أدار نهائي كأس العالم للشباب تحت عشرين عاماً في 2019، وشارك في أولمبياد طوكيو 2021، بالإضافة لثقة الفيفا به لقيادة قمم قارية كبرى مؤخراً؛ كنهائي كأس القارات للأندية بين باريس سان جيرمان وفلامنغو البرازيلي، ونهائي دوري أبطال الكونكاكاف.

ورغم هذا الصعود السريع، لم يخلُ مشواره من الجدل، فقبل هذه الموقعة المنتظرة، أثار تحكيمه في مباراة إسبانيا وأوروغواي (1-0) بالمونديال الحالي غضباً عارماً في الصحافة الإسبانية التي اتهمته بـ«التساهل المفرط» مع خشونة لاعبي أوروغواي تحت قيادة مارسيلو بيلسا، رغم قيامه بطرد لاعبهم أغوستين كانوبيو في نهاية اللقاء.

سجل مونديالي حافل بالنجاح في نسختين

ويعتبر المغربي الأميركي اليوم واحداً من حكام الصف الأول في المنظومة الدولية بفضل حضور هادئ وحازم في الملاعب الكبرى، وتجربة مونديالية ثرية تمتد عبر نسختين متتاليتين.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (إ.ب.أ)

ففي مونديال قطر 2022، قاد الفتح بنجاح ثلاث مباريات كحكم ساحة، استهلها بمواجهة البرتغال وغانا في دور المجموعات، ثم مباراة البرازيل والكاميرون، قبل أن يدير موقعة كرواتيا واليابان في ثمن النهائي، والتي حسمتها ركلات الترجيح.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (رويترز)

وفي النسخة الحالية لعام 2026، يواصل الحكم المغربي الأصل تألقه، حيث ستكون قمة إنجلترا والأرجنتين هي مباراته الرابعة في البطولة، بعد أن أدار بكفاءة عالية مباريات اليابان ضد هولندا (2-2)، وأوروغواي ضد إسبانيا (0-1) في المجموعات، ثم مواجهة البرازيل والنرويج (1-2) في دور الستة عشر.

تحدي أتلانتا وسلاح البطاقات الملونة

ويدخل إسماعيل الفتح تحدي أتلانتا على أرضية ملعب «مرسيدس بنز» محاطاً بطاقم أميركي خالص، وفي جعبته صرامة تكتيكية وأرقام تحكيمية واضحة تثير حذر المعسكرين.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وقد وجه الإعلام البريطاني رسائل تحذيرية للاعبي منتخب «الأسود الثلاثة» ومدربهم الألماني توماس توخيل من الاندفاع البدني الزائد، كون الفتح لا يتردد في إشهار البطاقات الملونة لضبط اللعب، وهو ما أظهره بوضوح خلال مبارياته السابقة في هذه النسخة.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وبين مهندس ميكانيكي صاغ نجاحه بدقة متناهية، وتطلعات ميسي لنهائي جديد، ورغبة إنجلترا في كسر العقدة، تتجه الأنظار صوب صافرة ابن الدار البيضاء الحامل لراية التحكيم الأميركي في واحدة من أعظم قمم الساحرة المستديرة.


هل يعيد التاريخ نفسه؟ كيف تحولت حرب الفوكلاند إلى ديربي الأرض بين الأرجنتين وإنجلترا؟

صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)
TT

هل يعيد التاريخ نفسه؟ كيف تحولت حرب الفوكلاند إلى ديربي الأرض بين الأرجنتين وإنجلترا؟

صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)

لم تكن كرة القدم يوماً مجرد لعبة بحدود مستطيلة لتسعين دقيقة، بل هي مرآة للشعوب، ومسرحاً تُصفى عليه الحسابات التي عجزت عنها أروقة الدبلوماسية. وفي مساء الأربعاء، الخامس عشر من يوليو (تموز) 2026، تتجه أنظار العالم صوب ملعب «مرسيدس بنز» في أتلانتا بالولايات المتحدة الأميركية، حيث يلتقي عملاقا الكرة الأرضية، الأرجنتين وإنجلترا، في نصف نهائي مونديال 2026، في مواجهة تتجاوز التكتيك الكروي لتنبش في دفاتر التاريخ الساخنة.

هذه الموقعة ليست مجرد بطاقة عبور للنهائي الكبير، إنها استدعاء مباشر لروح عام 1982، وتلك البقعة الصخرية الباردة في جنوب المحيط الأطلسي المعروفة بـ«جزر الفوكلاند» (أو المالوين كما يسميها الأرجنتينيون).

صورة ترصد الفرقاطة البريطانية «إتش إم إس برودسورد» وهي تبحر بجانب حاملة الطائرات «إتش إم إس هيرميس» في مياه جنوب المحيط الأطلسي خلال مشاركتهما في عمليات حرب الفوكلاند عام 1982 (ويكيبيديا)

النزاع العسكري العنيف الذي دار بين البلدين، والذي خلَّف جراحاً غائرة في الوجدان النرجسي لـ«التانغو» وسيادة «التاج البريطاني»، يعود ليفرض ظلاله السياسية والوجدانية على عقول اللاعبين والجماهير على حد سواء.

صورة توثق أكواماً من الأسلحة والمعدات العسكرية التي خلَّفها الجنود الأرجنتينيون وراءهم في العاصمة «بورت ستانلي» عقب استسلامهم للقوات البريطانية وانتهاء حرب الفوكلاند عام 1982 (ويكيبيديا)

صراع الجزر والسيادة: الجرح الذي لم تندمل ندوبه

في ربيع عام 1982، اندلعت حرب مباغتة دامت 74 يوماً بين بريطانيا والأرجنتين حول السيطرة على جزر الفوكلاند. انتهت المعارك بانتصار عسكري إنجليزي حاسم واستعادة لندن للسيطرة على الجزر، مما خلّف مئات الضحايا الأرجنتينيين، ومعهم مرارة وطنية جارفة في بوينس آيرس.

صورة التُقطت في 19 مايو 1982 تُظهر طائرات «هاريير جي آر 3» التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني وطائرات «سي هاريير إف آر إس 1» التابعة للبحرية الملكية مصطفَّةً على ظهر حاملة الطائرات «إتش إس هيرميس» خلال توجهها لخوض معارك حرب الفوكلاند (ويكيبيديا)

بالنسبة للأرجنتينيين، لم تكن الهزيمة العسكرية نهاية المطاف، بل تحولت «المالوين» إلى عقيدة شعبية وقضية أرض مغتصبة تُرجمت لاحقاً في كل محفل يجمع اللونين الأزرق السماوي والأبيض، ضد اللون الأبيض الإنجليزي.

صورة توثق أسرى الحرب الأرجنتينيين في العاصمة «بورت ستانلي» عقب استسلام القوات الأرجنتينية للقوات البريطانية في نهاية حرب الفوكلاند عام 1982 (ويكيبيديا)

من خنادق المالوين إلى عشب «أزتيكا»: معجزة مارادونا 1986

بين جيلَي مارادونا وميسي... هل تستمر تبعات أزمة فوكلاند عند مواجهة إنجلترا (رويترز)

لم ينتظر الأرجنتينيون طويلاً لتصفية الحساب الرمزي. ففي عام 1986، وعلى أرض المكسيك، التقى المنتخبان في ربع النهائي. هناك، تقمص الأسطورة الراحل دييغو أرماندو مارادونا دور «المنتقم الشعبي»، لم يكتفِ بإقصاء الإنجليز، بل فعل ذلك بطريقة تداخلت فيها الخديعة بالعبقرية الساحرة.

هدف مارادونا الذي لا يزال يعدُّ أكثر لقطات المونديال جدلاً في التاريخ (د.ب.أ)

من «يد الله» التي هزت شباك بيتر شيلتون، إلى هدف القرن الذي راوغ فيه نصف إنجلترا، صرّح مارادونا لاحقاً بوضوح: «كنا نقول إن المباراة لا علاقة لها بالحرب، لكننا كنا نعلم أن شباننا ماتوا هناك.. لقد كانت حرباً بالنسبة لنا».

هذا الإرث هو ما يمنح مواجهة اليوم ثقلاً دراماتيكياً لا يتكرر في أي ديربي آخر حول العالم.

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

لغة الأرقام تبوح بأسرارها: تفوق إنجليزي تاريخي تبدده عُقدة «الإقصاء» الأرجنتينية

لا تتوقف الإثارة عند حدود الجغرافيا والسياسة، بل تمتد إلى دفاتر «فيفا» التي تكشف عن صراع أرقام محموم، إذ التقى العملاقان تاريخياً في 15 مواجهة بين مونديالية وودية، تميل فيها الكفة الإحصائية العامة لصالح «الأسود الثلاثة» بستة انتصارات مقابل أربعة لـ«التانغو»، بينما خيّم التعادل على خمس مواجهات أخرى.

ورغم هذا التفوق الرقمي الإنجليزي في الحصيلة العامة، فإن الموازين النفسية والتاريخية تتبدل تماماً بمجرد وضع هذا التاريخ تحت مجهر الأدوار الإقصائية الحاسمة في كأس العالم.

منتخب إنجلترا (رويترز)

فمنذ موقعة عام 1966 المثيرة للجدل التي حسمتها إنجلترا على أرضها، عجز الإنجليز تماماً عن إقصاء الأرجنتين في أي دور لخروج المغلوب، حيث كانت الأرجنتين دائماً صاحبة الكلمة الدرامية العليا والضربة القاضية، سواء تجلى ذلك في عبقرية مارادونا الفذة وتمرده التاريخي في المكسيك عام 1986، أو عبر ركلات الترجيح القاتلة في فرنسا عام 1998 التي شهدت طرد ديفيد بيكهام وانكسار جيل بريطاني ذهبي كامل.

صورة مركَّبة تجمع بين حارس الأرجنتين إميليانو مارتينيز وحارس إنجلترا جوردان بيكفورد (أ.ف.ب)

هذا التناقض الصارخ بين التفوق الإنجليزي الشرفي وعقدة «الحياة أو الموت» أمام الأرجنتين، يمنح موقعة أتلانتا بعداً نفسياً مرعباً، يضع كتيبة توخيل أمام تحدي كسر اللعنة التاريخية، بينما يمنح رفاق ميسي ثقة متوارثة بأن الأرجنتين في مواجهات كسر العظم تظل دائماً الرقم الصعب الذي لا يلين.

أتلانتا 2026: رقصة ميسي الأخيرة في مواجهة طموح بلاد الضباب

في هذا المنعطف التاريخي من مونديال 2026، تبدو الحسابات الفنية معقدة ومشحونة بالطموحات الكبرى:

كتيبة الأرجنتين والدفاع عن العرش

يدخل رجال المدرب ليونيل سكالوني المباراة بصفتهم حاملي اللقب، وفي أذهانهم هدف واحد يتمثل في منح الأسطورة ليونيل ميسي نهاية سينمائية لقصته المونديالية الاستثنائية.

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

الأرجنتين التي عانت الأمرين للوصول إلى هذا الدور بعد تجاوزها عقبة سويسرا في ربع النهائي، ومصر في ثمن النهائي، بروح قتالية عالية، تعتمد على دهاء ميسي، وتحركات إيماليانو مارتينيز في حراسة المرمى، والشباب النابض في خط الوسط، لإحباط المخطط الإنجليزي.

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

طموح إنجلترا وإنهاء 60 عاماً من العقدة

على الجانب الآخر، يقف الألماني توماس توخيل، المدير الفني لمنتخب إنجلترا، الذي أعاد صياغة شخصية «الأسود الثلاثة» ببراعة وتطلّب صارم.

تسعى إنجلترا لإنهاء ستة عقود من العقدة التاريخية والغياب عن منصات التتويج العالمية منذ عام 1966.

الألماني توماس توخيل مدرب إنجلترا وقائده هاري كين (رويترز)

الفريق الذي يرتكز على صلابة النجم الشاب جود بيلينغهام، الذي قاد الفريق ببراعة أمام المكسيك والنرويج والهداف الخبير هاري كين، يرى في هذه الموقعة البوابة الشرعية لكتابة تاريخ جديد يتجاوز عقدة الماضي.

صراع العقول التكتيكية: سكالوني وتوخيل على رقعة الشطرنج

سكالوني في حديث مع القائد ميسي (رويترز)

المواجهة لن تكون داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل ستكون معركة تكتيكية معقدة بين عقلين مختلفين تماماً، إذ يراهن سكالوني على العاطفة الجياشة الممزوجة بالصبر التكتيكي، والتحولات السريعة التي تخدم عبقرية ميسي في الثلث الأخير.

توماس توخيل وجود بيلينغهام (رويترز)

في المقابل، يفرض توخيل أسلوباً براغماتياً صارماً، يركز على الهيمنة البدنية، والضغط العالي، واستغلال أنصاف الفرص عبر تحركات بيلينغهام القادم من الخلف.

صورة مركَّبة تجمع بين لاعب وسط إنجلترا جود بيلينغهام ومهاجم الأرجنتين لاوتارو مارتينيز (أ.ف.ب)

ستنطلق صافرة البداية في أتلانتا، ممتصةً كل صخب مدرجات «مرسيدس بنز»، لكنها لن تحجب أصوات الماضي الجاثم في الصدور. فالإنجليز يبحثون عن مجد كروي طال انتظاره، بينما يلعب الأرجنتينيون كعادتهم من أجل الكبرياء، ومن أجل ميسي، ومن أجل الأرواح التي غادرت يوماً في صقيع الفوكلاند.