«السيارات... تطوير العالم الحديث»: رحلة مع الحرية والسرعة والابتكار

«السيارات... تطوير العالم الحديث»: رحلة مع الحرية والسرعة والابتكار

معرض لندني يقدم 15 سيارة و250 قطعة تحكي تاريخ الصناعة وأحلام المصممين المستقبليين
الجمعة - 25 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 22 نوفمبر 2019 مـ رقم العدد [ 14969]
لندن: عبير مشخص
إن كنت من عشاق السيارات وأنواعها والتعرف على كل تفاصيلها وتاريخها، أو حتى لو كنت لا تعرف الكثير عن السيارات فمعرض «السيارات... تطوير العالم الحديث» سيفرض نفسه ويقدم لك المعلومة والطرفة واللمسات الجمالية، وكل ذلك من خلال عرض 15 سيارة فعلية و250 قطعة أخرى (معظمها لم يعرض في بريطانيا من قبل) متعلقة بصناعة السيارات وتطورها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وبما أن المعرض يقام في متحف «فيكتوريا آند ألبرت» بلندن، فمن الطبيعي أن يكون التصميم والابتكار هو المحور الأول للعرض.

المعرض ممتع جداً، سواء على المستوى البصري الجمالي أو على مستوى المعلومة، يبدأ العرض الضخم بتصميمات خيالية وأحلام دوّنها كتاب روايات الخيال العلمي، حيث تطير السيارات في الجو من دون إشارات مرور أو ازدحام، يقدم العرض لوحات وصوراً ورسومات كلها تدور حول ذلك العالم الغريب الذي يمكن فيه الطير بآلات غريبة. ونرى هنا بعض النماذج لعربات وحافلات انسيابية الشكل صنعها مصممين حالمين بالمستقبل. عرضت نماذج كثيرة من تلك «السيارات» في معرض بنيويورك عام 1939 بعنوان «فيوتشراما»، حيث قدم المصمم نورمان بيل غيديس مئات النماذج الصغيرة لعربات تعمل في مدن مستقبلية من خلال طرق سريعة متصلة إلكترونياً بسرعة فائقة وبنظام صارم.

- عشق السرعة

ذلك هو الحلم الذي يبدأ به المعرض وينطلق بعده ليستعرض لنا 15 سيارة كل منها تمثل لحظة تغير مهمة في تاريخ الصناعة. أولها نراه هنا تحت عنوان «السيارة التي بدأت الحكاية»، وهي «بنز باتينت موتورواغن 3» التي صنعها في عام 1888 المصمم كارل بنز، أخذت السيارة بالعقول وبالسهولة التي مكّنت بها الأفراد من قطع المسافات الكبيرة بسرعة معقولة. لكن بسبب العشق الغريزي للسرعة لدى الإنسان سرعان ما أطلت فكرة سباقات السيارات برأسها لتمهد لظهور سيارات مختلفة ذات سرعة عالية أنتجت ثقافة السباق وما تبعها من تصميمات انسيابية. وبما أن المعرض يتعرض لاختراع غيّر الحياة على الأرض في القرن العشرين، فمن الطبيعي أن يكون له تأثيرات على كل مناحي الحياة وأولها مجال التصميم، ونرى أن تصميمات سيارات السباق الانسيابية الخطوط قد ألهمت المصممين لاستخدام الخطوط والأشكال نفسها في مخترعات أخرى مثل المراوح وأجهزة الراديو، بل وأيضاً الأثاث والمطابخ.

- المزيد والمزيد

السيارة المهمة التالية في تاريخ صناعة السيارات هي السيارة التي صممها هنري فورد لاستخدام الجمهور العريض، وقد أراد فورد أن يكون بمقدور أكبر عدد من الأفراد شراء سيارة، وهو ما أدى إلى تطوير آليات التجميع والتركيب في مصانع السيارات. وها نحن أمام واحدة من سيارات فورد التي غيرت طريقة صناعة السيارات وهي «فورد موديل تي» من عام 1925.

وقد أدى تطوير خط التجميع في مصانع فورد إلى تغيير كبير في صناعة السيارات للتحول من الصناعة اليدوية لسيارات حصرية صُنعت لفئة معينة إلى عملية صناعية فعالة جعلت السيارة في متناول الجمهور العام.

- الرقص والنقابات العمالية

من البديهي أن المصانع اتخذت لها مكاناً مهماً في الثقافة العامة وأثرت على مجالات كثيرة مثل الرقص. هنا تكمن عبقرية معدي المعرض الذين ربطوا بين السيارة كمخترع وبين كل نواحي الحياة التي تأثرت بها. لنعد إذن لمجال الرقص ونرى بالفعل فيلماً قصيراً لفرقة «ذا روكيتس» الأميركية، التي أبدعت مغنياتها في الرقص المتزامن والذي استوحي من حركة العمال في المصانع المنسجمة مع بعضها. مجال آخر تأثر بالعمال في المصانع وهو الموضة، حيث راجت تصاميم لبدلات تشبه بدل العمال في المصانع، ونعرف أن شركة إيطالية اشتهرت بها لاقت إقبالاً كبيراً تسبب في غلاء أسعار الأقمشة في فلورنسا.

من ناحية أخرى، فقد تسببت الحركات الرتيبة والمتكررة التي يقوم بها عمال المصانع لساعات طويلة في إحداث إصابات وأمراض لدى العمال، وهو ما أثار مشاكل بين الإدارات والعمال، وأدى ذلك إلى تكوين الاتحادات العمالية التي تعنى بالدفاع عن حقوقهم.

- الرفاهية والتميز والأزياء

في ظل الإنتاج الكثيف للسيارات وجد بعض الأثرياء أن هناك زاوية لم تطرقها الصناعة بعد، ومع الثروة دائماً تأتي الرغبة في التميز؛ ولهذا لجأ الكثيرون ممن يستطيعون الإنفاق لطلب سيارات مفصلة حسب أذواقهم، هنا نرى مثالاً لسيارة فارهة صنعت في عام 1919 لأمر سيدة ثرية من ألمانيا.

ويبدو أيضاً أن الصناعة الكثيفة جعلت السيارات منتشرة وميسورة، لكن أيضاً أثرت على متانة الصناعة وهو ما واجهته السيارة «فورد موديل تي» التي سرعان ما تدهور مستوى جودتها، وهنا عادت الصناعة لتلبية رغبة الأثرياء في خلق نماذج مترفة خاصة ومحدودة الإصدار. ولا يدل على هذا الاتجاه أكثر من رؤية عدد من قطع من الكريستال من صنع ماركة «لاليك» صممت لتثبت على مقدمات السيارات، لكن الفكرة سرعان ما أثبتت فشلها بسبب سهولة تحطيم تلك القطع الرقيقة.

الرفاهية أيضاً انعكست في صناعة الأزياء التي سرعان ما لبت متطلبات قائدة وقائدة السيارة فظهرت خطوط جديدة من الملابس المناسبة للقيادة في السيارات المكشوف سقفها، مع إضافة القبعات والأحذية وغيرها.

- السيارة الوردية

من الأشياء الطريفة في المعرض هي السيارة الوردية التي صنعتها شركة «كرايزلر» في عام 1955 للنساء فقط، وهي «دودج لا فام»، وهي وردية اللون من الخارج والداخل أيضاً، ويوجد بها إكسسوارات خاصة للجنس اللطيف، مثل القبعة وحقيبة اليد والمظلة كلها وردية اللون، هناك أيضاً علب لبودرة الوجه وأحمر الشفاه والقداحة في علب منقوش عليها اسم الشركة.

السيدات حظين بمعاملة خاصة في تصميم سيارة خاصة لهن، لكن حظهن كمصممات وعاملات في شركات السيارات لم يكن منصفاً، فعلى سبيل المثال أقامت شركة «جي إم» (استديو للفن والألوان) الذي عينت فيه مجموعة من الموظفات، أطلق عليهن «سيدات التصميم» للإشراف على تصميمات السيارات من الداخل لتلبية أذواق النساء.

- الألوان والموديلات السنوية

عندما استحدثت «جي إم» قسم الفن والألوان كان ذلك أيضاً مدفوعاً بالرغبة في التنافس مع شركة «فورد» والتفوق عليها، حيت إن الشركة اقتصرت ألوان سياراتها على اللون الأسود، وبهذا حولت شركة «جي» السيارة من أداة عملية إلى قطعة للاقتناء. وبهذا بدأت «جي إم» في استحداث ألوان جديدة لسياراتها وإصدار موديلات جديدة كل عام. ثورة الألوان انتقلت سريعاً لصناعات أخرى لتلون كاميرات «كوداك» هيكلها الخارجي من اللون البني الشهير لتدخل ألواناً أخرى.

- العودة للمستقبل

يختتم المعرض كما بدأ بالتصور المستقبلي، وإن كان هذه المرة أقرب للتحقيق. عبر عرض سيارة طائرة شاركت في صنعها شركة «إيتالديزاين» و«إيرباص» و«أودي». السيارة تعرض للمرة الأولى في بريطانيا، وهي تضم أربعة عناصر ستغير من مستقبل القيادة، وهي: الطاقة الكهربائية، القيادة الذاتية، التوجه نحو تقديم الخدمات والطيران. وبمصاحبة فيلم أعد خصيصاً للمعرض نرى أن وعود وأحلام الحركة والحرية والسرعة والكفاءة التي قامت عليها صناعة السيارات إضافة إلى آثارها الجانبية (التلوث والازدحام المروري والتوتر المجتمعي)، ونتطلع عبره لوعود القرن الـ21 التي تأمل بتغيير كل ذلك.
المملكة المتحدة السيارات

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة