«الشرق الأوسط» تختبر «سامسونغ غالاكسي فولد» أول هاتف ينثني في المنطقة العربية

تصميم مبهر بشاشة مبتكرة ومتانة عالية... وقدرات متقدمة بعمر طويل للبطارية

صفحة «تقنية المعلومات» كما تظهر على الشاشة الكبيرة لـ«سامسونغ غالاكسي فولد»
صفحة «تقنية المعلومات» كما تظهر على الشاشة الكبيرة لـ«سامسونغ غالاكسي فولد»
TT

«الشرق الأوسط» تختبر «سامسونغ غالاكسي فولد» أول هاتف ينثني في المنطقة العربية

صفحة «تقنية المعلومات» كما تظهر على الشاشة الكبيرة لـ«سامسونغ غالاكسي فولد»
صفحة «تقنية المعلومات» كما تظهر على الشاشة الكبيرة لـ«سامسونغ غالاكسي فولد»

سيسجل التاريخ شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2019 بأنه الشهر الذي انطلق فيه أول هاتف ذكي بشاشة تنثني على صعيد عالمي، محطماً بذلك التصميم التقليدي للهواتف الذكية منذ أكثر من 10 أعوام، ليصبح تحفة مستقبلية مبهرة في التصميم.
الهاتف المذكور هو «سامسونغ غالاكسي فولد» Samsung Galaxy Fold الذي اختبرته «الشرق الأوسط» قبل إطلاقه في المنطقة العربية، ونذكر ملخص التجربة.
- تحول سلس
ستشعر يدك بالراحة لدى حمل الهاتف وهو مغلق، ذلك أنه ليس عريضاً بشكل مزعج، بل مريحاً للاستخدام بيد واحدة. ويمكن تشغيل أي تطبيق ترغب فيه على الشاشة التي يبلغ قطرها 4.6 بوصة والتفاعل معه بيد واحدة، مثل إجراء المكالمات الهاتفية والرد على رسائل الدردشة الفورية والتقاط الصور ومعاينة جداول المواعيد وتصفح الإنترنت واستخدام البريد الإلكتروني، وغيرها. ويمكن قفل الهاتف أو فتح القفل دون استخدام اليد الأخرى، ذلك أن أزرار هذه الوظائف، إلى جانب أزرار تغيير درجة ارتفاع الصوت ومستشعر البصمة موجودة في الجهة اليمنى من الهاتف ويمكن التفاعل معها كلها بأصابع اليد الواحدة (يمكن فتح قفل الهاتف أيضاً باستخدام ميزة التعرف على بصمة الوجه).
ويبدأ الانبهار بمجرد فتح الهاتف ليتحول إلى شاشة كبيرة بقطر 7.3 بوصة تنقل معها ما كان على الشاشة الصغيرة وتحوله إلى هيئته الكبيرة المريحة للنظر، وخصوصاً لدى كتابة رسائل البريد الإلكتروني ومشاهدة عروض «يوتيوب» واستخدام تطبيق الخرائط. وسيزداد الانبهار لدى تشغيل 3 تطبيقات على الشاشة الكبيرة في آن واحد، مثل الدردشة مع الأصدقاء أثناء مشاهدة عروض فيديو من ملف مخزن داخل الهاتف وتصفح الإنترنت بحثاً عن رابط لمشاركته مع الأصدقاء.
وتجدر الإشارة إلى أن الشاشة (والجهة الخلفية للهاتف) بلاستيكية وليست زجاجية، وذلك لتسهيل طيها وفتحها، وهي ميزة مرغوبة في ظل سهولة كسر الشاشات الزجاجية للهواتف الأخرى لدى وقوعها على الأرض. ولن تلاحظ الخط المنثني في منتصف الشاشة لدى مشاهدة العروض وتصفح الإنترنت، ذلك أنه دقيق للغاية ويمكن ملاحظته بشكل طفيف فقط لدى استخدام التطبيقات ذات الخلفية البيضاء، ولن تنتبه له بعد استخدام الهاتف لبضع ساعات. ويمكن الشعور قليلاً بوجود هذا الخط لدى فتح الهاتف وتمرير الإصبع فوق تلك المنطقة، ولكن الشعور سيزول مع الاستخدام.
- مزايا متقدمة
ويستخدم مفصل الشاشتين 20 قطعة مزدوجة المحاور لتقديم تجربة موثوقة ومتينة في كل مرة تفتح فيها الهاتف مثل الكتاب أو تغلقه، وخصوصاً مع وجود قطعتين مغناطيسيتين جانبيتين تجعلان الجانبين يلتصقان ببعضها البعض بإحكام لدى إغلاق الهاتف. ويمكن فتح قفل الهاتف بمجرد وضع إصبع المستخدم على مستشعر البصمة دون الحاجة للضغط على زر التشغيل، مع القدرة على سحب إصبع المستخدم من الأعلى إلى الأسفل أو بالعكس (يجب تفعيل هذه الميزة في الإعدادات)، وهي مريحة جداً للاستخدام.
وبالنسبة للجودة، فقد طورت الشركة الإصدار النهائي مقارنة بالنسخة التجريبية، حيث أضافت غطاء لحماية المفاصل من الغبار ودخول القطع الخارجية الصغيرة إلى داخل الهاتف، وطبقة معدنية أسفل الشاشة لحمايتها وجعل عملية اللمس أكثر متانة، إلى جانب تقديم غطاءين لحماية الجهة الخلفية من الصدمات والخدوش وزيادة طول الشاشة لمنع المستخدم من إزالة الطبقة الواقية من على الشاشة. كما خفضت الشركة من المسافة بين الشاشتين لدى إغلاق الهاتف لعدم دخول أي قطع بينهما وإلحاق الضرر بها. وتؤكد الشركة أن الجهاز يتحمل نحو 200 ألف عملية فتح وإغلاق، أي لمدة 5 سنوات ونصف على الأقل من فتحه وإغلاقه بمعدل 100 مرة يومياً.
وبالنسبة للصوتيات، يقدم الهاتف واحداً من أفضل النظم الصوتية في الهواتف الجوالة إلى الآن، إن لم يكن الأفضل، حيث يقدم سماعة في كل جانب تقدمان مع بعضهما البعض وضوحاً كبيراً ونقاوة عالية للصوتيات (وخصوصاً أن الهاتف يدعم تقنية «دولبي أتموس» ATMOS لتجسيم الصوتيات) بدرجات ارتفاع عالية تجعلك تستمتع بالأفلام والمسلسلات لدى مشاهدتها، ولكن يجب خفضها في حال تواجد بالقرب من الآخرين لعدم إزعاجهم.
واختبرت «الشرق الأوسط» جودة الصوت والصورة في الهاتف وكانت عالية جداً وفاقت التوقعات، إلى جانب تجربة اللعب بالألعاب الإلكترونية، حيث كانت أفضل بأشواط مقارنة بالهواتف العادية.
ويمكن الجزم بأن الهواتف المنثنية ستكون محور الانتشار والاهتمام بعد وصول أسعارها إلى أسعار الهواتف الجوالة الحالية، مع إعداد فئة جديدة من التطبيقات تستخدم هذه الشاشة.
ويتميز الهاتف أيضاً بسرعة استجابة واجهة الاستخدام، وخصوصاً تقنية استمرار عمل التطبيقات لدى الانتقال من الشاشة الصغيرة إلى المفتوحة (أسمتها الشركة «آب كونتينيويتي» App Continuity) لتغيير آلية الاستخدام من هاتف إلى الجهاز اللوحي، حيث تقوم بذلك بسرعة كبيرة دون التأثير على المحتوى الموجود. ويمكن العمل على 3 تطبيقات في آن واحد، وتغيير حجم النوافذ المستخدم وفقا للرغبة، وجعل النافذة الأهم تصبح أكبر من غيرها. وتجدر الإشارة إلى أنه يجب تفعيل ميزة في الإعدادات لعكس هذه التجربة (استمرار عمل التطبيق لدى إغلاق الشاشتين والرغبة بالاستمرار باستخدام التطبيق على الشاشة الصغيرة). وبالنسبة للوحة المفاتيح، فيقسم الهاتف اللوحة إلى نصفين لدى فتح الشاشة بالكامل، لتصبح عملية الكتابة مريحة أثناء حمال الهاتف وأكثر عملية.
كما سيلاحظ المستخدم فائدة استخدام 12 غيغابايت من الذاكرة للعمل، حيث إن تشغيل التطبيقات المتطلبة والتنقل بينها يبدو عملية سلسة للغاية، وخصوصاً لدى تشغيل عدة تطبيقات في آن واحد. أما بالنسبة للبطارية، فيمكن استخدام الهاتف بشكل طبيعي ليوم كامل بشحنة واحدة دون أي قلق، مع سهولة شحنه بسرعة كبيرة بفضل دعم تقنية الشحن السريع. وتم تجربة الهاتف بتصوير الكثير من الصور والاستماع إلى الموسيقى عبر الإنترنت ومشاهدة مجموعة من عروض الفيديو المخزنة داخلياً واستخدام البريد الإلكتروني بشكل طبيعي لمدة 15 ساعة وبقي نصف البطارية مشحوناً. أما لدى الاستخدام المكثف الذي تضمن مشاهدة عروض فيديو عبر الإنترنت للفترة نفسها، فكانت الشحنة المتبقية نحو الربع، وهي كمية مبهرة، نظراً للحجم الكبير للشاشة والقدرات المتقدمة للمعالج. كما يمكن إطالة عمرها بشكل ملحوظ لدى استخدام الشاشة الأمامية لأداء الوظائف الروتينية، مثل إجراء المكالمات والرد السريع على الرسائل، وغيرها.
- قدرات {تصويرية} مبهرة
وقد يظن البعض أن استخدام 6 كاميرات في هاتف واحد هو أمر مبالغ به بعض الشيء، ولكن التصميم الفريد للهاتف يتطلب هذا الكم من الكاميرات، حيث إنه يستخدم كاميرا أمامية للصور الذاتية لدى استخدام الشاشة الأمامية في وضعية الإغلاق، مع وجود كاميرتين أماميتين للصور الذاتية في وضعية فتح الشاشتين، وتوفير 3 كاميرات خلفية لالتقاط الصور من حول المستخدم. وتتميز الكاميرات الخلفية (المشابهة لكاميرات هاتفي «غالاكسي إس 10 بلاس» و«نوت 10») بتقديم عدسة واسعة الزاوية بدقة 12 ميغابكسل، وأخرى ذات عدسة واسعة جدا بدقة 16 ميغابكسل، وأخرى لتقريب الصور البعيدة بدقة 12 ميغابكسل.
ويستطيع نظام كاميرات الهاتف التقاط صورة مبهرة ومليئة بالألوان الغنية دون فقدان أي تفاصيل في الصورة، حتى لو كانت الألوان المختلفة متجاورة. ويقدم الهاتف مؤثرات بصرية مبهرة للصور، مثل مؤثرات «بوكيه» Bokeh منحنية وأخرى قريبة من العنصر، إلى جانب التقاط الألوان للعنصر الرئيسي المرغوب تصويره وتحويل كل شيء آخر إلى لوني الأبيض والأسود، وذلك للحصول على صور فنية جميلة جداً. كما يستطيع الهاتف التقاط صور بغاية الوضوح في ظروف الإضاءة المنخفضة، وهو يقدم نتائج أفضل من «آيفون 11 برو ماكس».
وسيبهرك الهاتف أكثر في نمط تسجيل عروض الفيديو، حيث يستطيع التسجيل بالدقة الفائقة 4K وبسرعة 60 صورة في الثانية، مع منع أثر اهتزاز يد المستخدم بشكل مبهر (يجب الضغط على أيقونة اليد في تطبيق الكاميرا لتفعيل هذه الميزة).
- مواصفات تقنية
ويعمل الهاتف بمعالج «سنابدراغون 855» (نواة واحدة بسرعة 2.84 غيغاهرتز و3 أنوية بسرعة 2.42 غيغاهرتز و4 أنوية بسرعة 1.78 غيغاهرتز، وفقاً للحاجة) بدقة 7 نانومتر لرفع سرعة الأداء وخفض استهلاك البطارية والحرارة، ونظام التشغيل «آندرويد 9»، وهو يستخدم ذاكرة تبلغ 12 غيغابايت، ويقدم سعة تخزينية مدمجة تبلغ 512 غيغابايت، وتبلغ دقة شاشته 1536×2152 بكسل وهي تعمل بتقنية «سوبر أموليد» Super AMOLED وتدعم تقنية HDR10+ لعرض ألوان أكثر إشباعاً وواقعية.
ويقدم الهاتف 6 كاميرات (3 خلفية بدقة 12 و12 و16 ميغابكسل، وأخرى أمامية للصور الذاتية في وضعية إغلاق الهاتف بدقة 10 ميغابكسل، وكاميرا أمامية في وضعية فتح الشاشتين بدقة 10 ميغابكسل وأخرى بدقة 8 ميغابكسل متخصصة بقياس بُعد العناصر وعمقها). ويكفي الضغط مرتين على زر التشغيل لبدء عمل تطبيق الكاميرا الأحادية حتى لو كان الهاتف مقفلاً.
ويستخدم الهاتف بطاريتين (بطارية أسفل كل شاشة) تعملان معاً بشحنة 4380 ملي أمبير - ساعة وتدعمان تقنية الشحن السريع (والشحن اللاسلكي والشحن اللاسلكي العكسي لشحن الملحقات الأخرى) وتعملان بكفاءة عالية وبخاصية ذكاء تجعلهما قادرتين على معرفة نمط المستخدم لتحسين استهلاك الطاقة، فضلاً عن تزويد الهاتف بمستشعر بصمة الإصبع ومستشعر الضوء من حوله. وتبلغ سماكة الهاتف 6.9 مليمترا (في الوضعية مفتوحة الشاشة، أو 15.5 في وضعية إغلاق الشاشة) ويبلغ وزنه 263 غراماً.
ويبلغ سعر الهاتف 7349 ريالاً سعودياً (نحو 1960 دولاراً)، وهو متوافر بلوني الأسود والفضي، ويمكن طلبه في السعودية من موقع الشركة www.Samsung.com، أو من متاجر بيع الهواتف الجوالة، وتحتوي عبوة الهاتف على سماعات «غالاكسي بادز» اللاسلكية وغلاف حماية للهاتف وبطاقة حماية للشاشة.
وفي نهاية التجربة، يمكن القول إن هذا الهاتف يجلب المستقبل إلى يديك قبل نهاية عام 2019، ويمكن استخدامه كبديل للكومبيوتر المحمول دون الحاجة لحمل لوحة مفاتيح إضافية أو وصله بشاشة خارجية (رغم أنه يدعم ذلك من خلال تقنية «ديكس» Dex بوصلة قياسية، وحتى يمكن وصله بشاشة الكومبيوتر المكتبي بوصلة «يو إس بي» واستخدامه ككومبيوتر محمول).
أضف إلى ذلك أنه يقدم 512 غيغابايت من السعة التخزينية التي تتجاوز سعة الكثير من الكومبيوترات المحمولة الكبيرة، مع استخدام 12 غيغابايت الذاكرة للعمل.


مقالات ذات صلة

تكنولوجيا التحديث يعكس توجهاً أوسع في السوق نحو تقليل الاحتكاك بين الأنظمة البيئية المختلفة (أ.ب)

«سامسونغ» تضيف تَوافق «AirDrop» إلى «Quick Share» لمشاركة الملفات

«سامسونغ» تضيف توافقاً مع «AirDrop» عبر «Quick Share» في خطوة تسهّل تبادل الملفات بين أجهزة «غلاكسي» و«آيفون» تدريجياً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا قدرات ذكاء اصطناعي متقدمة بشاشة تحمي الخصوصية

تعرف على مزايا جوال «غالاكسي إس 26 ألترا»: نقلة في الخصوصية والذكاء الاصطناعي للجوالات

تصميم متين وأنيق باستوديو احترافي ذكي و«دائرة بحث» مطورة.

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا استطلاع أميركي: المراهقون يتعرّضون لضغوط شديدة لنشر صور جنسية

استطلاع أميركي: المراهقون يتعرّضون لضغوط شديدة لنشر صور جنسية

شيوع تبادل «الرسائل الفاضحة» بينهم

كاثرين بيرسون (نيويورك)

دراسة من «لينوفو»: 98 % من طلاب الجيل زد يستخدمون الذكاء الاصطناعي مسانداً يومياً

يرى معظم الطلاب أن التقنيات المتطورة والذكاء الاصطناعي يقدمان دعماً حقيقياً للإبداع وتدوين الملاحظات والتلخيص وتوليد الأفكار (شاترستوك)
يرى معظم الطلاب أن التقنيات المتطورة والذكاء الاصطناعي يقدمان دعماً حقيقياً للإبداع وتدوين الملاحظات والتلخيص وتوليد الأفكار (شاترستوك)
TT

دراسة من «لينوفو»: 98 % من طلاب الجيل زد يستخدمون الذكاء الاصطناعي مسانداً يومياً

يرى معظم الطلاب أن التقنيات المتطورة والذكاء الاصطناعي يقدمان دعماً حقيقياً للإبداع وتدوين الملاحظات والتلخيص وتوليد الأفكار (شاترستوك)
يرى معظم الطلاب أن التقنيات المتطورة والذكاء الاصطناعي يقدمان دعماً حقيقياً للإبداع وتدوين الملاحظات والتلخيص وتوليد الأفكار (شاترستوك)

أظهرت دراسة جديدة «لينوفو» شملت 8035 طالباً من الجيل زد في ثماني دول أوروبية أن الجهاز اللوحي لم يعد جهازاً ثانوياً في حياة الطالب الجامعية، بل يتحول تدريجياً إلى منصة تجمع بين الدراسة، والإبداع، والتنظيم الشخصي، والترفيه، في وقت تعيد فيه أدوات الذكاء الاصطناعي تشكيل طريقة التعلم، والعمل اليومي. وتكشف الأرقام عن جيل يتعامل مع التقنية بوصفها جزءاً من يومه الأكاديمي، وهويته الشخصية في آنٍ واحد.

الدراسة، التي أُجريت بين 30 ديسمبر (كانون الأول) 2025 و14 يناير (كانون الثاني) 2026 على طلاب تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاماً في المملكة المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، وبولندا، وهولندا، والسويد، ترسم صورة لبيئة جامعية لم تعد ثابتة المكان، أو الإيقاع. فالتعلّم لم يعد مرتبطاً بالمكتب، أو قاعة المحاضرات فقط، بل ينتقل بين المكتبة، والمقهى، وغرفة النوم، ووسائل التنقل، وهو ما يفسر لماذا قال 94 في المائة من المشاركين إن الجهاز اللوحي مفيد، أو سيكون مفيداً للحياة الطلابية. كما رأى نحو ثلاثة من كل عشرة أن خفة الوزن تمثل أولوية قصوى في بيئة الدراسة المثالية لديهم.

الإبداع عبر التخصيص

اللافت في نتائج الدراسة أن الحديث لم يعد يدور فقط حول الإنتاجية التقليدية، بل حول الإبداع أيضاً. فقد قال 99 في المائة من الطلاب إن التقنيات المتطورة تؤدي دوراً مهماً في دعم إبداعهم، في مؤشر على أن الأدوات الرقمية أصبحت جزءاً من عملية التفكير نفسها، لا مجرد وسيلة لتنفيذ المهام. ويعزز هذا الاتجاه أن 91 في المائة من المشاركين قالوا إنهم يخصصون أجهزتهم للتعبير عن هويتهم الإبداعية، بينما يخصص 94 في المائة تصميمات التطبيقات وتنظيمها بما يتناسب مع طريقة تفكيرهم، وعملهم، ويخصص 92 في المائة أدوات القلم أو الفرشاة الرقمية بما يلائم أساليبهم الشخصية.

هذا الاندماج بين التقنية والهوية الشخصية لا يتوقف عند الشكل، بل يمتد إلى الوظيفة. يرى 81 في المائة من الطلاب أن تصميم الجهاز مهم للإبداع، ما يعني أن عوامل مثل الراحة وسهولة الاستخدام والمظهر لم تعد تفاصيل هامشية، بل صارت جزءاً من القرار الشرائي نفسه. وفي الوقت ذاته، تظل الأدوات العملية حاسمة؛ إذ قال 92 في المائة إن دقة القلم مهمة للإبداع، وأكد 88 في المائة أهمية إعداد لوحة المفاتيح، في دلالة على أن الطلاب لا يبحثون فقط عن جهاز جميل، أو خفيف، بل عن جهاز يدعم تركيزهم، ويقلل الاحتكاك أثناء العمل.

تكشف الدراسة أن الجهاز اللوحي بات أداة أساسية لدى طلاب الجيل زد للدراسة والإبداع والتنظيم اليومي لا مجرد جهاز ثانوي (لينوفو)

الذكاء الاصطناعي المساند

تشير النتائج إلى أن الجهاز اللوحي يُستخدم بانتظام في أنشطة تتجاوز القراءة، وتصفح المحتوى. فمن بين الطلاب الذين يستخدمونه أسبوعياً أو أكثر، قال 75 في المائة إنهم يعتمدون عليه مرة واحدة على الأقل أسبوعياً، بينما يستخدمه 73 في المائة للرسم، أو التخطيط مرة أسبوعياً على الأقل. وهذا يعكس أن الأجهزة اللوحية باتت أقرب إلى أدوات إنتاج حقيقية، لا مجرد شاشات للاستهلاك، أو الترفيه.

أما الذكاء الاصطناعي، فيظهر في الدراسة بوصفه طبقة دعم يومية أكثر من كونه بديلاً عن الجهد البشري. فقد قال 98 في المائة من الطلاب إن الذكاء الاصطناعي يساعدهم بطريقة، أو بأخرى، فيما يستخدم نحو سبعة من كل عشرة هذه الأدوات أسبوعياً، أو أكثر. وتبرز ثلاثة استخدامات رئيسة بوضوح: تدوين الملاحظات بنسبة 73 في المائة، والتلخيص بنسبة 73 في المائة أيضاً، وتوليد الأفكار بنسبة 72 في المائة. كذلك يرى 83 في المائة أن أدوات الذكاء الاصطناعي المخصصة لتوليد الأفكار تساعد في دعم العملية الإبداعية، وتعمل نقطة انطلاق للإنتاجية، لا كبديل عن الأفكار الأصلية.

وهنا تتضح ملامح تحول مهم: الطلاب لا ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تُستخدم أحياناً عند الحاجة فقط، بل أصبح طبقة مساندة هادئة تساعدهم على تنظيم يومهم، واستعادة السياق، وإدارة الضغط عندما تتراكم المحاضرات، والواجبات، والمواعيد النهائية. وربما يفسر ذلك أيضاً لماذا قال 89 في المائة إن التقنيات المتطورة تساعدهم على الشعور بمزيد من الدعم والتحكم خلال فترات الدراسة المزدحمة.

تربط الطلاب بأجهزتهم وهويتهم الشخصية إذ يخصصون التطبيقات والأدوات الرقمية بما يعكس أسلوبهم في التفكير والعمل والإبداع (شاترستوك)

الأولوية للتوازن اليومي

من زاوية التركيز، تكشف الدراسة ضغوط البيئة الرقمية الحديثة بوضوح. فقد أفاد 44 في المائة بأن الشاشة الواضحة عالية الجودة تساعدهم على التركيز، بينما أشار 35 في المائة إلى أن سرعة إنجاز المهام المتعددة عنصر مهم، وقال 31 في المائة إن دعم القلم لتدوين الملاحظات بسرعة يساعدهم على الحفاظ على تدفق العمل. كما قال ما يقرب من ربع المشاركين إن الأجهزة اللوحية تساعدهم على إدارة الوقت، وأعباء العمل، ما يعكس انتقال الجهاز من دور أداة تقنية إلى دور وسيط يومي بين الطالب ومهامه الأكاديمية.

ولا تقتصر أولويات هذا الجيل على الأداء فقط. فالاستدامة حاضرة بقوة في القرار الشرائي، إذ قال 99 في المائة إن الاستدامة مهمة عند اختيار التقنية. وبرزت المواد عالية الجودة القادرة على تحمّل الاستخدام اليومي لدى 36 في المائة، تلتها قابلية الإصلاح، والدعم طويل الأمد لدى 33 في المائة، ثم الأجهزة المصنوعة من مواد معاد تدويرها، أو ذات أثر بيئي أقل لدى 32 في المائة، والتغليف القابل لإعادة التدوير بالكامل لدى 30 في المائة، والتصنيع المسؤول لدى 29 في المائة. كما ذكر 37 في المائة أن الجهاز الذي يدوم طويلاً ويحافظ على سرعته من الاعتبارات الرئيسة عند الشراء.

وفي الوقت نفسه، تبقى الثقة عاملاً غير قابل للتفاوض. فقد قال 96 في المائة إن من المهم أن يساعدهم الجهاز على الشعور بالأمان، والتحكم، والحماية على الإنترنت. ومع تزايد اعتماد الدراسة، والإبداع، والتواصل الشخصي على الجهاز نفسه، تبدو الخصوصية والأمان من المتطلبات الأساسية لا الميزات الإضافية.

في المحصلة، لا تقول هذه الأرقام إن الطلاب يريدون فقط أجهزة أسرع، أو أنحف، بل إنهم يريدون أدوات قادرة على مواكبة يوم دراسي مرن، ومجزأ، ومثقل بالتشتت، وفي الوقت نفسه مشبع بالإبداع. وهذا ما يجعل المنافسة في هذه الفئة أقل ارتباطاً بالمواصفات الصلبة وحدها، وأكثر ارتباطاً بمدى قدرة الجهاز على الجمع بين الأداء، والمرونة، والتركيز، والدعم الذكي في تجربة واحدة.


بين الابتكار والقلق… «ميتا» ترصد سلوك موظفيها لتعزيز الذكاء الاصطناعي

شعار «ميتا» (رويترز)
شعار «ميتا» (رويترز)
TT

بين الابتكار والقلق… «ميتا» ترصد سلوك موظفيها لتعزيز الذكاء الاصطناعي

شعار «ميتا» (رويترز)
شعار «ميتا» (رويترز)

تعتزم منصات «ميتا» تتبّع طريقة عمل موظفيها، بما في ذلك ضَغطات لوحة المفاتيح ونقرات الفأرة، في خطوة تهدف إلى تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، وسط تزايد القلق داخل أروقة الشركة من تداعيات هذه السياسة على بيئة العمل ومستقبل الوظائف. وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

وأبلغت الشركة، المالكة لمنصتي «إنستغرام» و«فيسبوك»، موظفيها، الثلاثاء، بأن أداة جديدة ستعمل على أجهزة الشركة وتطبيقاتها الداخلية، حيث ستقوم بتسجيل نشاط المستخدمين واستخدامه كبيانات تدريب لتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وقال متحدث باسم الشركة لهيئة الإذاعة البريطانية إن تطوير أنظمة ذكية قادرة على مساعدة المستخدمين في إنجاز مهامهم اليومية يتطلب «أمثلة واقعية لكيفية استخدام الناس لأجهزة الحاسوب فعلياً»، مشدداً على أن البيانات «لن تُستخدم لأي غرض آخر»، مع وجود «إجراءات حماية لضمان أمن المحتوى الحساس».

غير أن هذه التطمينات لم تبدّد مخاوف بعض العاملين. فقد عبّر أحد الموظفين، طالباً عدم الكشف عن هويته، عن قلقه من أن تتحول أدق تفاصيل عمله اليومي مادةَ تدريبٍ للذكاء الاصطناعي، في وقت تتزايد فيه التوقعات بموجة جديدة من تسريح العمال، واصفاً الأمر بأنه «كئيب وقريب من عالم ديستوبيا». وأضاف: «لقد أصبحت هذه الشركة مهووسة بالذكاء الاصطناعي».

كما رأى موظف سابق أن الأداة ليست سوى «وسيلة جديدة لفرض الذكاء الاصطناعي على الجميع»، في تعبير يعكس اتساع الفجوة بين طموحات الإدارة وهواجس الموظفين.

وتأتي هذه الخطوة في سياق تغيّرات أوسع داخل الشركة، التي سرّحت بالفعل نحو 2000 موظف هذا العام عبر جولات تقليص محدودة، في حين تشير تقارير إلى احتمال حدوث تخفيضات أوسع خلال الأشهر المقبلة. كما فرضت «ميتا» الشهر الماضي تجميداً جزئياً للتوظيف، بدا أنه يتجه نحو مزيد من الشمول؛ إذ تراجع عدد الوظائف المعلنة من نحو 800 وظيفة في مارس (آذار) إلى سبع وظائف فقط حالياً، من دون تعليق رسمي على هذه التطورات.

وتُعرف أداة التتبع الجديدة باسم «مبادرة قدرات النماذج» (MCI)، حسب ما أفادت به وكالة «رويترز» التي كشفت عن الخبر أولاً. ورغم أن نشاط الموظفين على أجهزة الشركة كان متاحاً للإدارة سابقاً، فإن تخصيصه وتسجيله بهدف تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي يُعدّ تحولاً لافتاً في نهج الشركة.

ويأتي ذلك بالتوازي مع توجهات أعلنها مؤسس الشركة ورئيسها التنفيذي مارك زوكربيرغ، الذي تعهّد بزيادة الإنفاق على مشاريع الذكاء الاصطناعي بشكل كبير، في مسعى لوضع «ميتا» في صدارة هذا السباق العالمي. وتخطط الشركة لإنفاق نحو 140 مليار دولار على هذا القطاع في عام 2026، أي ما يقارب ضعف استثماراتها قبل عام واحد.

وفي سياق توسعها، استحوذت الشركة في 2025 على نحو نصف شركة «سكيل إيه آي» باستثمار بلغ 14 مليار دولار، كما استقطبت عدداً من كبار مسؤوليها لدعم تطوير نماذج أكثر تقدماً. وكان أول إطلاق بارز بعد إعادة هيكلة مختبر «Meta Superintelligence Labs» نموذج «Muse Spark»، في خطوة تعكس تسارع وتيرة الابتكار داخل الشركة.

وتعوّل «ميتا» على البيانات التي ستجمعها من موظفيها لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر تطوراً، في وقت تتزايد فيه الأسئلة حول الحدود الفاصلة بين الابتكار التقني وخصوصية الإنسان داخل بيئة العمل.

وكان زوكربيرغ قد صرّح في يناير (كانون الثاني) بأن عام 2026 سيكون «العام الذي سيغيّر فيه الذكاء الاصطناعي طريقة عملنا بشكل جذري»، مضيفاً أن مشاريع كانت تتطلب فِرقاً كاملة بات يمكن إنجازها الآن بواسطة «شخص واحد موهوب للغاية» - عبارة تختصر، ربما، التحول العميق الذي يلوح في الأفق... ويحمل في طياته فرصاً واسعة، بقدر ما يثير من قلق إنساني مشروع.


مراكز البيانات المدارية... هل تخفف اختناق الذكاء الاصطناعي أم تبقى حلاً متخصصاً؟

مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)
مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)
TT

مراكز البيانات المدارية... هل تخفف اختناق الذكاء الاصطناعي أم تبقى حلاً متخصصاً؟

مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)
مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)

مع تسارع سباق الذكاء الاصطناعي عالمياً، لم تعد المشكلة الأساسية دائماً في تصميم الشرائح أو توفر الطلب حتى التمويل، بل في الكهرباء والتبريد وسرعة الربط بالشبكات والحصول على التصاريح. من هنا بدأت تظهر فكرة مراكز البيانات المدارية، لا بوصفها خيالاً علمياً خالصاً، بل باعتبارها محاولة للالتفاف على اختناقات البنية التحتية الأرضية التي باتت تؤخر توسيع قدرات الحوسبة. لكن السؤال الأهم ليس هل الفكرة جذابة نظرياً؟ بل هل هي قادرة فعلاً على التحول إلى جزء عملي من بنية الذكاء الاصطناعي، أم أنها ستبقى حلاً محدوداً في تطبيقات متخصصة؟!

يضع شون ماكديفيت، الشريك في «آرثر دي ليتل»، النقاش في إطاره الأكثر واقعية. ماكديفيت لا يتعامل مع المدار باعتباره بديلاً شاملاً للأرض، بل كطبقة قد تستفيد من مزايا يصعب تكرارها على اليابسة، مثل الطاقة الشمسية المستمرة، والتبريد الإشعاعي السلبي، وبعض حالات المعالجة داخل المدار نفسه. ويقول، خلال مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» بوضوح، إن أقوى حجة اليوم ليست «وضع كل الذكاء الاصطناعي في الفضاء»، بل استخدام الفضاء، حيث يمنح «ميزة هيكلية حقيقية». هذه الصياغة مهمة لأنها تخفف من المبالغة الشائعة في الخطاب المحيط بالبنية الفضائية، وتنقل النقاش من فكرة الاستبدال الكامل إلى فكرة التخصيص الذكي.

شون ماكديفيت الشريك في «آرثر دي ليتل»

حوسبة تصطدم بالطاقة

ما يمنح هذه الفكرة بعض الجدية هو أن عنق الزجاجة في الذكاء الاصطناعي تغيّر فعلاً. فبحسب ماكديفيت: «الرقائق موجودة، ورأس المال متاح، والطلب قوي»، لكن النشر يتباطأ بسبب شراء الطاقة، والتصاريح، وتوصيل البنية التحتية، ما يعني أن الاختناق العملي انتقل من سؤال: «هل يمكننا بناء القدرة الحاسوبية؟» إلى سؤال: «هل يمكننا تشغيلها بسرعة؟».

وهنا يبرز مفهوم «سرعة الوصول إلى الطاقة» كعامل أكثر أهمية من مجرد الوصول إلى الحوسبة نفسها. في سوق تتحرك فيه دورات النماذج بسرعة، قد يعني تأخر منشأة في الوصول إلى طاقتها التشغيلية أن نافذتها الاستراتيجية أغلقت قبل أن تبدأ.

من هذه الزاوية تحديداً، تبدو مراكز البيانات المدارية وكأنها تحاول حلّ مشكلة أرضية من خلال بيئة غير أرضية. فالفكرة الأساسية تقوم على أن المدار قد يخفف بعض القيود المتعلقة بالطاقة والتبريد واستخدام المياه حتى طول دورات الترخيص. إلا أن ذلك لا يجعل التحول الواسع إليها قريباً أو سهلاً. ماكديفيت يحسم هذه النقطة بوضوح حين يقول إن «التحول الواسع في المدى القريب من البنية التحتية الأرضية إلى المدارية غير واقعي». السيناريو الأقرب، برأيه، هو نشر انتقائي لعقد حوسبة مدارية في حالات استخدام ضيقة، خصوصاً عندما تكون البيانات أصلاً مولودة في الفضاء، أو حين تكون المرونة التشغيلية أهم من انخفاض زمن الاستجابة. كما يقدّر أن المنصات التجارية لا تزال على بعد 5 إلى 7 سنوات، وذلك إذا انخفضت تكاليف الإطلاق بشكل حاد فقط، ربما إلى أقل من 200 دولار للكيلوغرام بحلول منتصف ثلاثينات هذا القرن.

أعباء تناسب المدار

هنا تبدأ الحدود التقنية والاقتصادية في الظهور بوضوح. فليست كل أعباء العمل متساوية، وليس كل ما يُشغَّل على الأرض قابلاً للنقل إلى الفضاء. الأعمال التي تبدو منطقية في المدار هي المعالجة الطرفية في الفضاء، والمعالجة المسبقة لبيانات مراقبة الأرض والاستشعار، والتحليلات الدفعية المتسامحة مع التأخير، وبعض المحاكاة، والتخزين المصمم للمرونة أو للأرشفة السيادية المقاومة للعبث. أما ما لا يبدو مناسباً بوضوح، فهو السحابة المؤسسية التقليدية، والتطبيقات الاستهلاكية التي تحتاج إلى زمن استجابة منخفض، والاستدلال التفاعلي المكثف، ومعظم أعمال التدريب التي تعتمد على حركة بيانات كثيفة وتجديد سريع للمعدات وسهولة الصيانة. وبكلمات ماكديفيت: «الأعباء الثقيلة من ناحية النطاق الترددي، لكنها متسامحة مع التأخير هي مرشحة أفضل من الأعباء الحساسة للزمن والتعاونية بكثافة».

هذا التمييز مهم، لأنه يعيد ضبط التوقعات. فإذا كان كثير من تطبيقات الذكاء الاصطناعي التجارية اليوم قائمة على التفاعل السريع مع المستخدمين، فإن المدار لا يقدم بديلاً عملياً لها، على الأقل في المستقبل المنظور. حتى في المدارات الأرضية المنخفضة، التي تعد أفضل من المعماريات الأبعد، تبقى الكمونات الزمنية عاملاً حاسماً يحدّ من القدرة على منافسة البنية الأرضية في التطبيقات اللحظية الموجهة للمستخدم. لذلك، فإن أفضل ما يمكن للمدار أن يقدمه حالياً ليس استضافة «السحابة الذكية» العامة، بل تقليل الحاجة إلى تنزيل كل البيانات الخام إلى الأرض من خلال معالجتها عند المصدر، ثم إرسال الرؤى أو النتائج فقط. وهذه نقطة بالغة الأهمية في عالم تزداد فيه أحجام بيانات الأقمار الصناعية بوتيرة سريعة.

البنية الأرضية ستبقى الخيار الأساسي لأنها أكثر نضجاً وأسهل في الصيانة والتوسع وأوضح من حيث الجدوى الاقتصادية (شاترستوك)

تفوق الأرض اقتصادياً

اقتصادياً، لا تزال الأرض تتفوق بوضوح. فالتوسع في مراكز البيانات الأرضية يبقى الخيار الافتراضي لأنه يستفيد من منظومات قائمة بالفعل كسلاسل توريد، وقابلية إصلاح وصيانة، وتمويل معروف، وبنية تشغيلية ناضجة. لذلك، كما يشير ماكديفيت، تصبح النماذج المدارية مثيرة للاهتمام فقط عندما تكون «التكلفة المتجنبة لتأخير البنية الأرضية مرتفعة جداً»، أو عندما يحل المدار مشكلة لا تستطيع الأرض حلّها «بأناقة». حتى مع الإشارة إلى تحليلات منشورة من «غوغل» تفترض إمكان الوصول إلى نوع من التكافؤ الاقتصادي إذا انخفضت تكاليف الإطلاق إلى أقل من نحو 200 دولار للكيلوغرام بحلول منتصف الثلاثينات، يبقى الاستنتاج الحالي واضحاً؛ نحن أمام نشر مداري محدود وموجّه، لا أمام إحلال واسع.

وإذا كان الجانب الاقتصادي لا يزال حذراً، فإن الجانب التقني أكثر تعقيداً. فالقائمة التي يذكرها ماكديفيت طويلة، تشمل توليد الطاقة وتخزينها في المدار والتحكم الحراري ومقاومة الإشعاع وإدارة الأعطال بشكل ذاتي وشبكات ضوئية عالية السعة وبوابات أرضية قابلة للتوسع وإدارة الحطام الفضائي والتجميع الروبوتي، ثم قبل كل شيء تحديث الأجهزة. وهذه النقطة الأخيرة قد تكون من أكثر العقبات حسماً، لأن اقتصاديات الذكاء الاصطناعي تتحرك بسرعة شديدة، وأي منصة لا يمكن ترقيتها أو صيانتها بكفاءة قد تصبح قديمة قبل أن تسترد رأسمالها. لذلك، فإن التجارب الحديثة، مهما بدت لافتة، يجب أن تُفهم باعتبارها «إثباتات مفهوم»، لا دليلاً على نضج منظومة متكاملة جاهزة للسوق.

التوسع المداري الواسع لا يبدو واقعياً قريباً بسبب تعقيدات الإطلاق والتشغيل والتحديث التقني والتنظيم (شاترستوك)

تنظيم يحدّ التوسع

قد يكون البعد التنظيمي والجيوسياسي بطيئاً لكنه مؤثر. فحين تتحول الحوسبة المدارية إلى جزء من بنية رقمية ذات أهمية استراتيجية، تبدأ أسئلة السيطرة والاختصاص والسيادة في الظهور بقوة؛ من يملك هذه البنية؟ من ينظمها؟ من يضمن أمنها؟ ومن يملك حق تشغيل قدرة حاسوبية قد تصبح حيوية لقطاعات مثل الاستشعار الدفاعي أو النسخ الاحتياطي السيادي أو معالجة بيانات الأقمار الصناعية؟

ماكديفيت يشير إلى طيف واسع من العوائق، من تخصيص الطيف وإدارة الحركة المدارية وقواعد الحطام، إلى ضوابط التصدير، والهواجس الأمنية، وحوكمة الأمن السيبراني. هذه العوائق قد لا تمنع التبني، لكنها قد تبطئه وتجزئ السوق جغرافياً وسياسياً.

لهذا كله، تبدو المبالغة أكبر خطر يواجه هذا التصور اليوم. ماكديفيت يقرّ بأن هناك «خطراً حقيقياً» من أن يبالغ القطاع في تقدير الدور الذي ستلعبه البنية المدارية في الذكاء الاصطناعي إذا انزلق النقاش من الاستخدامات الانتقائية إلى سردية الاستبدال الشامل. لكن هذا التحفظ لا يلغي وجود فرصة فعلية. فربما لا يصبح المدار موطناً للطلب الرئيسي على الذكاء الاصطناعي، لكنه قد ينجح تجارياً في شريحة محددة من التطبيقات التي تتضرر بشدة من اختناقات الأرض أو تملك أفضلية طبيعية حين تتم معالجتها في الفضاء. وبذلك، فإن القضية ليست ما إذا كانت مراكز البيانات المدارية «المستقبل» كله، بل ما إذا كانت ستصبح جزءاً من المستقبل في أماكن بعينها.

يمكن الاستخلاص من حديث ماكديفيت أن المدار قد يصبح جزءاً من البنية الطبيعية لقطاعات مثل مراقبة الأرض والاستشعار المرتبط بالدفاع والنسخ السيادي الاحتياطي وبعض أعباء الذكاء الاصطناعي المتسامحة مع التأخير. أما البنية الأرضية فستبقى القلب الرئيسي للحوسبة العالمية، لأنها أسهل في الصيانة، وأسهل في التوسع التدريجي، وأكثر ملاءمة للجزء الأكبر من الطلب منخفض الكمون. بذلك، لا تبدو مراكز البيانات المدارية حلاً سحرياً لأزمة بنية الذكاء الاصطناعي، لكنها ليست مجرد خيال تقني أيضاً. الأقرب أنها ستظل، في المستقبل القريب والمتوسط على الأقل، طبقة متخصصة ذات قيمة حقيقية، ولكن ضمن حدود واضحة لا ينبغي تجاهله.