«مشروع سلمى»... في كل قطعة شوكولاته مذاق مُرهف

فكرة بدأت في مصنع صغير وتبلورت في عُمان وفلسطين

سلمى الحجري تجلب العسل من المزارع
سلمى الحجري تجلب العسل من المزارع
TT

«مشروع سلمى»... في كل قطعة شوكولاته مذاق مُرهف

سلمى الحجري تجلب العسل من المزارع
سلمى الحجري تجلب العسل من المزارع

قطعٌ فاتنة بها عبقٌ لم نألفه يُضفِيه اللبان العماني المأخوذ من أشجار بلاده التي عرُف بها عبر التاريخ. ولا يمكن مقاومة «لوح شوكولاته» تكون الطبيعة حاضرة فيه إلى هذه الدرجة، حيث الزعتر يُجلب من الجبال، هناك أيضاً ماء ورد، وشاي أخضر وليمون، وزنجبيل وعسل، وحليب طازج، كلها مكونات محلية أصيلة تُضاعف من التأثير العاطفي لكل قطعة؛ بعد أن تُحضر من الحقول لتُذوب في الفم حباً مُرَهفاً.
Salma's Chocolates شركة عمانية كان لها السبق في صناعة الشوكولاته، فمنذ عشر سنوات نجحت سلمى الحجري مع شريكتها عائشة، في انتهاج خطٍ جريء يعتمد على نكهات غريبة وتقليدية تحمل رائحة سلطنة عمان وحضارتها.
قد لا يُحسن المرء تمييز الشوكولاته المصنعة يدوياً عن سواها، لكن الذواقة والخبراء حتماً يجيدون الفرق ومن أول قضمة، كما تقول المؤسّسة الشريكة لشركة «سلمى» للشوكولاته، مؤكدة أن من أبرز الفروق التي يمكن ملاحظتها النكهة المستخدمة، ونسبة السكر إذ تتميز الشوكولاته اليدوية بنسبة معتدلة في السكر، في حين تظهر نكهة الحليب بوضوح في نظيرتها المُصنعة عن طريق الآلات بُغية خفض التكلفة.
يمر إنتاج الشوكولاته بمراحل معقدة، تشرح سلمى لـ«الشرق الأوسط» بالقول: «أولى المراحل تجميع حبوب الكاكاو من الدول المنتِجة، مثل أفريقيا وأميركا الوسطى، وبطبيعة الحال تختلف الجودة والطعم من بلد إلى آخر، وبعد التجميع والتصفية تتولى مصانع ضخمة في أوروبا عملية طحن وعجن الحبوب وخلطها بالسكر والحليب بنسب متفاوتة لتصل إلى صنّاع الشوكولاته على هيئة حبوب أو قوالب كبيرة». مشيرة إلى أن تصنيع الكاكاو لا يندرج في مهام شركتهم؛ لأن تحويل الكاكاو إلى عجينة شوكولاته في حاجة إلى عمليات طويلة ومكلفة.
الابتسامة لذّة هذا العمل؛ لذا تتهلل أسارير «عاشقة الشوكولاته» مع فريقها، محاولة أن تكون سعيدة حتى تنتقل عدوى البهجة إلى الزبون فيضحك وجهه هو أيضاً عند تذوقها. وتقول في ذلك: «يهمني أن يحوز المنتج إعجابي قبل إعجاب أي أحد آخر».
الشوكولاته «الحقيقية» في أغلبها تصافحها يد حانية؛ قالتها بعفوية فيها من جمالية الشِعر؛ متابعة: «الصناعة اليدوية لها مذاق خاص. فيها نعرف بالضبط ماذا وضعنا في القطعة، ولا تتشابه قطعتان قط؛ بينما تفتقر تلك المُصنعّة عبر الماكينات إلى روح الشغف».
وتتصدر الحلويات العمانية قائمة منتجات «سلمى»، ولا سيما التي توشك على الاندثار ولم يعد الشباب يعرفونها مثل الحلوى العمانية الشهيرة وحلوى جوز الهند والماهو «حلوى الحليب».
- لا تتشابه قطعتان
في الأعوام الأخيرة أوجدت سلمى الحجري مكانة لافتة لمشروعها، نائلة «جائزة محمد بن راشد آل مكتوم» لأفضل مشروع شبابي ناشئ في الوطن العربي لعام 2014.
مصنعها الصغير يشتري الحبوب والقوالب ثم يُعرّض الشوكولاته إلى مختلف درجات الحرارة، بدءاً بالتذويب، مروراً بالتبريد، وانتهاءً بالتشكيل، بعدها تضاف النكهات المتنوعة وتُشكّل إما بالقوالب أو التغميس، وفور أن تجمد القطع يعمل الفريق على تغليفها يدوياً، ومن ثم تعبئتها.
وبحسب تجربتها، فإن إنتاج مذاقٍ خاص يتطلب رغبة في التميز بالدرجة الأولى، وتفكيراً إبداعياً يوجد آلية للصناعة لا تتوفر في السوق.
دورة في إيطاليا كانت أول خطوة لسلمى في مشوارها الذي تعلمت فيه تقنيات العمل، وفي كل مرة تسافر فيها مع شريكتها عائشة تتعلمان معاً طرقاً جديدة لتحضير الشوكولاته وفق معايير تتناسب مع الثقافة العربية، مضيفة: «في كل مرة نأتي بفكرة نخضعها للتجربة مرات عدة إلى أن تنجح مثل الكراميل بدبس التمر».
بعد عمل لمدة عامين من منزلها أخذ مشروع «سلمى» يحقق نجاحاً على المستوى المحلي ناهيك عن أن الشوكولاته لاقت إعجاب السياح الأجانب ممن يزورون السلطنة، وكل من تذوقها خارج البلاد أشاد بطعمها، والكلام للشابة العمانية.
سألتها عن دور الماكينات الحديثة في الصناعة اليدوية، فقالت إن مهمتها تقتصر على المساعدة في التذويب والتحكم بدرجة حرارة الشوكولاته فقط، في حين ترتكز العملية الأساسية على أيادي فريق يتكون من ثمانية أشخاص «بمن فيهم عائشة وسلمى» يتمتعون بروح الابتكار، ويعتمدون أسلوب البساطة في تسويق منتجهم.
تقول إن الشوكولاته اليدوية في الوطن العربي ذات صيت جيد، إلا أن ثمة صعوبات تقف عائقاً أمام استمرار هذا النوع من المشاريع، تفصح عنها: «نواجه صعوبة في إيجاد ممولين للشوكولاته وموادها الخام، وفي المقابل طريق التصدير يُعد شائكاً؛ ذلك أن الكثير من الدول تفتقد إلى شركات متخصصة في تصدير الشوكولاته بكميات صغيرة، ناهيك عن نقص واضح في الخبرة بهذا المجال».
«العمانية» سلمى لطالما رفعت شعار «صامدون» وها هي اليوم تصرّح بأنها وفريقها بصدد دراسة قرار إغلاق مصنعهم، تحدثني عن ذلك بكل شفافية: «يعز علينا القول إن فكرة الإغلاق تراودنا، لقد كافحنا طويلاً كغيرنا على مدار السنوات الثلاثة الماضية للمحافظة على الشركة، إلا أن الأزمة الاقتصادية التهمت صغار المصنعين يدوياً، لقد وصلنا إلى مرحلة نعجز فيها عن شراء المواد الخام».
وتضع على الطاولة حقيقة مفادها أن معدلات الطلب في السوق لم تعد مثل السابق نتيجة ارتفاع سعر المواد الأساسية وانخفاض سعر البترول في منطقة الخليج؛ مما أثر سلباً على اقتصاد البلاد، كما أن هذه الصناعة مع الأسف تتعرض لـ«نسخ الأفكار» من البعض واستخدام مواد خام رديئة، تقولها بنبرة أسف.
وتنصح الراغبين في دخول هذا الغمار بعبارة أخيرة: «مواجهة التحديات تتطلب منكم استعداداً عالياً، ومن دون عزيمة وقوة لن يفلح الأمر».
- الفلسطيني لا يُدللّ نفسه
معالم سياحية ودينية تذكّرنا بالتاريخ التليد في محافظة بيت لحم تشد الانتباه ما أن تُلمح على غلاف شوكولاته، حيث تتنوع النكهات المحلية ما بين الفلفل الحار أو القرفة أو النسكافيه أو القهوة، وقد تغطسّ الفواكه المجففة بها، ومنها ما يُحشى بأصناف من المكسرات تنتقي «صاحبتها» أجود الأنواع منها فتخلط مثلاً الجوز مع العسل، ويسمى هذا الصنف «بيكان».
«يرى البعض أن الشوكولاته ترفاً عند مواطن فلسطيني مطحون.. ما رأيك؟». ماجدة سلسع، صاحبة متجر «سويتي» الذي يشتمل في أحد أركانه على مصنع صغير، يأتي جوابها صريحاً: «قانون الحياة هنا ينص على أن الفلسطيني يشتري الشوكولاته في المناسبات لا لمجرد أن يدللّ نفسه بسبب الظروف الاقتصادية القاهرة».
وتؤكد أن الزبون هو سيد الموقف في تحديد نوع المنتج، وبناءً على تجربتها لا يمكن المجازفة بإنتاج كميات كبيرة من صنف معين لا تطلبه السوق وقد يكون عالي التكلفة.
- Sweetie Chocolate
صار اليوم بمدينة بيت لحم كـ«يَراعة مضيئة» في واقع قاسٍ، أطلقته ماجدة عام 2008 بعد تقاعدها؛ إذ لم يكن في تلك الفترة رواج للصناعة الوطنية، بل كان الاعتماد كله على الشوكولاته المستوردة، وفقاً لها.
ولا تمل السيدة التلحمية من التدقيق في اختيار أجود المدخلات إلى هذه الصناعة؛ إذ تنتقي أفضل أنواع «التمر المجول» كما تولي عناية فائقة للمواد الخام التي تدخل في تصنيع حشوات الشوكولاته.
تتحدث ماجدة لـ«الشرق الأوسط» عن رحلتها مع «سعادة» على هيئة قطعة داكنة؛ بالقول: «أردتُ أن يكون مشروعي جديداً وبعيداً عن (التقليدية) التي تعجّ بها السوق المحلية، كان اختيار الشوكولاته صعباً بالنسبة لي لعدم توفر مرجعية سابقة في ذلك الحين يمكن الاستقاء من خبراتها، وبطبيعة الحال تغير الأمر الآن بعد أن فرضت الكثير من المصانع احترامها في مناطق فلسطينية عدة، وباتت قادرة على منافسة الصناعات الأجنبية».
درست المرأة ملياً الفكرة من كل جوانبها، وتوقعت أن يخرج منها إنجاز مميز، ولا سيما أنها ترتبط بمناسبات مفرحة «زواج وتخرج ومواليد وأعياد... إلخ»، وهكذا انطلق من بيت صغير مشروع عائلي يشاركها فيه بالجهد والشغف زوجها وأبناؤها، تخبرني عن بداياتها بروح مفعمة بالحب: «في السنوات الأولى عملت بطريقة يدوية بحتة وبأدواتٍ في غاية البساطة، لقد لاحظت أن تميز العمل اليدوي يكمن في طحن مكونات الشوكولاته على درجة حرارة أقل من درجة حرارة الماكينات المتطورة ولمدة أطول وبكميات أقل، دعيني أختصر الأمر هكذا: التصنيع اليدوي يعني أن نهتم بكل قطعة شوكولا على حدة، والنكهة الطيبة تأتي من المدة الطويلة للطحن».
- السوق... لغة واقعية
«عملية تصنيع الشوكولاته تحتكم إلى عوامل بيئية ودرجات حرارة محددة مع مراعاة أقصى درجات النظافة؛ المسألة ليست سهلة»، ومضة أخرى تضعها على طريق كل من يود اللحاق بعمل من هذا القبيل، مؤكدة أن المكان يجب أن يكون مهيأ للشوكولاته وليس لأغراض أخرى.
تعرفت على المبادئ العامة لصناعة الشوكولاته في زيارة إلى فرنسا، وفي الأردن سنحت لها الفرصة لزيارة مصانع لتطلع عن كثب على بعض التفاصيل، لقد أدركت تماماً أن المشوار لا يخلو من مخاطرة وجرأة وتحدٍ ومواظبة واهتمام، حسب تعبيرها.
بشكلٍ عام؛ تحدث هذه العملية بجلب كل المكونات «زبدة الشوكولاته والكاكاو والسكر، وهناك شوكولاته بحليب وأخرى من دون». تضرب هنا على الوتر الحساس بالقول: «سر المهنة يتجلى في طريقة خلط المكونات وفق درجات حرارة محددة، منها ما توضع في البداية وأخرى تضاف في النهاية، علماً بأني أجرّب نكهات متنوعة لأختبر مدى ملاءمتها بحيث أطحن كميات قليلة ليتسنى لي التحكم بالنكهة».
وبعد هذا التعب، من الطبيعي أن تحتفظ لنفسها بطريقتها الخاصة في التصنيع التي بها تُخرج قطعة من روحها، مستعرضة مزايا وعيوب الصناعة اليدوية؛ بالقول: «بلا شك جودتها أعلى، لكن جدواها الاقتصادية قليلة، وفي المقابل التكلفة مرتفعة، والإنتاج يستغرق وقتاً طويلاً، ولا أخفي أن قلة من الزبائن من يبدون استعداداً لدفع مبالغ عالية لشرائها، وبالنظر إلى الواقع علينا مراعاة ظروف السوق والمستهلك، ناهيك عن أننا نعاني من عوائق الاستيراد، فالمعابر ليست بأيدينا والأسعار ليست طوع أمرنا»... إذن، ماجدة تتحدث بلغة السوق؛ فاستدامة المشروع من أولوياتها وهي مَعنية بكسب الزبائن؛ مما جعلها تلجأ لاحقاً إلى الاستعانة بالماكينات التي تقف في المنتصف بين اليدوي والآلي لتساعدها على إنتاج كميات أكبر مما لو اكتفت بالطريقة البدائية، نقطة مهمة تثيرها أثناء مواصلة الحديث.
وتتمتع بيت لحم بخصوصية دينية، حيث تقع فيها كنيسة المهد؛ مما ألهم ماجدة سلسع بفكرة طباعة صور المعالم التاريخية والأثرية على غلاف شوكولاتتها، فلا يتردد السياح في شرائها على اعتبار أنها تذكار من الصناعة التلحمية، كما أن فلسطيني الداخل المحتل يأخذونها هدايا لأحبتهم.
فخورة بأنها أصبحت نموذجاً ناجحاً للصناعة الوطنية رغم المنافسة المحتدمة مع الشوكولاته المستوردة والمحلية على حدٍ سواء، وتذكر أنها تبذل ما في وسعها لتلبية رغبات الزبائن مهما كانت الكميات بسيطة، وتتفنن في التفاصيل على صعيد الشكل ودرجة الحلاوة وطريقة التغليف والإكسسوارات والتصاميم المطلوبة، طامحة أن يصل انتشار «سويتي» إلى بقية أنحاء فلسطين، فهي تفضل أن تتدرّج في خُطاها لعلها تنجح يوماً في التصدير إلى العالم العربي.
«مشروع العُمر» هكذا تنظر الأسرة المكافحة إلى عملها؛ في حين تضحك ريادية الأعمال وهي تتذوق قطعة محشوة بالكاجو؛ لتقول كلمتها الأخيرة بنبرة واثقة: «نجاحنا واستمرارنا خيارٌ وحيد لا نملك غيره. كل فرد في عائلتي يتقن دوره، حتى أنني أفوّض الصلاحيات لهم وقلبي مطمئن».


مقالات ذات صلة

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

يوميات الشرق الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

ما الأطباق العربية التي أصبحت عالميّة بدخولها قائمة اليونيسكو للتراث؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق من التسوّق مروراً بالطهو وصولاً إلى التذوّق يغطّي البرنامج مراحل إعداد الطبق (شركة الإنتاج)

«طعم السعودية»... مطبخ وسياحة وثقافة في برنامج واحد

من الكبيبة، والرقش، والصياديّة، مروراً بالمليحية والمرقوق، وليس انتهاءً بالجريش والكليجة... برنامج يعرّف العالم على مطبخ السعودية وأبرز مناطقها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكشري عبارة عن طبق شعبي واسع الانتشار في مصر من المعكرونة والأرز والعدس والبصل المقلي (بيكسلز)

البشت الخليجي والكشري المصري ضمن 68 ترشيحاً لقائمة اليونيسكو للتراث الثقافي

سينافس البشت الخليجي وطبق الكشري المصري والشعر الموسيقي اليمني ضمن 68 ترشيحاً تنتظر موافقة منظمة اليونيسكو لإضافتها لقائمة التراث الثقافي غير المادي.

«الشرق الأوسط» (باريس - نيودلهي)
يوميات الشرق حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل بمناسبة الأعياد (نتفليكس)

ميغان تعود إلى المطبخ ببيجاما العيد والأمير هاري يفضّل طهو أمّها

حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل للطهو على «نتفليكس» بمناسبة أعياد آخر السنة، وضيف الشرف الأمير هاري.

كريستين حبيب (بيروت)

الأطعمة المخمّرة... تقاليد تتقاطع بين ثقافات متعددة

الميسو أحد أبرز المكونات التقليدية في المطبخ الآسيوي
الميسو أحد أبرز المكونات التقليدية في المطبخ الآسيوي
TT

الأطعمة المخمّرة... تقاليد تتقاطع بين ثقافات متعددة

الميسو أحد أبرز المكونات التقليدية في المطبخ الآسيوي
الميسو أحد أبرز المكونات التقليدية في المطبخ الآسيوي

في المطبخ العالمي، تتقاطع تقاليد تخمير الطعام بين ثقافات متعددة. ورغم أن هذه التقنية ارتبطت تاريخياً بضرورات الحفظ، فإن النظرة الحديثة تكشف وجهاً آخر لها؛ إذ تفتح الباب أمام طيف واسع من النكهات، تتدرج بين الحلو والحامض.

فمن الزبادي وبعض الأجبان، إلى وصفات مخلل الملفوف والكومبوتشا والكفير، وصولاً إلى نكهة «الأومامي» الغنية، تبرز العديد من وصفات الأطعمة المخمرة.

ففي السنوات الأخيرة؛ ازدادت التوجه للأكلات المخمرة، لا سيما مع نكهاتها المميزة التي باتت تجذب شريحة واسعة من محبي التجارب المطبخية، فضلاً عن الباحثين عن التنوع في الطعام الصحي، وفق شيف أحمد الشناوي.

ويشير الشناوي إلى أن «هذه الأطعمة تحمل فوائد معززة لصحة الأمعاء عبر دعم البكتيريا النافعة، كما تقوي جهاز المناعة، ويناسب بعضها متبعي الحمية الغذائية».

الشيف المصري أحمد الشناوي (الشرق الأوسط)

وتبدو خطوة إعداد هذه الأصناف المخمرة منزلياً خياراً سهلاً وممتعاً لمن يرغب في إدخالها إلى نظامه الغذائي بصورة منتظمة؛ إذ يمكن تحضيرها بجهد بسيط ونتائج مرضية. ويقول شيف الشناوي لـ«الشرق الأوسط» إنه «رغم أن معظم الأطعمة المخمرة يمكن تناولها أو شربها كما هي، فإن متعة إضافية تكمن في استكشاف طرق إبداعية لدمجها ضمن الوجبات اليومية؛ إذ يظل هذا العالم الواسع مفتوحاً على أفكار جديدة تجمع بين الفائدة والمتعة في آن واحد».

لكن ما هي الأطعمة المخمرة؟ ولماذا بدأت تحتل مساحة بارزة في مطابخ العالم؟

يحتوي الزبادي على بكتريا نافعة بفضل التخمير

يقول اختصاصي التغذية الدكتور أيمن ساهر لـ «الشرق الأوسط»: «تعد من أقدم أنواع الطعام؛ إذ يعد التخمير من أقدم وسائل حفظ الطعام؛ فقد لجأت إليه الحضارات القديمة قبل ظهور وسائل التبريد الحديثة».

ويوضح أن هذه التقنية، مثلما تعمل على إطالة عمر المنتجات الغذائية، فإنها تسهم أيضاً في تحسين قابلية الهضم، وتعزيز امتصاص العناصر الغذائية، ورفع المناعة. ومن اللافت أنه مع ازدياد الوعي بالغذاء الصحي، عادت لتفرض نفسها في عالم الطهي. ومن أبرز هذه الأطعمة:

الأجبان

يُعد عالم الأجبان المختمرة رحلة رائعة في عالم النكهات والقوام والفوائد الصحية المتنوعة، ويقدم كل جبن تجربة مختلفة، وطريقة لذيذة لتحسين صحة الجهاز الهضمي. ويوضح الشناوي: «يعد الجبن مخمراً عندما تدخل في إنتاجه بكتيريا حية نشطة تستمر بعد التصنيع، مثل: الجبن الأزرق، الشيدر المعتق، البرميزان، أو عندما يمر بمرحلة تعتيق تسمح بتطور النكهات بفعل الميكروبات».

الأجبان المختمرة رحلة رائعة في عالم النكهات

ويتابع: «ومن أفضل أنواع الجبن المخمرة هي الكمتي (Comté)، وهو جبن فرنسي معتق يشتهر بكثافة الميكروبات المفيدة». ويحتوي على أكثر من 100 نوع من البكتيريا في كل غرام، كما أنه من أغنى أنواع الجبن بالنكهات والبروبيوتيك الطبيعي.

وإذا أردت الاستمتاع بمذاق ثري في أطباقك، يمكنك إدخال جبن الكمتي في عدد كبير من الوصفات المعروفة في المطبخ الفرنسي، كما أنه يناسب كثيراً من الوصفات العربية والعالمية؛ لأنه يذوب بشكل ممتاز، ويتمتع بنكهة غنية تشبه مزيجاً من الغرويير والبارميزان، وفق الشناوي.

الكيمتشي

ومن أشهر تلك الوصفات «غراتان البطاطس» بالثوم وكريمة الطبخ، وطبقة سخية من هذا الجبن الذي يمنح الوصفة قواماً ذهبياً ونكهة عميقة.

ويقترح الشناوي أيضاً وصفة «المعكرونة بالكمتي والفطر» والزبد والثوم والكريمة الخفيفة، وهي بديل رائع عن مكرونة ألفريدو التقليدية، أو «شطيرة الكمتي» مع الديك الرومي أو اللحم البارد، و«شوربة البصل الفرنسية» مع طبقة كمتي ذائبة والبصل المقلي ومرق اللحم والخبز المحمص وكمتي مبشور مشوي يضاف على الوجه.

كما أنه خيار مميز لمحبي البيتزا ذات النكهة القوية، أما عشاق السلطات، فنقدم لهم «سلطة أوراق السبانخ» والجوز أو اللوز، وصوص خفيف بالليمون، ومكعبات جبن كمتي، ويتم خلطها وتقديمها دافئة.

يمكن تناول الكفير كمشروب.. أو كمكون يمنح الأطباق نكهة منعشة

الكيمشي

هو أيقونة المائدة الكورية وسرها المخمر؛ فهو طعام تقليدي عبارة عن مزيج من الخضراوات المخمرة، يتكون من التوابل والخضراوات مثل الملفوف والفجل والكراث والخيار والبطاطا الحلوة، يشبه «المخلل» في الثقافة العربية. ويقوم هذا الطبق على مكونات بسيطة، أبرزها الملفوف، وكميات وفيرة من الثوم، ومسحوق الفلفل الأحمر الحار، إلى جانب مكونات أخرى، ويحفظ الكيمشي في مكان بارد، ويُقدم كمقبلات أو طبق جانبي إلى جانب الأرز.

ويوضح الشناوي: «على الرغم من أن الكيمشي عادة ما يكون مزيجاً مالحاً وحامضاً، فإنه يأتي بنكهات متنوعة حسب التوابل والبهارات والخضراوات المستخدمة». مشيراً إلى أن «الخضراوات المخمرة في الكيمشي تعد من أغنى الأطعمة بالبكتيريا النافعة (بروبيوتيك)، وهو ما يمنحه قائمة طويلة من الفوائد الصحية».

يستخدم الميسو في تحضير الشوربات والصلصات وتتبيلات السلطة

ولعمل الكيمشي، يحدد الشيف الشناوي مكوناته قائلاً: «أحضر ملفوفاً، ويفضل الصيني (نابا)، لكن من الممكن استخدام الملفوف العادي، وملح خالٍ من اليود، وثوم مبشور، وزنجبيل طازج، وصلصة سمك أو معجون روبيان، ومسحوق الفلفل الأحمر الكوري (ويمكن استبداله بالبابريكا أو بودرة الشطة)، فجل أبيض، وبصل أخضر».

يُقطع الملفوف، ويُضرب بالملح حتى يلين، ثم يُغمر بالماء لعدة ساعات، بعد ذلك يُشطف جيداً ويُصفى، قبل أن يُخلط بمعجون التوابل المكون من الثوم والزنجبيل والفلفل الأحمر وصلصة السمك. تُضاف الخضراوات الأخرى، ويُدلك المزيج جيداً، ثم يُحفظ في برطمان محكم الإغلاق، ليبدأ مرحلة التخمير التي قد تستغرق ما بين يوم و5 أيام، بحسب درجة الحرارة والنكهة المرغوبة.

هريس الفلفل يجمع بين حدة الطماطم وحموضة التخمير الطبيعية

الكفير

يعد الكفير واحداً من أقدم مشروبات الحليب المخمرة في العالم؛ إذ يرجح أنه نشأ في منطقة القوقاز قبل آلاف السنين، ليصبح اليوم ضيفاً ثابتاً على موائد المهتمين بالغذاء الصحي حول العالم. يقول الشيف الشناوي: «يمكن استخدام الكفير تماماً كما يُستخدم اللبن الرائب أو الزبادي؛ سواء كوجبة إفطار مغذية، أو كطبق خفيف بعد الوجبات، أو حتى كمكون يمنح الأطباق نكهة منعشة وحموضة محببة».

أما طريقة تحضيره التقليدية، فتقوم على إضافة حبوب الكفير إلى الحليب في درجة حرارة الغرفة، وتركه ليتخمر ما بين 10 إلى 24 ساعة، لتتكون بذلك بنية غنية من البكتيريا والخمائر المفيدة.

ومن الوصفات التي يقدمها الشيف الشناوي هي «دجاج بالكفير والأعشاب»، ومكوناتها هي: كوب من الكفير، وصدور دجاج أو أفخاذ منزوعة الجلد، وعصير ليمون، وفصوص ثوم مهروس، وبابريكا، وكمون، وزعتر مجفف أو أعشاب إيطالية، وملح وفلفل أسود، وزيت، وورشة شطة.

في وعاء عميق، يُمزج الكفير مع عصير الليمون والثوم والبابريكا والكمون والأعشاب، يضاف الملح والفلفل، وتقلب المكونات حتى تتجانس. تُتبل الدجاج، وتُضاف إلى الخليط مع التأكد من تغطيتها جيداً بالتتبيلة، ويتم قليها أو وضعها في الفرن، وتُقدم ساخنة.

الجبن المعتق طعام مختمر بمذاق ثري

الميسو

يعد الميسو أحد أبرز المكونات التقليدية في المطبخ الياباني، وهو معجون كثيف يحضر عبر تخمير فول الصويا مع الملح وفطر «الكوجي». ويوضح الشناوي: «يستخدم هذا المعجون أساساً في تحضير الشوربات والصلصات وتتبيلات السلطة، فضلاً عن إضافته إلى أطباق الخضار واللحوم لإثراء مذاقها».

ويستغرق إنتاجه، بحسب الشيف المصري، عدة أشهر من التخمير، تُخلط خلالها حبوب الصويا المطهوة مع الأرز أو الشعير المخمر والملح، لتخضع لتحول بطيء يمنحها مذاقها المميز الذي يجمع بين الملوحة والعمق والأومامي.

الزبادي

يعد الزبادي واحداً من أقدم الأغذية المخمرة وأكثرها انتشاراً في مطابخ العالم. ويُصنع الزبادي عبر إضافة بكتيريا نافعة إلى الحليب تمنحه قوامه المتماسك ونكهته الحامضة المميزة. ومع تنوع استخداماته، أصبح الزبادي مكوناً أساسياً في العديد من الأطباق، سواء كقاعدة للتتبيلات والصلصات، أو كمكون في العصائر، أو وجبة خفيفة تُقدم كما هي.

الكومبوتشا

الكومبوتشا هو شاي مختمر تقليدي ازداد استهلاكه في السنوات الأخيرة؛ نظراً لخصائصه الوظيفية المتعددة، مثل خصائصه المضادة للالتهابات ومضادات الأكسدة. ويتميز بنكهة فوارة خفيفة، وتعتمد قوته على مدة التخمير والمكونات المضافة مثل الفواكه أو المنكهات كالزنجبيل أو الريحان خلال مرحلة التخمير.

ويرى الشناوي أنه «من الأفضل تحضيره في المنزل؛ حتى تستطيع تخصيص النكهة، والأمر سهل لكن يتطلب أن تمنحه الوقت ليتخمر دون تعجل، وهذا ما يميز تحضير الأطعمة المخمرة في المنزل بشكل عام».

صلصة مختمرة بنكهة لاذعة

تقدم الصلصة المخمرة أو هريس الفلفل نكهة مميزة تجمع بين حدة الطماطم وحموضة التخمير الطبيعية، مع لمسة فقاعية خفيفة لا تشبه ما نجده في الصلصات الجاهزة أو حتى المنزلية التقليدية، وفق الشيف.

ويقدم الشناوي مكوناتها وهي: نحو 400 غرام من الطماطم الكرزية مقطعة إلى أنصاف، ونصف كوب من البصل الأخضر المفروم، وسيقان الكزبرة المفرومة، وفصان من الثوم المهروس، والملح الخشن، وعصير ليمونة، وحبة فلفل أخضر أو برتقالي (نصفها مفروم ناعماً، والنصف الآخر يُحفظ لمرحلة التخمير). وأضف إلى ذلك ملعقة كبيرة من العسل، فلفل أحمر، ملعقتان كبيرتان من مصل اللبن، وماء مصفى.


نصائح ذكية لطهي أفضل «معكرونة بالفرن»

طرق تحضير الباستا عديدة ومتنوعة (الشرق الاوسط)
طرق تحضير الباستا عديدة ومتنوعة (الشرق الاوسط)
TT

نصائح ذكية لطهي أفضل «معكرونة بالفرن»

طرق تحضير الباستا عديدة ومتنوعة (الشرق الاوسط)
طرق تحضير الباستا عديدة ومتنوعة (الشرق الاوسط)

لا تحتاج المعكرونة المخبوزة في الفرن إلى جهد لتكون طبقاً يبعث على الدفء والراحة؛ فكل مقوماتها حاضرة: الصلصة، والجبن السائل، ورائحة المعكرونة الزكية والفواحة. لكن الحقيقة هي أن بضع لقمات من هذا الدفء الدسم قد تغرقك في النعاس (ولماذا تستسلم للنوم بينما لا يزال هناك المزيد من المعكرونة لتناولها؟). لذا، في المرة القادمة التي تعدّ فيها المعكرونة بالفرن، اعتمد أحد هذه التحسينات التي ستجعل طبقك أكثر متعة.

معكرونة بالفرن (نيويورك تايمز)

أضف الخضراوات الورقية

تماماً كما يفعل الليمون في صلصة الكريمة أو السلطة الجانبية مع شريحة اللحم، يمكن للخضراوات الورقية في المعكرونة المخبوزة أن تكسر حدة الدسامة. ومن الأفضل طهي الخضراوات للتخلص من سوائلها قبل وضعها في الفرن لتجنب جعل قوام المعكرونة طرياً. لذا، يمكنك سلق الخضراوات الصلبة مثل البروكلي أو الكرنب في الدقائق الأخيرة من سلق المكرونة، أو تذويب الأوراق الخضراء الطرية مثل السبانخ الصغيرة أو الجرجير في الصلصة الدافئة حتى تذبل.

معكرونة بكرات اللحم (نيويورك تايمز)

نصف الطهي هو السر

لا يسع المعكرونة إلا أن تشرب الصلصة اللذيذة؛ وأثناء خبزها ف ي الفرن، تلتهم السوائل حتى تتجاوز مرحلة التشبع بكثير. فإذا دخلت المعكرونة إلى الفرن وهي لينة بالفعل، فسوف تنتفخ حتى تصبح «عجينة». والحل البسيط هو تقليل مدة سلقها، مع العلم أنها ستكتمل في الفرن: اغلِ المكرونة لمدة تقل بدقيقتين عن التوقيت المكتوب على العبوة حتى تصير «آل دينتي» (نصف استواء).

لازانيا على الطريقة الايطالية (نيويورك تايمز)

البصل المقرمش على الوجه

لا ضير في تزيين المعكرونة المخبوزة بفتات الخبز (البقسماط). هناك خيارات أخرى مثل المكسرات، أو البسكويت الملح، أو قطع اللحم المقدد؛ وكذلك البصل المتاح لديك بالفعل للصلصة. في وصفتها للمكرونة بالفرن مع جبن الشيدر والبصل المتبل، تخصص «ميليسا كلارك» جزءاً من البصل المكرمل لتضعه على وجه الطبق؛ حيث يتقرمش البصل ويلتوي مع جبن الشيدر أثناء الخبز.

باستا في الفرن مع الخضار (نيويورك تايمز)

التنويع في خيارات الأجبان

عند اختيار الجبن، فكر في كيفية تفاعله داخل الفرن. المزيج الكلاسيكي المعتاد هو الموزاريلا، والبارميزان، والريكوتا، لكن الخيارات لا تتوقف هنا. فهناك أجبان مثل الفونتينا، والشيدر، والغرويير تذوب بشكل رائع. أما قطع الجبن القريش أو الكريمي أو جبن الماعز فتمنح قواماً قشدياً، بينما يمنح جبن الفيتا أو الحلوم المبشور نكهة مالحة قوية. كما أن اختيار نوع الموزاريلا بعناية يصنع فارقاً؛ فالموزاريلا منخفضة الرطوبة تذوب وتتحمر بشكل أسهل لأنها تحتوي على ماء أقل.

باستا مع السبانخ (نيويورك تايمز)

اخبزها بحرارة أعلى ووقت أقل

توصي العديد من الوصفات بتغطية المعكرونة وخبزها لفترة طويلة، ثم كشفها لتحمير الوجه. لكن قضاء كل ذلك الوقت في الفرن بعيداً عن عينك قد يجعلها تجف. ولمزيد من التحكم، اخبز المعكرونة على درجة حرارة عالية (نحو 230 درجة مئوية) لمدة قصيرة (من 10 إلى 15 دقيقة)؛ فهذا الوقت كاف تماماً لتتجانس المكونات وتذوب الأجبان ويتحمر الوجه.

يجب إضافة الخضار في المرحلة الاخيرة من طهي الباستا (نيويورك تايمز)

اتركها تهدأ

من المفهوم أنك تريد التهام المعكرونة فوراً لحظة خروجها من الفرن، ولكن إذا وضعتها في طبقك، فسوف تسيل مثل الحمم البركانية المنصهرة. بترك المعكرونة تهدأ لمدة 10 دقائق، سيتماسك قوامها، وستلتصق الصلصة بالمعكرونة، وسيبقى الجبن في مكانه، وستنخفض الحرارة بحيث لا تحرق لسانك.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
TT

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز الحِرفية. هذا الخبز، الذي يعتمد على التخمير الطبيعي بدل الخميرة الصناعية، لم يعد مجرّد خيار غذائي، بل أسلوب حياة يعبّر عن توق الناس إلى الأطعمة البسيطة والصحية على السواء، تفضله ربّات المنازل على غيره من أنواع الخبز كونه مرغوباً من قبل جيل الشباب.

يعود أصل هذا الخبز إلى آلاف السنين، إذ يُعتبر من أقدم أنواع الخبز في التاريخ. يُحضَّر باستخدام خليط من الطحين والماء، يُترك ليتخمَّر بفعل البكتيريا والخمائر الطبيعية الموجودة في الهواء. هذه العملية البطيئة تمنحه نكهة حامضة مميّزة وقواماً مطاطياً، إلى جانب فوائد صحية جعلته محط اهتمام خبراء التغذية.

لذيذ مع اللحوم والجبن وحتى الخضار (إنستغرام)

ويرى اختصاصيون أن التخمير الطويل يساعد على تسهيل عملية الهضم، وخفض نسبة الغلوتين، فيحسّن امتصاص المعادن مثل الحديد والمغنيسيوم. كما يتميّز بمؤشّر سكر أقل مقارنة بالخبز الأبيض، ما يجعله خياراً مفضّلاً لمن يعانون من مرض السكري.

لكن انتشار هذا الخبز لا يقتصر على فوائده الصحية. فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل تحضيره إلى طقس يومي وهواية منزلية. وانتشرت فيديوهات «تغذية العجينة الأم» وتقنيات الخَبز كنوع من التأمّل والعودة إلى الإيقاع البطيء للحياة.

يعود هذا الخبز إلى الواجهة من جديد بعد أن تسلل إلى الأفران، يُطلب بالاسم ويتغنى الناس بتناوله لمكوناته الصحية وطعمه اللذيذ.

السوشيال ميديا ساعدت في شهرته العالمية (إنستغرام)

في لبنان، بدأ الـ«ساور دو» يشق طريقه إلى مخابز صغيرة ومطابخ منزلية، حيث أُعيد ابتكاره بنكهات محلية باستخدام طحين القمح الكامل، الزعتر، أو حتى دبس الرمان والبندورة المجففة. وهكذا، لم يعد هذا الخبز مجرّد «ترند» عابر، بل رمزاً لحنين جماعي إلى الأصالة، ولرغبة في إعادة الاعتبار للمنتج اليدوي. يختاره الشباب اللبناني لتناوله كسندويش مع التونة والأفوكادو واللحوم على أنواعها.

«ساوردو» بنكهة لبنانيةما إن وجد خبز الـ«ساوردو» طريقه إلى المطبخ اللبناني، حتى بدأ يكتسب هوية محلية. فبدل الاكتفاء بنكهته الكلاسيكية، عمد خبازون وحرفيون إلى تطعيمه بمكوّنات مستوحاة من المائدة اللبنانية، ليأخذ مساحة غذائية تجمع بين التراث والابتكار.

خبز الساوردو بنكهات شرقية (إنستغرام)

«ساوردو» بالزعتر البلدي

يُعدّ الزعتر من أوائل النكهات التي وجدت طريقها إلى هذا الخبز. يُضاف الزعتر البلدي المجفف أو الأخضر إلى العجينة، فيمنحها عطراً ونكهة مألوفين محببين إلى قلب اللبناني، إذ يذكّره بالمنقوشة اللبنانية، ولكن بشكل جديد. هذا النوع يجمع بين القوام المطاطي للـ«ساوردو» والنكهة الترابية للزعتر، مما يجعله مثالياً للتقديم مع زيت الزيتون أو اللبنة.

«ساوردو» بزيت الزيتون

في هذا الصنف، يصبح زيت الزيتون عنصراً أساسياً في العجينة، لا مجرّد إضافة. ويؤدي استخدام الزيت البلدي البِكر إلى نعومة في القوام مع لمسة منكهة خفيفة. وغالباً ما يُفضّل هذا الخبز كمرافق للأطباق التقليدية أو لتغميسه بالحمص والمتبّل.

«ساوردو» بالبصل و المكرمل منه

استُوحي هذا النوع من نكهة «الفتّة» والأكلات المنزلية الدافئة. فإضافة البصل النيّئ أو المكرمل إلى العجينة تمنح الخبز حلاوة خفيفة تتوازن مع الحموضة الطبيعية، فنحصل على رغيف غنيّ النكهة يصلح للأجبان والمقبلات.

خلطة بالقمح الكامل والحبوب المحلية

تماشياً مع الميول الصحية، انتشر هذا الخبز المصنوع من طحين القمح الكامل أو خليط من الحبوب اللبنانية. صنف أكثر كثافة، يعكس توجهاً نحو خبز يشبه ذلك الذي كانت تُحضّره الجدّات، ولكن بقالب عصري وتقنيات حديثة. وكما خبز المرقوق المرتبط بالضيعة اللبنانية وتراثها، تحوَّل الـ«ساوردو» إلى خبز عريق يرتبط بالمدينة.

نكهات مبتكرة تثير الشهية

ذهب بعض الخبازين إلى أبعد من النكهات التقليدية، فجرَّبوا تطعيم العجينة بالسماق لما يحمله من حموضة طبيعية متناغمة مع الخبز، وكذلك بحبات الزيتون البلدي الأسود والأخضر. ولم يتوانَ بعضهم عن إضافة لمسة خفيفة من دبس الرمان والبندورة المجفَّفة. هكذا تحوَّل الرغيف إلى تجربة تذوّق تعكس تنوّع المطبخ اللبناني.

بهذه الإضافات، تحوَّل الـ«ساوردو» من وافد أجنبي إلى مكون غذائي عريق بطعماته المحلية، تفتخر ربَّات المنازل في تحضيره لتروي معه حكايات ترتبط بنكهة المطبخ اللبناني الأصيل.