«أم شريف» يحلق في سماء العالمية

«أم شريف» يحلق في سماء العالمية

بعد أن حصدت صاحبته ميراي حايك جائزة الضيافة والتقاليد
الأحد - 3 ذو الحجة 1440 هـ - 04 أغسطس 2019 مـ رقم العدد [ 14859]
بيروت: فيفيان حداد
عندما تذكر مطعم «أم شريف» الواقع في منطقة مونو في الأشرفية، لا بد أن تلحقه باسم مؤسسته ميراي حايك. فهما توأمان بالروح لا يمكن فصلهما عن بعضهما. فالأول هو بمثابة بيت لبناني عريق والثانية هي «ست البيت» الشغوفة بأصغر تفاصيل منزلها بدءا من ديكوراته، وصولا إلى أطباقه اللذيذة المقدمة بصحون البورسلين والفضة. ومؤخرا حصدت ميراي من الأكاديمية العالمية لفن الطهي «الجائزة الكبرى الخاصة بالضيافة والتقاليد» عن مطعمها الذي يتميز عن غيره بتجديده الدائم لكرم الضيافة وفن الطاولة. ويتم الموافقة على إعطاء هذه الجائزة من قبل مجلس إدارة الأكاديمية الدولية للذواقة. «أنا سعيدة بهذا التقدير ويحفزني بالطبع لتقديم الأفضل، ويدفعنا إلى التحليق بمطبخنا اللبناني الجميل في سماء العالمية». تعلق ميراي حايك أمام مدعويها خلال الاحتفال بمنحها هذه الجائزة. وعن سر نجاحها تقول: «الطموح والإصرار والكرم مجتمعين يشكلون كلمة السر لنجاح (أم شريف)».

كتلة من الشغف والحب والعمل الدؤوب تشكل الخطوط العريضة لشخصية ميراي حايك. فهي إضافة إلى حبها للطهي الذي يوقع أطباقها، فإنها لا تتعب من الدوران حول الطاولات في مطعمها تسأل زبائنها عن رأيهم بما يتذوقونه من مأكولات. «إذا كان لديكم أي ملاحظة على الطعام فأتمنى أن تذكروها لي. فقلبي واسع لسماع أي انتقاد وسآخذه بعين الاعتبار من دون شك». تقول ميراي التي لا تزال تخاف على صيت مطعمها وكأنها افتتحته للتو. تتنقل بخفة بين ممراته توزع ابتسامتها هنا وهناك وهي تقول: «حبيتو التبولة؟ هل تذوقت الكبة باللبن؟ ما هو تعليقك على أطباق اليوم؟» أسئلة بالجملة تطرحها «ست البيت» التي تؤلف مع أخيها داني وزوجها سليم العائلة الصغيرة لـ«أم شريف». وهذه العائلة ستتفتح براعمها من جديد مع الابنة ياسمين. «قريبا جدا سيكون لـ(أم شريف) فرع جديد تديره ابنتي ياسمين وسيحمل اسم (بنت أم شريف). لماذا شريف؟ إنه اسم ابني وأعتز بحمله منذ ولادته وبما أنه لقبي المفضل قررت أن أطلقه على مطعمي». توضح ميراي حايك لـ«الشرق الأوسط». أما المشروع الجديد المرتقب بحماس من قبل هذه العائلة فهو افتتاح فرع في لندن وربما سيقع في محيط المجمع التجاري الشهير «هارودز».

قد تكون الأطباق اللبنانية التي يقدمها المطعم في تغليفة فاخرة وغير تقليدية وبمذاق رائع هي السبب الأول في اجتذاب زبائنه من كل حدب وصوب. فهنا ستلتقي مع فعاليات سياسية وأسماء بارزة لبنانية كما مع أشخاص عاديين ذواقة لا يحبون تفويت طعم أكلات «أم شريف» مهما كان الثمن. إلا أن أسلوب الضيافة في هذا المطعم الذي تكلله ديكورات عربية وغربية من أرابيسك وخشب محفور وأسقف مطرزة وثريات كريستال يغلب عليها الأزرق، يلعب هو أيضا دورا رئيسيا في استقطابهم. «كل من يعمل في هذا المطعم يجب أن يحب مهمته كي ينجح فيها وإلا فالأفضل له أن يتركه ويمشي». تقول ميراي بصرامة سيدة القصر التي تخاف على تقاليدها المحافظة في أمور الطعام.

شغوفة ميراي حايك بالطبخ إلى حد الولع وقد اتخذت من أطباق المطبخ اللبناني العريق عنوانا لمطعمها. تمشي بخطواتها السريعة والأنيقة معا... تسأل... تطمئن وتراقب عن كثب كل شاردة وواردة فيه، ومن ثم تستريح على كرسي إحدى الطاولات للحظات قليلة لتستمتع بإنجازها الذي تخاف عليه، وكأنه فلذة كبدها قبل أن تعود وتقوم بجولتها مرة ثانية.

وبدءا من أطباق المازة اللبنانية المحضرة بإتقان شبيه إلى حد كبير بالتطريز، تتلون مائدة «أم شريف» بـ«التبولة» و«الفتوش» مرورا بضيافات سريعة تأتيك من النادل الذي يحملها على طبق خاص، عارضا عليك مثلا مجموعة منمنمات من العجين كي تتذوقها، كالسنبوسك باللحم ورقاقات الجبن والكبة المقلية وفطائر السبانخ. «ما رأيك في تذوق لفائف ورق العنب؟» يطالعك صوت النادل من على يسارك مطبقا مستوى ضيافة عال يلفتك في هذا المطعم. ولتكتشف بأنها ملفوفة بطريقة هندسية مغايرة تماما عن تلك التي نعرفها عادة وتتحلى بنكهة لبنانية بامتياز.

ولكن ماذا بعد المازة؟ ستنزل أطباق «الحمص بليلة» والنقانق المشوية والسمكة الطرابلسية والهندبة بالزيت وما إلى هنالك من أطباق بيتوتية شعبية معروفة في المطبخ اللبناني الأصيل لتنطبع المائدة بشكل فسيفساء من نوع آخر.

ولا تلبث أن تلتقط أنفاسك بين تناول طبق وآخر، حتى تأتيك مجموعة أطباق جديدة تأخذك إلى «مطبخ جدتي» الفخورة به ميراي حايك. وكما «الأوزة مع الأرز» المغلف بعجينة رقيقة على طريقة «Vol au vent» الفرنسية المنشأ، تأتيك الكبة باللبن والمشاوي من لحوم وطاووق دجاج وغير ذلك من الأطباق الرئيسية التي يسيل لها اللعاب. وفي الختام ستذهب مع أم شريف في رحلة أطباق حلويات تسترجع معها مذاقات وطعمات على البال. كطبق المغلي و«أم علي» و«بوظة توت» و«المهلبية» و«التمرية» وغيرها من الحلويات المنتقاة من المطبخ اللبناني العريق والمحضرة مع «نفس طيب» على طريقة جداتنا.

تنتهي رحلتك في مطعم «أم شريف» بلمحة بصر. فالخدمة سريعة والأطباق لذيذة والجلسة دافئة بعناصرها الشرقية وفاخرة بقالبها المستوحى من قصور فرساي الفرنسية وشونبرون النمساوية. فتمر ساعة الغداء وكأنها لحظات قيمة لا تستطيع إلا أن تحتفظ بها في ذاكرتك بعد أن تخزن فيها مذاق أكلات لبنانية لا يمكن تفويت الفرصة لتناولها بين وقت وآخر من قلب بيروت النابض.
لبنان الأطباق

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة