زيادة الانبعاثات الكربونية تتسبب في نقص أكسجين البحار وانقراض الأسماك

ميركل تطالب بجعل أوروبا أول قارة محايدة مناخياً... والدالاي لاما يدعم الاحتجاجات

زيادة الانبعاثات الكربونية تتسبب في نقص أكسجين البحار وانقراض الأسماك
TT

زيادة الانبعاثات الكربونية تتسبب في نقص أكسجين البحار وانقراض الأسماك

زيادة الانبعاثات الكربونية تتسبب في نقص أكسجين البحار وانقراض الأسماك

كانت مظاهرة العاصمة الإسبانية بمثابة انفجار ضخم للمطالب المناخية التي كانت ترفعها المنظمات والهيئات المدنية، المحليّة والأجنبية، وتنديدها بتقاعس الحكومات في اتخاذ التدابير التي يدعو إليها الخبراء منذ سنوات، وتدعمها القرائن العلمية التي تحذّر من عواقب وخيمة، في حال عدم اتخاذها قبل فوات الأوان.
ذكر «الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة»، أمس (السبت)، في تقرير قدَّمه للمؤتمر العالمي لتغير المناخ في مدريد أن استنزاف الأكسجين في البحار يشكل تهديداً لمخزون الأسماك على نحو متزايد. وقال التقرير الذي يحمل عنوان «نقص الأكسجين في المحيطات: مشكلة الجميع»: «تتضرر نحو 700 من المناطق البحرية في مختلف أنحاء العالم» بسبب استنزاف الأكسجين. وذكر دان لافولي، وهو واحد من واضعي التقرير، أن التقرير يمثل دعوة للانتباه إزاء زيادة الانبعاثات الكربونية ونقص الأكسجين في المحيطات.
وتراجع الأكسجين في المحيطات يرجع لسببين رئيسيين، طبقاً للتقرير: الاحتباس الحراري والتلوث بمواد غذائية من الزراعة. وإذا ارتفعت درجات الحرارة في مياه البحر، يقل الأكسجين، كما أن تلوث المياه بمواد غذائية من مزارع الأسماك أو الأسمدة من الزراعة، لا سيما المناطق الساحلية، يؤدي إلى نمو الطحالب بشكل كبير، التي تستهلك الأكسجين.
وقالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إنه يتعين على جميع الشركاء في الاتحاد الأوروبي الالتزام بحماية المناخ، إذا كانت القارة الأوروبية تريد أن تتولى دوراً ريادياً في هذا المجال. وقالت ميركل في رسالتها الأسبوعية المتلفزة عبر الإنترنت، أمس (السبت)، إن ألمانيا تعتزم المساهمة في جعل أوروبا أول قارة محايدة مناخياً. وأضافت ميركل: «يعني هذا بالطبع حتمية مشاركة جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، لكن لم يقرر جميع الأعضاء ذلك بعد». وقالت المستشارة الألمانية قبل القمة الأوروبية المقررة في بروكسل يوم الخميس المقبل: «أنا متحمسة للغاية لما تطرحه المفوضة الأوروبية أوروزلا فون دير لاين والمفوضية». ودعمت ميركل إعلان فون دير لاين أنها تنظر إلى المفوضية الأوروبية الجديدة على أنها مفوضية جيوسياسية، وقالت: «هذا يعني أن تأثيرنا لا بد أن يلعب دوراً خاصّاً في الخارج، وأننا نعتزم أن نكون نموذجاً للآخرين في مجالات محددة، مثل حماية المناخ».
وأعرب الدالاي لاما عن دعمه أيضاً للمتظاهرين، إذ كتب على موقع «تويتر» «لا يمكننا بعد اليوم استغلال موارد الأرض (...) من دون أن نهتم بالأجيال المقبلة. أدعم مظاهرات الشباب ضدّ تقاعس الحكومات أمام الأزمة المناخية».
وكان لافتاً في المظاهرة التي جابت وسط العاصمة الإسبانية أن عدد البالغين فيها كان يوازي تقريباً عدد الشباب، وقدّر المنظّمون عدد الذين شاركوا فيها بنصف مليون.
ومنذ وصول الناشطة المناخية السويدية غريتا تونبرغ إلى مدريد، صباح الجمعة الماضي، وانطلاق المظاهرة الحاشدة التي دعت إليها المنظمات المدنية والهيئات الطلابية والشعبية، انتقل مركز الاهتمام من المقرّ الذي تنعقد فيه قمّة المناخ إلى شوارع العاصمة الإسبانية وعشرات العواصم الأخرى، من سانتياغو في تشيلي إلى مكسيكو، ومن جوهانسبورغ إلى دلهي وجاكارتا، حيث خرج مئات الآلاف يطالبون الحكومات بإجراءات عاجلة وفاعلة لمنع حدوث الكارثة المناخية المعلنة.
وبينما تحدث المنظمون عن نصف مليون مشارك، حددت الشرطة الوطنية الرقم بنحو 15 ألفاً، ولم يكن هناك في بادئ الأمر أي تفسير لهذا التباين الكبير. وتحدثت وسائل إعلام إسبانية، أمس (السبت)، عن «حرب أرقام».
وقالت إنه إذا كان عددهم حقاً 500 ألف متظاهر، ستكون واحدة من أكبر مسيرات المناخ في العالم حتى الآن. ويجتمع الموقعون على «اتفاق باريس للمناخ» الهادف للحد من زيادة درجة حرارة الأرض عند درجتين أو 1.5 درجة مئوية، بدءاً من غدٍ (الاثنين)، في مدريد.
كما انتقلت غالبية وسائل الإعلام من المقر الرسمي الذي تجري فيه أعمال مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة للمناخ إلى «القمّة الموازية»، التي تعقدها منظمات المجتمع المدني على هامش القمة الرسمية.
وفي مدريد، اضطرت الشرطة لإخراج تونبرغ من المظاهرة التي كانت تنطلق وسط المدينة، بعد أن تعذّر عليها مواصلة طريقها بين الجموع بسبب كثرة المحتشدين حولها من شباب وصحافيين.
وكانت تونبرغ، التي تحضر قمّة المناخ للمرة الثانية بعد القمّة الأخيرة التي انعقدت العام الماضي في بولندا، قد وجّهت انتقادات قاسية للمسؤولين قائلة إنهم «يتنصّلون من واجباتهم ويخونون الأمانة. متى سيدركون أن التغيّر المناخي هو الخطر الداهم الأكبر الذي يهدّد البشرّية ومستقبلها في كل أنحاء العالم؟ ماذا ينتظرون؟».
وفي نهاية المظاهرة ألقى الممثل الإسباني المعروف خافيير بارديم، الحائز على جائزة أوسكار، كلمة قال فيها: «لم يعد أمامنا سوى عشرة أعوام على أفضل تقدير لمنع وقوع الكارثة المناخية»، ووصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنه «أحمق»، بسبب مواقفه من أزمة المناخ، وقراره سحب الولايات المتحدة من «اتفاقية باريس» الموقّعة في عام 2015، وتتضمّن التزامات الدول خفض انبعاثات غازات الدفيئة لوقف الارتفاع المطرد في درجة حرارة الكرة الأرضية. لكن بارديم عاد واعتذر في تغريدة على حسابه «تويتر»، صباح أمس (الأحد)، قائلاً: «لا محلّ للشتيمة في أي خطاب أو حديث، أعتذر عن هذا الاندفاع المفرط الذي يضرّ بالرسالة البنّاءة التي نريد إيصالها، والتي هي وحدها محور نشاطنا واهتمامنا». وأضاف أن «القرائن العلمية الدامغة حول تغيّر المناخ وتداعياته الكارثّية لم تعد تسمح لأي كان أن يتجاهلها، خصوصاً المسؤولين عن اتخاذ التدابير التي يمكن أن توقفها».
ويقول خبراء مشاركون في هذه القمّة التي تشكّل همزة وصل بين مرحلتين أساسيتَين في مسار الجهود الدولية لمعالجة أزمة تغيّر المناخ، التي ليس منتظراً أن تصدر عنها قرارات كبيرة، إنها يمكن أن تشكّل فرصة ذهبية لاتخاذ خطوات طموحة والالتزام ببرامج للحد من انبعاثات غازات الدفيئة.
ويفيد التقرير الذي قدّمته المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة الدنماركية إينغير أندرسون بأن كل الدراسات العلمية التي وضعتها مراكز البحوث والمنظمات الدولية المتخصصة تحذّر من أن «الخطط والاقتراحات التي تدرسها الحكومات في الوقت الحاضر، وتتفاوض استناداً إليها، ليست كافية لوقف الانحدار السريع نحو كارثة مناخية عالمية، ربما قبل نهاية العقد المقبل».
وكانت أندرسون قد تولّت في السابق منصب المدير العام لـ«الاتحاد الدولي لصون الطبيعة»، كما تولّت إدارة برامج بيئية كثيرة في «البنك الدولي» و«الأمم المتحدة».
وحذّرت في كلمتها أمام قمّة المناخ من أن «تكلفة الأضرار المرتقبة من الكارثة المناخية العالمية هي أقل بكثير من تكلفة التدابير التي من شأنها منع وقوعها».


مقالات ذات صلة

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

تحليل إخباري مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

هل سنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية؟

أنطوان الحاج
يوميات الشرق أشخاص يحملون مظلاتٍ احتماءً من الشمس في نيويورك (أ.ب)

موجات الحر الشديدة تهدد غذاء أكثر من مليار شخص حول العالم

أفاد تقرير جديد بأن موجات الحر الشديدة تدفع النظم الغذائية الزراعية العالمية إلى حافة الانهيار؛ مما يهدد سبل عيش وصحة أكثر من مليار شخص.

«الشرق الأوسط» (روما )
يوميات الشرق شارع جامعة الدول العربية الخميس (تصوير: عبد الفتاح فرج)

«فصول السنة» في يوم واحد... اضطرابات جوية تضرب مصر

ضربت مصر الخميس موجة قوية من الاضطرابات الجوية وعدم الاستقرار تمثلت في تصاعد كثيف للأتربة وتدهور ملحوظ بالرؤية الأفقية.

محمد السيد علي (القاهرة)
يوميات الشرق القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)

أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

تشهد الدول العربية واحدة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع بالمنطقة، إذ يتقاطع فيها تأثير المنخفضات الجوية المقبلة من حوض البحر المتوسط.

أحمد حسن بلح (القاهرة)
العالم طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

كشفت السلطات المحلية اليوم الثلاثاء أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...