نهب حوثي لعقارات الأوقاف اليمنية وعمليات اقتحام وطرد للسكان

أحد مساجد صنعاء (أ.ف.ب)
أحد مساجد صنعاء (أ.ف.ب)
TT

نهب حوثي لعقارات الأوقاف اليمنية وعمليات اقتحام وطرد للسكان

أحد مساجد صنعاء (أ.ف.ب)
أحد مساجد صنعاء (أ.ف.ب)

عبثا يحاول أبو محمد في العقد الخامس من عمره والأب لتسعة أبناء إقناع مشرف المنطقة في صنعاء القديمة بأن إجراءات الميليشيات الحوثية غير قانونية وأن «الدكان» هو مصدر رزقه، كما أنه لم يتخلف عن تسديد الإيجار لوزارة الأوقاف يوماً.
ويتساءل أبو محمد لماذا تريد الميليشيات الحوثية سلب رزقه، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «ما يزيد على 90 في المائة من المباني والمحلات التجارية في مديرية صنعاء القديمة (المدينة الأثرية والتاريخية) تتبع وزارة الأوقاف لأنها وقف لله عز وجل وليست للجماعة الحوثية».
ويضيف: «كل المحلات التجارية في صنعاء القديمة تمارس عليها صنوف الابتزاز والنهب من قبل الجماعة الحوثية وبخاصة العائدة تبعيتها للأوقاف، لهذا أغلقت الجماعة كثيرا من المحلات بعد حملات قام بها أتباعها وأخرجوا التجار منها وأعادوا تأجيرها لأشخاص موالين للجماعة أو منتمين إلى سلالة زعيمها».
وفي حين باءت محاولات أبو محمد بالفشل كما فشل قبله الكثيرون في محاولات إقناع الحوثيين بعدم اقتحام البيوت أو تجريف الأراضي وإلغاء العقود مع المستثمرين أو إغلاق المحلات التجارية وحرمان مستأجريها من مصادر رزقهم.
وعبر سكان في العاصمة صنعاء عن استنكارهم للممارسات التي تقوم بها الميليشيات الحوثية ضد المواطنين دون التزام بالقانون أو مراعاة لوضع اقتصادي إذ يتم نزع الأراضي والمساكن والمباني التجارية من المستأجرين لها ومن ثم تأجيرها لأشخاص يديرون أموال القيادات الحوثية أو تقوم الميليشيات الحوثية ببيعها لنافذين أو شخصيات موالية لهم.
ولم ينج المزارعون من نهب الميليشيات حيث يفصح «أ. ع. ص» أن المشرف في منطقة الحاوري أبلغه بضرورة تسليم المزرعة التي يستصلحها منذ عشرين سنة ويدفع رسوم الإيجار للأوقاف ويقول: «جاء طقم وهددني بعدم دخول الأرض وعندما قلت لهم وأين أذهب أنا استصلحت الأرض وزرعتها ومن أين سأعيل أسرتي فأجابني أحدهم بقوله: «اذهب للقتال معنا في الجبهات».
وعلى ذات المنوال يحاول أبو جابر إقناع المجموعة المسلحة التابعة للميليشيات الحوثية التي نفذت حملة إخلاء وبتوجيهات من قيادات حوثية بوزارة الأوقاف الخاضعة لها في صنعاء تطالبه بالخروج من الأرض التي استأجرها وقام بتسويرها في حي الصافية ويقول: «استأجرت قطعة الأرض من 15 سنة وفتحت مركز صيانة للسيارات، ويريدون مني الآن إخلاء الأرض وتدمير مصدر رزقي أنا وعائلتي». ويسترسل «لقد أخرجوا الكثير من المستأجرين للأراضي في مناطق عدة بأمانة العاصمة».
ويوضح (أ. ع. ج) الموظف في الأوقاف بصنعاء لـ«الشرق الأوسط» مدى العشوائية والتداخل في المهام والاختصاصات بين قطاعات الوزارة وبين مكاتب الوزارة بالمحافظات الخاضعة للميليشيات وأيضا مع المشرفين في المناطق، حيث تساعد هذه العشوائية المشرفين الحوثيين على السطو على كل الأراضي التي تقع تحت نفوذهم. ويضيف «سعت قيادات الميليشيات الانقلابية إلى خلق الاختلال في الجوانب التنظيمية والهيكلية بوزارة الأوقاف ومكاتبها بأمانة العاصمة والمحافظات القابعة تحت سيطرتها كما عملت على استحداث قطاعات وإدارات عامة بطريقة غير قانونية وخارج إطار اللائحة التنظيمية المعتمدة للوزارة وتضخيم الهيكل التنظيمي لها بغرض نهب ممتلكات الوزارة بشكل عام وأموال الأوقاف بشكل خاص».
ويكشف (س. ق. أ) وهو موظف في هيئة أراضي وعقارات الدولة الخاضعة للميليشيات في صنعاء أن الجماعة قامت بتوزيع أراضي الأوقاف على قيادات ونافذين فيها في مختلف المناطق والمحافظات المسيطر عليها. ويستشهد باستيلاء الجماعة على أرض شاسعة في محافظة ذمار تابعة للأوقاف تحت مبرر منحها لأبناء قتلاها، حيث قامت ببيعها لأحد التجار بمبلغ ضخم.
ويؤكد الموظف الذي طلب عدم ذكر اسمه أن الميليشيات أقدمت على تمليك أكثر من 50 ألف متر مربع من أراضي وعقارات الدولة في صنعاء لقياداتها في أفضل وأهم المواقع بحكم أن هيئة الأراضي والمساحة خاضعة لها ويتم تمرير ما تريده الجماعة عبرها». وكانت ميليشيات الحوثي قامت بإلغاء العقد مع المستأجر لفندق هيلتون الشهير في قلب العاصمة والتابع للأوقاف وتحويله إلى جامعة تتبع إحدى القيادات في الجماعة وأيضا تم تحويل المساحة الفارغة الواقعة أمام المبنى إلى موقف خاص بالجامعة وبرسوم رمزية أقل مما كان يدفعها التاجر السابق وكذلك الأمر يحدث في كل المناطق بأمانة العاصمة وبقية المدن.
إلى ذلك امتد العبث والفساد الحوثي إلى العقارات السكنية المملوكة للأوقاف، حيث شنت حملات مكثفة لطرد المستأجرين من منازلهم في مسعى لتسلميها إلى عناصر الجماعة القادمين من مسقط رأس زعيمها في صعدة، في سياق عملية التغيير الديموغرافي التي تقوم بها في العاصمة المختطفة صنعاء.
فبعد 25 سنة من استئجاره للبيت من وزارة الأوقاف في حي «بير العزب» بقلب العاصمة صنعاء تفاجأ أبو أصيل بالأطقم المسلحة تحاصر البيت وتطلب منه إخلاء البيت دون أن تشفع له الخدمة التي قضاها في الوزارة طيلة 35 عاما. يقول أبو أصيل وهو أب لسبعة أطفال لـ«الشرق الأوسط» متحسرا: «أين أذهب أنا وأولادي وامرأتي المصابة بالشلل. رغم أني أدفع الإيجار في ظل انعدام المرتبات ولا يوجد مسوغ قانوني يمنحهم إخراجي من البيت».
ويضيف «عندما رفضت هذه الإجراءات أغلقوا الباب بسلاسل ومنعونا من الخروج والدخول، ولولا بعض الجيران الذين أمدونا بالغذاء من النوافذ أو عبر السطوح لمتنا جوعا قبل أن يقوم عناصر الجماعة بعدها بأسبوع بإخراجنا عنوة خارج البيت دون مراعاة لحرمة أو أخلاق أو إنسانية».
هذه الحالة هي واحدة من آلاف الحالات التي تحدث في العاصمة صنعاء وبقية المدن اليمنية، إذ يوضح سكان في العاصمة، أن المشرفين الحوثيين قاموا باستخراج أوامر من وزارة الأوقاف الخاضعة لهم ونفذوا عشرات الحملات على البيوت التابعة للأوقاف وأفرغوها من السكان واستبدلوهم من خلال سكان من صعدة يتبعون الميليشيات. ولم تتوقف الحملات على هذا النحو فقط، بحسب المصادر، بل ذهب المشرفون لإلغاء العقود السارية مع التجار والمستأجرين لمباني الأوقاف في صنعاء والحديدة والمحويت وذمار وإب وحجة وعمران وفرض جبايات وإتاوات للمجهود الحربي للجماعة وتجهيز قوافل غذائية لميليشياتها.
وأكد السكان أن الجماعة كثفت حملاتها الميدانية في المدن الخاضعة لسيطرتها لمصادرة أموال الأوقاف من المنتفعين بها سواء أكانت أراضي أو مباني أو شققا سكنية.
وكشف موظفون في الأوقاف بصنعاء أن الميليشيات تقوم بطباعة سندات تحصيل غير قانونية ومخالفة بذلك للقانون المالي الذي يشترط أن تكون السندات صادرة من وزارة المالية وأن تورد الأموال إلى البنك بالمخالفة لنصوص مواد القانون المالي وعقود الإيجار وقانون الوقف الشرعي، فضلا عن انتهاك الدستور اليمني الذي ينص على عدم فرض أي رسوم مالية إلا بقانون.
ويؤكد الموظفون أن القيادات الحوثية «ترفض تطبيق النظام المحاسبي الموحد على إيرادات ومصروفات الأوقاف والوصايا والترب واستخدام دفاتر التحصيل القانونية وتقوم بتحويل المبالغ إلى حسابات وهمية تتبع المشرفين القادمين من صعدة».
وتمتلك وزارة الأوقاف في صنعاء ومناطق سيطرة الجماعة مساحات شاسعة من الأراضي الخاصة التي تم تخصيصها لمشاريع حكومية وكذلك المباني التي تم تشييدها، لكن الميليشيات قامت بنهبها تحت ذريعة إقامة مشاريع سكنية أو توزيع أراض لأبناء قتلاها.


مقالات ذات صلة

المالكي: على الحوثيين قراءة بيان التحالف وما بين السطور جيداً

الخليج اللواء الركن تركي المالكي متحدثاً خلال المؤتمر الصحافي في الرياض الخميس (أ.ب) p-circle

المالكي: على الحوثيين قراءة بيان التحالف وما بين السطور جيداً

حذّر اللواء الركن تركي المالكي، المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن، الميليشيا الحوثية من عواقب استهداف المدنيين والمنشآت المدنية في السعودية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي مدينة تعز المحاصرة من قبل الميليشيا الحوثية (إعلام حكومي)

الحكومة اليمنية تطالب بتحرك أممي عاجل لفك حصار تعز

دعت الحكومة اليمنية الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي إلى اتخاذ خطوات عاجلة وفعّالة لفك الحصار الخانق الذي تفرضه الميليشيا الحوثية على تعز، وينذر بكارثة إنسانية.

«الشرق الأوسط» (تعز)
المشرق العربي رئيس مجلس القيادة الدكتور رشاد العليمي متحدثاً للشعب اليمني بمناسبة ذكرى «ثورة 14 أكتوبر» الثلاثاء (سبأ)

العليمي: لا رجوع عن قرار إنهاء الانقلاب الحوثي

أكد رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي مُضي عملية «فجر اليمن» نحو هدفها النهائي المتمثل بإنهاء الانقلاب الحوثي، ولا رجعة عن ذلك مهما كانت التضحيات.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي (سبأ)

العليمي يعلن انطلاق «فجر اليمن» لاستعادة صنعاء وإنهاء انقلاب الحوثيين

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، الاثنين، انطلاق عملية عسكرية أطلق عليها اسم «فجر اليمن»، بهدف استعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وحدات من قوات ألوية العمالقة (إعلام عسكري)

قوات العمالقة و«درع الوطن» تتقدم نحو ذوباب قرب باب المندب

تُواصل قوات «ألوية العمالقة» و«درع الوطن» تقدمها في مناطق محيطة بمضيق باب المندب، وسط معارك عنيفة مع جماعة «الحوثي» بمنطقة ذوباب، بالتزامن مع عمليات عسكرية

«الشرق الأوسط» (عدن)

حصار الحوثيين يهدد حياة 147 ألف امرأة في تعز

تفقد 3 نساء يمنيات حياتهن يومياً بسبب مضاعفات الحمل (إعلام محلي)
تفقد 3 نساء يمنيات حياتهن يومياً بسبب مضاعفات الحمل (إعلام محلي)
TT

حصار الحوثيين يهدد حياة 147 ألف امرأة في تعز

تفقد 3 نساء يمنيات حياتهن يومياً بسبب مضاعفات الحمل (إعلام محلي)
تفقد 3 نساء يمنيات حياتهن يومياً بسبب مضاعفات الحمل (إعلام محلي)

يهدد الحصار الذي تفرضه الميليشيات الحوثية على مدينة تعز اليمنية حياة أكثر من 147 ألف امرأة وفتاة في سن الإنجاب، في ظل تراجع الخدمات الصحية، وتعذُّر الوصول إلى الرعاية المنقذة للحياة، وسط تصاعد الأعمال العدائية وتدفق موجات جديدة من النازحين من الساحل الغربي.

وحذَّر صندوق الأمم المتحدة للسكان من أن أكثر من 147 ألفاً و600 امرأة وفتاة في سن الإنجاب يواجهن صعوبات في الحصول على الخدمات الصحية الضرورية، مع استمرار القيود المفروضة على الوصول إلى المدينة، وتفاقم الضغوط على المرافق الطبية بفعل العنف والنزوح ونقص الإمدادات.

وتكشف الأرقام الأممية عن تدهور حاد في خدمات الأمومة وحديثي الولادة؛ إذ لا يعمل سوى 5 مستشفيات بشكل جزئي من أصل 27 مستشفى مخصصاً لهذه الخدمات في حالات الطوارئ داخل المدينة. ويؤدي نقص الوقود والمستلزمات الطبية والكوادر المؤهلة للمساعدة في الولادة إلى ارتفاع تكاليف العلاج والنقل، ويقلص فرص حصول النساء على الرعاية الضرورية في الوقت المناسب.

الحوثيون شرَّدوا أكثر من 150 ألفاً من سكان ريف تعز (إعلام محلي)

وتواجه النساء الحوامل مخاطر متزايدة في ظل هذا التراجع. ويقدِّر الصندوق الأممي أن أكثر من 13 ألفاً ومائة امرأة حامل يواجهن صعوبة في الوصول إلى خدمات صحة الأم، بينهن نحو 1500 امرأة يُتوقع أن يضعن مواليدهن خلال الأسبوعين المقبلين. وتحتاج 500 امرأة على الأقل إلى رعاية توليدية طارئة وخدمات لحديثي الولادة، ما يعرضهن لمضاعفات قد تهدد حياتهن في حال تعذُّر التدخل الطبي العاجل.

قيود وانعدام الحماية

لا تقتصر تداعيات الحصار الحوثي على الخدمات الصحية؛ بل تمتد إلى الحماية الإنسانية. ووفق البيانات الأممية، توقف نحو 75 في المائة من خدمات الحماية من العنف الموجهة للنساء والفتيات في محافظة تعز، بما يشمل المساحات الآمنة والملاجئ. كما تواجه النازحات ذوات الإعاقة نقصاً في الأجهزة المساعدة والمستلزمات الخاصة باحتياجاتهن اليومية.

وأشار صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن القيود المفروضة على الوصول تحول دون إيصال «حقائب الكرامة» إلى المدينة، ما يحرم النساء والفتيات النازحات من مستلزمات الصحة الشخصية، ويزيد تعرضهن لمخاطر الاستغلال والعنف وزواج الأطفال القسري.

الحوثيون يواصلون استهداف الأحياء السكنية في تعز (إعلام محلي)

وقال فرانشيسكو غالتيري، ممثل الصندوق في اليمن، إن تعذُّر الوصول إلى الخدمات المنقذة للحياة يزيد المخاطر التي تواجه صحة النساء والفتيات وسلامتهن وفرص بقائهن على قيد الحياة، مؤكداً استعداد الشركاء الإنسانيين للاستجابة، ولكنهم يحتاجون إلى وصول آمن ومستدام ومن دون عوائق، للوصول إلى الفئات الأكثر عرضة للخطر.

يأتي ذلك في وقت يسجل فيه اليمن أحد أعلى معدلات وفيات الأمهات في المنطقة العربية، مع وفاة 3 نساء يومياً بسبب مضاعفات الحمل التي يمكن الوقاية منها، بينما تفتقر 6.2 مليون امرأة وفتاة إلى خدمات الحماية الأساسية، وفق البيانات الواردة عن الصندوق الأممي.


المساجد... منصات حوثية لتمويل الحرب واستقطاب المقاتلين

الحوثيون يستغلون منابر المساجد لخدمة مشروعهم الانقلابي (الشرق الأوسط)
الحوثيون يستغلون منابر المساجد لخدمة مشروعهم الانقلابي (الشرق الأوسط)
TT

المساجد... منصات حوثية لتمويل الحرب واستقطاب المقاتلين

الحوثيون يستغلون منابر المساجد لخدمة مشروعهم الانقلابي (الشرق الأوسط)
الحوثيون يستغلون منابر المساجد لخدمة مشروعهم الانقلابي (الشرق الأوسط)

حوّلت الميليشيات الحوثية المساجد في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وضواحيها إلى أدوات للتعبئة العسكرية وجمع الأموال، مستغلةً المنابر لحشد المقاتلين واستنزاف جيوب المصلين تحت لافتة ما تسميه «المجهود الحربي»، في وقت تتفاقم فيه الأزمات المعيشية وتتراجع قدرة السكان على توفير احتياجاتهم الأساسية.

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن الميليشيات الحوثية كثّفت، خلال الأيام الأخيرة، حملات جمع التبرعات داخل المساجد وعلى أبوابها في ثماني مديريات بصنعاء، عبر نصب صناديق مالية وحث المصلين على تقديم الأموال لتمويل أنشطتها العسكرية، بما في ذلك ما تسميهما «القوة الصاروخية» و«الطيران المسيّر».

وأضافت المصادر أن معمَّمي الميليشيات الحوثية استغلوا المساجد للدعوة إلى التبرع العاجل، بالتوازي مع حملات تحريض معنوي تستهدف دفع المواطنين إلى الاستجابة، وربط الامتناع عن تقديم الأموال بالتقاعس عن نصرة الجماعة، في مسعى لتوظيف الضغط الديني والتخوين السياسي لانتزاع مزيد من الموارد.

مسجد في صنعاء حوله الحوثيون إلى مكان للتعبئة (إعلام حوثي)

ولا تقتصر التحركات الحوثية على جمع الأموال، إذ امتدت إلى استقطاب مقاتلين جدد من داخل المساجد، من خلال دعوات إلى ما تسميه «النفير العام»، وتسجيل أسماء الراغبين في الالتحاق بدورات عسكرية وتعبوية تمهيداً لإرسالهم إلى جبهات القتال، خصوصاً في تعز ومأرب والجوف والساحل الغربي.

وتكشف هذه الحملات عن مساعٍ حوثية للجمع بين تأمين التمويل واستقطاب المقاتلين، في وقت تواجه فيه الجماعة خسائر بشرية وعسكرية على عدد من الجبهات، بينما يتحمل السكان أعباء اقتصادية متزايدة.

ضغوط من المنابر

حسب مصلّين، تضمّنت الدعوات الحوثية اتهامات لمن يمتنعون عن التبرع بالتقاعس واللامبالاة، وربطت عدم التجاوب مع الدعوات بالوقوف إلى جانب الحكومة الشرعية، في محاولة لدفع المصلين إلى تقديم الأموال تحت ضغط ديني وسياسي.

وأثارت هذه الممارسات استياءً بين سكان رأوا فيها استغلالاً لحرمة دور العبادة وتحويلها إلى نقاط لجمع الأموال وتمويل الحرب، في وقت تعاني فيه قطاعات واسعة من تدهور القدرة الشرائية وتراجع مصادر الدخل، وتكافح أسر كثيرة لتأمين احتياجاتها اليومية.

عنصر أمني حوثي في تفتيش يسبق تجمعاً مسلحاً في صنعاء (أ.ف.ب)

وقالت المصادر إن الحملات شملت مديريات الوحدة، ومعين، والسبعين، والتحرير، وآزال، وصنعاء القديمة، والثورة، والصافية، حيث وُضعت صناديق للتبرعات داخل المساجد وعلى أبوابها، مع حث المصلين على تمويل الأنشطة العسكرية للجماعة.

وتزامنت هذه التحركات مع تصعيد دعوات التجنيد، إذ دفعت الجماعة بعناصر تابعة لها إلى بوابات عدد من المساجد عقب صلاة الجمعة، حاملين سجلات وطاولات وكراسي، بهدف تسجيل بيانات الراغبين في الالتحاق بدورات عسكرية وتعبوية.

عزوف عن التجنيد

يقول رامي، وهو أحد سكان صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن عناصر حوثية ترتدي بزات عسكرية وصلت في وقت مبكر من يوم الجمعة الماضي إلى بوابات أحد المساجد في منطقة التحرير وسط العاصمة، مصطحبةً سجلات التسجيل، بالتزامن مع مناشدات أطلقها خطباء تابعون للجماعة لحث المصلين على الاستجابة.

تصعيد الحوثيين يفاقم النزوح ويهدّد الأمن الغذائي بتعز (رويترز)

وأضاف أن معظم المصلين رفضوا التجاوب مع الدعوات، وغادر كثيرون منهم عقب الصلاة من دون الالتفات إلى العناصر التي كانت تنتظرهم عند البوابات، في مؤشر على تنامي العزوف عن حملات التحشيد، وفق روايته.

وأفادت المصادر بأن معمّمي الجماعة ربطوا المشاركة في الدورات العسكرية بما وصفوها بالواجبات الدينية والوطنية، في مسعى لتوسيع قاعدة التجنيد وتعويض النقص في المقاتلين، بالتزامن مع المواجهات المستمرة في عدد من خطوط القتال.

وتضع هذه التحركات المساجد في قلب مساعي الجماعة لتعبئة الموارد البشرية والمالية، بعدما باتت المنابر وسيلة لحشد الدعم لأنشطتها العسكرية، بدلاً من الاقتصار على دورها الديني والاجتماعي.


الحوثيون يستنفرون المئات من عناصرهم لتعويض خسائرهم في تعز

رغم الحصار الحوثي على تعز فإن جبهاتها مستمرة في استنزاف قدرات الجماعة (إعلام عسكري)
رغم الحصار الحوثي على تعز فإن جبهاتها مستمرة في استنزاف قدرات الجماعة (إعلام عسكري)
TT

الحوثيون يستنفرون المئات من عناصرهم لتعويض خسائرهم في تعز

رغم الحصار الحوثي على تعز فإن جبهاتها مستمرة في استنزاف قدرات الجماعة (إعلام عسكري)
رغم الحصار الحوثي على تعز فإن جبهاتها مستمرة في استنزاف قدرات الجماعة (إعلام عسكري)

دفعت الميليشيات الحوثية بتعزيزات عسكرية جديدة من صنعاء وذمار وإب باتجاه محافظة تعز، في مسعى لتعويض خسائرها البشرية وتعزيز مواقعها القتالية، وسط تعثر جهود استقطاب مقاتلين جدد من السكان والقبائل في مناطق سيطرتها.

وقالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن التعزيزات التي تحركت خلال الساعات الماضية ضمت عشرات العربات العسكرية التي تُقلّ مئات المسلحين، متجهة إلى جبهات القتال في تعز، خصوصاً الجبهة الغربية للمدينة التي تشهد مواجهات متواصلة.

وأوضحت المصادر أن غالبية المجنّدين الذين شملتهم التعزيزات ينتمون إلى فئة المهمّشين من ذوي البشرة السمراء، إلى جانب عناصر وضباط أمنيين سُحبوا من مراكز الشرطة والسجون وأُلحقوا بالتشكيلات المتجهة إلى الجبهات، في مؤشر على الضغوط التي تواجهها الجماعة لتوفير مقاتلين جدد وسد النقص في صفوفها.

ويأتي إرسال هذه التعزيزات في ظل تراجع قدرة الجماعة على استقطاب مزيد من المقاتلين من المواطنين وأبناء القبائل، مع تصاعد الرفض الشعبي والقبلي لحملات الحشد والتعبئة؛ مما يدفعها إلى نقل عناصر من محافظات عدة خاضعة لسيطرتها لتعزيز خطوط المواجهة.

عربة حوثية على متنها مجندون جدد ضمن التعزيزات الحوثية الأخيرة إلى تعز (فيسبوك)

ورصد سكان في مناطق حزيز بصنعاء، ومعبر بمحافظة ذمار، ومفرق حبيش ومنطقة القاعدة بمحافظة إب، أرتالاً عسكرية حوثية تعبر الطريق الرئيسية الرابطة بين المحافظات الثلاث وتعز، مساء السبت والأحد الماضيين.

وقال السكان إن العربات كانت تمر على دفعات متتابعة تفصل بينها بضع دقائق، وعلى متنها المسلحون الحوثيون، في تحركات بدت جزءاً من عملية نقل منظمة لتعزيز الوجود العسكري للجماعة في المحافظة.

وذكرت المصادر أن المجنّدين نُقلوا بعد تلقي تدريبات قتالية مكثفة أشرف عليها قادة ميدانيون، مشيرة إلى أن التحركات سبقتها عمليات نقل أسلحة ومعدات عسكرية متنوعة إلى عدد من جبهات القتال في تعز.

ضغوط التجنيد

تتزامن التعزيزات الحوثية مع استمرار المواجهات في محيط مدينة تعز، وسط خسائر بشرية وعسكرية تتكبدها الجماعة الحوثية، وفقاً للمصادر، في وقت تسعى فيه إلى تدعيم مواقعها بمزيد من الأفراد والعتاد.

عمال النظافة في اليمن مستهدفون حوثياً بالتجنيد والحشد (فيسبوك)

ويعكس اللجوء إلى استقدام مجنّدين من محافظات مختلفة، بالتزامن مع تعثر استقطاب أبناء القبائل والسكان، صعوبة رفد الجبهات بالمقاتلين، ويزيد من اعتماد الجماعة على حملات التعبئة ونقل العناصر إلى خطوط المواجهة.

كما يسلّط هذا التحرك الضوء على التكلفة التي يفرضها الحوثيون على السكان في مناطق سيطرتهم، مع الدفع بمزيد من المجنّدين إلى جبهات القتال بدلاً من الاستجابة لمعالجة الانهيار المعيشي والخدمي.