غرينبلات: خطة السلام لا تستخدم عبارة «حل الدولتين» أو مصطلح مستوطنات «المتحيز»

توقيت الإعلان عنها يحدده ترمب وسنتعامل مع أمور مسكوت عنها مثل غزة و«حماس» و«الجهاد الإسلامي»... ولن نقدم أي ضمانات للفلسطينيين

غرينبلات خلال حواره مع (الشرق الأوسط)
غرينبلات خلال حواره مع (الشرق الأوسط)
TT

غرينبلات: خطة السلام لا تستخدم عبارة «حل الدولتين» أو مصطلح مستوطنات «المتحيز»

غرينبلات خلال حواره مع (الشرق الأوسط)
غرينبلات خلال حواره مع (الشرق الأوسط)

قدم جيسون غرينبلات مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الشرق الأوسط ملامح حول الشق السياسي لخطة السلام الأميركية التي طال انتظارها، قائلا إنها ستكون «واقعية» ويمكن لها أن تنهي النزاع العربي - الإسرائيلي وتحقق حياة أفضل ومستقبلاً أفضل لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين.
وقال غرينبلات إن الخطة التي سيحدد موعد طرحها الرئيس دونالد ترمب ستأتي في 60 صفحة ولا تتعامل مع مصطلح حل الدولتين وتركز على قضايا مسكوت عنها مثل الحل لوضع غزة والتعامل مع فصائل مثل «حماس» و«الجهاد الإسلامي» الفلسطيني، وترفض الحلول السابقة الأميركية لقضايا مثل المستوطنات واللاجئين والقدس.
وطلب غرينبلات من الجميع انتظار الخطة التي يرفضها الفلسطينيون سلفاً قائلا إنها تقوم على مفاوضات بين الطرفين اللذين سيقرران في نهاية الأمر كل شيء. وبخلاف توقعات كثيرين، أجاب غرينبلات ببساطة بأنه إذا رفض أحد الأطراف الخطة فإن موقف واشنطن سيكون لا شيء لأنها لا تستطيع إجبار أحد على قبول أي شيء لا يريد قبوله.
وفيما يأتي مقتطفات من الحوار مع غرينبلات:

> قاطعت السلطة الفلسطينية ورشة العمل في البحرين وأعربت عن رفضها للخطة الاقتصادية وصفقة القرن وقالت إنها ولدت ميتة، ما الذي تعزمون على تقديمه للفلسطينيين في الشق السياسي حتى يغيروا من موقفهم؟
- نحن لا نقدم أي ضمانات بخلاف الجهود المخلصة لحل الموانع ولا نستطيع دفع الأطراف للعودة إلى طاولة المفاوضات، وما ينبغي أن يجعلهم يعودون إلى الطاولة هو عندما يرون الخطة السياسية التي سيتم ربطها بالخطة الاقتصادية. نعتقد أن الشعب الفلسطيني سيدرك المستقبل الهائل الذي يمكن أن تقدمه هذه الخطة. الأمر ليس سراً، فالقضايا بين الفلسطينيين والإسرائيليين صعبة ومليئة بالتحديات. وما نقدمه في 60 صفحة هو خطة سياسية تمكن الطرفين من فهم كيف يمكن الخروج من هذا الصراع وكيف يمكن الحصول على حياة أفضل ومستقبل أفضل، لكن سيكون على القيادة الفلسطينية تحمّل المسؤولية ومواجهة المشاكل.
> هل هناك جهود يقوم بها القادة العرب حالياً لإقناع الفلسطينيين بالمرونة وقبول الخطة؟
- (هذا) من السابق لأوانه فيما يتعلق بالشق السياسي، لأن المنطقة لا تعرف ما هو مدرج في الخطة السياسية. سيكون من الظلم أن نطلب منهم إقناع الفلسطينيين بشيء ما. الخطة الاقتصادية قدمت مثالاً للفلسطينيين على ما يمكن أن يكون الحال إذا وصلنا إلى نهاية للصراع السياسي. إذا نجحنا في الخطة السياسية فسيتم تنفيذ الخطة الاقتصادية ولا توجد خطة سياسية من دون خطة اقتصادية. نحن سنستمر في العمل ومحاولة التوصل إلى اتفاق سلام وسنستمر في المحاولة لتحسين حياة الفلسطينيين بغض النظر عما يقولون. ولكن إذا أرادوا الاستمرار في العناد والتظاهر أننا لا نريد المساعدة فهذا شأنهم، وهو عار على الشعب الفلسطيني.
> صرح جاريد كوشنر (مستشار الرئيس ترمب وصهره) في مؤتمر تليفوني الأسبوع الماضي بأنه سيعلن عن الخطوات في سياق الخطة السياسية. ماذا لدى فريق العمل على خطة السلام لتقديمه وإعلانه في الوقت الحاضر؟
- أعتقد أن كوشنر كان يعني خطوات في الخطة الاقتصادية وليست السياسية.
> تغريداتك عبر «تويتر» تلقي باللوم على السلطة الفلسطينية بكلمات لاذعة... لماذا كل هذا الغضب؟
- نعم، أعتقد أنه أمر مأساوي. فهم يدفعون نصف الرواتب للموظفين المدنيين الذين يعملون بجد ويحصلون على القليل من المال ولا يدفعون تكاليف الرعاية الصحية ويلقون باللوم على الولايات المتحدة، وأقول لهم: استخدموا الأموال لمساعدة الشعب وليس لمكافأة الإرهابيين. وإذا توصلنا إلى اتفاق سلام، فستنتهي تلك الألعاب ولا يمكن أن يكون لديك مجتمع ناجح إذا كان هذا ما يقوم به مجتمعك، ولا أعتقد أن هذا ما يريده الشعب الفلسطيني.
> هناك أنباء تسربت عن زيارة لماجد فرح رئيس المخابرات الفلسطينية لواشنطن لمقابلة الفريق الأميركي الذي يعمل على خطة السلام. هل هذا صحيح، وهل لديكم نوع من التواصل خلف الكواليس مع الفلسطينيين؟
- لا... لدي كثير من الاحترام لماجد وقد عملنا سوياً عام 2017، لكن لا يوجد اتصالات رسمية منذ نهاية عام 2017. وأتمنى أن يكون هناك تواصل، لكن لا توجد أي اتصالات على الإطلاق.
> توقيت إعلان الخطة السياسية، هل هو مرتبط بالانتخابات الإسرائيلية المقرر عقدها في17 سبتمبر (أيلول) المقبل؟ هل هناك توقيت؟
- لم يتخذ الرئيس ترمب قراراً بعد حول توقيت إعلان الخطة.
> ثمة منافسون في إسرائيل لبنيامين نتنياهو يدعمون حل الدولتين. وثمة افتراض أنكم قد تدعمون مثل هذا الحل من خلال توقيت مناسب لإعلان الخطة، قبل الانتخابات أو بعدها؟
- نحن لا نستخدم هذه العبارة، واستخدام هذه العبارة (حل الدولتين) يؤدي إلى لا شيء. لا يمكن حل صراع معقد مثل هذا الصراع بشعار مكوّن من كلمتين. نحن نطلب فقط من الناس الانتظار، وعندما يحصلون على الخطة السياسية فسيفهمون كيف نرى أن كلا الطرفين يمكن أن يخرج من هذا الصراع بطريقة ممتازة، لكن الأمر يتطلب كثيرا من العمل الشاق.
> وصف جاريد كوشنر الخطة السياسية بأنها ستكون براغماتية وعادلة وقابلة للتطبيق، كيف يمكن ترجمة هذه الكلمات الثلاث القوية مع مسائل مثل حل الدولتين واللاجئين والقدس وغزة؟
- أعتقد أنه سيتعين الانتظار. وهذه الكلمات تصف الخطة بالفعل وأضيف عليها كلمة «واقعية». وجميع هذه القضايا التي كانت محور الحديث والمفاوضات في الماضي لم تؤد قط إلى السلام. نعتقد أننا أخذنا جميع محاور النقاش هذه وقمنا بتطويرها بعمق وفكر. لقد وضعنا خطة طويلة يمكن أن يفهم من خلالها الناس كيف سيكون الحل بالنسبة لموضوع اللاجئين وجميع القضايا السياسية وبعض الأمور التي لا يتم الحديث عنها بشكل كاف، وضع غزة وكيف نتعامل مع المعاناة الرهيبة لسكان غزة، وكيف نتعامل مع جماعات مثل «حماس» و«الجهاد الإسلامي الفلسطيني»، وهي أمور تعد من أكبر العقبات التي تحول دون تحسين حياة الفلسطينيين والقليل يتحدث عنها. بالنسبة لي هذه قضية جوهرية مثلها مثل أي من القضايا الأساسية الأخرى.
> هل يمكن أن تعطي تلميحات حول الخطة والقضايا الخلافية المتعلقة بالحدود وتبادل الأراضي والمستوطنات ووضع القدس واللاجئين وغيرها؟
- للأسف لا أستطيع. هذه عملية حساسة ولا يوجد سبب لإعلان شيء يسمح للأشخاص الذين يعارضون الخطة بالبدء في إفسادها. نحن نريد وضع الحل بالكامل والسماح للأشخاص بقراءته والتفكير فيه. عندما يأخذون الخطة بكل تفاصليها نعتقد أن النقد سيكون أكثر عقلانية ونزاهة وملاءمة.
> بعد عقود من البناء الاستيطاني هناك نحو 400 ألف إسرائيلي يعيشون في المستوطنات في الضفة الغربية. لا تريد استخدام كلمة حل الدولتين، ولكن ما مصير هذه المستوطنات المقامة على أراض يفترض أن تشكل جزءاً من الدولة الفلسطينية المنشودة؟
- أود أن أقول إنني أفضل لفظ الأحياء أو المدن لأنها كذلك ولأن كلمة مستوطنات هي مصطلح تحقير يتم استخدامه بشكل متحيّز لوضع إصبع على جانب واحد من الصراع. وفيما يتعلق بكيفية حل هذا الأمر فسوف يتم توضيحه في الخطة السياسية.
> ماذا بشأن الحدود والأمن وحق عودة اللاجئين. هل ستقدم الخطة السياسية رؤية أو حلولا لم تطرح من قبل؟
- الإجابة عن هذا السؤال تعتمد على أمور عدة. بالنسبة لقضية اللاجئين أولاً لا بد من تعريف من هم اللاجئون وما عددهم وما الحل العادل والواقعي وما عدد اللاجئين اليوم مقارنة بوقت ظهور مشكلة اللاجئين. يجب أن يكون هناك شيء واقعي ولا يمكن الوفاء بالوعود التي قدمت لهم من قبل، وما نقدمه هو شيء جديد ومثير بالنسبة لهم. الأمر يعتمد على ما إذا كان الجانبان على استعداد للتفاوض والوصول إلى خط النهاية.
> هل تعتقد أن كلاً من الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مستعد للتفاوض، وهل يوجد مستوى من الثقة المتبادلة يمكن البناء عليها؟
- أعتقد أنه يتعين علينا بناء الثقة بين الجانبين. تعليقات رئيس الوزراء نتنياهو مفيدة، قال إنه سيكون منفتحاً للحوار، وهذا كل ما نطلبه. في المقابل، تعليقات السلطة الفلسطينية على خلاف ذلك. آمل بأن يدرك الرئيس محمود عباس أن هذه فرصة عظيمة. هم يحبون أن يقولوا إننا فشلنا، ولكن الولايات المتحدة لم تفشل. نحاول مساعدتهم ولسوء الحظ الشعب الفلسطيني هو الذي سيفشل إذا فشلت هذه الخطة.
> هل أنتم على استعداد لمنح الفلسطينيين حوافز أو ضمانات تجعلهم أكثر مرونة وقبولاً لمناقشة الخطة السياسة التي تطرحونها؟
- لا، لقد تم تجريب سياسة الحوافز من قبل، وما يجب أن يجعلهم يقبلون الخطة هي الخطة نفسها. نحن لسنا في مجال دفع شيء لشخص ليأتي إلى مائدة المفاوضات ثم لا نحصل على اتفاق، ولا أقصد هنا الحوافز المالية ولكن أي حوافز أو سياسات الجزرة.
> حتى وإن كان الأمر يتعلق فقط بدعوة رسمية للرئيس الفلسطيني محمود عباس لزيارة البيت الأبيض؟
- في الوقت المناسب وعندما نكون مستعدين لكشف النقاب عن الخطة السياسية سنقرر ما الطريق التي سنسلكها. بالتأكيد الرئيس محمود عباس هو زعيم هؤلاء الفلسطينيين في الضفة الغربية أو ما نطلق عليها يهودا والسامرة، ونريد الخوض في نقاش معهم. أفضل شيء أن يكون الرئيس عباس جالساً هنا ويشمّر عن ساعديه ويتفاوض مباشرة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي.
> وإذا طلب الرئيس الفلسطيني نوعاً من الرؤية الواضحة حول حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس والكثير من التفاصيل الأخرى؟
- هذا السؤال يبدو مثل الضمانات والحوافز والجزرة، وقد أوضحت أننا لن نقدم أي حوافز.
> هل هذا يعني أنكم ستطرحون الخطة السياسية بمنطق «خذها أو اتركها»؟
- لا، إن الخطة هي أساس رائع للمفاوضات. ولا أعتقد أنه من الواقعي أن نقول خذها أو اتركها، وأعتقد أن كلا الطرفين سيصر على التعليق عليها والتفاوض عليها وتنقيحها.
> في كلمتك أمام المؤتمر السنوي لمنظمة «مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل» ألقيت باللوم على إيران وقلت إن من المحتمل جداً أن تكون إيران سبباً مهماً في عرقلة عملية السلام الفلسطينية - الإسرائيلية. كيف ترى إيران عنصراً معرقلاً لخطة السلام؟
- أعتقد أن أسوأ كابوس في إيران هو التوصل إلى اتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين. إيران تريد فقط إشعال المشاكل في المنطقة ولديها مصلحة في السيطرة على جزء كبير من الإقليم. إنهم يستخدمون الفلسطينيين كمخلب قط وبصفة خاصة حماس، فهي منظمة إرهابية تمولها إيران، وكذلك «حزب الله»، ومهمتهما إثارة المتاعب.
> في النهاية ماذا ستفعل إذا رفض الجانب الفلسطيني أو كلا الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي الخطة السياسية التي ستطرحونها؟
- هذا سؤال رائع، والجواب هو لا شيء. إما أن يرغب الجانبان في إبرام صفقة والعمل بجد لإبرامها وإلا فإن الوضع سيستمر كما هو. إذا فشلنا مثل كل من جاء قبلنا إذن سنفشل وسيستمر الفلسطينيون في العيش في معاناة وهذا أمر مأسوي. يمكننا منع ذلك عندما تأتي القيادة الفلسطينية إلى رشدها وتعود إلى غرفة المفاوضات.
> إذن تقول إن تكلفة الفشل سيتحملها الفلسطينيون؟
- حسناً، إسرائيل بلد ناجح، وإذا افترضنا مجيء الفلسطينيين والعمل بجد للتوصل إلى اتفاق فإن الإسرائيليين يواجهون مشكلة أمنية لا يزال يتعين عليهم العيش معها. والسؤال المطروح للجانبين هو هل التسويات اللازمة لتجاوز الصراع تستحق العناء أم لا؟ لا تستطيع الولايات المتحدة الإجابة عن ذلك. الشعب الفلسطيني والشعب الإسرائيلي هما وحدهما اللذان يستطيعان الإجابة عن ذلك.



من السماء إلى الأرض... جبهات تعز تكسر زحف الحوثيين

معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الحوثيين بامتداد جبهات تعز وغرب لحج (إعلام عسكري)
معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الحوثيين بامتداد جبهات تعز وغرب لحج (إعلام عسكري)
TT

من السماء إلى الأرض... جبهات تعز تكسر زحف الحوثيين

معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الحوثيين بامتداد جبهات تعز وغرب لحج (إعلام عسكري)
معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الحوثيين بامتداد جبهات تعز وغرب لحج (إعلام عسكري)

دخلت معارك محافظة تعز اليمنية مرحلة محورية خلال الساعات الماضية، بعدما تحولت المواجهات المتزامنة على عدد واسع من الجبهات إلى عملية عسكرية مكثفة استهدفت فيها القوات الحكومية تحركات وتعزيزات الجماعة الحوثية، بالتزامن مع غطاء جوي كثيف واستعادة مواقع كانت الجماعة قد تمكنت من التسلل إليها.

وكشفت البيانات العسكرية المتعاقبة للجيش اليمني عن تنفيذ 75 غارة جوية على مواقع وتحركات حوثية في محافظة تعز خلال 24 ساعة، في موجات متتابعة من الضربات، استهدفت تجمعات وعربات وآليات وتعزيزات ومخازن أسلحة ومراكز قيادة وسيطرة ونقاط إمداد، وفق بيانات المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية العقيد الركن ماجد النزيلي.

واللافت في مسار العمليات أن الغارات لم تتركز في محور واحد، وإنما امتدت على رقعة واسعة من جبهات تعز، كما شملت صنعاء وصعدة وحجة، في مؤشر على اتساع نطاق المواجهة ومحاولة القوات الحكومية ضرب خطوط الحركة والإمداد التي تستخدمها الجماعة في عملياتها.

وشملت الضربات مناطق حمير وبني بكاري وسامع والأقروض وشارع الستين والأعمور والوازعية في تعز، وميدي وبني حسن في حجة، ثم استهدفت موجة ثانية مواقع في تعز، هي الرضعة والأقروض وبني بكاري والكدحة وجبل نعمان والعجرم والمرزام.

أما الموجة الكبرى، التي بلغت 27 غارة، فقد استهدفت مخزناً للصواريخ ومراكز قيادة وسيطرة ونقاط إمداد وتسليح متقدمة وتجمعات وعربات وآليات عسكرية، وطالت مواقع في شارع الستين، شمال مدينة تعز، وبني عمر، وحمير في مقبنة، وشرق الوازعية، والأحكوم والأثاور في حيفان، والكدحة وجبل نعمان والكريفات وعقبة منيف والتشريفات والأقروض وسامع والشقب في صبر الموادم.

وفي موجة أخرى، أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 15 غارة في تعز، شملت مواقع رأس ضريز والأعمور وجاشع أثاور ورأس حمي بالخزان بجبهة الكعاوش وقرية الجنيد في حيفان، وقالت إن الضربات أدت إلى تحييد عشرات العناصر والتعزيزات وتدمير معدات وآليات.

وبذلك، لا تبدو الغارات مجرد إسناد جوي محدود للخطوط الأمامية، وفق البيانات العسكرية، بل جزءاً من عمليات تستهدف منظومة الحركة والإمداد والقيادة الحوثية على امتداد جبهات متعددة.

هجوم وانكسار

تزامن ذلك مع مواجهات عنيفة خاضتها القوات الحكومية والمقاومة الشعبية في عدد من محاور تعز، أبرزها بني بكاري في جبل حبشي، وحمير في مقبنة، والأقروض جنوب شرقي المحافظة، إضافة إلى الكدحة وجبل هان والجبهتين الشمالية والشرقية لمدينة تعز.

وقالت المصادر العسكرية إن القوات الحكومية تمكنت من كسر الهجمات الحوثية وإجبار المهاجمين على التراجع، فيما شهدت جبهة سامع، جنوب شرقي المحافظة، هجوماً حوثياً تصدت له القوات الحكومية والمقاومة الشعبية، قبل أن تعزز مواقعها وتتراجع الجماعة باتجاه دمنة خدير.

وفي هذه الجبهة تحديداً، تحدثت المصادر عن إلقاء القبض على نحو 20 عنصراً حوثياً، والاستيلاء على آليات حوثية. وفي الأقروض، أفادت المصادر بمقتل نحو 30 عنصراً حوثياً وإصابة نحو 50 آخرين بنيران القوات الحكومية.

سعي الحوثيين إلى السيطرة على تعز كبّدهم مئات القتلى والجرحى خلال أسبوع (إعلام عسكري)

كما تحدثت حصيلة عسكرية عن مقتل نحو 100 عنصر حوثي وإصابة العشرات وأسر آخرين، إلى جانب إعطاب عربات عسكرية وتدمير مخازن أسلحة، عقب الهجمات التي شنتها الجماعة في عدد من جبهات المحافظة.

وتقول تقديرات ميدانية، إن الخطة الحوثية كانت تستهدف السيطرة على مناطق من ريف تعز وفرض حصار على المدينة، وإن الجماعة حشدت لتنفيذها عشرات الكتائب، إلا أن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية تمكنت من تثبيت مواقعها، قبل أن تبدأ بعض الوحدات باستعادة مواقع تسلل إليها الحوثيون في الشمايتين وجبل حبشي وسامع.

ولم تقتصر التطورات على التصدي للهجمات، إذ أعلنت القوات الحكومية، مسنودة بالمقاومة الشعبية وأبناء المناطق المحلية، استعادة مناطق مهمة في عزلة بني عمر بمديرية الشمايتين، جنوب تعز.

جبال تعز شكّلت عائق صد طبيعياً أمام زحف الحوثيين (إعلام عسكري)

وقالت المصادر إن القوات استعادت منطقة دار الراحة وتقدمت باتجاه شعب الدراهم، بينما تكبد الحوثيون خسائر في الأرواح والعتاد وأُسر عدد من عناصرهم، مع استمرار المواجهات في مواقع أخرى.

وفي حين تؤكد القوات الحكومية أنها أحبطت حتى الآن مخطط السيطرة على مناطق ريف تعز وفرض حصار على المدينة، تظل الجبهات مفتوحة على احتمالات تجدد الهجمات، خصوصاً مع استمرار التحركات العسكرية الحوثية على الطرق الرابطة بين مناطق مختلفة من المحافظة.

حظر خطوط الحركة الحوثية

تزامنت هذه التطورات مع استمرار الغارات على خطوط الحركة الحوثية، الأمر الذي أعطى المعارك بعداً يتجاوز الاشتباك المباشر حول المواقع، ليشمل استهداف التعزيزات والآليات ومصادر الإمداد.

وفي موازاة ذلك، أعلنت القوات المسلحة اليمنية اتخاذ إجراءات احترازية واسعة لحماية المدنيين، إذ دعت المواطنين وسائقي المركبات ووسائل النقل المدنية إلى تجنب طرق تستخدمها الجماعة في نقل عناصرها وإمداداتها العسكرية، حتى إشعار آخر.

وشملت قائمة الطرق طريق صنعاء - ذمار - إب - القاعدة - الحوبان - جولة القصر، وطريق الحوبان - الدمنة - الراهدة - حيفان - القبيطة - المفاليس، إلى جانب طرق أخرى تربط شرعب والربيعي والبرح والكدحة والوازعية وموزع والمخا، وكذلك طرق الأقروض وسامع والعيار وجبل حبشي.

ضربات جوية للجيش اليمني تضاعف خسائر الحوثيين في تعز (رويترز)

وتكشف هذه التحذيرات عن اتساع نطاق التحركات العسكرية، فيما شددت القوات المسلحة على أن الإجراءات احترازية ومؤقتة، وأن حماية المدنيين وممتلكاتهم تمثل أولوية.

وفي تطور موازٍ، أعلنت الدفاعات الجوية اعتراض وإسقاط طائرات مسيّرة انتحارية حوثية في سماء العاصمة المؤقتة عدن، وقال المتحدث العسكري باسم الجيش اليمني إن الطائرات أُسقطت قبل وصولها إلى أهدافها في المناطق والأحياء المدنية.

كما أُعلن عن استهداف أهداف عالية القيمة في صنعاء، إلى جانب 11 هدفاً عسكرياً عالي القيمة في صعدة، في رسائل عسكرية تعكس اتساع نطاق العمليات خارج جبهات تعز، حيث عمق السيطرة الحوثية.

متابعة رئاسية

في موازاة هذه التطورات الميدانية، أجرى رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد محمد العليمي مشاورات موسعة بشأن الوضع الميداني في تعز، واطلع من عضوي مجلس القيادة عبد الرحمن المحرمي ومحمود الصبيحي ووزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان وقائد المنطقة العسكرية الرابعة والقيادات العسكرية والأمنية في المحافظة على سير العمليات.

وشملت الإحاطات مستوى جاهزية القوات، وتأمين الطرق وخطوط الإمداد، والتصدي لمحاولات التسلل والاختراقات، إلى جانب الخسائر التي تكبدتها الجماعة جراء المواجهات والضربات الجوية.

عناصر من قوات الأمن اليمنية في مدينة تعز حيث تواجه المدينة وأريافها أشد الهجمات الحوثية (أ.ف.ب)

وقال العليمي إن القوات الحكومية ستواصل عملياتها وفق الخطط المقررة، مؤكداً أن الحوثيين هم من بدأوا الحرب، وأن القوات المسلحة ستنهيها، بحسب ما نقله الإعلام الرسمي، وصولاً إلى استعادة مؤسسات الدولة والعاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب.

كما دعا سكان المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى عدم الانجرار وراء حملات التعبئة، وعدم السماح بزجّ أبنائهم في هجمات وصفها بالخاسرة، مجدداً التزام الدولة بما سماه «مبادرة العودة الآمنة» وفتح أبوابها أمام من يختار الانحياز إلى الدولة ومؤسساتها.


الصواريخ... غطاء الحوثيين الناري للتقدم الميداني

مشهد عام لحي العُفا الذي استهدفته الصواريخ الحوثية في مدينة التربة (الشرق الأوسط)
مشهد عام لحي العُفا الذي استهدفته الصواريخ الحوثية في مدينة التربة (الشرق الأوسط)
TT

الصواريخ... غطاء الحوثيين الناري للتقدم الميداني

مشهد عام لحي العُفا الذي استهدفته الصواريخ الحوثية في مدينة التربة (الشرق الأوسط)
مشهد عام لحي العُفا الذي استهدفته الصواريخ الحوثية في مدينة التربة (الشرق الأوسط)

لم يكن قصف الجماعة الحوثية لمدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين جنوب محافظة تعز (جنوب غرب)، مساء الثلاثاء الماضي، مجرد جولة جديدة من القصف الباليستي الذي تصاعد على مختلف جبهات اليمن منذ نحو 3 أشهر؛ فالهجوم تزامن مع التحركات الحوثية غرب تعز، مع تصعيد ميداني واسع تشهده جبهات الوازعية والكدحة وحيفان ومناطق أخرى من المحافظة.

ورصدت مصادر ميدانية تعزيزات حوثية عبر خط المخا باتجاه الكدحة، ثم الرحبة والقوز، بالتزامن مع القصف الذي طال أحياء مدينة التربة بـ4 صواريخ باليستية، وفق مصادر حكومية ومحلية.

وليست المرة الأولى التي تستخدم فيها الجماعة الحوثية الصواريخ الباليستية بالتوازي مع تحركاتها الميدانية؛ فمنذ مطلع أغسطس (آب)، اتسعت دائرة الضربات من معسكرات بعيدة عن خطوط التماس في مأرب وحضرموت، إلى مدينة مأرب ومخيمات النازحين، ثم إلى المخا والخوخة على الساحل الغربي، قبل أن تصل في سبتمبر (أيلول) الماضي، إلى مدينة تعز، وأخيراً إلى التربة؛ ففي 6 سبتمبر، استهدفت 3 صواريخ باليستية مدينة تعز، وسقطت قرب مبنى الرعاية الاجتماعية ومحيط كلية الطب والسجن المركزي غرب المدينة.

لقطة متداولة يقول مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي إنها للحظة سقوط أحد الصواريخ في التربة (إكس)

ويكشف هذا التسلسل تغيراً في وظيفة الصاروخ ضمن التصعيد الحوثي؛ ففي 6 أغسطس، شنت الجماعة هجمات باليستية ومسيّرات على معسكرات حكومية في منطقة الرويك شرق مأرب، بينها معسكر الثنية الذي يضم قوات الطوارئ وألوية عسكرية، قبل أن تتوسع الضربات في الأيام التالية إلى مدينة مأرب.

وفي الساحل الغربي، تكرر النمط بصورة أكثر كثافة، وتعرضت المخا لهجمات صاروخية متتابعة خلال أغسطس، ثمّ هجوم في 9 سبتمبر، أسفر، وفق الجيش اليمني، عن مقتل 7 أشخاص وإصابة 30 آخرين، بينما أعلنت الجماعة أنها استهدفت تجمعات عسكرية ومستودعات أسلحة.

وبعد أيام، أعلن مدير ميناء المخا تعليق العمليات، إثر تعرضه لأكثر من 25 صاروخاً خلال عدة أيام، فيما تحدثت السلطات عن خسائر بشرية ومادية واسعة.

«التربة»... هدف مختلف

تختلف الأهداف المعلنة والنتائج الميدانية من حادثة إلى أخرى، لكن القاسم المشترك هو اتساع المسافة بين أهداف الصواريخ وخط الاشتباك المباشر؛ فالجماعة التي استخدمت الصواريخ أيضاً في المواجهات المباشرة، وربما كانت أول من يفعل ذلك في تاريخ استخدام هذا النوع من الأسلحة، إلا أنها لا تكتفي بضرب المواقع العسكرية المتقدمة، وإنما ترسلها إلى معسكرات وطرق وموانئ ومدن في العمق، حيث يمكن للضربة أن تؤثر في حركة القوات والإمداد، وأن تفرض على الجيش اليمني توزيع موارده الدفاعية على مساحة أوسع.

منظر عام لمدينة التربة من إحدى ضواحيها (فيسبوك)

ويأتي القصف الأخير على مدينة التربة، بوصف ذلك أداة لإدارة المعركة في العمق، لا مجرد رد فعل على خسارة ميدانية أو عجز عن التقدم، فإذا كانت التعزيزات الحوثية تتحرك في الوقت نفسه باتجاه الكدحة والرحبة والقوز، فإن ضرب مدينة تقع على أحد المحاور المهمة جنوب تعز، يمكن أن يؤدي وظيفة تتجاوز إيقاع الخسائر المباشرة؛ مثل إرباك الحركة ورفع منسوب القلق في المناطق الخلفية، وتشتيت الانتباه بين حماية خطوط التماس وتأمين المدن والطرق الواقعة خلفها.

وتكتسب التربة خصوصيتها من موقعها؛ فهي لا تمثل ميناءً استراتيجياً مثل المخا، ولا معسكراً عسكرياً مثل الرويك، وإنما مدينة داخلية تقع على محور مهم يربط تعز بالمحافظات الجنوبية، وتشكّل مركزاً لحركة السكان وأنشطتهم، بينما يعدّ محيطها مسرحاً لتحرك القوات الحكومية والإمدادات في جنوب المحافظة.

وتقع المدينة في قلب المنطقة الجغرافية الواسعة المعروفة بـ«الحُجَرِيّة»، وتضم عدة مديريات من جنوب محافظة تعز وشمال محافظة لحج، وتضمّ تجمعاً سكانياً من بين الأكثر كثافة في البلاد، يناهض النفوذ الحوثي، ويشكل رافداً لدعم الجيش بالمقاتلين.

ولا يمكن عزل هذا التطور العملياتي الحوثي عن إعلان حالة التعبئة العامة التي أطلقها، منذ أيام، رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ فالتربة تعدّ مركز هذه المنطقة الواسعة كثيفة السكان، وتضم مقرات للمؤسسات والمنشآت الحكومية ومراكز أمنية.

أضواء انفجارات سببتها الصواريخ الحوثية على مدينة المخا منتصف أغسطس (آب) الماضي (رويترز)

ولا يعني تهديد التربة بالصواريخ أن الهدف المباشر هو السيطرة عليها بالضرورة، كما حدث في المخا؛ فالقيمة العسكرية للضربة قد تتمثل في تهديد البيئة التي تتحرك من خلالها القوات، وإرهاب السكان الذين يناهضون نفوذ الجماعة، وإيصال رسالة بأن العمق الجغرافي الذي اعتاد السكان والقوات اعتباره أكثر أمناً، لم يعد بمنأى عن النيران بعيدة المدى.

وهذه النقطة تفسّر أيضاً انتقال الجماعة من استهداف مدينة تعز في 6 سبتمبر، إلى استهداف التربة في 29 منه؛ فبينما ضربت الصواريخ في الحالة الأولى قلب المحافظة ومركزها الحضري، وصلت في الحالة الثانية إلى مدينة تقع أبعد جنوباً، وفي توقيت تشهد فيه الجبهات الغربية والجنوبية تحركات عسكرية متزامنة.

تمهيد مسرح المعركة

لا يمكن الجزم من الضربة وحدها بأن الجماعة الحوثية تمهد لهجوم بري على التربة، أو محيطها، كما لا يمكن اختزال القصف في محاولة إرباك القوات الحكومية، لكن تزامن الضربات بعيدة المدى مع التحركات البرية المتكررة يسمح بتوقع أن يكون الصاروخ جزءاً من عملية التمهيد للتقدم، وليس بديلاً عنه.

القصف الصاروخي الحوثي استهدف حتى المدنيين والنازحين في عدة محافظات يمنية (أ.ف.ب)

فالضربات الباليستية تستطيع، حتى من دون إصابة هدف عسكري نوعي، أن تفرض على الطرف المقابل حسابات إضافية؛ مثل حماية المراكز الخلفية، ومراقبة طرق الإمداد، وإعادة ترتيب القوات بعيداً عن خطوط القتال، وكلما اتسعت دائرة التهديد، زادت التكلفة المطلوبة للحفاظ على الجبهة الأمامية.

ويأتي كل هذا في ظلّ إصرار الجماعة على إطباق الحصار على المنطقة، والمحافظة بالتالي، من خلال التقدم من الجهة الشرقية، حيث جبهة حيفان والأحكوم والأكبوش، وغرباً في جبلي راسن وجرداد الاستراتيجيين اللذين تسعى، منذ أكثر من أسبوعين، للسيطرة عليهما.

واستهدفت الجماعة أكثر من مرة خلال سبتمبر، طريق هيجة العبد في مديرية المقاطرة القريبة لمدينة التربة، وهو الطريق الذي يربط محافظة تعز بالعاصمة المؤقتة، ويعدّ الوحيد الذي تتنفس منه، خصوصاً عقب سقوط مدينة المخا أخيراً.

كل هذا يجعل من قصف التربة مختلفاً عن مجرد رد صاروخي؛ فالجماعة التي تحرك قواتها في محاور غرب تعز، تحتاج، في أي محاولة لتغيير موازين الأرض، إلى إبقاء القوات المقابلة تحت ضغط متعدد الاتجاهات، وفي هذا التكتيك، تسبق الصواريخ أي تحرك ميداني قد يربك العمق، ويختبر قدرة الجيش على حماية مسرح عملياته، قبل أن تتضح نتيجة التحرك البري.


الرعاية الصحية... معركة جديدة للفارّين من الهجمات الحوثية

الكثير من النازحين باليمن يحتاجون إلى العلاج في حين أن المرافق الصحية بعيدة عن متناولهم (الأمم المتحدة)
الكثير من النازحين باليمن يحتاجون إلى العلاج في حين أن المرافق الصحية بعيدة عن متناولهم (الأمم المتحدة)
TT

الرعاية الصحية... معركة جديدة للفارّين من الهجمات الحوثية

الكثير من النازحين باليمن يحتاجون إلى العلاج في حين أن المرافق الصحية بعيدة عن متناولهم (الأمم المتحدة)
الكثير من النازحين باليمن يحتاجون إلى العلاج في حين أن المرافق الصحية بعيدة عن متناولهم (الأمم المتحدة)

لم يكن أمام أنور عبد الله سوى مغادرة منزله في محافظة الحديدة (غرب اليمن) برفقة زوجته وأطفاله الستة، بعدما اقتربت الهجمات الحوثية من محيطهم ليلة 10 سبتمبر (أيلول). لم يكن يعرف في البداية ما الذي يحدث، لكنه سرعان ما أدرك أن البقاء لم يعد خياراً.

يقول أنور، البالغ من العمر 29 عاماً: «لم نكن نعرف ما الذي كان يحدث، ثم أدركنا أن هناك قتالاً. أخذت أطفالي وزوجتي وجئنا إلى عدن. تركنا كل شيء وراءنا».

بدأت الأسرة رحلتها باتجاه المخا، قبل أن تواصل طريقها إلى عدن، تاركة منزلها وممتلكاتها وحياتها السابقة خلفها.

واليوم، تعيش الأسرة في مأوى مؤقت شمالي عدن، ولا تملك سوى القليل من الاحتياجات الأساسية. وحتى إعداد وجبة بسيطة أصبح مهمة يومية؛ إذ تضطر إلى استخدام الحطب للطهي بجوار المأوى بسبب افتقارها إلى أدوات الطهي الأساسية. لكن الوصول إلى مكان أكثر أمناً لم يضع حداً لمعاناة الأسرة. فبالنسبة لأنور وعائلته وآلاف النازحين الآخرين، بدأت بعد الفرار معركة جديدة تتعلق بكيفية الحصول على الرعاية الطبية عندما يمرض أحد أفراد الأسرة.

وتُعد أسرة أنور واحدة من آلاف الأسر التي وصلت إلى عدن خلال موجة النزوح الأخيرة، في أعقاب تجدد القتال على طول الساحل الغربي لليمن.

آلاف النازحين في اليمن بسبب الهجمات الحوثية يفتقدون الرعاية الصحية (إعلام محلي)

وبحلول نهاية سبتمبر الماضي سجلت الحكومة اليمنية نزوح قرابة 200 ألف شخص، وفي ظل تدفق النازحين تستضيف أربعة مواقع في عدن ولحج نحو 6.500 شخص كانوا قد نزحوا إليها قبل وصول الموجة الأخيرة، في حين تضاعف عدد السكان في بعض هذه المواقع منذ ذلك الحين.

ولا تقتصر احتياجات هؤلاء على المأوى والغذاء. فالكثير منهم يحتاجون إلى العلاج، في وقت تقع فيه المرافق الصحية على مسافات تجعل الوصول إليها أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة إلى أسر أنهكها النزوح والفقر.

وتوجد مواقع النازحين التي تزورها فرق منظمة «أطباء بلا حدود» على مسافة تتراوح بين أربعة وعشرة كيلومترات من المرافق الصحية. وبينما قد تبدو هذه المسافة محدودة في الظروف العادية، فإنها تتحول إلى عقبة حقيقية أمام الأسر التي تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية.

ومع نقص الوقود وارتفاع أسعاره، تصبح تكلفة الانتقال إلى المرافق الصحية، إضافة إلى أسعار الأدوية، فوق قدرة كثير من الأسر.

وتقول سارة غانم، مديرة أنشطة الصحة المتنقلة في «أطباء بلا حدود» في عدن: «نرى أطفالاً مرضى، ونساءً حوامل لا يستطعن الوصول إلى الرعاية الصحية، وأشخاصاً يعانون من جروح، وكباراً في السن يحتاجون إلى خدمات طبية، لكنهم يواجهون صعوبة في الوصول إليها».

مرضى بلا رعاية

في المواقع التي تزورها الفرق الطبية تظهر آثار الأزمة الصحية بين النازحين بصورة واضحة. فقد تعاملت الفرق مع حالات جروح وإصابات، وسوء تغذية، وحمى، وإسهال، إلى جانب أمراض معدية وغير معدية لم تتلقَّ العلاج. كما رصدت نساءً حوامل لم يحصلن على رعاية صحية خلال فترة الحمل، وأطفالاً يعانون من سوء تغذية حاد، وآخرين لم يستكملوا تطعيماتهم.

وأمام هذه الصعوبات، تحاول فرق «أطباء بلا حدود» نقل جزء من الرعاية الصحية إلى أماكن وجود النازحين، بدلاً من انتظار قدرتهم على الوصول إلى المراكز الطبية.

الكثير من الأسر اليمنية المشردة تعيش في مأوى مؤقت بانتظار وصول المساعدات (إعلام محلي)

وخلال الأسبوع الأول من الاستجابة الصحية المتنقلة، عاينت الفرق 427 مريضاً في أربعة مواقع بمديريتَي دار سعد والشيخ عثمان في عدن، ومديرية تبن في لحج.

وكان معظم المرضى من النساء والأطفال، في حين كان نحو 40 في المائة منهم قد نزحوا حديثاً بسبب التصعيد الأخير في تعز وعلى طول الساحل الغربي.

وتقدم الفرق استشارات طبية وفحوصات سريعة تشمل قياس مستوى الهيموغلوبين وسكر الدم، والكشف عن الملاريا وحمى الضنك، وفحوصات البول، إلى جانب التطعيمات الروتينية، والكشف عن سوء التغذية، واختبارات الحمل وتنظيم الأسرة.

وعندما يحتاج المرضى إلى رعاية إضافية، تعمل الفرق على إحالتهم إلى مرافق صحية قادرة على توفير العلاج اللازم.

نظام تحت الضغط

تأتي هذه الاستجابة في وقت يواجه فيه النظام الصحي اليمني ضغوطاً متراكمة، وفق «أطباء بلا حدود». وتقول غانم: «نرى ضغطاً هائلاً على نظام صحي ينهار بالفعل، ويواجه تحديات عديدة منذ سنوات».

ومع استمرار وصول النازحين، تواصل المنظمة تقييم المواقع التي تستضيفهم، وتقول إنها مستعدة لتوسيع نطاق استجابتها إذا ازدادت الاحتياجات الصحية.

الفرق الطبية المتنقلة تقدم خدمات متواضعة للمئات من الفارّين من تصعيد الحوثيين (إعلام محلي)

ولا تقتصر جهود «أطباء بلا حدود» على الفرق المتنقلة؛ إذ تدعم المنظمة منذ أبريل (نيسان) خدمات الرعاية الصحية الأولية في الفَرشة بريف لحج والبساتين في عدن.

وتشمل المناطق التي تخدمها المنشأتان أماكن يقيم فيها نازحون، سواء داخل مواقع النزوح أو وسط المجتمعات المحلية المضيفة.

وبالنسبة إلى عائلات مثل أسرة أنور، فإن الوصول إلى مكان آمن لا يعني بالضرورة انتهاء رحلة النزوح. فبعد ترك المنازل والممتلكات، يصبح الحصول على العلاج والطعام ومقومات الحياة الأساسية جزءاً آخر من معاناة طويلة، لا تعرف الأسرة متى تنتهي.