النموذج الهولندي لتطوير اللاعبين الشباب يعتمد على سياسة «إما الغرق أو السباحة»

لا يلعبون في دوري الناشئين بل يلعبون أمام الكبار في دوري الدرجة الثانية

فريق الشباب بنادي أياكس أمستردام فاز بلقب دوري الدرجة الثانية في موسم 2017-2018
فريق الشباب بنادي أياكس أمستردام فاز بلقب دوري الدرجة الثانية في موسم 2017-2018
TT

النموذج الهولندي لتطوير اللاعبين الشباب يعتمد على سياسة «إما الغرق أو السباحة»

فريق الشباب بنادي أياكس أمستردام فاز بلقب دوري الدرجة الثانية في موسم 2017-2018
فريق الشباب بنادي أياكس أمستردام فاز بلقب دوري الدرجة الثانية في موسم 2017-2018

على الرغم من أن نادي أياكس أمستردام الهولندي كان على وشك الوصول للمباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا الموسم الماضي، يبدو الدوري الهولندي الممتاز وكأنه لا يجذب أنظار الأندية الإنجليزية عندما تبحث عن التعاقد مع لاعبين جدد، والدليل على ذلك أن لاعبين اثنين فقط انتقلا من الدوري الهولندي الممتاز إلى الدوري الإنجليزي الممتاز خلال الصيف الجاري.
ومن قبيل الصدفة أن هذين اللاعبين قد انتقلا إلى صاحبي المركز الأول والثاني في جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز الموسم الماضي؛ حيث دفع مانشستر سيتي لنادي بي إس في آيندهوفن 5.3 مليون جنيه إسترليني للحصول على خدمات أنجيليانو، في حين تعاقد ليفربول مع سيب فان دن بيرغ البالغ من العمر 17 عاما من نادي زفوله مقابل 4.4 مليون جنيه إسترليني. وفي المقابل، تعاقدت أندية الدوري الإنجليزي الممتاز مع ستة لاعبين من بلجيكا مقابل 98 مليون جنيه إسترليني.
وبعيدا عن الأندية الستة الأوائل في الدوري الهولندي الممتاز، فإن ميزانيات الأندية صغيرة وتتراوح بين 7 ملايين يورو و17 مليون يورو، أي ما يعادل تقريبا ميزانيات أندية القمة في دوري الدرجة الثانية أو أندية القاع في دوري الدرجة الأولى بإنجلترا. ومع ذلك، تجب الإشارة إلى أن الدوري الهولندي الممتاز قد أفرز الكثير من المواهب في الماضي، مثل دينيس بيركامب، ورود فان نيستلروي، ولويس سواريز، وهم اللاعبون الذين حصلوا على لقب هداف الدوري الهولندي الممتاز قبل أن ينتقلوا إلى الدوري الإنجليزي الممتاز ويتألقون هناك بصورة ملحوظة. وعلاوة على ذلك، تألق النجمان البرازيليان روماريو ورونالدو وحصل كل منهما على الحذاء الذهبي كهداف للدوري الهولندي الممتاز.
لكن أبرز المهاجمين في الدوري الهولندي الممتاز لم يحققوا النجاح المتوقع في إنجلترا خلال السنوات الأخيرة، فقد حصل المهاجم الصربي ماتيا كيزمان على لقب هداف الدوري الهولندي ثلاث مرات، لكنه فشل مع تشيلسي. كما عانى ويلفريد بوني كثيرا فور انتقاله إلى مانشستر سيتي، ويتدرب الآن مع نادي نيوبورت كاونتي، كما لم ينجح فينسنت يانسن في تقديم الأداء الذي يتناسب مع سعره البالغ 17 مليون جنيه إسترليني عندما انتقل إلى توتنهام هوتسبير.
وفي وقت سابق من الشهر الجاري، قضيت أسبوعا في هولندا مع فريقي الشباب بناديي بورتون ألبيون وإبسويتش تاون، اللذين كانا يشاركان في برنامج تعليمي في مجال كرة القدم. وقد أعطتنا هذه الرحلة الفرصة لكي نتعلم الكثير عن الأنظمة التي تستخدمها الأندية الهولندية مع اللاعبين الشباب. وتملك معظم الأندية الكبرى في هولندا فريقا ثانيا من الشباب يلعب في دوري أدنى ضد الفرق الأولى للأندية– وليس ضد أقرانهم ممن هم في نفس المرحلة العمرية – في بطولات تتراوح بين دوري الدرجة الثانية وحتى دوري الدرجة الرابعة.
وفي خضم هذه المعركة الكروية، يتطور بعض اللاعبين ويفشل البعض الآخر في تحمل الصعوبات، لكن لا يمكن ترقية فريق الشباب بأي ناد إلى الدوري الذي يلعب فيه الفريق الأول لهذا النادي. وبالتالي، عندما فاز فريق الشباب بنادي أياكس أمستردام بلقب دوري الدرجة الثانية في موسم 2017 – 2018، لم يتم تصعيده إلى الدوري الهولندي الممتاز، لكنه ظل يلعب في دوري الدرجة الثانية وحاول الدفاع عن لقبه في الموسم التالي.
وتشبه فرق الشباب في هولندا إلى حد كبير فرق الرديف في الدوري الإنجليزي الممتاز. ومن المفترض أن يكون جميع لاعبي الفريق تحت 23 عاما ومن اللاعبين المحليين، لكن هذا لا يحدث وتضم هذه الفرق الكثير من اللاعبين الأجانب. وهناك أربعة فرق من فرق الشباب في دوري الدرجة الثانية في هولندا هذا الموسم: أياكس أمستردام للناشئين، وإيه زد ألكمار للناشئين، وبي إس في آيندهوفن للناشئين، وأوتريخت للناشئين.
ويتولى كل من مارك أوفر مارس ووينستون بوغارد القيادة الفنية لفريق أياكس أمستردام للناشئين، والذي يصل أعمار لاعبيه إلى 20 عاما أو أقل، باستثناء حارس المرمى الذي يبلغ من العمر 22 عاما. أما أعمار لاعبي إيه زد ألكمار للشباب، والذي يقوده لاعب مانشستر سيتي السابق مايكل فونك، فتتراوح بين 17 و22 عاما. وينطبق نفس الأمر على فريق أوتريخت للشباب، الذي يضم ثلاثة لاعبين أجانب: ألماني وروماني وبيلاروسي.
وفي بطولة يتراوح فيها معدل الحضور الجماهيري بين ثلاثة آلاف وثمانية آلاف متفرج، بلغ متوسط الحضور الجماهيري لفريق الشباب بنادي بي إس في آيندهوفن 771 متفرجا فقط في المباراة خلال الموسم الماضي، مقابل 695 لجمهور فريق أياكس للشباب، و629 لفريق أوتريخت للشباب. ويتضح من هذه الأرقام المتدنية للحضور الجماهيري أن الجمهور لا يحب مشاهدة فرق الشباب، وخاصة ضد لاعبي الفريق الأول للأندية الأخرى، وهو ما يعني أن الخاسر الأول والأخير في هذا الأمر هو الفريق الأول الذي يلعب أمام فريق الشباب. ويتم تطبيق هذا النظام في كافة الدوريات في كرة القدم الهولندية، لكنه يتغير بشكل كبير بعد الدوري الممتاز ودوري الدرجة الأولى.
وعلى عكس الوضع في المملكة المتحدة، فإن معظم الأندية الهولندية لا تتعاقد إلا مع اللاعبين الموهوبين فقط. فنادي مثل «إن إيه سي بريدا»، الذي هبط من الدوري الهولندي الممتاز الموسم الماضي، لديه سبعة لاعبين فقط يحصلون على أجر في الفئة العمرية الأقل من 20 عاما. ونظراً لأن النادي لا يزال لديه نحو 40 لاعبا بين أقل من 17 عاما وأقل من 19 عاما، فهناك منافسة شرسة بين اللاعبين من أجل إقناع مسؤولي النادي بتوقيع عقود معهم.
وبعدما استمتعنا بالضيافة في هولندا، انتقلنا عبر الحدود الألمانية؛ حيث خسر فريق ايبسويتش تحت 18 عاما أمام فريق باير ليفركوزن تحت 19 عاما. وقبل بضع سنوات، قرر باير ليفركوزن حل فريقه الرديف، الذي كان يلعب في دوري الدرجة الرابعة، نظرا لأنه يرى أن المستوى متدن للغاية وأن هناك فجوة هائلة بين مستوى هذا الفريق ومستوى الفريق الأول الذي ينافس على المشاركة في بطولة دوري أبطال أوروبا.
لكن هذا القرار لم يحظ بإجماع كل مسؤولي أكاديمية الناشئين بالنادي، لكنهم بدلا من ذلك يتركون أفضل اللاعبين الشباب لأندية أخرى على سبيل الإعارة من أجل الحصول على الخبرات اللازمة. ومرة أخرى، يجب التأكيد على أنه لا يتم التعاقد إلا مع اللاعبين المميزين للغاية من اللاعبين الذين تقل أعمارهم عن 19 عاما. ولم يتعاقد النادي إلا مع لاعبين اثنين فقط من هذه المرحلة العمرية الموسم الماضي.
لكن تسريح هذا العدد الكبير من اللاعبين في سن 19 عاما يعني أن بعض هؤلاء اللاعبين قد يقدمون مستويات جيدة بعد ذلك ويحاول النادي مرة أخرى الحصول على خدماتهم بمقابل مادي كبير. فقد تخلى باير ليفركوزن عن خدمات لاعب خط الوسط كيفين كامبل حتى قبل أن يشارك اللاعب في أي مباراة مع الفريق الأول، لكن بعد أربع سنوات دفع النادي 10 مليون جنيه إسترليني للتعاقد معه مرة أخرى، قبل أن يبيعه بعد ذلك لنادي لايبزيغ بضعف هذا المبلغ. ومع ذلك، لا يبدو النادي منزعجا مما حدث، ويصر على أن «الجودة» هي المعيار الوحيد للتعاقد مع اللاعبين وأن الأمر لا علاقة له بـ«العدد» على الإطلاق.


مقالات ذات صلة

تقارير إعلامية: مانشيني وقّع عقداً لتدريب إيطاليا

رياضة عالمية مانشيني (الشرق الأوسط)

تقارير إعلامية: مانشيني وقّع عقداً لتدريب إيطاليا

كشفت تقارير إعلامية إيطالية توقيع المدرب مانشيني عقداً مع الاتحاد الإيطالي لتولي منصب المدير الفني.

«الشرق الأوسط» (روما)
رياضة عالمية منتخب آيرلندا سيواجه إسرائيل خارج البلاد (رويترز)

«دوري الأمم الأوروبية»: آيرلندا ستواجه إسرائيل في ملعب محايد دون جمهور

قال الاتحاد الآيرلندي لكرة القدم، الجمعة، إن منتخب آيرلندا سيخوض مباراته المقبلة في دوري الأمم الأوروبية أمام إسرائيل على ملعب محايد ودون حضور جمهور.

«الشرق الأوسط» (دبلن)
رياضة عالمية النجم الدنماركي كريستيان إريكسن (يسار) في ودية أوكرانيا (إ.ب.أ)

إريكسن: ما تعرضت له مختلف عن أزمة 2021

أكد النجم الدنماركي كريستيان إريكسن على أنه بخير، مضيفا أنه بدأ برنامج التعافي بعد خروجه من المستشفى بعد أقل من 24 ساعة من سقوطه خلال مباراة ودية أمام أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
رياضة عالمية كريستيان إريكسن لاعب خط وسط الدنمارك (رويترز)

الدنماركي إريكسن يتعافى في منزله

قال كريستيان إريكسن لاعب خط وسط الدنمارك إنه عاد إلى منزله، الاثنين، وإنه يتعافى بشكل جيد مع عائلته.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
رياضة عالمية إيطاليا هزمت اليونان وديا (أ.ب)

إيطاليا تهزم اليونان وديّاً استعداداً لدوري الأمم الأوروبية

فاز المنتخب الإيطالي على نظيره اليوناني 1/صفر، مساء الأحد، في مباراة ودية دولية.

«الشرق الأوسط» (هيراكليون)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.