القمة الاقتصادية العربية ـ البريطانية: الشباب محرك اقتصاد المنطقة

القمة الاقتصادية العربية ـ البريطانية: الشباب محرك اقتصاد المنطقة

مسؤولون شددوا من لندن على تعزيز الاستثمار في مجالات البنية التحتية والطاقات المتجددة
الخميس - 2 ذو القعدة 1440 هـ - 04 يوليو 2019 مـ رقم العدد [ 14828]
الأمين العام للجامعة العربية يلقي كلمته في القمة العربية - البريطانية بلندن أمس (الغرفة التجارية العربية البريطانية)
لندن: نجلاء حبريري
انعقدت في لندن أمس القمة الاقتصادية العربية البريطانية تحت شعار «رؤية مشتركة»، والتي نظمتها غرفة التجارة العربية البريطانية وشارك فيها عشرات المسؤولين والمستثمرين وممثلي المؤسسات المالية لبحث سبل تعزيز التعاون التجاري بين الجانبين وتشجيع الاستثمار في الشباب والبنية التحتية والطاقات المتجددة.

وركز المتحدثون على أهمية الاستثمار في رأس المال البشري بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتعزيز التعاون العربي - البريطاني في مجالات الطاقة والتعليم والصحة والبنية التحتية. ولم تغب تداعيات قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) عن المحادثات الرسمية والجانبية، إلا أن المستثمرين رأوا فيها فرصة للدفع بالعلاقات الاقتصادية بين الجانبين.

واعتبرت البارونة إليزابيث سايمونز، رئيسة الغرفة، أن قطاعات الطاقة والتعليم والصحة تقدم فرصا واسعة للتعاون بين بريطانيا والدول العربية. وأوضحت سايمونز، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن أحد أبرز القطاعات التي تتميز فيه بريطانيا وتسعى لتعزيز التعاون مع المنطقة هو مجال الطاقات المتجددة، وخاصة «سبل توليدها». وأضافت أن قطاع التعليم هو مجال بارز آخر للتعاون، عبر تبادل المعرفة لتزويد الشباب بالكفاءات المناسبة للوظائف الجديدة، المعتمدة بشكل كبير على تقنية المعلومات. وتابعت أن المباحثات التي انعقدت بين المشاركين على هامش القمة الاقتصادية ركّزت على التمويل الذي قد يحصل عليه مستثمرون من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في بريطانيا.

من جهته، قال سامي العبيدي، رئيس مجلس الغرف السعودية، أمام المشاركين في القمة: «نحتاج لمزيد من الجهود على جميع المستويات، سواء على مستوى أصحاب الأعمال أو الحكومات، لمضاعفة حجم التبادل التجاري، وتعزيز الشراكة الاقتصادية، وبناء مشروعات مشتركة في مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية، وذلك من خلال عقد القمم والمنتديات والمؤتمرات التي تسهم في تحقيق الإنجازات وتقدم الشراكات الاقتصادية».

وأوضح على هامش أعمال المؤتمر الاقتصادي لـ«الشرق الأوسط»، أن «التكامل بين السعودية وبريطانيا ليس وليد اليوم. وستكون الشركات البريطانية من أفضل الشركاء لنا في المشاريع الضخمة ضمن مشاريع (رؤية 2030) (والتي تشمل نيوم ومشروع البحر الأحمر والقدية وغيرها)، وذلك لما تزخر به من خبرة وريادة أعمال متطورة، ومعرفة بالسوق السعودية. أما من الجانب السعودي، فإن التحول الذي تمّ في المملكة العربية السعودية من حيث الشفافية والإصلاحات الاقتصادية والتقدم على مستوى التنافسية العالمية عزز من قدرة استقطاب الشركات للاستثمار وجعل من المشاركة في المشاريع جاذبة جدا».

واعتبر العبيدي أن كل هذه العوامل سهّلت مهمة جذب المستثمرين البريطانيين إلى السعودية، خاصة أن هناك مستثمرين سعوديين كثيرين في المملكة المتحدة. وأضاف أن «الخبرات البريطانية التي نتمنى أن تكون موجودة في السعودية، هي تلك التي تستطيع المساهمة في مشاريع البنية التحتية الكبرى التي تشرف عليها الحكومة بنفسها، وضخت فيها مئات المليارات»، فضلا عن تطوير المجال الصحي الذي توليه حكومة المملكة اهتماما كبيرا. كما شدد على أهمية «الاقتصاد المعرفي الذي نعتمد عليه لإخراج جيل يكون متميزا بمعرفته وخبراته ورأس ماله».

وفي تعليقها على مستقبل العلاقات الاقتصادية العربية - البريطانية بعد «بريكست»، قالت سايمونز إن «الجميع مهتمون لمعرفة ما الذي سيحصل بهذا الخصوص. وسواء كنتم تعتقدون أن (بريكست) جيد أم لا، فإن حالة الشك وعدم اليقين (الذي يولدّه) تخلق بيئة صعبة». واستدركت: «إلا أن هناك شيئا واحدا مؤكدا، نحن دولة تجارية وسنستمر في الاعتماد على علاقاتنا التجارية الوثيقة مع العالم العربي، ونود أن نحافظ على هذه العلاقات وأن نعززها». واعتبرت أنه مهما كانت نتيجة بريكست، «فإن مؤتمر أمس مهم للغاية لأنه يركز على مستقبل علاقاتنا التجارية».

وشارك العبيدي سايمونز تفاؤلها بالعلاقات ما بعد بريكست، وقال إنه لا يعتقد أن تكون بريطانيا بدأت الخوض في قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي دون دراسة جميع الاحتمالات. وأوضح أن «بريطانيا قادرة على تحمل الفجوة التي قد يحدثها بريكست، وستعود أقوى وذلك لأنها ستحقق سياساتها المستقلة في التنمية الاقتصادية». كما وصف العبيدي «بريكست» بالفرصة الرائعة بالنسبة لنا.

وشمل برنامج القمة عدة جلسات، بحثت الاستثمار في البنية التحتية والتنمية المستدامة، والطاقات المتجددة والتقليدية، والزراعة والأمن المائي، وتوظيف الشباب وريادة الأعمال، والتكنولوجيا المالية والمصرفية. وفي مستهلّ القمة، قال أحمد أبو الغيط أمين عام جامعة الدولة العربية إنه «ليس سهلاً أن ننظر إلى الصورة الكلية للاقتصاد والتنمية في المنطقة العربية، فهذه الصورة متداخلة ومركبة، وهي تتضمن من المخاطر ونقاط الضعف بقدر ما تنطوي على الإمكانات وعوامل النجاح والازدهار، والحق أن ثمة محاولات - تجري في عدد من دول المنطقة - لتحويل الإمكانيات العربية، وهي كبيرة وواعدة إلى (معادلة نجاح)».

وتحدّث أبو الغيط عن أهمية الشراكة بين الجانبين العربي والبريطاني: «بهدف تمهيد السبيل أمام تبادل الخبرات وأفضل الممارسات، وبما يضع أساساً لتعاون وثيق وممتد على صعيد المشروعات الاقتصادية والتنموية المختلفة والمتنوعة والتي تحقق أهداف الجانبين». واعتبر أن «المنطقة العربية لاتزال تحتاج إلى اكتساب ونقل خبرات جديدة إليها في عدد من المجالات المرتبطة بكيفية تحقيق التنمية المستدامة، بأبعادها الثلاثة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية». وتابع: «كما أن الجانب البريطاني يحتاج دون شك لضخ حيوية جديدة في اقتصاده خلال تلك المرحلة الدقيقة، وأظن أن السوق العربية الواعدة بإمكانياتها تعد وجهة مثالية للشريك البريطاني، ليس فقط بوصفها سوقا استهلاكية ضخمة، وإنما بالأساس، بوصفها وجهة للاستثمار والشراكة والتوظيف في كثير من المشروعات الناشئة والقطاعات الواعدة كالطاقة وتكنولوجيا المعلومات وغيرها».

وتوقّف أبو الغيط عند موضوع الأمن المائي الذي يعد من أولويات الجامعة العربية. وقال إن «المنطقة العربية تواجه صعوبات حقيقية نتيجة لشح المياه الذي تعاني منه، والذي تولد نتيجة لصعوبات وتراكمات مرتبطة بعوامل كثيرة، يأتي من بينها، تسارع النمو السكاني (بمعدل 2 في المائة، وهي أعلى نسبة عالمياً)، وتحديات تغير المناخ والتي تضاعف من صعوبة الوضع بصورة غير مسبوقة». وأضاف أن «عدة تحديات، وأبرزها ممارسات إسرائيل في منع الفلسطينيين من الاستخدام المباشر والحر لمواردهم الطبيعية بما فيها المياه، وكذلك الحال بالجولان السوري المحتل، تضع دائماً موضوعات الأمن المائي في مقدمة أولويات عمل منظومة العمل العربي المشترك».

من جهته، قال عبد اللطيف بن راشد الزياني، الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، إن الشيء الوحيد الذي لم يتغير، وسط التطورات والتحديات المستمرة التي تشهدها المنطقة العربية، هو رؤية مجلس التعاون وهي «تحقيق الازدهار بكل ما تعنيه الكلمة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية». وأشار إلى أن الشراكة الاستراتيجية الوثيقة بين مجلس التعاون وبريطانيا هي «أساس عملنا المنتظم لتعزيز التعاون في جميع القطاعات. كما أنها تشجعنا على النظر إلى ما وراء الحدود والعمل سوياً وفق نطاق من الأولويات المشتركة، بما في ذلك الدفاع والأمن الإقليميان، ومكافحة الإرهاب وتمويله والتطرف والجريمة المنظمة».

وتطرق الزياني إلى أهمية الاستثمار في الموارد البشرية الشابة التي تزخر بها المنطقة، وقال إن «التركيبة السكانية الديموغرافية لمجتمعنا النامي، وارتفاع نسبة الشباب، أصبحا يمثلان ركنا أساسيا في جهود التنمية والتطور». وأضاف أن مجتمعاتنا قادرة على تسخير الطاقة والموارد لشعوبنا الفتية، ومن ثم تستطيع أن تقودنا إلى عالم جديد نابض بالحياة يتمتع بتقنيات وإمكانيات لم نكن نحلم بها منذ سنوات قليلة.

وشدد الزياني على أهمية دعم شباب المنطقة بالمهارات وروح الابتكار والريادة والمعرفة والعلم والتقنية، لتمكين «دولنا من المنافسة العالمية في هذه الحقبة الجديدة»، مؤكدا أن دول مجلس التعاون قطعت خطوات متميزة تجاه تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة لتكون بمثابة حجر الأساس لبناء هذه الفرص الجديدة.

وهنا، أشار الزياني إلى مجالات التعاون مع الشركاء البريطانيين، والتي تشمل التجارة ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، والجامعات العريقة والمعاهد التعليمية المتخصصة في شتى المعارف، لافتا كذلك إلى خبرة بريطانيا في مجال الطاقات المتجددة.

بدوره، ركّز علي الغانم، رئیس غرفة تجارة وصناعة الكویت، في كلمته بالقمة الاقتصادية، على أهمية رأس المال البشري في المنطقة، وقال إن العرب یملكون موارد غنیة وثروات كبیرة وموقعا استراتیجیا بالغ الأهمیة، وإن أبرز هذه الثروات هو رأس المال البشري.

ووضع الغانم الذي یشغل منصب رئیس الجانب العربي في غرفة التجارة العربیة البریطانیة، العلاقات الاقتصادية العربية - البريطانية في سياق عالمي أوسع سريع التغيّر، وقال إن الحروب التجارية والحمائیة تمثّل إحدى أبرز التهديدات المحیطة ببریطانیا والدول العربیة على حد سواء. كما ذكر أن العالم العربي یشهد أسوأ أزمة إنسانیة منذ الحرب العالمیة الثانیة، بسبب الحروب والصراعات التي أدّت إلى هجرة جماعیة وصلت آثارها إلى معظم الدول الأوروبیة. ورأى الغانم في هذا الصدد أن تعاون العالم العربي والمجتمع الدولي، وفي طليعته بریطانیا «لن یؤدي فقط إلى قیام عالم عربي جدید، بل سیجعل من هذه المنطقة محركا قویا للنمو العالمي».

وفرضت قضية الاستثمار في شباب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نفسها على كلمات المتحدّثين، إذ انطلق محمد سعید رئیس اتحاد الغرف التجاریة العربیة من أن مفهوم الأعمال تطور بشكل مضطرد في العقد الأخیر، وذلك نتیجة التطور الذي یشهده العالم في قطاعات التكنولوجیا والاتصالات التي تعتمد عليها الأجيال الجديدة بشكل كبير. وقال إن العالم العربي یزخر بطاقات شابة بارعة، تتمتع بمهارات عالیة في قطاعات التكنولوجیا والاتصالات الأساسية لنجاح أي عمل تجاري. وأشار إلى وجود فرص كبیرة للقطاع الخاص البریطاني للاستثمار في العالم العربي، والاستعانة بالكفاءات العربیة الشابة. وأوضح أن لدى منطقتنا «مقومات كثیرة لتطویر التعاون مع بریطانیا، أبرزها توافر القوى العاملة العربیة القادرة والمدربة بشكل جید، علاوة على أن السوق العربیة تعتبر أیضا سوقا كبیرة للمنتجات والشركات البریطانیة».
بريطانيا Economy

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة