لبنان: صوت الشارع يملأ فراغ المعارضة

التسويات السياسية لتسيير الحكم كرّست تفاهمات لا ترضي الشعب

لبنان: صوت الشارع يملأ فراغ المعارضة
TT

لبنان: صوت الشارع يملأ فراغ المعارضة

لبنان: صوت الشارع يملأ فراغ المعارضة

أنتج اللبنانيون خلال ثلاثة أسابيع، قوة ضغط بديلة على السلطة، فُقدت منذ سنوات عندما اعتمدت القوى السياسية نظاماً تشاركياً في الحكم ألغى المعارضة في داخله، أو قلّصها على أقل تقدير إلى مستويات ضئيلة جداً. وكانت الذريعة دائماً تعزيز الاستقرار الأمني والاقتصادي، وتقليص المناوشات بين أركان الحكم بشكل يمكّن من تسهيل إصدار القوانين وإنتاج المبادرات.
غير أن المقاربة التشاركية التي تمثّلت في الحكومات الائتلافية، ألغت عملياً المعارضة داخل «النظام السياسي»، فما عاد هناك بالتالي تصدٍّ لمقترحات يعارضها اللبنانيون، ولم تعبر تلك القوى السياسية في مشروع إصلاحي جدي يُسهِم في الحد من التدهور المالي والاقتصادي، أو يُسهِم في تخفيض معدلات البطالة. وعليه، أخذ الشارع على عاتقه هذه المهمة، وخرج اللبنانيون بوجه السلطة لتحقيق أمرين: أولهما إنقاذ لبنان نفسه ومستقبله من انهيار تتضاعف مؤشراته، والثاني يتمثل في توجيه رسالة للسلطة بأنها غير فاعلة، بل هي عاجزة عن محاكاة طموحاته، وأن الفساد المستشري في البلاد آن الأوان لتحجيمه.
والمفارقة، أن الشعب نقل النقاش حول القضايا المصيرية، التي تهم مستقبله، من المؤسسات إلى الشارع، الذي بات ميداناً بديلاً عن مؤسسة لم تُنشأ كما يقضي «اتفاق الطائف»، وهي مجلس الشيوخ، المفترض أن تُحصر صلاحياته في بت القضايا المصيرية.

في عام 2008، وإثر «أحداث 7 مايو (أيار)»، بدأت المقترحات بين أركان السلطة اللبنانية لتكريس مفهوم التوافق وتأليف الحكومات الائتلافية. ونُفذت بالفعل في حكومة الرئيس الأسبق فؤاد السنيورة الثانية، وتلتها في حكومة الرئيس سعد الحريري الأولى بعد الانتخابات النيابية في 2009، قبل أن تُكسر القاعدة في حكومة الرئيس الأسبق نجيب ميقاتي عام 2011، لتُستأنف القاعدة في حكومة الرئيس تمام سلام في 2014. وانسحب التكتيك على حكومتي الرئيس سعد الحريري الأولى بعد الانتخابات الرئاسية في 2016، وبعد الانتخابات النيابية في 2018، حين تكرّس بعد التسوية الرئاسية بغرض تسهيل الحكم، عبر تمثيل كل فريق في الحكومة على قدر حجمه في البرلمان، وذلك بهدف تسهيل إقرار القرارات التي تتخذها الحكومة في البرلمان، على ضوء الاتفاقات المُسبقة.
هذا النمط من طريقة الحكم، في البرلمان والحكومة، يُنظر إليه على أنه ألغى واحدة من أبرز ميزات النظام الديمقراطي القائم على وجود أكثرية تحكم، وأقلية تعارض من داخل «النظام». فقوة المعارضة بعد التسوية الرئاسية، لم ترتقِ إلى مستوى تشكيل قوة ضغط، وتمثلت في نواب حزب «الكتائب اللبنانية» ونواب آخرين يُعتبرون أفراداً لا تكتلات. ولاحقاً، انضم حزب «القوات اللبنانية» الذي مارس معارضة داخل الحكومة، وداخل البرلمان، قبل أن تتّسع أخيراً المعارضة إلى أحزاب أخرى، مثل «الحزب التقدمي الاشتراكي» الذي سجّل اعتراضات على بعض الملفات، من غير أن يخرج من الحكومة.
والحال أن إلغاء هذه الفوارق عبر نمط التسويات المتبع، خلق هوّة بين الشعب والسلطة. وحقاً، يشعر اللبناني الآن بأن صوته لا يصل إلى أركان الحكم، بل تُمعِن السلطة في نسج تسويات ينظر إليها الشعب على أنها غير إصلاحية، وغير شفافة، تكتنفها شبهات بالفساد. وبالتالي، خرج الشعب في أول مظاهرة مطلبية عامة وواسعة منذ عام 1992 إلى الشارع، مطالباً بإقصاء أركان السلطة عن الحكم، وليس للمطالبة بحقوقه، كما كانت الأمور إبان التحركات المحدودة في السنوات والأشهر الماضية. واللافت هو دخول جمعيات ومنظمات مجتمع مدني على خط الضغط على السلطة، بديلاً عن الأحزاب التي تمثلت في السلطة ضمن الاستراتيجية التشاركية، وهو أمر لم يكن مألوفاً إلى حد كبير في تجربة الحكم السابقة في لبنان.

احتجاج لا معارضة

القانونيون لا يوافقون على هذا الاستنتاج الذي لا ينكره السياسيون، بالنظر إلى أنهم يقاربون المسألة من زاوية دستورية؛ فالباحث في القانون الدستوري، الدكتور شفيق المصري، لا يرى أن التحركات الاحتجاجية يصح فيها وصف المعارضة، قائلاً إنه «من الناحية القانونية، المعارضة مرتبطة بميكانيزم النظام، من داخله، بينما الحراك يتم من خارج النظام، ولا يرتبط بآليات حركته القانونية». ويوضح الدكتور المصري في حديث لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «إنهم محتجون، لا يشكلون معارضة دستورية، وحتى لو اختفت المعارضة ضمن الإطار التشاركي، فهؤلاء لا يشكّلون معارضة، بل انتفاضة شعبية تطالب بإعادة تكوين الآلية الانتخابية والدستورية». ويرى المصري أن «الثورات إما تطالب بتغييرات حسب الدستور، لتغيير قواعد النظام وآلياته، أو تنسف الثورة النظام بأكمله، كما في الثورة الفرنسية، لكنهم في التسمية القانونية لا يمكن أن يكونوا معارضة».
من ناحية ثانية، يحصر المصري حديثه في الشأن القانوني والتسميات القانونية، مشيراً إلى أن «الاتهام الموجه لمجلس النواب بأنه ينتحل صفة، اتهام خاطئ»، موضحاً: «ذلك أن النواب حصلوا على تصويت شرعي أوصلهم إلى القبة البرلمانية. وحتى لو خسروا ثقة الناخبين، فإنهم ما زالوا كذلك حتى يتم التغيير ضمن ميكانيزم النظام عبر تصويت شرعي وانتخابات مبكرة... والمشكلة أن الحراك يتحدث في الإطار الشعبي، لكن هذا الأمر لا يصح في الحديث عن الآليات الدستورية».

الشعب يتلقف المبادرة

الواقع أن الشارع تحوّل إلى «ميدان ضغط» أسقط الضريبة المقترحة على اتصالات «الواتساب» بعد اقتراحها من قبل مجلس الوزراء لتكون ضمن الموازنة الجديدة، وواصل الضغط الذي أدى إلى استقالة الحكومة، وهو الآن لا يبدو مكتفياً قبل تحقيق مطالبه بتحسين البلد وإنقاذه من الانهيار الاقتصادي، والماضي. وبينما يرى البعض أن التسوية الرئاسية بين رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة سعد الحريري هي الدافع لإنتاج «الستاتيكو» (الأمر الواقع) في طريقة الحكم، لا يرى النائب السابق فادي كرم، أمين سر كتلة «الجمهورية القوية» (كتلة حزب «القوات اللبنانية»)، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن هذه التسوية مسؤولة عن التفاهمات، إذ قال كرم: «تعاهدنا في لبنان أن تكون الحكومات حكومات وحدة وطنية، ائتلافية أو وطنية شاملة، وتم اعتماده لتجنّب المواجهات خارج الحكومة وعلى الأرض من أجل حفظ الاستقرار». وأردف: «لكن عندما تبين أن الأطراف التي تشكل الأكثرية الحالية لا تصغي إلى الأطراف الأخرى التي عقدت التسوية معها، أصبحت الحكومة متفجّرة». وتابع كرم: «ما نشهده اليوم على الأرض كان يحدث في الحكومة، لأن السلطة الحالية لا تريد الإصغاء لصوت الحق والتنبيهات من الداخل والخارج للحفاظ على استقرار لبنان الاجتماعي والسياسي والأمني». واستطرد أن «السلطة مستمرة بنفوذها وقبضتها على السلطة لممارسة كل أنواع التسلط، ورفض السماح لأي معارضة في البرلمان والحكومة بالتأثير على قراراتها»، مشدداً على أن «القوة بالنسبة لها تتمثل في التسلط وحكم القوي واحتكار إمكانيات الدولة ونفوذها».
حسب رأي كرم، هذا الواقع في مقاربة الأمور «أدى لانفجار في الوضع الاجتماعي والإنساني بلبنان»، مشيراً إلى أن «ملاحظات حزب القوات اللبنانية كان تهدف إلى تجنّب تدهور الوضع الاجتماعي والاقتصادي، ونبّهنا للأمر عبر العامين السابقين». وللعلم، فإن وزراء القوات استقالوا في الفترة الأخيرة اعتراضاً على «الإدارة الفاشلة والفاسدة للدولة»، وحين عجز الأفرقاء عن إيجاد حلول ولم يتفاهموا على طريقة إنقاذية فورية. ووفق كلام كرم «اليوم، الشعب يقوم بدوره، حفاظاً على كرامته ودفاعاً عن سيادته ووضعه الاجتماعي. الشعب يرى أن الأمور تذهب إلى الأسوأ، فتحمل مسؤوليته، علماً بأن هذا الشعب عوّدنا على أن يكون حياً ويدافع عن حريته السياسية والاقتصادية والفكرية».

أزمة نظام

على صعيد متصل، لا يخفي السياسيون والمراقبون أن النظام اللبناني ككل يعاني من «أزمة نظام»، ترجع إلى أن نمط الحكم في لبنان يختلف عن المعمول به في الأنظمة البرلمانية لناحية تداول السلطة كمعارضة وموالاة. وهو وضع ينحسر لصالح الاتفاقات والتسويات بين الأفرقاء. ويرجع آخرون هذا القصور في طريقة الحكم إلى الإحجام عن تطبيق «اتفاق الطائف» بالكامل.
الدكتور شفيق المصري يشرح هذا القصور بالقول إن «(اتفاق الطائف) تبنّى الدستور، وحصل تبنٍّ للدستور القائم، وجرى التعديل على أساسه، وأصبح هو الدستور النافذ»، لافتاً إلى أنه «في الوقت نفسه، ثمة بنود في اتفاق الطائف لم تدخل في الدستور، إضافة إلى أن هناك بنوداً لم تُطبّق، ومنها إنشاء مجلس الشيوخ». ويتابع: «كان من المفترض أن ينفذ الدستور ما اعتمد في الطائف، ومن بينها إنشاء مجلس الشيوخ وتحقيق الإنماء المتوازن واللامركزية. وبالتالي، يطالب الحراك الآن بتطبيق الدستور كما ورد في الطائف، وتنفيذ ما قصّرت به السلطة وما انحرفت بتطبيقه، منها المال المنهوب وتغلغل الفساد، وانعدام الشفافية والصلاحيات التي مُنحت للبعض خلافاً للدستور».
وفعلاً، نصّت المادة 22 من الدستور بعد إنشائها بموجب القانون الدستوري الصادر في 21 سبتمبر (أيلول) 1990 على ما يلي: «مع انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي يُستحدَث مجلس للشيوخ تتمثّل فيه جميع العائلات الروحية، وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية». ويعمل مجلس الشيوخ هذا على تمثيل الطوائف اللبنانية بشكل عادلٍ، مقابل جعل مجلس النواب وطنياً لا طائفياً، وهذا أمر يجب أن يؤخذ بالاعتبار عند بحث تشكيله.
ويستدل بعض المشرّعين في تحديد «القضايا المصيرية» إلى المادة 65 الفقرة 5 تحت عنوان المواضيع الأساسية التي تحتاج لموافقة ثلثي أعضاء مجلس الوزراء وهي: تعديل الدستور، وإعلان حالة الطوارئ وإلغاؤها، والحرب والسلم، والتعبئة العامة، والاتفاقات والمعاهدات الدولية، والموازنة العامة للدولة، والخطط الإنمائية الشاملة وطويلة المدى، وتعيين موظفي الفئة الأولى وما يعادلها، وإعادة النظر في التقسيم الإداري، وحلّ مجلس النواب، وقانون الانتخابات، وقانون الجنسية، وقوانين الأحوال الشخصية، وإقالة الوزراء.
غير أن هذه المادة الدستورية التي تتحدث عن إنشاء مجلس الشيوخ، تبدو مُبهمة، ولم يتم إنجاز حتى الآن قانون لتشكيله ليتسنّى التعرف إلى القضايا المصيرية التي يبحث بها، وطريقة تصويته، وحجم تمثيله، وما إذا كان سيصبح بتصويته مستقلاً عن مجلس النواب، وما إذا كان مجلس النوّاب سيفتقد إلى «الكوتا» الطائفية (المناصفة بين المسلمين والمسيحيين) علماً بأنه سيتضمن تمثيلاً لجميع الطوائف.
وفي حين لا يزال شكل مجلس الشيوخ بمثابة طرح مبكّر، يقترح مشرّعون إنشاء مجلس الشيوخ بالتزامن مع إلغاء الطائفية السياسية في البلاد، على أن يبدأ البحث بالشكل من تشكيل الهيئة المختصة بتشكيله.

حكومة التكنوقراط: مطالب وتحديات

من جانب آخر، تتعدد مطالب المحتجين في الشارع وتتنوّع بين داعٍ لإسقاط النظام، وآخر لترميمه وتحسينه، وثالث يطالب السلطة بتوفير الخدمات وتحسين المعيشة ومنع الانهيار المالي والاقتصادي. لكن جميع هؤلاء، يطالبون الآن بتشكيل «حكومة حيادية» تدير الأزمة وتقود لبنان إلى خارج منطقة خطر الانهيار. وتتنوّع صفات هذه الحكومة بين حكومة غير سياسية، وأخرى غير حزبية، وأخرى حكومة اختصاصيين (تكنوقراط) لإنقاذ البلاد.
غير أن الأروقة السياسية لا تبدو مرحّبة بتشكيل هذا النوع من الحكومات، متذرّعة بأن هذه الحكومة ستكون عاجزة عن إنتاج مشروعات قوانين يصار إلى التصويت على إقرارها في البرلمان، وستكون عرضة للنقض، ما يعرقل الحكم وإقرار القوانين الإنقاذية.
ويضم أمين سر كتلة «الجمهورية القوية» فادي كرم صوته إلى صوت الناس في المطالبة بهذا الشكل من الحكومة، معتبراً أن الذريعة التي يتذرّع بها البعض لمواجهة حكومة حيادية «هي خدعة، لأن ما نطرحه كقوات منذ شهرين وأكثر يطرحه الناس الآن. ولا سبيل لإنقاذ البلاد إلا بحكومة تكنوقراط حيادية لا دور سياسياً لها، تسحب كل ملفات النفوذ من يد جماعة السلطة، وتضعها بخدمة الشعب»، قائلاً إن الأطراف السياسية «لا تناسبها هذه المسألة لأنهم يستمرون بالتسلُّط على الشعب من خلال مؤسساته، ويتصرفون على أنها ملكهم للاستمرار بالتسلط».
ويتابع شارحاً: «إذا اتفقوا على إنقاذ الوضع يعني أنهم يحرّرون السلطة التنفيذية الجديدة من كل القيود السياسية لإنقاذ البلد»، قبل أن يشدد على أن الحكومة الحيادية «يجب أن تأتي بقناعة من السياسيين، ويستمر الشعب اللبناني بالرقابة عليها».
وبينما يذهب آخرون إلى اعتبار حكومة غير سياسية، تعني تقليص حصة السنة في الحكم من خلال سحب امتياز منها، كون رئيس الحكومة هو من الطائفة الإسلامية السنّية، فإن كرم يؤكد أن هذا الأمر غير صحيح. ويؤكد أن «السلطة التنفيذية جامعة وشاملة ولا تمثل أي فريق محدّد، ولكن رئيسها من الطائفة السنّية، لأن نظامنا الطائفي يوزّع الرئاسات بين الطوائف»، مضيفاً: «فليكن رجل سنّي محترم على رأس الحكومة، يكون ممثلاً فعلياً للبنانيين، وهذا الأمر يجب ألا يتوقف على رئاسة الحكومة فقط، بل الإدارة الكاملة للحكومة، ويعاونه وزراء أكفاء».

ضبابية تلفّ المرحلة

> تبدو المرحلة ضبابية حتى الآن، إذ لم تسفر اتصالات الأقطاب على شكل واحد لحكومة ترضي الشارع، ولا تلقى معارضة من «التيار الوطني الحر» (تيار رئيس الجمهورية).
ولا تبدو التقديرات حول المرحلة المقبلة وردية، إذ يرى أمين سر «كتلة الجمهورية القوية» الدكتور فادي كرم أن السلطة «متشبثة وعنيدة، وتسخّف من قيمة التحركات»، معتبراً أن هذا التعامل مع الاحتجاجات «خطير، وإذا استمر سيؤدي حتماً إلى انهيار كامل اقتصادي ومالي، ونصبح دولة غير معترف بها من قبل المؤسسات المالية التي تدعم لبنان». وهو يدعو إلى الاستماع للشعب وتشكيل حكومة حيادية بعيدة عن السياسة كي نبدأ بإنقاذ البلاد. ويضيف: «ثقتي كبيرة باللبناني المنتشر والمقيم في الأراضي اللبنانية، لأنه يمتلك قدرات»، جازماً بأنه «في حال الاستماع إلى مطالب الشعب، سنرى تحسناً بالوضعين الاقتصادي والاجتماعي».

ثورة... بأشكال جديدة

> حافظ اللبنانيون على سلمية الاحتجاجات منذ 23 يوماً، وابتدعوا نمطاً جديداً للثورة يستطيع جذب الناس، والتأثير على السلطة، بمشاركة فئات منظمة وغير مسيّرة في الوقت نفسه من قبل أي طرف سياسي. وفي حين كانت الثورات في السابق تنتهج الغضب الثوري شكلاً وحيداً للثورة على السلطة، تلاها الشكل الحزبي الذي يقف في مقدمة المسيرات لتسيير المتظاهرين وتوجيههم وإلزامهم بشعاراتهم، استطاعت الثورة الصمود، ثائرة في الوقت نفسه على الأشكال التقليدية.
أبرز ما في الحراك أنه قادر على استقطاب الناس، وحصد الالتفاف حول مطالبه، بعدما ألغى الجانب الاستفزازي الذي تمثل في وقت سابق بقطع الطرقات، ما يهدده بالصدام مع آخرين من الشعب.
ولعل الآليات التي دفعت الثورة للابتكار، هي التي ثبتت وجودها، مثل التدرّج من حرق الإطارات إلى الغناء والتمسك بسلميتها. وبعدها أنتجت الثورة أشكالاً جديدة، مثل الهتافات ضد الزعامات، والأغاني، والرقص، وصولاً إلى نشاطات فنية واعتصامات ومبادرة «شبك الأيادي» من الشمال إلى الجنوب على طول الخط الساحلي التي شارك فيها عشرات الآلاف.
وكانت الخطوة التالية الانتقال إلى الاعتصامات أمام إدارات حكومية حساسة، بموازاة تنظيم مسيرات للطلاب في المناطق، ومسيرات للسيدات فقط، ومبادرة قرع الطناجر والأواني المنزلية في ساعات محددة مساء، أو إشعال المصابيح وإطفائها، كاعتراض على انقطاع الكهرباء.

البرلمان يستعد لاستئناف التشريع

> يستأنف مجلس النواب اللبناني الأسبوع المقبل مهامه التشريعية، بعد 3 أسابيع من التحركات الاحتجاجية التي عمّت لبنان، تنسجم مع جزء مما طلبه المتظاهرون في الشارع، إذ أطلق رئيس مجلس النواب نبيه برّي خطة تشريعية تبدأ يوم الثلاثاء المقبل بجلسة تشريعية يتضمّن جدول أعمالها مجموعة من المشروعات واقتراحات القوانين الإصلاحية، في مقدمها «قانون مكافحة الفساد»، وإنشاء محكمة خاصة للجرائم المالية، والعفو العام، وقانون ضمان الشيخوخة.
واللافت أن قسماً كبيراً من هذه التشريعات التي يطالب المتظاهرون بها، وردت في وقت سابق في الورقة الإصلاحية التي قدمها الرئيس المستقيل سعد الحريري. ويطالب برّي، من جهته، بالتحوّل نحو «دولة مدنية» وإلغاء الطائفية السياسية، فيما تقدمت كتلته النيابية باقتراح قانون عصري للانتخابات يعتمد نظام التصويت النسبي على أساس لبنان دائرة انتخابية واحدة.


مقالات ذات صلة

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

حصاد الأسبوع تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب

أحمد جمال (القاهرة)
حصاد الأسبوع صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع الدكتور محمد يونس (آ ب)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.