دراما رائعة عن جو الذي ضحى بنفسه ولندساي لوهان تعود

نيكولاس كايج وتاي شريدان في «جو»
نيكولاس كايج وتاي شريدان في «جو»
TT

دراما رائعة عن جو الذي ضحى بنفسه ولندساي لوهان تعود

نيكولاس كايج وتاي شريدان في «جو»
نيكولاس كايج وتاي شريدان في «جو»

«لم يكن سهلا انتقاء الأفلام هذه السنة»، يقول ألبرتو باربيرا، مدير مهرجان فينسيا لهذا الناقد خلال حفل أقامته «جمعية هوليوود للمراسلين الأجانب» وحضره نجوم ومخرجون كما باربيرا ومساعدته. أضاف:
«كان علينا أن نختار بدقة لأنه على الرغم من الأفلام الكثيرة التي وصلتنا كان الجيد والمناسب لنا محدودا في نهاية الأمر».
وعند سؤاله عن الاختيارات الأميركية قال: «هي ما أقصده بكلامي هذا. لقد بحثنا كثيرا عما هو مناسب وأعتقد أننا توفقنا في اختيارانا على نحو عام. أعتقد أن أفلام المسابقة الأميركية هي من أفضل ما أنجزته هوليوود هذا العام».
باربيرا يستدرك أن هذا الحكم يستثني الجيد الذي عرض في أماكن أخرى، والجيّد الذي لم ينته إنجازه بعد.
هوليوود من ناحيتها لا تكترث كثيرا للمهرجانات. تحديدا: لا تكترث للاشتراك في المسابقات الرسمية. ترضى أن تفتتح دورة لمهرجان أو أن تختتمها. ترضى أن يحظى أحد إنتاجاتها الكبيرة بعرض خاص. لكن ما لها وما للمسابقات؟
موقفها هذا يستند إلى عاملين:
الأول أن نقاد السينما يتطلعون إلى أفلام خارج الصبغة الهوليوودية على أي حال وهذا ما يقود إلى العامل الثاني: إذا ما قامت هوليوود بدفع أحد أفلامها للمسابقة ولم ينل الجائزة تكون هوليوود، أو على الأقل الشركة المنتجة لهذا الفيلم، خسرت ماء الوجه وعرّضت فيلمها لخسارة تجارية.
هذه ليست حقيقة خفية بل معروفة كذلك حقيقة أن المهرجانات السينمائية بالنسبة للاستوديوهات الأميركية مفيدة فقط كمنصة دعائية. إن لم تعمل على هذا النحو فلا حاجة للاستوديوهات بها.
هنا ينبري السؤال: إذا ما كان ما سبق حقيقيا وفعليا، كيف إذن نفسر وجود أفلام أميركية في مسابقات دورات المهرجانات الكبرى الثلاث وهي (من مطلع السنة لآخرها) برلين وكان وفينسيا؟
الجواب بسيط: هي أفلام مستقلة غالبا تتبع النمط الأوروبي في تقسيم السينما إلى سينما مؤلف وسينما منفذ وتنتمي إلى الأولى. حتى تلك التي أحيانا ما تتسلل إلى مسابقات المهرجانات الكبرى تنتمي إلى فئة قليلة من الأفلام التي تنفّذها شركات تتعامل والاستوديوهات الكبرى محليّا. عالميا هي بحاجة إلى سوق، والجائزة تساعدها على التوزيع.
ولدينا فيلمان بارزان في هذا المجال. إنتاجان أميركيان من دون أن يكون هوليووديي الهوية أو الصنعة. كلاهما يتحدّث عن بيئة معينة، لكن أحدهما فقط ينجز المهمة الصعبة المنشودة وهي أن ينجز الحديث وجهة نظر وتفاعلا.
بيئات مختلفة المخرج ديفيد غوردون غرين يعرف ذلك تمام المعرفة. في مطلع هذه السنة، قدّم المخرج في مسابقة مهرجان برلين فيلما كوميديا جيّدا بعنوان Prince Avalanche. لم يخرج الفيلم بجائزة فانتقل إلى مهرجانات أخرى: مر بثلاثة مهرجانات أميركية وبمهرجان تشيكي وآخر سويدي وثالث فرنسي كما عرض بتحبيذ ملحوظ في مهرجان بوسنيا، لكن كل ذلك لم يؤد إلى توزيع عام. في الولايات المتحدة مرّ الفيلم عابرا في عروض محدودة. في هولندا وألمانيا ينطلق في سبتمبر (أيلول) وفي الشهر التالي في السويد وبريطانيا وبعدهما في فرنسا. وهذه كل العروض الدولية التي ستخصص له.
لم تمنع هذه النتيجة المخرج غرين من التحرك سريعا، وحتى قبل أن يتحقق من مصير فيلمه ذاك، القيام بتحقيق فيلم جديد عنوانه «جو» Joe. ومع أن المحتمل أن يشهد هذا الفيلم توزيعا أكثر حماسا من ذاك الذي حصده عمله السابق، إلا أنه ما زال فيلما مستقل الإنتاج ومصنوعا كمزيج ما بين رؤية المخرج الذاتية لما يطرحه ويصوّره، وبين طريقة سرده للحكاية التي تحافظ على سمات عناصرها الروائية التقليدية.
سيساعد الفيلم على أي حال حقيقة أن بطله هو نيكولاس كايج محاطا بمجموعة كبيرة من الوجوه الجديدة أو شبه الجديدة أبرزها فتى اسمه تاي شريدان يعرف كيف يلتقط اللحظة ويتفاعل معها. لكن الفيلم ليس مصنوعا لإسعاد الجمهور الواسع. يكفيه أن هواة الفن السابع سيجدون فيه ما يكفي من العناصر في هذا المجال: كتابة ملمة وإخراج ممتاز وتمثيل جيد من الجميع.
في «برينس أفالانش» تعاطى غرين مع رجلين يعملان في رسم علامات الطرق في مناطق جبلية عالية. مهنة لم تقدّمها السينما من قبل. استلهاما من المكان عالج غرين حكاية هي بدورها من نباتات تلك البيئة. قصة لا يمكن أن تقع بملامحها واختصاصاتها المعروضة فيما لو كانت البيئة مختلفة عن تلك التي في هذا الفيلم.
في فيلمه الجديد «جو» يتعامل مرّة أخرى مع مهنة لم نرها من قبل على الشاشة: جو (كايج) يدير مجموعة من العمال السود في عمل غريب: هناك في بعض المناطق الحرشية البعيدة يقوم هؤلاء بتسميم الشجر لكي يتسنى للشركة التي استأجرت هؤلاء العمال الحصول من الإدارة المعنية على أذونات بقطعها. طريقة ذلك أن يهوى العامل على الجذع ليفتح فيه خندقا ثم يتم رش المكان بمادة سامة. بعد ذلك ستموت الشجرة وستتمكن المؤسسة من الحصول على الأرض. على ذلك، هذا العمل وتلك المنطقة ليسا سوى سياج لما تدور الحكاية حوله. فتى (أبيض) في الخامسة عشرة من عمره اسمه غاري (شريدان) يتقدم من جو ويطلب عملا. يكتشف جو وضع الشاب المعيشي الصعب. فهو يعيش في الريف داخل بيت تنتشر فيه القمامة ويسكن فيه غاري مع شقيقته التي توقفت عن الكلام ووالده ذي النزعة القاسية والشريرة الذي لا يترك زجاجة الكحول بعيدا عن متناول يده (بل يقتل من أجلها كما نرى لاحقا).
جو، الذي لا يود أن يعود إلى سجن كان خرج منه قبل سنوات قليلة حين اعتدى بالضرب على رجل بوليس، يحاول أن يساعد غاري لكن الأمور تفلت من يده فالمسألة ليست بسيطة لأنها ترتبط بوضع اقتصادي ضاغط يدفع الجميع إلى السقوط في أخطاء وخطايا. والمسألة الواحدة تتعدد والأمر يجر وراءه أمرا آخر، وها هو شرير اسمه ويلي (روني بلفينز) يبحث عن غاري لينتقم منه لحادثة بينهما. جو (الذي كان ضرب ويلي قبل ذلك ما دفع هذا لمحاولة قتله) لا يستطيع أن يترك ويلي ينجح في مسعاه. من أجله سيتخلى عن مكاسب وهمية. عن مستوى من العيش ما زال قلقا وغير مستقر وعن حياة يعيشها أصلا بصعوبة. مرة أخرى، تلك البيئة تفرز ما هو أبعد من القصة وشخصياتها: تبرز عوامل اجتماعية صارخة لحياة أفراد يعانون شظف العيش. ليس أن شخصيات المخرج من المهمّشين، لأنه حتى تكون مهمّشا يجب أن تعيش لجانب الصلب الأساسي، لكن شخصياته بعيدة عن أي صلب. هي مثل تلك الأشجار الآيلة إلى السقوط يوما.
ما وراء التهميش الفيلم الأميركي الثاني الذي تم عرضه في اليوم الثالث من المهرجان هو «الوديان» لبول شرادر وجاء عرضه خارج المسابقة الأولى إذ سبق له أن شهد عرضا في مهرجان نيويورك في مطلع أغسطس (آب) وهذا ينتقل بنا إلى شخصيات من المدينة. ليست هامشية أو مهمّشة أو حتى ثانوية، بل ذات حضور معلوم تبعا لرواية وضعها برت إيستون إيليس. فالأحداث تدور في هوليوود والشخصيات تنتمي إلى عالم السينما.
إنه الفيلم الذي تقوم لندساي لوهان ببطولته لاعبة شخصية امرأة تعيش مع المنتج كرستيان (جيمس دين) الذي يهوى تصويرها في أوضاع عاطفية مخلة معه أو مع سواه. وهي كانت على علاقة غرامية مع الممثل الطموح رايان (نولان فانك) لكنها أدركت أنها لن تجني من العيش معه سوى العوز والفقر فانتقلت إلى أحضان المنتج الثري الذي لم يكن يعرف شيئا عن العلاقة السابقة حين وافق على منح رايان دورا في فيلمه المقبل. حين علم ذلك، وأدرك أن الحب اشتغل مجددا بين امرأته ورايان يحاول هدم سعادتهما قدر المستطاع ويقرر طرد رايان من الفيلم الذي سيدخل التصوير بعد شهر.
هناك تفاصيل كثيرة في رواق هذا العمل بعضها لا يؤدي إلى بعضها الآخر. إنها أشبه بأبواب صغيرة لا تؤدي بالضرورة إلى السياق ذاته بل تتدخل فيه. لكن هذا الأمر هو مشكلة صغيرة إزاء مشكلة الفيلم الأكبر. فـ«الوديان» إذ يمنح المشاهد معالجة لحياة من الخطايا تعيشها شخصيات الفيلم الهوليوودية لأجل رسم مجتمع لا يعمل للفن أو حبا للسينما، بل لمصلحته الأنانية الخاصّة وإشباعا لرغباته الحسية، يبقى باردا حيالها غير قادر على تكوين وجهة نظر متفاعلة ولا لتحويل الأحداث من مستوى المتابعة إلى التعمق الفعلي فيما يحاول الفيلم رسمه على صفحته الخاصّة. بعد قليل يدرك المشاهد أن المخرج الذي كتب «سائق التاكسي» وأخرج «هاردكور» و«بلو كولار» و«أميركان جيغولو» وكل منها بمواقف واضحة مما يدور فيها، يعالج الحكاية المعروضة من مسافة بعيدة تترك برودا. نعم هو لا يزال يتحدّث عن هوليوود الفاسدة لكنه يتحدّث فقط. يريد أن يدين هوليوود بفيلم يحتاج إلى هوليوود لدعمه، وهذا جيّد، لكنه يقدم على ذلك بأداة السرد وحده.
شرادر لا يحاول هنا فعل أكثر مما يستطيع ضمن ميزانية يُقال إنها لم تصل لحد نصف مليون دولار. معنى ذلك أن الممثلين لم يقبضوا سنتا واحدا بمن فيهم لندساي لوهان التي تعود إلى الشاشة بعد سنوات قضتها مع مشكلات إدمان وحياة عابثة. تعكس بالتأكيد في هذا الفيلم جوّا ليس غريبا عنها فهي جزء من عالم نما كنباتات الجدران القديمة. لكنها تمثل بقناعات معقولة. ليست واحدة من الممثلات اللواتي تنتظرهن، لكنها في هذا الفيلم تقوم بأكثر من مجرد العودة. إنها تمثل فعلا.
في حين ينتهي «جو» بموت بطله كترجمة لنهاية الخاسر، ينتهي «الوديان» كما لو أن الكهرباء انقطعت فجأة أو كما لو أن المخرج افتقد نهاية أفضل فترك بعضا من حكايته بلا نهاية.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».