صناعة كسوة الكعبة... تقليد إسلامي ينقله الأب إلى الابن

الكعبة المشرفة (أ.ب)
الكعبة المشرفة (أ.ب)
TT

صناعة كسوة الكعبة... تقليد إسلامي ينقله الأب إلى الابن

الكعبة المشرفة (أ.ب)
الكعبة المشرفة (أ.ب)

عندما يطوف عبد الله خالد جاسم وولده تركي بالكعبة المشرفة وهما يرنوان إلى البيت العتيق فإنهما، بخلاف كثيرين، يميّزان بسهولة الكلمات المتداخلة المنقوشة على كسوة الكعبة، إذ انكبّا لنحو عشرة أشهر على كتابتها مع نحو 170 عاملاً في مكة المكرمة، أقدس بقاع الأرض.
يعمل الاثنان في مهنة تاريخية سقاها الأب لولده الذي قد يورّثها بدوره لابنه «إذا كان راغباً في ذلك ومستعداً»، حسب تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.
تُصنع الكسوة باستخدام 675 كيلوغراماً من الحرير الخام الأسود للجزء الخارجي والأخضر للبطانة الداخلية، إضافة إلى 100 كيلوغرام من خيوط الفضة المطلية بماء الذهب و120 كيلوغراماً من خيوط الفضة الخالصة، لكتابة الآيات القرآنية المنقوشة عليها، بتكلفة إجمالية تصل إلى 24 مليون ريال سعودي (6.4 مليون دولار).
لكن عبد الله وتركي لا يتوقفان كثيراً عند تلك التفاصيل، فالمهنة التي يتقاسمانها هي في المقام الأول مبعث «فخر وابتغاء للأجر».
يقول عبد الله (56 عاماً) ويعمل في مصنع الكسوة منذ 32 عاماً: «أفتخر حين أرى شغلي على الكعبة، ربما لا يستطيع الجميع قراءته إلا إنني أقدر وأفتخر».
أما العبارات التي يميزها عبد الله وتركي أكثر من غيرهما فهي «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، «الله جلّ جلاله»، «سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم»، «يا حنّان يا منّان»، وسورة الإخلاص داخل دائرة محاطة بشكل مربع من الزخارف الإسلامية.
صناعة الكسوة التي يجري تغييرها سنوياً خلال موسم الحج صبيحة يوم عرفة في التاسع من ذي الحجة، هي صناعة فريدة تمتزج فيها التقنيات الحديثة والأدوات التقليدية، الوارد والمحلي، الروحي والجمالي.
تدخل الخامات المستخدمة المعامل لاختبارها أولاً والتأكد من جودتها ومطابقتها للمواصفات. وفي جامعات المملكة دراسات علمية مسجلة عن عملية تصنيع الكسوة.
كست العرب قبل الإسلام الكعبة تشريفاً وتعظيماً لها، وعندما كساها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بعد فتح مكة في العام التاسع للهجرة أصبحت كسوتها شعيرة إسلامية يحرص عليها الخلفاء والحكام المسلمون على مر العصور.
انتقلت مسؤولية صناعة الكسوة إلى المملكة بعد أن ظلت تقليداً مصرياً. وفي مصنع إنتاج الكسوة في مكة يستخدم حرير وأصباغ من إيطاليا وخيوط من الفضة بعضها مطليّ بماء الذهب من ألمانيا، لكن الآلات الحديثة لم تستطع حتى الآن أن تحل محل العمالة اليدوية بسبب الحرف البارز المستخدم في نقش الآيات القرآنية عليها.
يقول أحمد بوعنتر وكيل العلاقات العامة في مجمع الملك عبد العزيز لكسوة الكعبة المشرفة الذي أنشئ في 1927 لكن صناعة الكسوة لم تستقر فيه بشكل دائم إلا منذ 1962: «ما عرفوا على مر العصور يخترعوا لها آلة، لأن الحرف مرتفع. راحوا اليابان وألمانيا وحاولوا على مستوى العالم. ما قدروا».
لذا يُبدي عبد الله وتركي وزملاؤهما في قسم الحزام، وهو الأكبر والأهم في مصنع الكسوة، ثقتهم باستمرار الدور المحوري للعمل اليدوي في المصنع.
يعمل نحو 100 فني في قسم الحزام، الذي يتولى تصنيع حزام الكسوة والستارة التي توضع على باب الكعبة والصمديات، وهي تصاميم توضع على الأركان وتحوي سورة الإخلاص، حسب «رويترز».
يقول فهد عودة ضيف العويضي (55 عاماً)، مدير القسم ويعمل بالمصنع منذ 34 عاماً: «القسم قلب المصنع... الشغل ذهنيّ وبدنيّ... ذهنيّ لأن الخطأ سيقع لو فقد العامل تركيزه وسيضطر إلى فتق كل العمل، وبدنيّ لأنه يجلس وقتاً طويلاً منكبّاً على خيوط الذهب».
ويشير العويضي إلى أهمية الموهبة الفطرية في هذا العمل قائلاً: «التدريب يستمر لفترة لكن أهم شيء الموهبة. عملنا متعب وصعب. تعرف الموهوب من مسكته للخيط والإبرة... من مسكته للذهب... بعض الناس ما يكمل شهر تدريب».
يحصل المرشحون للعمل في المصنع على تدريب عملي لستة أشهر ثم ينضمون إلى المصنع لستة أشهر أخرى من التدريب العملي والنظري على يد أحد الخبراء أو مدير قسم.
يقول زكي يوسف بسام (56 عاماً) الذي يعمل في المصنع منذ 35 عاماً: «هنا الخبرة العملية أهم من التعليم النظري.... الخطاط يخط ونحن نخط فوق الخطاط. شغلنا صعب». ويضيف: «أصعب حرف الهاء، شغله صعب هو والواو، لكن مع الخبرة تعتاد، الحمد لله».
عقب انتهاء الإنتاج يقام احتفال سنوي في مصنع كسوة الكعبة لتسليمها إلى كبير سدنة البيت، وفي أثناء فريضة الحج تستبدل الكعبة كسوتها لتستقبل الحجاج في ثوبها الجديد أول أيام عيد الأضحى.
ويصل الاهتمام بالكسوة حد وجود فرقة كاملة في الحرم على مدار 24 ساعة لإصلاح أي تلف قد يطرأ عليها بسبب تعلق البعض بها ومحاولاتهم قص أجزاء منها للتبرك بها أو للذكرى.
يقول تركي بينما يعمل بالفعل على كسوة العام القادم بعد تسليم الكسوة الجديدة: «فخر أن نرى شغلنا على الكعبة... لا أفضل العمل المكتبي على هذا العمل».


مقالات ذات صلة

«رشقات» إيران وإسرائيل أغلقت الممرات الجوية السورية وأربكت عودة الحجاج

المشرق العربي مزارعان سوريان بجانب صاروخ إيراني سقط بأرض زراعية في نجها بريف دمشق بعد أن اعترضته أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية يوم 8 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

«رشقات» إيران وإسرائيل أغلقت الممرات الجوية السورية وأربكت عودة الحجاج

أعلنت إدارة الحج والعمرة بوزارة الأوقاف السورية إعادة جدولة رحلتين مخصصتين لعودة الحجاج، الاثنين، وتحديد وجهتهما إلى «مطار الملكة علياء الدولي» في الأردن...

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
الخليج تتيح البوابات الإلكترونية في المطارات إنهاء إجراءات مغادرة ضيوف الرحمن «ذاتياً» (واس)

السعودية تتيح للحجاج إنهاء إجراءات مغادرتهم لبلدانهم «ذاتياً»

تتيح تقنية البوابات الإلكترونية (E-gates) في المطارات، إنهاء إجراءات مغادرة ضيوف الرحمن «ذاتياً» من خلال مطابقة البيانات الحيوية في ثوانٍ معدودة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان (واس)

خادم الحرمين: الجهود المتميزة أسهمت في نجاح «الحج» رغم ظروف المنطقة

أعرب خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، عن سروره بحرص وتفاني الجميع في نيل شرف خدمة ضيوف الرحمن.

«الشرق الأوسط» (جدة)
خاص حجاج إيرانيون خلال أداء مناسك الحج هذا العام (السفارة الإيرانية) p-circle

خاص عنايتي لـ«الشرق الأوسط»: بدء عودة 30 ألف حاج إيراني من السعودية جواً

قال السفير الإيراني لدى السعودية الدكتور علي رضا عنايتي إن نحو 30 ألف حاج وحاجة من إيران أدوا مناسك الحج هذا العام، وحظوا بحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج فهد الجلاجل خلال اطمئنانه على صحة أحد الحجاج ضمن جولاته لمتابعة أعمال المستشفيات والمراكز الصحية في المشاعر المقدسة (الصحة السعودية)

إشادة أممية بنجاح السعودية في حماية الصحة العالمية خلال موسم الحج

أشادت منظمات دولية وعالمية، بالجاهزية الصحية المتقدمة التي وفرتها السعودية لضيوف الرحمن خلال أدائهم مناسك الحج ونجاحها الاستثنائي بإدارة أكبر التجمعات البشرية.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)

«أوزيريس»... باليه يستعيد وهج الأسطورة المصرية القديمة

«باليه أوزوريس» حمل معاني رمزية لصراع الخير والشر (الشرق الأوسط)
«باليه أوزوريس» حمل معاني رمزية لصراع الخير والشر (الشرق الأوسط)
TT

«أوزيريس»... باليه يستعيد وهج الأسطورة المصرية القديمة

«باليه أوزوريس» حمل معاني رمزية لصراع الخير والشر (الشرق الأوسط)
«باليه أوزوريس» حمل معاني رمزية لصراع الخير والشر (الشرق الأوسط)

في عرض يستعيد وهج الأساطير المصرية القديمة، قدمت فرقة باليه أوبرا القاهرة، بالاشتراك مع أوركسترا أوبرا القاهرة «باليه أوزوريس» في أربع حفلات من الثلاثاء إلى الجمعة 16 - 19 يونيو (حزيران) الحالي، في ختام الموسم الفني لدار الأوبرا المصرية هذا العام، بالإضافة إلى عرضي «رقصات نلتقي بها» و«تابلوهات من أوبرا الأمير إيغور».

ويتناول باليه «أوزوريس» الذي وضع موسيقاه جمال عبد الرحيم، وصمم رقصاته عبد المنعم كامل وأرمينيا كامل، وصمم ديكوراته محمد الغرباوي، الأسطورة المصرية القديمة «أوزوريس وإيزيس» من خلال مجموعة لوحات وتابلوهات راقصة تشير إلى الحياة السعيدة التي يعيشها أوزوريس مع زوجته إيزيس في ربوع الطبيعة الخلابة ويهنآن بالحب والسلام، ثم ظهور شقيقه «ست» وزوجته نفتيس، والغيرة التي تشتعل في قلب ست وقرار التخلص من أخيه بمؤامرة يعدها في قصره، بمساعدة نفتيس.

عرض أوزوريس اعتمد على موسيقى تمزج بين الشرق والغرب (الشرق الأوسط)

وتتوالى اللوحات الراقصة على المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، لتصور مشاعر الحزن والأسى التي تعتري إيزيس بعد مقتل زوجها أوزوريس «الملك المغدور»، ويظهر بعد ذلك حورس الابن لينتقم لوالده من عمه مغتصب العرش، وفي النهاية تتوّج إيزيس ابنها حورس ملكاً للبلاد بعد أن يتغلب على جيوش عمه «ست» مغتصب العرش، في حوارية رمزية تعكس حضور الخير ممثلاً في أسرة أوزوريس، والمكر الشرير ومشاعر الغيرة والحقد التي يمثلها «ست».

وتقول أرمينيا كامل، المدير الفني لفرقة باليه أوبرا القاهرة إنها اختارت «باليه أوزوريس» لتقديمه في ختام الموسم الفني للأوبرا لما يمثله من حالة رمزية وصراع بين الخير والشر، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «العرض يقدم الأسطورة المصرية القديمة بما تحمله من معانٍ رمزية ثرية، وقد وضع موسيقاه الموسيقار الكبير جمال عبد الرحيم الذي مزج بين الموسيقى الغربية والشرقية في استعادة الأسطورة»، موضحة أن «هذا الباليه تم تقديمه للمرة الأولى في ثمانينات القرن الماضي، وحقق نجاحاً لافتاً. وتشير إلى أن العرض تضمن رقصات متنوعة شاركت فيها مجموعات من الراقصين من المعهد العالي للباليه.

وقال المايسترو محمد سعد باشا، قائد أوركسترا أوبرا القاهرة، إن «الموسيقار جمال عبد الرحيم يحاكي الموسيقى في الحضارة المصرية القديمة في (باليه أوزوريس)»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «رغم أننا ليس لدينا ما يوثق الموسيقى صوتياً بشكل واضح، لكن لدينا ما يوثق الآلات الموسيقية مثل الهارب والناي وآلات الإيقاع البسيطة، والمؤلف اعتمد على هذه الآلات في نسج موسيقاه في خمس لوحات متتابعة في أوزوريس».

«باليه أوزوريس» استعاد الأسطورة المصرية القديمة (الشرق الأوسط)

وسبق أن قدمت أرمينيا كامل والموسيقار محمد سعد باشا باليه «كليوباترا» في عدة مواسم، وتقول عن اهتمامها بالتاريخ المصري القديم وإعادة تقديمه في عروض الباليه «إن التاريخ المصري القديم يحمل أبعادا إليجورية (رمزية) يمكن تقديمها في عروض فنية متنوعة خصوصاً فنون الأداء الحركي والموسيقي، وتمثل ربطاً بين الواقع الفني الحديث واستدعاء التاريخ القديم، ويلقى هذا الربط الفني التاريخي قبولاً لافتاً من جمهور الأوبرا المصرية».

وعن تقديم دار الأوبرا المصرية أعمالا مستوحاة من الأدب والحضارة المصرية القديمة قال باشا: «هناك أكثر من عمل يستدعي القصص والوقائع التي حدثت في التاريخ المصري القديم، وقد قدمنا في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي (باليه كليوباترا) من موسيقى محمد سعد باشا، وتصميم رقصات لأرمينيا كامل».

عرض «رقصات نلتقي بها» جسد معاني مختلفة حول العلاقات الإنسانية (الشرق الأوسط)

وشهد الحفل الختامي أيضاً تقديم باليه «رقصات نلتقي بها» الذي كتب موسيقاه يوهانز برامز وصمم الرقصات تيري مالاندان، ويدور حول مجموعة من العلاقات الطريفة بين أربعة شباب وأربع فتيات يحاول كل منهم التعرف على الآخر، وخلال ذلك تبرز بعض الطبائع النفسية لأبطال العرض والتي تنوعت بين الخجل، التردد، الغرور، التهور والجدية. يقدم العرض مجموعة من الرقصات المجرية التراثية التي تتسم بالخفة والمرح والجاذبة في لغة عالمية.

كما تضمن الحفل أيضاً رقصات من أوبرا «الأمير إيغور» موسيقى ألكسندر بورودين، وتصميم فالنتين بيرس.

ووفق بيان لدار الأوبرا المصرية، «يأتي العرض في إطار تقديم الدار روائع الفنون الكلاسيكية العالمية وإبراز الإبداعات المستلهمة من التراث الإنساني، بما يسهم في إثراء الوعي الجمالي، وتعزيز التواصل بين الثقافات المختلفة إلى جانب دعم فن الباليه باعتباره أحد أهم الفنون الراقية القادرة على التعبير عن القيم الإنسانية النبيلة عبر لغة الحركة والموسيقى».

وأكد محمد سعد باشا أن «الأوبرا المصرية مهتمة بتقديم الأعمال ذات الأصل المصري بموسيقى أصيلة، مما يعكس دور الأوبرا مركزاً ثقافياً مصرياً تعبر عن ثقافة البلد بعناصرها المتنوعة، وترسخ دورها في دعم الفنان المصري مؤلفاً وعازفاً وقائداً عبر مختلف أنواع الفنون التي تقدمها دار الاوبرا من باليه وأوبرا وموسيقى عربية لإبراز المواهب المصرية والإنتاج المصري الأصيل في جميع الفنون».


أقدم جسر في باريس يتحول لكهف جبلي مصنوع من القماش

عمل فني تركيبي للفنان الفرنسي «جي آر» يغطي جسر «بون نوف» في باريس بأقمشة تحاكي التضاريس الجبلية الوعرة والكهوف (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)
عمل فني تركيبي للفنان الفرنسي «جي آر» يغطي جسر «بون نوف» في باريس بأقمشة تحاكي التضاريس الجبلية الوعرة والكهوف (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)
TT

أقدم جسر في باريس يتحول لكهف جبلي مصنوع من القماش

عمل فني تركيبي للفنان الفرنسي «جي آر» يغطي جسر «بون نوف» في باريس بأقمشة تحاكي التضاريس الجبلية الوعرة والكهوف (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)
عمل فني تركيبي للفنان الفرنسي «جي آر» يغطي جسر «بون نوف» في باريس بأقمشة تحاكي التضاريس الجبلية الوعرة والكهوف (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)

مرّ أكثر من 40 عاماً منذ أن قام الفنان المعروف باسم «كريستو» بتغليف جسر «بون نوف» (Pont Neuf) بقماش بلون الحجر الرملي، مما أطلق حقبة من مشاريع الفن الحضري التي تتنافس في تقديم الأضخم والأكثر إبهاراً. والآن، جرى تغليف الجسر المحبوب - وهو الأقدم في باريس – مجدداً، وهذه المرة بمساحات شاسعة من القماش الذي نُفخ بالهواء ليخلق وهماً بصرياً لسلسلة جبلية وعرة ترتفع فوق هيكل الجسر الأنيق.

في أثناء التحضير لتحويل جسر «بون نوف» في باريس إلى كهف صخري (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)

ابتداءً من هذا الأسبوع وحتى 28 يونيو (حزيران)، سيتمكن الزوار من السير عبر جسر «بون نوف» بحلته الجديدة، وذلك عبر ممر يشبه الكهف؛ حيث تخلق الإضاءة ذات الطابع الدرامي والمؤثرات الصوتية المحيطة تجربة «واقع معزز»، وذلك بحسب الفنان الفرنسي «جي آر» (JR) - وهو فنان شارع يفضل الغموض ويصف نفسه بأنه تلميذ لـ«كريستو» - والذي يقف وراء هذا المشروع. يقول «جي آر» - الذي وصل لإجراء المقابلة على دراجة كهربائية، مرتدياً قبعته ونظارته الشمسية المميزتين: «أنت تدخل مكاناً تشعر فيه وكأنك داخل شرنقة، أو في رحم أمك... إنه أمر مذهل».

عمل فني تركيبي للفنان الفرنسي «جي آر» (JR) يغلف جسر «بون نوف» في باريس (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)

بالنسبة للفنان «JR» - الذي نشأ في إحدى ضواحي باريس، ويقيم في نيويورك، واشتهر بهالة من الغموض أحاطت بمسيرته الممتدة لعقدين في إبداع أعمال فنية عامة مذهلة من كاليفورنيا إلى إيطاليا - فإن هذا الافتتاح الكبير يمثل نهاية لمخاضٍ عسيرٍ واجه العمل في بداياته؛ ففي الثاني من يونيو، مزقت الرياح العاتية الغطاء القماشي عن قمة العمل الفني، مما أدى إلى تأجيل الافتتاح لأكثر من أسبوع لإصلاح الأضرار. وقد أعاد هذا الموقف إلى الأذهان مشروعاً آخر للفنان «كريستو» يُدعى «ستارة الوادي» (Valley Curtain)، حيث مُدَّت قطعة قماشية ضخمة عبر طريق جبلي سريع في ولاية كولورادو؛ إذ تمزقت تلك الستارة بفعل الرياح القوية بعد ساعات قليلة فقط من بسطها عام 1972.

يشرف الفنان الفرنسي «جي آر» على عملية تغليف جسر «بون نوف» (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)

وفي الواقع، يُعد تدفق الهواء عنصراً حيوياً لتشكيل الصخرة الوهمية المقامة على جسر «بونت نوف» (Pont Neuf). وقد أوضح «JR» (وهو اسم مستعار) كيف أن ملء الهيكل القماشي بالهواء أتاح له إنشاء بناءٍ كان سيصبح ثقيلاً للغاية ومكلفاً جداً ويستغرق وقتاً طويلاً في التنفيذ، لو أنه اعتمد على تعليق القماش فوق سقالات معدنية تمتد لمسافة 400 قدم.

جاءت فكرة استخدام الهواء من «فلاديمير يافاشيف» - ابن شقيق «كريستو» وحافظ إرثه الفني - الذي عمل مع عمه وزوجة عمه «جان كلود» في العديد من أعمالهما الشهيرة، بما في ذلك مشروع «البوابات» (The Gates) - وهو عمل فني من القماش بلون الزعفران أقيم في «سنترال بارك» بنيويورك - ومشروع تغليف «قوس النصر» في باريس. وكان «كريستو»، الذي توفي عام 2020، قد أجرى تجارب سابقة باستخدام نماذج قابلة للنفخ. وقد وجه «يافاشيف» المشروع نحو الفنان «JR» كجزء من سلسلة فعاليات لإحياء ذكرى أعمال «كريستو» الكبرى. وقال «يافاشيف»: «بالنسبة لمشروع جسر (بون نوف)، فكرت أنه سيكون أمراً رائعاً أن ندعو فناناً آخر ليقدم رؤيته وتفسيره الخاص للعمل». هل كان «كريستو» سيُعجب بهذا العمل؟ أجاب «يافاشيف»: «لا أريد أن أجزم بذلك؛ فالفنان (JR) له رؤيته الخاصة، وآخر ما ينبغي فعله هو التدخل في فكرة الفنان».

جانب من عملية تركيب العمل الفني للفنان الفرنسي «جي آر» (JR) على جسر «بون نوف» بباريس (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)

بالنسبة للفنان JR، يُعد هذا المشروع تكريماً صريحاً ومباشراً للفنان الذي يُعدّ المؤسس الفعلي لنوع «العروض الفنية العامة الضخمة». وقد جمعت الصدفة بين الرجلين؛ إذ يتذكر JR أن كريستو حضر ذات مرة أحد معارضه. وقد عبّر JR عن إعجابه الشديد بالطريقة التي كان يتبعها كريستو - المولود في بلغاريا - في الضغط المستمر على السلطات البلدية، أحياناً لسنوات عديدة، للحصول على الموافقة على أعماله الفنية التركيبية. وأقر JR بأن هذا المشروع لم يواجه مثل تلك الصعوبات للحصول على الموافقة؛ فالعروض الفنية العامة لم تعد تُعتبر أعمالاً «متمردة» أو مثيرة للجدل كما كانت في السابق. بل على العكس، وبعد مرور أربعة عقود، بات يُنظر إليها على أنها وسيلة مضمونة لجذب الاهتمام الإعلامي وتنشيط السياحة.

عمل فني تركيبي للفنان الفرنسي «جي آر» يغطي جسر «بون نوف» في باريس بأقمشة تحاكي التضاريس الجبلية الوعرة والكهوف (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)

ذكر JR أن العديد من المسؤولين في باريس، الذين وافقوا على عمل «كهف بون نوف» (The Cave of Pont Neuf) - وهو الاسم الذي أُطلق على هذا العرض - كانوا يتذكرون عمل كريستو الأصلي بمشاعر طيبة، رغم أن المارة كانوا يتعثرون أحياناً ويسقطون فوق القماش الذي مدّه كريستو على سطح الجسر.

ويحاكي JR أسلوب كريستو في جانب آخر؛ إذ صرح بأنه لا يقبل أي تمويل عام لعروضه، بل يمولها من خلال مبيعات أعماله الفنية وعقد شراكات مع الشركات. وفي هذه الحالة، تشمل قائمة الرعاة شركة «سيلزفورس» (Salesforce) العملاقة في مجال الحوسبة السحابية، ومبادرة «بلومبرغ كونيكتس» (Bloomberg Connects) التي تتعاون مع المتاحف. كما قامت شركة «سناب» (Snap) الأميركية للتكنولوجيا - وهي الشركة المطورة لتطبيق «سناب شات» - بتصميم برنامج «الواقع المعزز» في استوديوهاتها بباريس. وسيكون بإمكان الزوار، سواء باستخدام نظارات خاصة أو عبر تطبيق على هواتفهم، رؤية صور لأشخاص وحيوانات ومشاهد أخرى تومض وتتحرك على جدران الكهف.

ولتأليف الموسيقى التصويرية الخاصة بالكهف، استعان JR بالموسيقي والمنتج الفرنسي توماس بانغالتر، العضو السابق في فرقة «دافت بانك» (Daft Punk) الفرنسية الشهيرة لموسيقى الـ«هاوس». وهناك أيضاً بُعد يتعلق بالرائحة للتجربة؛ إذ طورت دار العطور الفرنسية «أودور سكولا» (Odore Scola) رائحة تقول إنها تحاكي الرائحة الطبيعية للكهوف.

في أثناء التحضير لتحويل جسر «بون نوف» في باريس إلى كهف صخري (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)

لكن، أي نوع من الفن هذا بالضبط؟ لقد كان العديد من أعمال «جي آر» (JR) السابقة - مثل تلك التي نُفذت عند مدخل هرم متحف اللوفر أو على واجهة دار أوبرا باريس - بمثابة تجارب في فن الخداع البصري (أو ما يُعرف بـtrompe l’oeil). ففي روما وفلورنسا، بدا وكأنه يُقشّر جدران المباني القديمة ليكشف عما بداخلها. أما بالنسبة لعمله عند جسر «بون نوف» (Pont Neuf)، فيقول الفنان إن الفكرة تكمن في الربط بين الماضي والحاضر؛ إذ ترمز الصخور المستخدمة إلى تلك التي استُخرجت من المحاجر لبناء الجسر عام 1607. ويشير «جي آر» إلى أن الكهف يثير مخاوف فطرية من الظلام، ولكنه يبعث في الوقت نفسه على الشعور بالأمان والدفء. وهناك أيضاً دلالة على العزلة التي يفرضها العصر الرقمي، حيث يعيش الناس - على حد تعبيره - داخل كهوفهم الإلكترونية الخاصة. يقول «جي آر»: «لقد نشأتُ في بيئة خرسانية، ولا خبرة لي بالكهوف. ومع ذلك، ثمة شيء يربطني بها في أعماق جذوري، تماماً كما يربطنا جميعاً».

جانب من عملية تركيب العمل الفني للفنان الفرنسي «جي آر» (JR) على جسر «بون نوف» بباريس (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)

لم يقتنع الجميع بالأمر؛ فقد كتب جيروم جودفروا، وهو مذيع فرنسي متقاعد، على وسائل التواصل الاجتماعي: «كانت هناك أناقة بالغة في الطريقة التي كسا بها الزوجان (كريستو) جسر (بون نوف) قبل نحو 40 عاماً. وبالكاد يمكن قول الشيء نفسه عن ذلك (الكهف) ذي الطراز الوحشي (البروتالي) الذي يفرضه علينا الفنان (جي آر) - الموجود في كل مكان - على الجسر ذاته». تباينت الآراء بين السكان المحليين والسياح الذين احتشدوا على ضفاف نهر السين لمشاهدة العمل الفني قبل افتتاحه رسمياً. قالت دومينيك فاندفيل (76 عاماً): «أجده عملاً مبتكراً وجميلاً للغاية»، مستذكرةً كيف حوّل تغليف كريستو للجسر المكان إلى ما يشبه غرفة معيشة للمدينة، وأضافت: «أعتقد أن هذا العمل سيجمع الناس معاً بالطريقة نفسها». في المقابل، علّق شريكها لوران دو لا شو (80 عاماً) بنبرة تنم عن عدم الإعجاب قائلاً: «إنه عمل مبتكر، لكنه ليس جميلاً».

* خدمة «نيويورك تايمز»


«البحرية السعودية» تُعوّم أولى سفن المرحلة الثانية من «مشروع السروات»

«سفينة جلالة الملك المدينة» الأولى بين 3 سفن قتالية متعددة المهام من طراز كورفيت «أفانتي 2200» (الشرق الأوسط)
«سفينة جلالة الملك المدينة» الأولى بين 3 سفن قتالية متعددة المهام من طراز كورفيت «أفانتي 2200» (الشرق الأوسط)
TT

«البحرية السعودية» تُعوّم أولى سفن المرحلة الثانية من «مشروع السروات»

«سفينة جلالة الملك المدينة» الأولى بين 3 سفن قتالية متعددة المهام من طراز كورفيت «أفانتي 2200» (الشرق الأوسط)
«سفينة جلالة الملك المدينة» الأولى بين 3 سفن قتالية متعددة المهام من طراز كورفيت «أفانتي 2200» (الشرق الأوسط)

عوّمت القوات البحرية الملكية السعودية، الجمعة، «سفينة جلالة الملك المدينة»، أولى سفن المرحلة الثانية من «مشروع السروات»، في حوض البناء التابع لشركة «نافانتيا» بمدينة سان فرناندو الإسبانية.

وتأتي خطوة التعويم عقب اكتمال مرحلة البناء والتجميع لبدن السفينة، لتنتقل إلى مرحلةٍ متقدمة تشمل تثبيت المنظومات ودمجها، تليها اختبارات القبول في الميناء والتجارب البحرية؛ تمهيداً لدخولها الخدمة الرسمية في القوات البحرية.

وتُعدّ «سفينة جلالة الملك المدينة» الأولى من بين ثلاث سفن قتالية متعددة المهام من طراز كورفيت «أفانتي 2200»، إلى جانب «سفينة جلالة الملك نيوم» و«سفينة جلالة الملك العلا».

تعويم «سفينة جلالة الملك المدينة» عقب اكتمال مرحلة البناء والتجميع لبدنها (الشرق الأوسط)

وكانت وزارة الدفاع السعودية وقّعت في منتصف ديسمبر (كانون الأول) 2024 عقداً مع «نافانتيا» الإسبانية للاستحواذ على هذه السفن وتوريدها؛ استكمالاً لنجاح المرحلة الأولى من «مشروع السروات»، التي اكتملت ببناء وتسليم خمس سفن قتالية إلى القوات البحرية.

وجرت مراسم التعويم بحضور اللواء البحري الركن صالح الخثعمي، مدير أركان القوات البحرية، نيابةً عن الفريق الركن محمد الغريبي، رئيس أركان القوات البحرية، وريكاردو دومينغيز، رئيس مجلس إدارة «نافانتيا».

من جانبه، ثمَّن الفريق الركن محمد الغريبي الدعم غير المحدود الذي تحظى به القوات المسلحة عامةً و«البحرية» خاصةً من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، والأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع، مؤكداً أنه أسهم في تطوير القدرات الدفاعية، ورفع مستوى الجاهزية والكفاءة العملياتية.

جانب من مراسم تعويم «سفينة جلالة الملك المدينة» في حوض شركة «نافانتيا» بمدينة سان فرناندو الإسبانية (الشرق الأوسط)

وأكد رئيس أركان القوات البحرية أن المشروع يسير وفق الخطة الزمنية المعتمدة، بإشراف ومتابعة فريق متخصص؛ بما يحقق أعلى مستويات الكفاءة والجاهزية، مضيفاً أن المشروع يتضمن حزمة متكاملة من الدعم اللوجستي وتأهيل أطقم السفن وتدريبها، إلى جانب استكمال أعمال السفينتين الثانية والثالثة داخل السعودية.

ويهدف «مشروع السروات» إلى نقل وتوطين صناعة السفن والتقنية البحرية العسكرية في السعودية، عبر تدريب الكوادر الفنية الوطنية وإشراكها في أعمال البناء، في حين تضطلع «شركة الصناعات العسكرية (سامي)» بدور محوري في تطوير نظام إدارة المعركة البحرية «حزم» ودمجه مع منظومات التسليح، بما يعزز تطوير القدرات المحلية ويحقق مستهدفات «رؤية 2030».

وتُعزز سفن المشروع قدرات القوات البحرية، بما تمتلكه من منظومات قتالية وتقنيات متقدمة، في التعامل مع مختلف التهديدات الجوية والسطحية وتحت السطحية، ومراقبة المجال البحري وحماية المصالح الحيوية والأصول الاستراتيجية للسعودية.