أفغانستان تتحضر لانتخابات الرئاسة بشكل جيد.. لكن من دون مرشحين

ممثلو نحو 10 أحزاب سياسية أثناء اجتماعهم لمناقشة الخروج بمرشح رئاسي في كابل، الخميس الماضي، إلا أن اللقاء انتهى في الأخير دون تحقيق الهدف المرجو (أ.ف.ب)
ممثلو نحو 10 أحزاب سياسية أثناء اجتماعهم لمناقشة الخروج بمرشح رئاسي في كابل، الخميس الماضي، إلا أن اللقاء انتهى في الأخير دون تحقيق الهدف المرجو (أ.ف.ب)
TT

أفغانستان تتحضر لانتخابات الرئاسة بشكل جيد.. لكن من دون مرشحين

ممثلو نحو 10 أحزاب سياسية أثناء اجتماعهم لمناقشة الخروج بمرشح رئاسي في كابل، الخميس الماضي، إلا أن اللقاء انتهى في الأخير دون تحقيق الهدف المرجو (أ.ف.ب)
ممثلو نحو 10 أحزاب سياسية أثناء اجتماعهم لمناقشة الخروج بمرشح رئاسي في كابل، الخميس الماضي، إلا أن اللقاء انتهى في الأخير دون تحقيق الهدف المرجو (أ.ف.ب)

مع ازدحام 2000 مؤيد في قاعة رقص تعلوها ثريات في أحد الفنادق يوم الخميس، احتشد العشرات من أبرز أصحاب النفوذ في أفغانستان للإعلان أنهم شكلوا «ائتلافا كبيرا» للمنافسة في انتخابات الرئاسة المقررة في أبريل (نيسان) المقبل، وأنهم سيعلنون عن مرشح واحد خلال الأسابيع المقبلة.
لكن يبدو أن الحدث، الذي تأجل نتيجة نظام صوت معيب وخطة جلوس فوضوية، سار في المسار الخاطئ من عدة أوجه أيضا. جلس صف من القادة على المنصة، معظمهم قادة ميليشيات سابقون من شمال أفغانستان، وليس بينهم كثير من التكنوقراط البارزين أو الوجوه الجديدة التي أمل غالبية المدعوين في رؤيتها. كان الإطراء فاترا، والهرع لتناول الغداء سريعا.
في النهاية، بدت أسابيع من المفاوضات الخاصة بين اللاعبين السياسيين، بدءا من القادة العسكريين السابقين حتى الدبلوماسيين السابقين، التي كانت تهدف إلى صياغة ثقافة جديدة من الإجماع والأفكار لتحل محل السياسات العرقية والشخصية، بعيدة عن ذلك الهدف السامي، لتترك الصورة ما قبل الانتخابات مبهمة ومتقلبة كما كانت دائما. وتوقع كثير من المحللين أن لا يستمر الائتلاف لأكثر من بضعة أسابيع. يذكر أن الموعد النهائي لإعلان أسماء المرشحين هو 6 أكتوبر (تشرين الأول)، على أن تبدأ الحملة الانتخابية في ديسمبر (كانون الأول).
قال أحمد جلالي، وهو وزير داخلية سابق ومقيم منذ فترة طويلة في الولايات المتحدة ويعد واحدا من أعضاء ائتلاف انتخابي مستقل معتمد على التكنوقراط: «إنه موقف محير جدا. هناك كثير من المساومات، لكنها مصحوبة بقدر كبير من عدم الثقة». وأضاف: «جميعنا يعلم أن بقاء الدولة مهدد، وأن الهيكل السياسي يجب أن يتغير. لكن بعدما بات يفصلنا عن الموعد النهائي بضعة أسابيع، ما زلنا غير متفقين على ماهية المرشحين».
ويُنظر إلى الانتخابات على نطاق واسع بوصفها لحظة نجاح أو فشل بالنسبة لأفغانستان. ينتهي عقد من الحكم الديمقراطي المضطرب في ظل حكم الرئيس حميد كرزاي، وتدخل البلاد حقبة سياسية مبهمة، إذ يواصل مقاتلو طالبان حملة تمرد عنيفة، وبدأت القوات الغربية تتضاءل لتصل إلى بضعة آلاف بحلول العام المقبل.
ومن نواحٍ تقنية، تمضي الاستعدادات بشكل جيد نسبيا. فقد سُجّل أكثر من 350 ألف ناخب جديد في مئات المواقع عبر أنحاء البلاد، وجرى اختيار لجنة انتخابات وطنية جديدة، وانتشرت معلومات عن المرشحين المحتملين والقضايا عبر الهواتف الجوالة وموقعي «فيس بوك» و«تويتر» بمختلف أرجاء البلاد الواسعة، حيث يمكن أن يعزل الشتاء شديد البرودة نصف السكان.
ومع ذلك، فمن الناحية السياسية، أثار عدم وجود أي مرشحين رسميين في هذا التاريخ المتأخر وجولات المحادثات بين المجموعات المتنافسة مخاوف من تكرار السباق الانتخابي لعام 2009. فقد فاز كرزاي حينها بعد أن استمر مزيج من جماعات المعارضة في المساومة حتى اللحظة الأخيرة، وحسم تلاعب لصالح النظام النتيجة.
لقد تقدم أحمد ضياء مسعود شقيق القائد السابق القتيل المعارض لطالبان أحمد شاه مسعود، الائتلاف الكبير الحالي، ويبذل جهودا لتجنب ذلك السيناريو. وينظر النقاد لهذا الائتلاف بوصفه زواج مصلحة بين متنافسين منذ فترة طويلة، ولكن برنامجه المصرح به يتمثل في تشكيل إجماع سياسي وإلغاء مركزية الحكومة، بدلا من الاعتماد على أهواء الشخصيات المؤثرة والزعماء العرقيين.
وقال مسعود في مقابلة أجريت معه هذا الأسبوع: «لدينا حكومة مركزية الآن، لكنها ليست قادرة على تقديم خدمات أو توفير أمن للناس. نحن بحاجة إلى نظام أذكى وأكثر مرونة من شأنه أن يخلق توازنا قويا أفضل ويقوي شوكة الأحزاب السياسية. بابنا مفتوح لأي شخص يرغب في الانضمام إلينا».
غير أن كثيرا من القادة الذين دعتهم جماعة مسعود للمشاركة نأوا بأنفسهم أو ظلوا متأرجحين، وبينهم تكنوقراط بارزون أمثال جلالي، ووزير الداخلية السابق، حنيف أتمار، ووزير المالية السابق تحت حكم كرزاي، أشرف غاني. في بعض الحالات، حسبما أشار محللون، يعتبر هذا ناتجا عن خلافات عرقية وعدم ثقة قادة الميليشيا الشمالية السابقين، من بينهم الجنرال عبد الرشيد دوستم، الذي كان يرتدي قبعته الخضراء المميزة وهو يجلس في مكان مميز بجوار مسعود يوم الخميس. وفي انتخابات 2009، انضم دوستم إلى قادة المعارضة ذاتهم، لكنه تحول إلى دعم كرزاي في اللحظة الأخيرة.
في حالات أخرى، بحسب محللين، نظرا لأن كرزاي لا يمكنه خوض معركة الترشح لفترة رئاسية ثالثة، فإنه يحاول التودد إلى مرشحين محتملين كحلفاء، لا سيما أولئك المنتمين إلى جماعة البشتون العرقية الجنوبية، أملا في الاحتفاظ بمكانة رئيس ظل له سلطة على فائز مختار.
وبشكل معلن، أنكر كرزاي فكرة أنه سيدعم أي مرشح، لكن الرهان على وزير خارجيته زلماي رسول. ويقول أحمد نادر نادري رئيس «مؤسسة الانتخابات الحرة والنزيهة» المستقلة: «كرزاي ما زال يرغب في محاولة أن يكون مخلص أفغانستان، حتى من خارج القصر. إنه يحاول اختراق الائتلافات القوية بتقديم وعود لكثيرين بأنه سيدعمهم، وسيبقي على الوضع الراهن. لكن الأفغان سئموا الوضع الراهن. إنهم يرغبون في قائد قوي، ولكن ليس على حساب الإصلاح».
ومما يبدو غريبا إلى حد ما أن رأيا مماثلا ظهر بين الحضور في مأدبة غداء الائتلاف يوم الخميس. أظهر مئات من جنود الميليشيات وشيوخ القبائل احتراما رسميا للقادة على المنصة، بمن فيهم عبد الله عبد الله وزير الخارجية السابق الذي خسر أمام كرزاي في عام 2009، وقد يظهر كمرشح للائتلاف. غير أن كثيرين يبدون متلهفين للتغيير ومحبطين من أن القائمة الجديدة لم تكن أوسع.
وأشار شيخ قبيلة يرتدي عمامة من إقليم بكتيكا إلى أنه يعتقد أن جلالي وغاني يعدان مرشحين جيدين، وتساءل عن سبب عدم وجودهما في القائمة. وقال قائد ميليشيا سابق من إقليم بروان إنه ضجر من نظام كرزاي، ويأمل في أن يحقق أي مرشح للائتلاف السلام والأمن. لكن لاحقا، وبعد مشاهدة صف من قادة الميليشيات السابقين على المنصة، تغيرت نبرة صوت الرجل بشكل حاد. وقال بمرارة: «لا أثق في أحد منهم. هم الذين دمروا بلادنا، ويجب أن يُلقوا جميعا في قاع بئر».
* خدمة «واشنطن بوست» خاص بـ«الشرق الأوسط»



دواء فعّال لحماية مرضى السكري من النوبات القلبية

خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
TT

دواء فعّال لحماية مرضى السكري من النوبات القلبية

خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)

أظهرت دراسة سريرية أميركية أن إضافة دواء يخفض الكوليسترول بشكل مكثف إلى العلاج القياسي يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر حدوث أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية لدى مرضى السكري المعرضين للخطر.

وأوضح الباحثون في مستشفى ماس جنرال بريغهام بالولايات المتحدة، أن النتائج تظهر فائدة خفض الكوليسترول بشكل مبكر في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية، ونُشرت النتائج، السبت، بدورية «JAMA».

ويمكن لمرض السكري أن يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض القلب والنوبات القلبية، إذ يؤدي ارتفاع مستويات السكر في الدم لفترات طويلة إلى تلف الأوعية الدموية والقلب، ويسهم في تراكم الدهون والكوليسترول داخل الشرايين. كما أن مرضى السكري غالباً ما يعانون من ارتفاع ضغط الدم أو اختلال الدهون في الدم، ما يزيد من احتمالية انسداد الشرايين وحدوث أزمات قلبية. ومن أهم خطوات الحد من هذه المخاطر، التحكم بمستويات السكر، واتباع نظام غذائي صحي، وممارسة النشاط البدني بانتظام.

وشملت التجربة السريرية 3655 مريضاً يعانون من سكري عالي الخطورة، مثل المرضى الذين يعانون من السكري لأكثر من 10 سنوات، أو يحتاجون إلى الأنسولين يومياً، أو لديهم أمراض الأوعية الدقيقة. وتلقى المشاركون إما حقن «إيفولوكوما» الخافضة للكوليسترول كل أسبوعين وإما دواء وهمي، مع استمرار جميع المشاركين على العلاج القياسي للكوليسترول، بما في ذلك «الستاتينات» و«إزيتيميب».

دواء «إيفولوكوما»

وبعد 48 أسبوعاً، تبين أن دواء «إيفولوكوما» خفّض مستويات الكوليسترول الضار بنسبة تقارب 60 في المائة، ما أسهم في تقليل خطر حدوث أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية أو الوفاة بسبب أمراض القلب بنسبة 31 في المائة مقارنة بالعلاج القياسي وحده.

وعلى مدى متابعة استمرت نحو خمس سنوات، سجلت مجموعة «إيفولوكوما» معدل حدوث أحداث قلبية وعائية أولى بنسبة 5 في المائة مقابل 7.1 في المائة في مجموعة الدواء الوهمي.

وأظهرت الدراسة أن معدلات الآثار الجانبية كانت متقاربة بين المجموعتين، ما يشير إلى أن العلاج كان جيد التحمل لدى هذه الفئة من المرضى.

وأشار الباحثون إلى أنه على مدار أكثر من عقد، كان استخدام العلاجات المكثفة لخفض الكوليسترول يقتصر على المرضى الذين لديهم أمراض قلبية معروفة.

وأضافوا أن هذه النتائج تظهر أن خفض الكوليسترول المبكر يمكن أن يمنع أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية لدى مرضى السكري المعرضين للخطر، حتى قبل ظهور تصلب الشرايين الكبير. وقد يؤدي استخدام «إيفولوكوما» أو علاجات مكثفة مشابهة إلى تعديل التوصيات الطبية للوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية في الفئات عالية المخاطر.

ونوه الفريق بأن تطبيق هذا العلاج على نطاق أوسع يمكن أن يقلل معدلات الوفاة والأمراض القلبية الخطيرة لدى ملايين مرضى السكري حول العالم.


لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
TT

لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
«الفهد» (تاتيوس فيلمز)

من الأخطاء الشائعة، قصداً أو عن جهل، أن أول فيلم ضمن السينما الإيطالية الواقعية في الأربعينات كان «سارقو الدراجات» لڤيتوريو دي سيكا سنة 1948. والحال أن هذا الفيلم هو من الأعمال التي أسست فعلاً لما يُعرف بالسينما الواقعية الجديدة، لا بدايتها؛ إذ إن السينما الإيطالية، على وجه الخصوص، وكذلك سينمات أخرى عديدة، لم تعرف الواقعية بوصفها منهجاً مستقراً، بل تجلت في أفلام متباعدة وقليلة؛ ما يدفع الناقد إلى إعادة طرح السؤال عن سبب تسميتها «جديدة» إذا لم يكن هناك «قديمة».

البداية الفعلية للواقعية الجديدة

من «هاجس» أول أفلام المخرج (أجاي فيلم)

لكن، بعيداً عن هذه النقطة التي قد تُثير جدلاً يستحضر أعمال السينما الإيطالية الاجتماعية في الفترة الصامتة وما بعدها، هناك فيلم يسبق «سارقو الدرّاجات»، أنجزه لوكينو ڤيسكونتي عام 1943 بعنوان «هاجس» (Obsession). وهو فيلم درامي اجتماعي تدور أحداثه في أتون الحياة في القاع، حول رجل وزوجته ودخيلٍ يقتحم حياتهما، بما يترتب على ذلك من عواطف متشابكة، وما يعقبه من شعور بالذنب والضعف.

بعد انتهاء لوكينو ڤيسكونتي (توفي قبل نحو 50 عاماً) من تصوير بعض مشاهد «هاجس» (بالأبيض والأسود)، أرسل ما صوّره إلى المونتير ماريو سيراندراي، الذي كتب له بعد مشاهدتها: «أحببت هذه المشاهد. لا أعرف كيف أعرّف هذا النوع الجديد من السينما، إلا بأنه واقعية جديدة».

ورد ذلك في كتاب لغايا سرڤاديو الصادر سنة 1983 بعنوان «لوكينو ڤيسكونتي: سيرة»، وعزّزه المؤلف هنري باكون في كتابه الصادر سنة 1998 «ڤيسكونتي: استكشاف الجمال والانحلال» (Visconti: Explorations of Beauty and Decay).

المخرج لوكينو ڤيسكونتي (IMDB)

وسرد ڤيسكونتي هذه الواقعة بنفسه في بعض مقابلاته، مؤكداً أن هذا النعت («واقعية جديدة») لم يكن قد استُخدم من قبل.

والفيلم نفسه ينطق بذلك من خلال واقعية الشخصيات ومشاعرها، وإبقاء الدراما كامنةً غير مُعلنة أو مباشرة. كما يتجلى ذلك في مواقع التصوير ضمن البيئات الفقيرة في المدينة.

أثار الفيلم استياء بعض مشاهديه من أوساط الحكومة الفاشية في عهد بنيتو موسوليني، فغادر بعضهم القاعة قبل انتهاء العرض، واصفين الفيلم بأنه معادٍ لإيطاليا. وأعقب ذلك صدور قرار بمنع عرضه، والحجز على ما أمكن من نسخه.

ثلاثي مختلف

كان لوكينو ڤيسكونتي يساريَّ التوجّه ومعادياً للفاشية، علماً بأنه وُلد عام 1906 في كنف عائلة أرستقراطية مرفّهة وذات تأثير سياسي. خدم في الجيش الإيطالي لمدة عامين (1926-1928)، ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية ودخول إيطاليا فيها، اختار أن يتخذ موقفاً معادياً للفاشية.

لكن قبل اندلاع تلك الحرب، قصد ڤيسكونتي فرنسا، حيث تعرّف إلى المخرج جان رينوار، الذي استعان به مساعداً في بعض أفلامه، أولها «يوم في الريف» (A Day in the Country) سنة 1935. واستمر التعاون بينهما حتى مطلع الحرب العالمية الثانية، وهي فترة كانت كافية ليتشرّب خلالها المخرج الإيطالي تأثير أحد أبرز صناع السينما الفرنسية آنذاك.

قد يلاحظ بعض من يشاهد النسخة المتوفرة من «هاجس» تأثيراً آخر؛ فمن قرأ رواية جيمس م. كاين «ساعي البريد يرن مرتين دائماً» (The Postman Always Rings Twice) فسيجد تشابهاً بين العملين. وكان رينوار هو من أعطى الرواية لڤيسكونتي لقراءتها. وتدور أحداثها حول شاب يصل، في خضم أزمة اقتصادية في الولايات المتحدة، إلى محطة بنزين ريفية يملكها رجل متقدّم في السن وزوجته الشابة. يعمل الشاب في المحطة، وسرعان ما تنشأ علاقة بينه وبين الزوجة وتنتهي بقتل الزوج.

غير أن ڤيسكونتي لم ينقل أحداث الرواية كما هي في فيلمه «هاجس»، بل اكتفى بثلاثية الشخصيات مع اختلاف في الوقائع وتوجهاتها العاطفية. ويكفي هنا التأكيد على أن رواية كاين كانت ذات طابع عاطفي - جنائي، في حين جاء فيلم ڤيسكونتي عاطفياً - اجتماعياً.

من الأرض إلى القصر

«موت في ڤينيسيا» مع ديرك بوغارد (ألفا سينماتوغرافيكا)

بعد هذا الفيلم، واصل المخرج مسيرته السينمائية محققاً نجاحاً فنياً كبيراً. وقد برع منذ البداية في معالجة شخصياته وفي إحكام سيطرته على كل تفاصيل العمل، كما يتضح في «الأرض تهتز» (La Terra Trema) سنة 1948. ومع ذلك، فإن هذه الصرامة الإخراجية تبلورت لاحقاً، حين ابتعد عن إنجاز الأفلام ذات التوجهات اليسارية المباشرة، من دون أن يتخلى عن خلفيته الفكرية.

يتناول «الأرض تهتز» حياة صيادين في قرية يواجهون هيمنة التجّار على أرزاقهم، وكيف يستجيب بعضهم بالخضوع، فيما يختار آخرون المقاومة. ورغم أن ڤيسكونتي لم يتخلَّ عن الواقعية التي أرساها منذ أفلامه الأولى، فقد بدأ ينسج أسلوباً فنياً أكثر تركيباً لطرح موضوعاته. ويُعدّ روبرتو روسيلليني الأقرب إليه في هذا المجال؛ إذ انطلق بدوره ضمن تيار الواقعية الجديدة، في حين بدأ ڤيتوريو دي سيكا في هذا المنهج ثم ابتعد عنه لاحقاً، من دون أن يقدّم عملاً يتجاوز أهمية «سارقو الدراجات».

في الستينات، اتجهت أفلام ڤيسكونتي نحو عناية جمالية أعلى، مع نقل الأحداث إلى عوالم القصور والبُنى الطبقية، كما في «الفهد» (The Leopard) عام 1963، و«ساندرا» (1965)، و«الغريب» (عن رواية ألبير كامو، 1967)، ثم «الملعونون» (The Damned) 1969.

وليس من الدقة القول إن هذه الأفلام (وسواها) على مستوى واحد من الجودة، غير أن السمة الأبرز في هذا التحول من حكايات الشوارع والبلدات الصغيرة إلى العالم الأرستقراطي تتجلى بوضوح في «الفهد» و«الملعونون»، ولاحقاً في «موت في ڤينيسيا» (Death in Venice) سنة 1971، المأخوذ عن رواية توماس مان، ثم «لودڤيغ» (1973)، الذي يتناول سيرة ملك باڤاريا في أحداث تمتد بين عامي 1864 و1886.


تعاون سعودي - بريطاني لتعزيز الأبحاث الثقافية عن الجزيرة العربية وتراثها الحضاري

في سبتمبر الماضي أعلنت السعودية عن اكتشاف أقدم مستوطنة معمارية في الجزيرة العربية في موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك (واس)
في سبتمبر الماضي أعلنت السعودية عن اكتشاف أقدم مستوطنة معمارية في الجزيرة العربية في موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك (واس)
TT

تعاون سعودي - بريطاني لتعزيز الأبحاث الثقافية عن الجزيرة العربية وتراثها الحضاري

في سبتمبر الماضي أعلنت السعودية عن اكتشاف أقدم مستوطنة معمارية في الجزيرة العربية في موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك (واس)
في سبتمبر الماضي أعلنت السعودية عن اكتشاف أقدم مستوطنة معمارية في الجزيرة العربية في موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك (واس)

أطلقت وزارة الثقافة في السعودية، الزمالات السعودية - البريطانية للأبحاث الثقافية في شبه الجزيرة العربية، بالشراكة مع جامعة عفّت والأرشيف الوطني للمملكة المتحدة، وهو برنامج يدعم البحوث المستندة إلى المقتنيات الأرشيفية، ويُحفز على البحث الثقافي حول الجزيرة العربية، ويُعزز التعاون بين الباحثين والمؤسسات في السعودية والمملكة المتحدة.

ويشمل البرنامج إقامة بحثية على مدار 10 أسابيع في مقر الأرشيف الوطني للمملكة المتحدة، يحظى خلالها الزملاء الباحثون بالتدريب العملي على المهارات الأرشيفية، وزيارة المقتنيات الأرشيفية والمؤسسات الثقافية الأخرى في المملكة المتحدة، كما تدعم الزمالة نطاقاً واسعاً من الأبحاث الثقافية عن الجزيرة العربية.

وتأتي الزمالات السعودية - البريطانية للأبحاث الثقافية في شبه الجزيرة العربية ضمن توجّه وزارة الثقافة الاستراتيجي للبحوث الثقافية، ويُجسّد اهتمامها بتحفيز البحث الثقافي، وتعزيز التعاون على الصعيدين المحلي والعالمي، كما يعكس حرص الوزارة على تعزيز التبادل الثقافي الدولي بوصفه أحد أهداف الاستراتيجية الوطنية للثقافة، تحت مظلة «رؤية المملكة 2030».

وتعتمد وزارة الثقافة على نتائج البحث أساساً للابتكار والتطوير الثقافي، وعلى دوره في فهم الثقافة والتراث الوطني، ويتيح برنامج المنح الفرصة لإثراء القطاع الثقافي؛ وتمكين الباحثين السعوديين وتحفيز المجتمع البحثي الأوسع لإنتاج معرفة رصينة عن الثقافة والتراث وتقديم رؤى جديدة مبنية على الأدلة لتطوير القطاع الثقافي.

وتُتاح الزمالة للباحثين والمختصين في التراث الثقافي القادرين على إجراء بحث باللغة الإنجليزية وباستقلالية، بغض النظر عن مرحلتهم العملية، ويمكن للباحثين والمختصين الراغبين في الالتحاق بالبرنامج الاطلاع على تفاصيله، والتقديم عبر منصة إلكترونية مخصصة للبرنامج، على أن يلتزم المتقدمون بتكريس نسبة كبيرة من وقتهم للزمالة التي تمتد فترتها من 1 أغسطس (آب) 2026 حتى 31 يوليو (تموز) 2027.

يأتي برنامج الزمالات للأبحاث الثقافية في شبه الجزيرة العربية ضمن توجّه وزارة الثقافة الاستراتيجي للبحوث الثقافية (واس)

اهتمام استثنائي لتاريخ وتراث الجزيرة العربية

ويشهد تاريخ وتراث الجزيرة العربية اهتماماً غير مسبوق، من خلال جهود وزارة الثقافة السعودية التي تسعى إلى إعادة اكتشاف الجذور التاريخية للمنطقة، وتوثيقها بأسلوب علمي رصين، وتحويل خزائن الأرض من التراث الصامت، إلى مادة خصبة للبحث والدراسة والإنتاج البحثي الرصين.

وقامت الوزارة بإنشاء هيئات متخصصة، على رأسها هيئة التراث، التي وضعت البحث العلمي في قلب استراتيجيتها، من خلال صياغة سياسات واضحة لدعم الدراسات الميدانية، وتوفير التمويل اللازم للبعثات الأثرية المحلية والدولية، وبناء قواعد بيانات رقمية شاملة للمواقع التراثية لتسهيل وصول الباحثين إليها.

وبناءً على ما يتطلبه فهم تراث الجزيرة العربية من تضافر للجهود العالمية، اعتمدت الوزارة التعاون مع كبرى الجامعات والمراكز البحثية العالمية، لدعم الدراسات التي تستخدم تقنيات حديثة، مثل النمذجة ثلاثية الأبعاد وتحليل الحمض النووي القديم (Archaeogenetics) لفهم الهجرات البشرية الأولى، إضافة إلى تمكين الباحثين السعوديين من العمل جنباً إلى جنب مع خبراء دوليين لنقل المعرفة وتوطين الخبرات.

ولم يقتصر الاهتمام على فحص ما تحتفظ به الآثار من سردية تاريخية عريقه، بل امتد ليشمل الإنسان وحكايته على أرض الجزيرة العربية، وشملت دائرة الاهتمام بتراث المنطقة دعم الدراسات اللغوية والأنثروبولوجية للهجات واللغات القديمة في الجزيرة العربية، وتوثيق الفنون الأدائية والموسيقى التقليدية والحرف اليدوية عبر بحوث استقصائية ميدانية، وإطلاق مبادرات لتدوين التاريخ الشفهي، ما يحفظ الذاكرة الوطنية من الاندثار.