القمة الاقتصادية العربية ـ البريطانية: الشباب محرك اقتصاد المنطقة

مسؤولون شددوا من لندن على تعزيز الاستثمار في مجالات البنية التحتية والطاقات المتجددة

الأمين العام للجامعة العربية يلقي كلمته في القمة العربية - البريطانية بلندن أمس (الغرفة التجارية العربية البريطانية)
الأمين العام للجامعة العربية يلقي كلمته في القمة العربية - البريطانية بلندن أمس (الغرفة التجارية العربية البريطانية)
TT

القمة الاقتصادية العربية ـ البريطانية: الشباب محرك اقتصاد المنطقة

الأمين العام للجامعة العربية يلقي كلمته في القمة العربية - البريطانية بلندن أمس (الغرفة التجارية العربية البريطانية)
الأمين العام للجامعة العربية يلقي كلمته في القمة العربية - البريطانية بلندن أمس (الغرفة التجارية العربية البريطانية)

انعقدت في لندن أمس القمة الاقتصادية العربية البريطانية تحت شعار «رؤية مشتركة»، والتي نظمتها غرفة التجارة العربية البريطانية وشارك فيها عشرات المسؤولين والمستثمرين وممثلي المؤسسات المالية لبحث سبل تعزيز التعاون التجاري بين الجانبين وتشجيع الاستثمار في الشباب والبنية التحتية والطاقات المتجددة.
وركز المتحدثون على أهمية الاستثمار في رأس المال البشري بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتعزيز التعاون العربي - البريطاني في مجالات الطاقة والتعليم والصحة والبنية التحتية. ولم تغب تداعيات قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) عن المحادثات الرسمية والجانبية، إلا أن المستثمرين رأوا فيها فرصة للدفع بالعلاقات الاقتصادية بين الجانبين.
واعتبرت البارونة إليزابيث سايمونز، رئيسة الغرفة، أن قطاعات الطاقة والتعليم والصحة تقدم فرصا واسعة للتعاون بين بريطانيا والدول العربية. وأوضحت سايمونز، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن أحد أبرز القطاعات التي تتميز فيه بريطانيا وتسعى لتعزيز التعاون مع المنطقة هو مجال الطاقات المتجددة، وخاصة «سبل توليدها». وأضافت أن قطاع التعليم هو مجال بارز آخر للتعاون، عبر تبادل المعرفة لتزويد الشباب بالكفاءات المناسبة للوظائف الجديدة، المعتمدة بشكل كبير على تقنية المعلومات. وتابعت أن المباحثات التي انعقدت بين المشاركين على هامش القمة الاقتصادية ركّزت على التمويل الذي قد يحصل عليه مستثمرون من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في بريطانيا.
من جهته، قال سامي العبيدي، رئيس مجلس الغرف السعودية، أمام المشاركين في القمة: «نحتاج لمزيد من الجهود على جميع المستويات، سواء على مستوى أصحاب الأعمال أو الحكومات، لمضاعفة حجم التبادل التجاري، وتعزيز الشراكة الاقتصادية، وبناء مشروعات مشتركة في مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية، وذلك من خلال عقد القمم والمنتديات والمؤتمرات التي تسهم في تحقيق الإنجازات وتقدم الشراكات الاقتصادية».
وأوضح على هامش أعمال المؤتمر الاقتصادي لـ«الشرق الأوسط»، أن «التكامل بين السعودية وبريطانيا ليس وليد اليوم. وستكون الشركات البريطانية من أفضل الشركاء لنا في المشاريع الضخمة ضمن مشاريع (رؤية 2030) (والتي تشمل نيوم ومشروع البحر الأحمر والقدية وغيرها)، وذلك لما تزخر به من خبرة وريادة أعمال متطورة، ومعرفة بالسوق السعودية. أما من الجانب السعودي، فإن التحول الذي تمّ في المملكة العربية السعودية من حيث الشفافية والإصلاحات الاقتصادية والتقدم على مستوى التنافسية العالمية عزز من قدرة استقطاب الشركات للاستثمار وجعل من المشاركة في المشاريع جاذبة جدا».
واعتبر العبيدي أن كل هذه العوامل سهّلت مهمة جذب المستثمرين البريطانيين إلى السعودية، خاصة أن هناك مستثمرين سعوديين كثيرين في المملكة المتحدة. وأضاف أن «الخبرات البريطانية التي نتمنى أن تكون موجودة في السعودية، هي تلك التي تستطيع المساهمة في مشاريع البنية التحتية الكبرى التي تشرف عليها الحكومة بنفسها، وضخت فيها مئات المليارات»، فضلا عن تطوير المجال الصحي الذي توليه حكومة المملكة اهتماما كبيرا. كما شدد على أهمية «الاقتصاد المعرفي الذي نعتمد عليه لإخراج جيل يكون متميزا بمعرفته وخبراته ورأس ماله».
وفي تعليقها على مستقبل العلاقات الاقتصادية العربية - البريطانية بعد «بريكست»، قالت سايمونز إن «الجميع مهتمون لمعرفة ما الذي سيحصل بهذا الخصوص. وسواء كنتم تعتقدون أن (بريكست) جيد أم لا، فإن حالة الشك وعدم اليقين (الذي يولدّه) تخلق بيئة صعبة». واستدركت: «إلا أن هناك شيئا واحدا مؤكدا، نحن دولة تجارية وسنستمر في الاعتماد على علاقاتنا التجارية الوثيقة مع العالم العربي، ونود أن نحافظ على هذه العلاقات وأن نعززها». واعتبرت أنه مهما كانت نتيجة بريكست، «فإن مؤتمر أمس مهم للغاية لأنه يركز على مستقبل علاقاتنا التجارية».
وشارك العبيدي سايمونز تفاؤلها بالعلاقات ما بعد بريكست، وقال إنه لا يعتقد أن تكون بريطانيا بدأت الخوض في قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي دون دراسة جميع الاحتمالات. وأوضح أن «بريطانيا قادرة على تحمل الفجوة التي قد يحدثها بريكست، وستعود أقوى وذلك لأنها ستحقق سياساتها المستقلة في التنمية الاقتصادية». كما وصف العبيدي «بريكست» بالفرصة الرائعة بالنسبة لنا.
وشمل برنامج القمة عدة جلسات، بحثت الاستثمار في البنية التحتية والتنمية المستدامة، والطاقات المتجددة والتقليدية، والزراعة والأمن المائي، وتوظيف الشباب وريادة الأعمال، والتكنولوجيا المالية والمصرفية. وفي مستهلّ القمة، قال أحمد أبو الغيط أمين عام جامعة الدولة العربية إنه «ليس سهلاً أن ننظر إلى الصورة الكلية للاقتصاد والتنمية في المنطقة العربية، فهذه الصورة متداخلة ومركبة، وهي تتضمن من المخاطر ونقاط الضعف بقدر ما تنطوي على الإمكانات وعوامل النجاح والازدهار، والحق أن ثمة محاولات - تجري في عدد من دول المنطقة - لتحويل الإمكانيات العربية، وهي كبيرة وواعدة إلى (معادلة نجاح)».
وتحدّث أبو الغيط عن أهمية الشراكة بين الجانبين العربي والبريطاني: «بهدف تمهيد السبيل أمام تبادل الخبرات وأفضل الممارسات، وبما يضع أساساً لتعاون وثيق وممتد على صعيد المشروعات الاقتصادية والتنموية المختلفة والمتنوعة والتي تحقق أهداف الجانبين». واعتبر أن «المنطقة العربية لاتزال تحتاج إلى اكتساب ونقل خبرات جديدة إليها في عدد من المجالات المرتبطة بكيفية تحقيق التنمية المستدامة، بأبعادها الثلاثة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية». وتابع: «كما أن الجانب البريطاني يحتاج دون شك لضخ حيوية جديدة في اقتصاده خلال تلك المرحلة الدقيقة، وأظن أن السوق العربية الواعدة بإمكانياتها تعد وجهة مثالية للشريك البريطاني، ليس فقط بوصفها سوقا استهلاكية ضخمة، وإنما بالأساس، بوصفها وجهة للاستثمار والشراكة والتوظيف في كثير من المشروعات الناشئة والقطاعات الواعدة كالطاقة وتكنولوجيا المعلومات وغيرها».
وتوقّف أبو الغيط عند موضوع الأمن المائي الذي يعد من أولويات الجامعة العربية. وقال إن «المنطقة العربية تواجه صعوبات حقيقية نتيجة لشح المياه الذي تعاني منه، والذي تولد نتيجة لصعوبات وتراكمات مرتبطة بعوامل كثيرة، يأتي من بينها، تسارع النمو السكاني (بمعدل 2 في المائة، وهي أعلى نسبة عالمياً)، وتحديات تغير المناخ والتي تضاعف من صعوبة الوضع بصورة غير مسبوقة». وأضاف أن «عدة تحديات، وأبرزها ممارسات إسرائيل في منع الفلسطينيين من الاستخدام المباشر والحر لمواردهم الطبيعية بما فيها المياه، وكذلك الحال بالجولان السوري المحتل، تضع دائماً موضوعات الأمن المائي في مقدمة أولويات عمل منظومة العمل العربي المشترك».
من جهته، قال عبد اللطيف بن راشد الزياني، الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، إن الشيء الوحيد الذي لم يتغير، وسط التطورات والتحديات المستمرة التي تشهدها المنطقة العربية، هو رؤية مجلس التعاون وهي «تحقيق الازدهار بكل ما تعنيه الكلمة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية». وأشار إلى أن الشراكة الاستراتيجية الوثيقة بين مجلس التعاون وبريطانيا هي «أساس عملنا المنتظم لتعزيز التعاون في جميع القطاعات. كما أنها تشجعنا على النظر إلى ما وراء الحدود والعمل سوياً وفق نطاق من الأولويات المشتركة، بما في ذلك الدفاع والأمن الإقليميان، ومكافحة الإرهاب وتمويله والتطرف والجريمة المنظمة».
وتطرق الزياني إلى أهمية الاستثمار في الموارد البشرية الشابة التي تزخر بها المنطقة، وقال إن «التركيبة السكانية الديموغرافية لمجتمعنا النامي، وارتفاع نسبة الشباب، أصبحا يمثلان ركنا أساسيا في جهود التنمية والتطور». وأضاف أن مجتمعاتنا قادرة على تسخير الطاقة والموارد لشعوبنا الفتية، ومن ثم تستطيع أن تقودنا إلى عالم جديد نابض بالحياة يتمتع بتقنيات وإمكانيات لم نكن نحلم بها منذ سنوات قليلة.
وشدد الزياني على أهمية دعم شباب المنطقة بالمهارات وروح الابتكار والريادة والمعرفة والعلم والتقنية، لتمكين «دولنا من المنافسة العالمية في هذه الحقبة الجديدة»، مؤكدا أن دول مجلس التعاون قطعت خطوات متميزة تجاه تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة لتكون بمثابة حجر الأساس لبناء هذه الفرص الجديدة.
وهنا، أشار الزياني إلى مجالات التعاون مع الشركاء البريطانيين، والتي تشمل التجارة ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، والجامعات العريقة والمعاهد التعليمية المتخصصة في شتى المعارف، لافتا كذلك إلى خبرة بريطانيا في مجال الطاقات المتجددة.
بدوره، ركّز علي الغانم، رئیس غرفة تجارة وصناعة الكویت، في كلمته بالقمة الاقتصادية، على أهمية رأس المال البشري في المنطقة، وقال إن العرب یملكون موارد غنیة وثروات كبیرة وموقعا استراتیجیا بالغ الأهمیة، وإن أبرز هذه الثروات هو رأس المال البشري.
ووضع الغانم الذي یشغل منصب رئیس الجانب العربي في غرفة التجارة العربیة البریطانیة، العلاقات الاقتصادية العربية - البريطانية في سياق عالمي أوسع سريع التغيّر، وقال إن الحروب التجارية والحمائیة تمثّل إحدى أبرز التهديدات المحیطة ببریطانیا والدول العربیة على حد سواء. كما ذكر أن العالم العربي یشهد أسوأ أزمة إنسانیة منذ الحرب العالمیة الثانیة، بسبب الحروب والصراعات التي أدّت إلى هجرة جماعیة وصلت آثارها إلى معظم الدول الأوروبیة. ورأى الغانم في هذا الصدد أن تعاون العالم العربي والمجتمع الدولي، وفي طليعته بریطانیا «لن یؤدي فقط إلى قیام عالم عربي جدید، بل سیجعل من هذه المنطقة محركا قویا للنمو العالمي».
وفرضت قضية الاستثمار في شباب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نفسها على كلمات المتحدّثين، إذ انطلق محمد سعید رئیس اتحاد الغرف التجاریة العربیة من أن مفهوم الأعمال تطور بشكل مضطرد في العقد الأخیر، وذلك نتیجة التطور الذي یشهده العالم في قطاعات التكنولوجیا والاتصالات التي تعتمد عليها الأجيال الجديدة بشكل كبير. وقال إن العالم العربي یزخر بطاقات شابة بارعة، تتمتع بمهارات عالیة في قطاعات التكنولوجیا والاتصالات الأساسية لنجاح أي عمل تجاري. وأشار إلى وجود فرص كبیرة للقطاع الخاص البریطاني للاستثمار في العالم العربي، والاستعانة بالكفاءات العربیة الشابة. وأوضح أن لدى منطقتنا «مقومات كثیرة لتطویر التعاون مع بریطانیا، أبرزها توافر القوى العاملة العربیة القادرة والمدربة بشكل جید، علاوة على أن السوق العربیة تعتبر أیضا سوقا كبیرة للمنتجات والشركات البریطانیة».



صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.