10 سنوات على «بوكو حرام»... مجازر وخراب لا يتوقف

تفوقت على «داعش» في العنف وتُصنف بأنها «الحركة الأكثر دموية في العالم»

عناصر من مقاتلي «بوكو حرام» الإرهابية عقب حملة مداهمات في مايدوغوري بنيجيريا يوليو 2018 (أ.ب)
عناصر من مقاتلي «بوكو حرام» الإرهابية عقب حملة مداهمات في مايدوغوري بنيجيريا يوليو 2018 (أ.ب)
TT

10 سنوات على «بوكو حرام»... مجازر وخراب لا يتوقف

عناصر من مقاتلي «بوكو حرام» الإرهابية عقب حملة مداهمات في مايدوغوري بنيجيريا يوليو 2018 (أ.ب)
عناصر من مقاتلي «بوكو حرام» الإرهابية عقب حملة مداهمات في مايدوغوري بنيجيريا يوليو 2018 (أ.ب)

عشر سنوات، هي عمر حركة «بوكو حرام» النيجيرية، التي تعد أكثر الحركات الإرهابية عنفاً في أفريقيا، وفقاً لإحصائيات دولية. وتصاعد نشاط «بوكو حرام» عقب مبايعتها تنظيم «داعش» قبل أربعة أعوام؛ حيث اتخذت الحركة من «داعش» وحشيته، لذلك حازت لقب «الجماعة الأكثر دموية في العالم»، بعدما تفوقت على «داعش» أيضاً في العنف، والمجازر التي ارتكبتها والتي لا تتوقف حتى الآن، إذ قتلت «بوكو حرام» ما يقرب من 30 ألف شخص، وشرّدت أكثر من مليونَي شخص، وفقاً لمصادر الأمن النيجيرية.
وتعد الحركة من أكثر التنظيمات الإرهابية التي تستخدم الهجمات الانتحارية في عملياتها، خصوصاً في ظل اعتمادها على النساء والأطفال في تنفيذ تلك الهجمات. وقال خبراء مصريون، إن «الحركة في بداية نشأتها اتّبعت تنظيم (القاعدة)، وخلال السنوات العشر السابقة استطاعت أن تؤسس علاقات قوية مع التنظيمات الإرهابية النشطة في دول الجوار، وبعد أن بايعت (داعش) أصبحت أكثر عنفاً». وأكد الخبراء لـ«الشرق الأوسط»، أنه «عندما تم تضييق الخناق على (داعش) في سوريا والعراق أخيراً، كثّفت الحركة من نشاطها وانتشارها في القارة السمراء، وهذا يفسر نشاطها الملحوظ عقب هزائم (داعش) الأخيرة وفرار عناصره».
ويشار إلى أنه في بداية عام 2009 أعلن محمد يوسف، زعيم الحركة الأسبق، الحرب على الحكومة النيجيرية من خلال ما سماها «الرسالة المفتوحة»، والتي هدد فيها عدداً كبيراً من القيادات السياسية في نيجيريا بالقتل... وفي يوم 30 يوليو (تموز) من نفس العام، ألقت الشرطة النيجيرية القبض على يوسف، وهو يلقي خطبة في مسجد «ابن تيمية»، وخلال القبض عليه قاوم رجال الشرطة، وأسفر ذلك عن مقتله.
وقال مراقبون إنه «عقب مقتله، تولى قيادة الحركة أبو بكر شيكاو، صاحب استراتيجية خطف الفتيات من المدارس، بزعم أن الفتيات خُلقن للزواج لا للتعلم، وصاحب أيضاً استراتيجيات العمليات الانتحارية، التي انتشرت بعد توليه زعامة الحركة».
لكن تأسيس حركة «بوكو حرام» يعود إلى عام 1995، وهو العام ذاته الذي أنشأ فيه أبو بكر لاوان جماعة تُعرف بـ«أهل السنة والهجرة»، أو جماعة الشباب «منظمة الشباب المسلم» في منطقة مادوجيري بولاية بورنو (تقع في شمال شرقي نيجيريا)، وانضم إليها وشكّلها في الأصل مجموعة من الطلاب النيجيريين المتسربين من المدارس.
عُرفت «بوكو حرام» في بدايتها كحركة دعوية، إلى أن تولى محمد يوسف قيادتها، وخلال السنوات الأولى من تولي يوسف القيادة، شهدت الحركة تغيير اسمها أكثر من مرة مثل «حركة طالبان النيجيرية»، و«المهاجرون»، و«اليوسفية»، و«جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد»، حتى استقرت على اسم «بوكو حرام»، الذي يعني «التعليم الغربي حرام» بلغة الهوسا.
وتشير الإحصائيات إلى أن أول عملية مسلحة للحركة كانت عام 2003، وذلك بعد أن انتشرت الحركة في ولايات شمال شرقي وغرب نيجيريا، واستمر الأمر حتى مارس (آذار) 2015، عندما بايع شيكاو، أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم «داعش»، وذلك حدث في بيان صوتي بُثّ عبر حساب الحركة على موقع «تويتر» بلسان شيكاو.
لكن الانقسام ضرب الحركة بسبب قرار «داعش» تغيير زعيمها أبو بكر شيكاو، وتنصيب أبو مصعب البرناوي خلفاً له... وهو الأمر الذي كان بداية لسلسلة من الاضطرابات التي هزت أركان الحركة بقوة، فوجد الانقسام طريقه بين صفوف الحركة بين مؤيدين لشيكاو، ومؤيدين للبرناوي، ولم تتوقف موجة الانقسامات التي ضربت الحركة عند حد الحرب الكلامية، بأن وجه كل منهما اتهامات إلى الآخر، بالخروج عن مبادئ الحركة، وعدم صلاحيته للقيادة.
وراهن «داعش» بعد هزائمه المتتالية من قِبل قوات التحالف الدولي في العراق وسوريا وهروب مقاتليه، على ذراعه «بوكو حرام» للتوسع في أفريقيا، حسب مراقبين.
و«بوكو حرام» هي الحركة الأكثر دموية في 2014 والمسؤولة عن قتل 6644 شخصاً، ونفّذت الحركة خلال عام 2015 ما يقرب من 500 هجوم... وكان أول هجوم لـ«بوكو حرام» خارج نيجيريا على المناطق الحدودية لتشاد والكاميرون، وقُتل فيه 520 شخصاً ضمن 46 هجوماً، ثم تضاعفت العمليات ضد البلدان المجاورة.
وقال الدكتور إبراهيم نجم، مدير مرصد الفتاوى التكفيرية بدار الإفتاء في مصر، إن «العمليات الانتحارية انتقلت إلى أفريقيا على يد (بوكو حرام)، بعد أن بايعت (داعش) واستلهمت أساليبه وخططه في الهجمات الإرهابية التي تشنها، حتى أصبحت أكثر الجماعات الإرهابية استخداماً للهجمات الانتحارية في العالم».
ويرى محللون أنه «عندما بايعت (بوكو حرام) تنظيم (داعش) أدى ذلك إلى زيادة قدراتها القتالية أكثر من ذي قبل، والفكرة الرئيسية التي تؤمن بها الحركة وأيضاً (داعش)، هي فكرة (الدولة)».
وقالت مصادر مطلعة في مصر، إن «معظم هجمات (بوكو حرام) تستهدف أماكن مكتظة بالسكان كالأسواق وغيرها، إضافة إلى ذلك أنهم يستهدفون المساجد، خصوصاً في صلاتي الجمعة والفجر، ما يتسبب في وقوع العديد من الضحايا، وأسلوب عملياتها يميل إلى استخدام القنابل والعبوات الناسفة والأحزمة الناسفة، ما يزيد من أعداد القتلى والجرحى».
ويُعتقد على نطاق واسع أن عدد الأولاد والرجال الذين اختطفتهم «بوكو حرام»، وتم تجنيدهم بالقوة خلال السنوات العشر الماضية، أكثر بكثير من الذي تشير إليه الإحصائيات.
وأعلنت منظمة العفو الدولية الحقوقية في فبراير (شباط) الماضي، أن «بوكو حرام» قتلت 60 شخصاً على الأقل في هجوم وصفته المنظمة «بأنه أكثر الهجمات الدموية التي تنفذها الحركة منذ 10 سنوات».
في ذات السياق، قال المراقبون إن «(بوكو حرام) نجحت في إقامة شبكة علاقات قوية مع التنظيمات القاعدية بشمال أفريقيا، خصوصاً مع تنظيم (القاعدة في بلاد المغرب) من خلال إرسال الحركة عدداً من مقاتليها للمشاركة في القتال في شمال مالي، إلى جانب تنظيم (القاعدة)، الذي ساعد الحركة في الحصول على التمويل والسلاح والتدريب لعناصرها».
ويشير بعض المؤشرات في هذا الصدد إلى أن تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب» مد الجماعة بكميات من الأسلحة نُقلت إليه من ليبيا، عبر دول الجوار خصوصاً النيجر وتشاد.
من جهته، أكد خالد الزعفراني، الخبير في شؤون الحركات الأصولية، أن «بوكو حرام» باتت تعتمد الآن بشكل كبير على الأطفال صغار السن للقيام بعمليات انتحارية، حيث تستغل الوجه البريء للطفل للنفاذ إلى الأهداف بسهولة، حيث لا يحتاج الطفل إلى التدريب، وهو كفيل بتنفيذ عملية لا يعرف مداها ولا خطورتها وبالتالي لا مجال للفشل، مضيفاً أنه «عندما تم تضييق الخناق على (داعش) في سوريا والعراق أخيراً، كثفت الحركة من نشاطها وانتشارها، وهذا يفسر نشاطها الملحوظ عقب هزائم (داعش)، لتأكيد أنها الحركة الأكثر قوة ودموية في العالم».


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
TT

أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأسترالية، اليوم الأربعاء، إنها طلبت من أسر الدبلوماسيين الأستراليين في إسرائيل ولبنان مغادرة البلدين، مشيرة إلى تدهور الوضع الأمني في المنطقة.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، قالت «الخارجية الأسترالية» إن «الحكومة توصي مواطنيها في لبنان وإسرائيل بدراسة المغادرة في ظل الخيارات التجارية المتاحة»، مشيرة إلى أن الحكومة عرضت أيضاً «مغادرة طوعية لأفراد عائلات مسؤوليها العاملين في الأردن وقطر والإمارات».

وتلقّى لبنان تحذيرات من أن تشنّ إسرائيل الحليفة للولايات المتحدة، ضربات تستهدف بنيته التحتية في حال التصعيد بين طهران وواشنطن وتدخل «حزب الله» لمساندة داعمته إيران، بحسب ما قال وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، الثلاثاء.

وصعّدت الدولة العبرية أخيراً من وتيرة ضرباتها التي تستهدف «حزب الله» في لبنان، رغم وقف إطلاق النار الذي يسري بينهما منذ أكثر من عام، وأعقب حرباً مدمّرة تكبّد فيها الحزب خسائر باهظة على صعيد الترسانة والهيكلية القيادية.

وفي وقت تعزز الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط، حذّرت إيران من أنها ستردّ «بقوة» على أي هجوم عليها، وأن اعتداء من هذا النوع قد يؤدي إلى «حرب إقليمية».

وقال رجّي، الثلاثاء، لوسائل إعلام في جنيف: «هناك مؤشرات على أن الإسرائيليين قد يضربون بقوة في حال التصعيد، بما في ذلك ضربات محتملة على بنى تحتية استراتيجية مثل المطار».

وجدد رجي موقف السلطات اللبنانية الذي أعرب عنه رئيس الوزراء نواف سلام بأن «هذه الحرب لا تعنينا»، في إشارة لمواجهة أميركية إيرانية محتملة.


الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

ألقى الرئيس الأميركي الراحل، دوايت أيزنهاور، في عام 1953 خطاباً مهماً في الأمم المتحدة بعنوان: «الذرّة من أجل السلام». اقترح أيزنهاور التخلّي عن السلاح النووي، وتحويل الطاقة النووية لخدمة السلام والبشرية. لم تترجَم هذه المبادرة على أرض الواقع. ففي عام 1962، وخلال الأزمة الكوبيّة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، عايش العالم ولمدة 13 يوماً، شبح إمكانيّة القضاء على البشريّة بأكملها.

غيّرت الأزمة الكوبيّة ديناميكيّة امتلاك وضبط السلاح النوويّ. وعليه، كان لا بد من خلق إطار مُتفق عليه بين الجانبين لتجنّب الحسابات الخاطئة، وذلك عبر التواصل المستمرّ، كما خلق آليّات مراقبة وتحقّق. لم تلغِ الأزمة الكوبيّة سباق التسلّح النوويّ. لكنها في الحدّ الأدنى نظّمت هذا السباق.

تفجير نووي تجريبي أميركي في صحراء نيفادا (أ.ب)

أظهرت الأزمة الكوبية بشكل فاضح هشاشة الردع النوويّ. وكي لا تُترك الأمور على غاربها، أفرزت الأزمة الكوبيّة الأمور التالية: الخط الساخن بين العملاقين، ومعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النوويّة (1963)، ومعاهدة عدم انتشار السلاح النوويّ (1968)، ومعاهدتي سالت (SALT) وستارت (START) لاحقاً. وعليه، قد يمكن استنتاج بعض سلوكيات (نمطيّات) القوى العظمى فيما خصّ السلاح النوويّ أو غيره من المخاطر على العالم، وعلى أمنها القوميّ في الوقت نفسه، وهي: لا تتّفق القوى العظمى بعضها مع بعض على تنظيم قطاع ما مؤثّر في عناصر القوة الخاصة بها (Elements of Power)، إلا بعد أن يبدأ هذا القطاع بتشكيل خطر مباشر على أمنهم القومي. حصل هذا الأمر مع النووي، وقد يحصل مستقبلاً مع غزوة الذكاء الاصطناعي الخطيرة لكل مَرافق الحياة ضمن الصراع الجيوسياسيّ؛ وإذا تفرّدت القوى العظمى بامتلاك سلاح مؤثّر يُغيّر موازين القوى لصالحها، فهي تمنع الآخرين من الحصول عليه. وإذا حصل عليه الآخرون فهي تحاول منع انتشاره إلى دائرة أوسع، إنْ عبر الردع أو الضبط بواسطة المعاهدات (Treaties). من هنا الحجم الصغير للنادي النوويّ في العالم حالياً، والمُرشح إلى مزيد من التوسّع في ظلّ تداعي النظام العالمي القديم وضوابطه... ألَا تندرج الأزمة الحالية مع إيران ضمن هذا الإطار؟

في التجربة النووية الصينيّة الأخيرة 2020، تتّهم الولايات المتحدة الأميركية الصين بأنها أجْرت في عام 2020 تجربة نووية شمال غربي الصين. لكن لماذا الاتهام اليوم وبعد 6 سنوات؟ هذا مع العلم أن آخر تجربة نوويّة قامت بها الصين، تعود إلى عام 1964.

غواصة نووية أميركية من طراز «أوهايو» لدى توقفها في أحد مرافئ أستراليا 30 يوليو 2025 (إ.ب.أ)

كما تتّهم أميركا الصين بأنها تُحدّث ترسانتها، وتسعى للحصول على أسلحة نووية من الجيل الحديث، ومنها السلاح التكتيكي. فكيف يُحلَّل هذا الوضع في ظلّ التحولات الجيوسياسية في عالم اليوم؟

تمنع معاهدة «الحظر الشامل للتجارب النوويّة» (1996) القيام بأي تفجير نووي، لغرض عسكري أو سلميّ. وقد وقّعت كل من أميركا والصين على هذه المعاهدة، لكنهما لم يُصدّقا عليها كما تتطلّب الأصول القانونيّة كي تصبح نافذة. وبهدف المراقبة والضبط للتجارب النوويّة، أفرزت المعاهدة نظام مراقبة (NDDS) يَستخدم تقنيات متعددة: زلزالية، وصوتية مائية وغيرها، والهدف هو المراقبة والإبلاغ عن أي خرق للمعاهدة، وذلك عبر منظومة مجسّات موزّعة عبر العالم، وفي 337 موقعاً. تجمع هذه المجسات الداتا اللازمة في حال توفّرها، وترسلها إلى المركز الأساسي في فيينا للتحليل وتوزيع الخلاصة على الدول الموقِّعة على المعاهدة.

يختلف الخبراء حول إجراء الصين هذه التجربة. والأغلب أنه لا يمكن نفي، أو تأكيد المعلومة. لكن لماذا؟ لم تُرصد التجربة إلا من مركز واحد موجود في كازاحستان (PS23) وعلى الحدود مع الصين. رصد هذا المركز هزة أرضية بقوة 2.75 على مقياس ريختر وعلى مسافة 720 كيلومتراً داخل الأراضي الصينيّة، وهي هزّة خفيفة، اللهم إلا إذا كانت الصين تملك التكنولوجيا الحديثة لإجراء التجربة النووية وتخطّي نظام الرصد.

تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في عدد التجارب النوويّة بـ1121 تجربة، تليها روسيا بـ981 تجربة. أما الصين فتحتلّ المركز الخامس بـ48 تجربة فقط.

تملك الصين حالياً، وحسب بعض المصادر، نحو 600 رأس نوويّ. وهي تأتي في الترتيب بعد كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة الأميركيّة، لكنها تعد الأسرع في تصنيع الرؤوس النوويّة وذلك بمعدّل 100 رأس سنويّاً. والهدف هو الوصول إلى امتلاك 1000 رأس نووي بحلول عام 2030.

في التحوّل الصيني الجيوسياسيّ

يعود الفكر النووي الصيني، مثل مشروع امتلاك السلاح النووي، إلى الزعيم الراحل ماو تسي تونغ، الذي عدّ ذلك ضرورة للأمن القومي الصيني، والهدف كان الردع. وعليه، أطلق مشروع ما يُسمّى «قنبلتان وقمر اصطناعي واحد». قنبلة ذريّة، وأخرى هيدروجينيّة. كما القدرات الصاروخيّة-الفضائيّة. فكان أوّل اختبار نووي عام 1964. وفي هذا الإطار، ارتكزت العقيدة النوويّة الصينيّة على الأعمدة التالية: السلاح النووي لا يستخدم إلا للدفاع عن النفس وبعد الهجوم النووي عليها؛ ولن تسعى الصين إلى إلا التكافؤ (Parity) مع كل من روسيا وأميركا في عدد الرؤوس النوويّة، بل أن تتجاوز الضربة الأولى، مع القدرة على الردّ بعدها. وكي تُحقّق الصين مستوى ردعيّاً نوويّاً موثوقاً، عملت على تأمين «ثالوث الإطلاق»، (Triad) عبر البرّ والبحر كما الجوّ.

صواريخ «دي إف 5 سي» النووية الصينية خلال عرض عسكري في بكين 3 سبتمبر 2025 (رويترز)

في التسريع إلى الوضع الجيوسياسي الحالي

تغيّرت صين الرئيس تشي جيبينغ عن صين المؤسس ماو تسي تونغ. هي الآن تريد الخروج من قرن الذلّ، للتربّع على المرتبة الأولى عالمياّ وفي كل الأبعاد. تريد الصين الحالية استعادة جزيرة تايوان تحت مبدأ «دولة واحدة بنظامين». يؤمن الرئيس تشي بأن أحد أهمّ مقاييس القوة للدولة العظمى، وفي الظرف الحالي، هو عدد الصواريخ النوويّة التي تملكها هذه الدولة. وعليه، وبعد سقوط كل الضوابط والمعاهدات المتعلّقة بتنظيم وإدارة السلاح النووي، كان آخرها معاهدة (نيو-ستارت) التي انتهى مفعولها في 5 فبراير (شباط) 2026، تحرّرت الصين من أي ضوابط قانونيّة، فهي لا تملك آلاف الرؤوس كي تنضوي في النادي الأميركي-الروسي، حتى ولو طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب منها ذلك، لكنها تملك أكثر ممن هم في الترتيب الاخير للائحة الأعضاء في النادي النووي العالمي.

بكلام آخر يريد الرئيس تشي مزاوجة القوة الاقتصاديّة (ثاني اقتصاد بعد أميركا) والبشرية والإنتاجيّة، كما التحكّم بسلاسل التوريد في كثير من القطاعات، مع مستوى نووي متقدّم. كما يريد رسم منطقة نفوذ في محيطه المباشر. من هنا الحديث عن السلاح النووي التكتيكي. فلماذا يحق للرئيس ترمب العودة إلى عقيدة مونرو (1823)، ولا يحق لتشي إطلاق عقيدة صينية جديدة؟ لكن الأكيد، أن الرئيس تشي، وبعد مراقبة الحرب الروسية-الأوكرانية وأخذ الدروس منها، استنتج أن كميّة (كما تنوّع) الرؤؤس النووية مهمة لتحقيق الأهداف الجيوسياسيّة. كما أن استعمال الردع النووي (الاستراتيجي، التكتيكي)، والتهديد بالاستعمال كما يفعل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هو عامل مهم لحماية الحرب التقليديّة (Conventional War). فهل تنطبق هذه المقولة على عملية استرداد تايوان؟

صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية خلال عرض عسكري في موسكو (أرشيفية - رويترز)

في السلوك المُضاد للصين وروسيا

ترتكز المعضلة الأمنيّة (Security Dilemma) على ديناميكيّة خاصة بها لا يمكن ضبطها عادةً. فإذا حصلت الصين على قوة إضافية، فهذا يعني أنها تهدّد أمن الدول المجاورة. لذلك تسعى الدول المجاورة إلى أمرين مهمّين هما: التحالف للتعويض (Ganging up) أو السعي إلى الحصول على سلاح يُعوّض النقص ويُعيد التوازن. فهل ستسعى اليابان إلى السلاح النوويّ وهي قادرة، خصوصاً بعد التقارب بين الصين وروسيا، ورعايتهما لكوريا الشمالية؟ وهل ستسعى كوريا الجنوبيّة إلى امتلاك السلاح النووي وهي قادرة، وهي المُطوّقة بثلاث دول نوويّة معادية (الصين، وكوريا الشمالية، وروسيا)؟

في المقلب الآخر الأوروبيّ، هل ستسعى ألمانيا إلى امتلاك السلاح النوويّ، وهي قادرة تكنولوجياً، وذلك في ظل التحوّل الأميركيّ؟ هل ستسعى بولندا للسلاح النوويّ؟ هل يكفي السلاح النووي الفرنسي - الإنجليزي لخلق مظلّة نوويّة لحلف «الناتو» في حال غياب المظلّة النوويّة الأميركيّة؟

في الختام، يعيش العالم مرحلة انتقالية بين نظام عالمي هش لم يعد يتناسب مع التحوّلات الكبرى، ونظام مُرتقب لم يتشكّل بعد. وفي ظل غياب كامل للشرطي العالمي بعد تراجع «العم سام» عن هذه الوظيفة. يبدو أن السلاح المُضاعف للقوّة (Force Multiplier) إن كان بالنسبة إلى القوى الإقليمية الكبرى، كما للقوى الصغرى، يتمثّل جليّاً في السعي إلى امتلاك السلاح النوويّ.

Your Premium trial has ended


أول زيارة بابوية في التاريخ... ليو الرابع عشر إلى الجزائر في أبريل

البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
TT

أول زيارة بابوية في التاريخ... ليو الرابع عشر إلى الجزائر في أبريل

البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)

أعلن الفاتيكان، الأربعاء، عن سلسلة زيارات خارجية يعتزم البابا ليو الرابع عشر القيام بها في الأشهر المقبلة، بينها جولة أفريقية تشمل 4 دول، منها الجزائر في أول زيارة بابوية في تاريخ هذا البلد.

ويزور البابا العاصمة الجزائرية وعنابة بين 13 و15 أبريل (نيسان)، ثم ينتقل إلى الكاميرون؛ حيث يزور ياوندي وبامندا ودوالا، قبل أن يتوجه في 18 من الشهر نفسه إلى أنغولا؛ حيث يزور العاصمة لواندا وموكسيما وسوريمو. وينهي جولته الأفريقية في غينيا الاستوائية؛ إذ يزور مالابو ومونغومو وباتا بين 21 و23 أبريل، وفق بيان صادر عن الفاتيكان ونقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشمل محطات البابا الخارجية هذا العام التي أعلنها الفاتيكان، الأربعاء، زيارة إلى إمارة موناكو في 28 مارس (آذار)، ثم إسبانيا بين 6 و12 يونيو (حزيران).