هل بدأت جائزة نوبل تخرج عن تحيزها السياسي؟

بعد فوز الروائي الفرنسي باتريك موديانو بها هذا العام

باتريك موديانو
باتريك موديانو
TT

هل بدأت جائزة نوبل تخرج عن تحيزها السياسي؟

باتريك موديانو
باتريك موديانو

دعوني أعترف لكم في البداية بأنني سعيد لحصول باتريك موديانو على جائزة نوبل في الأدب لهذا العام. في الحقيقة ربما يكون اختيار موديانو إشارة إلى أن أكاديمية نوبل بدأت تخرج من ضباب التحيز السياسي الذي أثر على قراراتها منذ عقود.
منذ التسعينات على الأقل كانت جائزة نوبل غالبا ما تذهب إلى كتاب وشعراء ذوي انتماءات سياسية معينة. كان عليهم أن يكونوا على الأقل من اليسار المعتدل، ومعادين للولايات المتحدة بوضوح، ومعروفين بين نخبة من المتخصصين وليس الجمهور بأسره. وفيما عدا استثناءات قليلة، كانت تلك الشروط تنطبق على جميع الفائزين، ومن بينهم جان ماري غوستاف لوكليزو، آخر كاتب فرنسي يفوز بالجائزة في عام 2008.
في المقابل، لا يتسم موديانو بأي من تلك الأمور؛ فهو كاتب أولا وأخيرا. وفي ظل ابتعاده عن السياسة السائدة، لا يمكن تصنيفه بأنه ينتمي إلى «اليمين» أو «اليسار». كذلك لا يمكن الشك في أنه معاد للولايات المتحدة، على الأقل لأنه ذكي بما يكفي لمعرفة أن المرء لا يستطيع أن يكون مع أو ضد دولة ما طول الوقت في جميع القضايا. ولعل الأهم من ذلك هو أن موديانو الذي يحظى بتقدير النقاد، ومن بينهم النخبة الباريسية، من أصحاب أفضل الكتب مبيعا منذ أكثر من 3 عقود.
يستحق كاتب حقيقي تحقق كتبه أعلى مبيعات أن يتم الاحتفاء به تماما كما فعلت أكاديمية نوبل مع موديانو.
تعرفت على موديانو لأول مرة في عام 1978 عندما صدرت روايته «شارع المتاجر المظلمة» المترجم بالإنجليزية بعنوان «شخص مفقود». في ذلك الوقت كان هناك إجماع في الأوساط الأدبية في باريس على أن الرواية الفرنسية، والرواية في العموم، انتهت على الأقل في صورتها الكلاسيكية. وبدا أن كُتابا مثل فرنسوا مورياك وأندري جيد وحتى ألبير كامو، وجميعهم حازوا جائزة نوبل في الأدب، ينتمون إلى عصر منصرم. في ذلك الوقت كان السائد هو «الرواية الفرنسية الجديدة»، وهي سلسلة من الأعمال التي تنشرها دار «إديسيون دي مينوي» في باريس. وهنا تكمن الفكرة في الابتعاد عن سرد أي قصة على الإطلاق، بل التركيز على تحليل التجربة الإنسانية من خلال اللعب باللغة. وكان أكبر ما يميز «الرواية الجديدة» هو أن القارئ يجب أن لا يفهمها مع الادعاء بأن بها عمقا يفوق الاستيعاب البشري.
من بين منتجي «الرواية الجديدة»، الذين اعترض على وصفهم بالروائيين، ألان روب غرييه النابض بالحيوية، وملكة الغرابة نتالي ساروتي، وعلى مستوى أعلى ميشال بوتور وكلود سيمون، الذين اقتربوا من كونهم كُتابا جادين.
وكان هناك موديانو الشاب الخجول في ذلك الوقت، الذي ولد في عام 1945، في ضاحية بولون بيلانكور الصناعية في باريس، والذي كان من الواضح أنه يسبح ضد التيار الأدبي السائد.
في البداية، أراد موديانو أن يروي قصة تحمل تحولات ومنعطفات مما يحولها في بعض الأحيان إلى قصة تشويق. في هذه القصة كان غاي رولاند الذي يعمل في وكالة تحقيقات خاصة، يحاول جمع خيوط قصة حياة دفنت تحت أنقاض الزمن. وكان العمل يبعث على التشويق لدى القارئ الذي لا يتوقف عن ترديد السؤال السحري: ماذا حدث بعد ذلك؟ لم تكن هذه الرواية مثل كتب روب غرييه التي يمكن أن يتركها القارئ أو يكمل قراءتها في أي وقت وفي أي مرحلة من دون أن تكون لديه أدنى نزعة لمعرفة ماذا سيحدث بعد ذلك، لأنه لا يوجد شيء يحدث مطلقا.
كان أسلوب موديانو غير نمطي لسبب آخر. كان يكتب نصا فرنسيا كلاسيكيا منضبطا يبتعد تماما عن التلاعب السائد بالكلمات في ذلك العصر مع تجنب التجريب اللغوي الذي مارسه مؤلفون مثل أنطوان بلوندين في «قرد في الشتاء». كان هناك عنصر ثالث في شخصية موديانو كمؤلف. كان كاتبا بدوام كامل. فلا تراه في حفلات أدبية أو في التلفزيون أو عضو هيئة تحكيم في مهرجانات للسينما. حتى عندما تدعوه إلى الغداء يتردد في قبول الدعوة التزاما بالقول المأثور: «إما أن تخرج لتناول الغداء أو تكتب الأدب».
رغم أن كثيرا من النقاد الفرنسيين قرروا تجاهل موديانو ببساطة، فإن «شخص مفقود» استطاعت الحصول على جائزة غونكور، أكبر جائزة مرموقة في الأدب الفرنسي.
أكد بعض النقاد على أنه سيكون مؤلف الرواية الواحدة، وسريعا ما سيطويه النسيان. ولكن خشي آخرون من أنه تحت أضواء الشهرة والثروة سوف يستغل ذلك بإنتاج روايات بسرعة ترضي الناشرين. وتم تجاهل حقيقة أن «شخص مفقود» هي رواية موديانو السادسة، مما يعني أنه اختار طريقه بالفعل. وثبت أنهم على خطأ. وعلى مدار العقود الثلاثة الماضية، كان موديانو يخرج من شرنقته برواية جديدة كل عامين أو ثلاثة، وكانت كل رواية يكتبها بمثابة خطوة نحو نضوج بطيء ولكنه مستمر في فكره وأسلوبه.
من ناحية الموسيقى، يمكن وصف أعمال موديانو بأنها موسيقى الغرفة. لا يعد أسلوبه ملحميا، بل هو في الحقيقة يبتعد عن الموضوعات التي تحمل مبالغة، كما أنه يهتم بالتفاصيل التي لا تحصى ولا تعد في تشكيل الوجود البشري على مدار أعوام أو عقود. وإذا كان موسيقيا فيمكنه أن يكون كوريلي، وليس فاغنر بالتأكيد.
تتعلق فكرة موديانو الرئيسة بالهوية المفقودة والمكتشفة والمفقودة من جديد.
وفي روايته 1996 «بعيدا عن النسيان» (التي ترجمت بالإنجليزية إلى «خارج من الظلام») يتذكر الراوي قصة حب قصيرة حدثت قبل 30 عاما أعادت تشكيل حياته بأسرها. وبعد 15 عاما من انفصاله عن حبيبته الغامضة جاكلين، يتقابل الاثنان مرة أخرى.
ولكن في هذه المرة أنكرت جاكلين حتى أنها تعرفه. وفيما يشبه الحلم، يتساءل الراوي ما إذا كان هو الشخص الذي يفكر في أنه هو، وما إذا كانت جاكلين موجودة من الأصل.
ولكن فكرة رئيسة أخرى في أعمال موديانو هي الاعتقاد بأن الشيء الذي تم لا يمكن الرجوع فيه، وأننا جميعا، والوجود ككل، جزء من قصة تروى وتعاد روايتها. يقترب موديانو من مفهوم نيتشه عن «العودة الأبدية» الذي يقول بأن ما يحدث يتكرر حدوثه إلى ما لا نهاية.
ربما تكون هذه هي الروح التي كتب بها موديانو روايته الأولى «ميدان النجم» التي رسم فيها الشخصية المحورية على نمط والده اليهودي الإيطالي الذي يزعم تعاونه مع النازيين أثناء الاحتلال الألماني لباريس. أثار الكتاب غضب والد موديانو إلى درجة أنه حاول شراء جميع النسخ البالغ عددها 500 نسخة، لمنع أي شخص من قراءتها. وفي مرحلة ما، اتصل موديانو الأب بالشرطة وطلب منهم اعتقال ابنه. ولكن من حسن الحظ أن ذلك لم يحدث.
تقتصر لوحات موديانو عمدا على باريس، المدينة التي أصبحت موقعا لجميع روايته، رغم أنها أيضا تستخدم قاعدة انطلاق في السفر، الذي دائما ما يكون بحثا عن الهوية، إلى كثير من الأماكن الأخرى من روما إلى بنسلفانيا. يفضل موديانو أن يقول: «من دون باريس لم أكن لأصبح كاتبا. أي شخص يعيش في هذه المدينة بالفعل في طريقه لأن يصبح كاتبا!».
ومع ذلك، كانت باريس، التي يتحدث عنها موديانو، محدودة بصورة أكبر في بعض الأحيان، حيث يركز على الجانب الأيسر من نهر السين، حيث كان يقيم بالقرب من كنيسة سان سولبيس، التي كانت موقعا لرواية دان براون «شفرة دافنشي»، في قلب الحي اللاتيني.
يقول موديانو إنه يدين بالفضل في ارتباطه باللغة الفرنسية الكلاسيكية إلى ريمون كينو المؤلف الشهير أيضا، الذي كان مدرسا للرياضيات في مدرسة موديانو الثانوية. أخبر كينو موديانو أنه لن يصبح عالم رياضيات جيدا، ولكنه يملك إمكانية لأن يصبح كاتبا عظيما.
يقول موديانو إنه كان متأثرا على الدوام بطفولته المضطربة التي مرت بفترة طويلة من اختفاء والده، ووفاة شقيقه روبي في عمر 10 أعوام، ومعاناة والدته البلجيكية، وهي القصة التي رواها في «مسألة نسب»، وهي نوع من المذكرات التي نشرت في عام 2005.
يشار إلى أن موديانو حاول أيضا كتابة سيناريوهات أفلام، وإن لاقت نجاحا محدودا. بيد أنه اكتشف ذاته ككاتب تحقيقات قوي في عمله الذي يجمع بين كونه رواية وتحقيقا «دورا برودر» الذي صدر في عام 1977. وفيها يحقق في حادث اختفاء فتاة يهودية في برلين في عام 1941 كما ورد في إعلان صغير في إحدى الصحف. أين ذهبت المراهقة دورا؟ ماذا حدث لها؟ ويبدأ الراوي في تحقيق مفصل يستخدم فيه قدرا ضئيلا للغاية من المعلومات. وبهذا يتصالح مع «سنواته الضائعة». فما الذي يحدث؟ وما الذي سيحدث بعد ذلك؟
حسنا، ينبغي عليك أن تقرأ لموديانو.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.