«وادي فاطمة»... شريان مياه عذبة أنعش مدينة جدة

«وادي فاطمة»... شريان مياه عذبة أنعش مدينة جدة

كيف نهضت بالمدينة تجارياً وصناعياً وخدمياً؟
الجمعة - 19 صفر 1441 هـ - 18 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [ 14934]
جدة: سعيد الأبيض

على مدى قرون؛ شكّل نقص المياه هاجساً لأهالي مدينة جدة السعودية وزوارها من الحجاج وغيرهم؛ ما أثّر بشكل مباشر على طبيعة الحياة فيها.

ويعود تأسيس جدة إلى أكثر من 3 آلاف عام؛ إذ شيدها مجموعة من الصيادين، بحسب روايات تاريخية، وسكنتها قبيلة قضاعة قبل أكثر من 2500 عام، وظهرت بشكل لافت مع انتشار الإسلام في الجزيرة العربية فأصبحت بوابة الحرمين الشريفين.

وخلال حقب مختلفة تصدى سكان وأعيان جدة للأزمات المائية، من خلال جمع تبرعات من القادرين لجلب مياه من مواقع تبعد عنها عشرات الكيلومترات، إضافة إلى محاولات حكام المدينة توفير المياه بطريقة إسعافية لا تدوم طويلاً، ما كان يشكل عبئاً على المدينة التي أصبحت محط الأنظار لوجودها على البحر الأحمر، وكونها ممراً مهماً للتجارة.

ومع تقدم الوسائل التقنية لإنتاج المياه، ظهرت ماكينات لقطر الماء العذب من الماء المالح قبل أكثر من 120 عاماً، وكان هذا الاختراع بمثابة تحول لمدينة جدة، التي استقطبت الماكينة عام 1907، واستفادت كثيراً من هذا الابتكار الذي نجح في توفير قرابة 300 طن يومياً.

وقدمت هذه الماكينة التي أطلق عليها سكان المدينة حينها «الكنداسة» دوراً مهماً في تلك الأيام، رغم أن الماكينة لم يكن شأنها كبيراً في توفير المياه بمعدلات كبيرة يتوافق مع العرض والطلب؛ لأن المدينة تشهد وصول آلاف الزوار والمعتمرين، فإنها كانت توفر المياه ولم ينقطع حتى عام 1909 عندما تعطلت، وكانت المدينة في أشد الحاجة إلى توفير المياه، وأصلحت وعادت للإنتاج واستمرت في الإنتاج بتقطع حتى 1927.

وعندما انقطع الفحم الحجري في جدة أصبح الاعتماد على تشغيلها بالحطب، فعجّل ذلك في خرابها ولم تجدِ كل المحاولات لإصلاحها، وقامت الجهات المعنية آنذاك باستيراد آلتين كبيرتين في العام ذاته للقيام بمهمة تقطير الماء، ومع النمو السكاني وتزايد أعداد الحجاج لم تكن «الكنداسة» قادرة على توفير الاحتياجات، وحينما قل إنتاجها هزّت أزمة المياه مدينة جدة، وحينها أطلق الملك عبد العزيز آل سعود - يرحمه الله - فكرة إنشاء إدارة العين العزيزية وأخذ زمام الأمور لحل مشكلة المياه في المدينة.

وفي تقرير للبعثة الأميركية الزراعية التي استقدمها الملك عبد العزيز عام 1942؛ للبحث عن الأوضاع الزراعية والمائية في السعودية أوردت في تقريرها، أنه يمكن الحصول على تموين مائي وافر من عيون جارية بوادي فاطمة يكفي لتموين مدينة جدة بالماء العذب وسدّ الحاجة، وهذا ما ارتكزت عليه إدارة العين العزيزية بعد قرار إنشائها في جلب المياه إلى المدنية، وكانت هناك الكثير من المصاعب التي تواجها الإدارة في كيفية جلب المياه، خصوصاً أن «وادي فاطمة» يبعد عن جدة عشرات الكيلومترات، وهذه المسافة تحتاج إلى معدات وناقلات وأدوات حديثة لجلب المياه بمواصفات عالمية.

بدأت إدارة العين العزيزية عام 1946 تنفيذ مشروعها على مرحلتين، الأولى جلب قسم من الماء من عين أبي شعيب داخل خط الأنابيب، ثم مدّ خط الأنابيب من عين أبي شعيب حتى مدينة جدة بمسافة 65 كيلومتراً، وأن تكون مسافة خط الأنابيب الممدودة من عين أبي شعيب إلى خزان الضغط بمسافة 42 كيلومتراً، بقطر 12 بوصة، وهي مسافات طويلة تحتاج إلى الكثير من العمل والجهد.

وفي المرحلة الثالثة، عمدت العين العزيزية إلى مد خط أنابيب المياه إلى محال التوزيع بأقطار تتراوح بين 10 و12 بوصة، كما بنت إدارة العين خلال المرحلة الثانية لمشروع وادي فاطمة خزاناً احتياطياً في الكيلو 14 جنوب جدة، يتسع لنحو مليون جالون، وبناء 6 خزانات ضخمة بصمامات كهربائية منها 4 خزانات إضافية مهمتها تطهير جميع المياه التي ترد من سائر الخزانات إلى مدينة جدة.

وفي عام 1947 احتفلت جدة بحضور ولي العهد الأمير سعود بن عبد العزيز - يرحمه الله - وجمع من أهالي وأعيان المدينة، بوصل خط المياه الأول من وادي فاطمة إلى مدينة جدة بسعة 15 بوصة ممتد من عين البرقة في وادي فاطمة إلى مدينة جدة، وكان يتدفق منه 750 ألف جالون من الماء يومياً.

هذا الإنجاز، سمح لمدينة جدة أن تنمو وتتطور وتتسع رقعتها خارج نطاق السور التاريخي، فأصبحت مع وفرة المياه وتدفقها من أهم المدن السعودية والبوابة التجارية لها وأكسبها أهمية كبيرة بالنسبة لحركة التجارة الدولية مع الأسواق الخارجية، وعاشت نهضة صناعية كبيرة وتطور في جميع المجالات التجارية والخدمية، وباتت من أكثر المدن استقطابا للأعمال في تلك الحقبة، كما أنشئ بها أول مطار دولي لاستقبال المقادمين من مختلف دول العالم.

وفي وقتنا الراهن، تعتمد المدينة على ما تنتجه المؤسسة العامة لتحلية المياه الذي يغطي احتياج المدينة التي وصلت مساحتها إلى أكثر من 1600 كيلومتر مربع ويسكنها قرابة 4.5 مليون نسمة، وجرى الاستغناء تماماً عن مياه وادي فاطمة، الذي تعود ملكية أجزاء كبيرة من الأراضي حوله لإدارة العين العزيزية، في حين لا يزال عدد من الآبار يعمل ويستفاد منها في أعمال متنوعة.


السعودية السعودية

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة