عنترة ينشد أشعاره بالإنجليزية... والرومانسيون الإنجليز بالعربية

جامعة نيويورك تصدر ترجمة لأشعاره

لوحة تخيلية لعنترة بن شداد  -  غلاف الترجمة الإنجليزية  -  غلاف الترجمة العربية
لوحة تخيلية لعنترة بن شداد - غلاف الترجمة الإنجليزية - غلاف الترجمة العربية
TT

عنترة ينشد أشعاره بالإنجليزية... والرومانسيون الإنجليز بالعربية

لوحة تخيلية لعنترة بن شداد  -  غلاف الترجمة الإنجليزية  -  غلاف الترجمة العربية
لوحة تخيلية لعنترة بن شداد - غلاف الترجمة الإنجليزية - غلاف الترجمة العربية

حين تكون حركة الترجمة في أي ثقافة في حالة صحية، فإنها تتحرك مثل بندول ساعة منتظم جيئة وذهاباً بين قطبين هما: اللغة المنقول منها (اللغة الأصل) واللغة المنقول إليها (اللغة الهدف)، بما يخصب كلتا اللغتين. وخلال هذا العام صدر كتابان يتحركان في هذين الاتجاهين: أحدهما ترجمة إنجليزية لشاعر عربي قديم من القرن السادس الميلادي هو عنترة بن شداد، والآخر ترجمة عربية لطائفة من قصائد الشعر القصصي الرومانسي الإنجليزي تمتد زمنياً منذ نهاية القرن الثامن عشر إلى مطلع العقد الرابع من القرن التاسع عشر.
الكتاب الأول يحمل عنوان: «أغنيات الحرب» ويضم ترجمة لمعلقة الشاعر الجاهلي عنترة؛ ومطلعها:
هل غادر الشعراء من متردم
أم هل عرفت الدار بعد توهم؟
وقد نقلها إلى الإنجليزية جيمس أ.مونتغومري، وصدرت عن مطبعة جامعة نيويورك في 241 صفحة. Antarah Ibn Shadad، War Songs، trans. James E. Montogmery، New York University Press، 241 pp.
وهي رابع ترجمة إنجليزية لهذه المعلقة؛ إذ سبق أن قدم المستشرق ويليام جونز أول ترجمة لها في أواخر ثمانينات القرن الثامن عشر، ثم تلتها ترجمة الشاعر والمستشرق ألفريد سكاون بلنت، ثم ترجمة المستشرق ج.أ. آربري (ثمة أطروحة دكتوراه ممتازة في المقارنة بين هذه الترجمات قدمتها لجامعة القاهرة الدكتورة هدى شكري عياد ابنة القاص والناقد المصري الكبير في أواخر القرن الماضي).
مكانة عنترة في التراث الأدبي العربي راسخة، فهو أحد شعراء المعلقات السبع (دعيت معلقته «القصيدة الذهبية») وفي المخيلة الشعبية أيضاً. هناك السير الشعبية عنه مثل سيرة بني هلال والزناتي خليفة، والظاهر بيبرس، وهناك في القرن العشرين أعمال أدبية تستوحيه مثل مسرحية أحمد شوقي الشعرية «عنترة»، وكتاب محمود تيمور «ويك عنتر»، ورواية محمد فريد أبو حديد «أبو الفوارس عنترة بن شداد»، وكتاب شكري عياد ويوسف نوفل «عنترة الإنسان والأسطورة». وفي بغداد يقوم تمثال له من صنع ميران السعدي.
ما نعرفه عن شخص عنترة التاريخي قليل (لا يأتي كتاب «الأغاني» للأصفهاني إلا على سيرة موجزة له؛ بل إن البعض قد شكك في وجوده التاريخي أصلاً، وذهب آخرون إلى أن طول المعلقة المنسوبة إليه يوحي بأنه قد أضيفت إليها أشياء من نظم شعراء لاحقين. وما يرويه رواة مثل حماد الراوية الفارسي غير موثوق به)، لكن القليل الذي وصل إلينا منه يقول إنه ينتمي إلى قبيلة عبس في وسط جزيرة العرب، وإنه ولد لأب عربي وأم جارية سوداء، وإنه في شبابه كان عبداً راعياً للأغنام، ثم برز بشجاعته في حرب داحس والغبراء بين قبيلة عبس وقبيلة ذبيان، وإنه كان يعشق ابنة عمه عبلة. ويقال إنه لقي مصرعه في غارة على قبيلة طيئ، وإن كان الأصفهاني يورد روايات مختلفة عن مصرعه.
وترجمة مونتغومري تضع تحت أنظار قارئ اللغة الإنجليزية في الألفية الثالثة هذا الشاعر العاشق الفارس الذي غبر عليه نحو 15 قرناً. لقد دعا المستشرق الإنجليزي مؤرخ الأدب العربي ر.أ. نيكلسون عنترة «أخيل البادية» مشبهاً إياه بالبطل الإغريقي الذي سدد رمحه إلى هيكتور الطروادي فأرداه قتيلاً.
ولكن أمير حسين راجحي في مقالة له بـ«ملحق التايمز الأدبي»، في 12 أبريل (نيسان) 2109، يذهب إلى أن عنترة أقرب إلى بطل إغريقي آخر هو يوليسيز (أوديسيوس) واسع الحيلة، فشعر عنترة هو «الحيلة» التي يتوسل بها إلى إثبات وجوده وجدارته بيد محبوبته وإقرار مكانته في السلم الاجتماعي وتحوله من العبودية إلى الحرية.
الكتاب الثاني عنوانه: «نصوص من الشعر القصصي الرومانسي الإنجليزي» (المركز القومي للترجمة بالقاهرة) للدكتور محمد عناني أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة وأقدر من يترجم الشعر شعراً في يومنا هذا.
يضم الكتاب 5 قصائد ذات أجواء أسطورية وقروسطية هي: «الملاح الهرم» لكولردج، و«لاميا أو الأفعوانة» لكيتس، و«الحسناء القاسية القلب» لكيتس، و«الاستر أو روح العزلة» لشلي (تتحول كلمة «العزلة» بفعل خطأ طباعي في فهرس الكتاب إلى «الغزالة»)، و«حسناء جزيرة شالوت» لألفريد تنسون، مع مقدمة وتعريفات بالقصائد. وينتهي الكتاب بالنصوص الإنجليزية الكاملة للقصائد المترجمة على نحو يتيح للقارئ أن يعارض الترجمات على الأصل.
ولكي تعرف الإضافة التي تضيفها هذه الترجمات الشعرية قارنها بترجمات نثرية سابقة. لقد ترجم ماهر شفيق فريد مثلاً طرفاً من قصيدة تنسون «سيدة شالوت» في كتابه «قاعة من المرايا» (2011) وهاك طرفاً من ترجمته: «راقدة في ثوب أبيض كالثلج - يتطاير فضفاًضا شمالاً ويميناً - وأوراق الشجر تسقط عليها خفيفة - خلال ضوضاء الليل - انساقت متجهة إلى كاميلوت - وإذ تعرجت مقدمة القارب - بين التلال المكسوة بأشجار الصفصاف والحقول - سمعوها تغني أغنيتها الأخيرة - سيدة شالوت».
كيف تجد هذه الترجمة؟ إني أجدها الآن (وقد جعلني مر الغداة وكر العشية كضيف العرس في قصيدة «الملاح الهرم» أكثر حكمة وأشد حزناً) ترجمة مائية! أعني أنها كالماء بلا لون ولا طعم ولا رائحة. إنها تخلو من عنصر الموسيقى؛ وإذا غابت الموسيقى فقل على الشعر السلام. ولكن أنفاس الحياة لا تلبث أن ترف على هذه الأبيات وتضخ الدماء في عروقها حين يحولها عناني إلى هذا الشعر: «كانت ترقد لابسة ثوباً في لون الثلج الناصع - وشمالاً ويميناً طارت أطراف الثوب الواسع - وعليها تتساقط أوراق الشجر الهفهاف - وسط الأصوات المألوفة لليل الرفاف - والقارب يطفو فوق الماء إلى كاميلوت - كان مقدم هذا القارب يتلوى بين الموجات - وأشجار الصفصاف على المرتفعات - تحتضن حقولاً عامرة ونبات - تسمع آخر تلك الأغنيات - من فم غادة شالوت».
لقد تراكم عبر السنين حصاد وفير من الترجمات العربية (أغلبها منثور وأقلها منظوم) للشعراء الرومانسيين الإنجليز: هناك ترجمات شعراء مدرسة أبولو مثل إبراهيم ناجي وعلي محمود طه ومختار الوكيل في ثلاثينات القرن الماضي، وترجمة لويس عوض لمسرحية شلي الغنائية «برومثيوس طليقاً» وقصيدته «أدونيس»، وترجمة عبد الرحمن بدوي العظيمة لقصيدة بايرون «أسفار أتشايلد هارولد» (يخفق عناني في تقدير مكانة بدوي مفكراً ومنشئاً ومترجماً، وهي نقطة عمياء مؤسفة لدى ناقد على مثل هذا الحظ من البصيرة والبصر)، وكتاب «الرومانتيكية في الأدب الإنجليزي» لعبد الوهاب المسيري ومحمد علي زيد (ثاني الرجلين خير من الأول وإن يكن اسمه أقل ذيوعاً).
وترجمة عناني تتويج لهذه الجهود السابقة ودفع بها إلى آماد أبعد وذراً أعلى؛ إذ اجتمع لديه ما لم يجتمع لغيره من علم أكاديمي ومعايشة طويلة للنصوص وذائقة شعرية وقدرة على التصرف في أعاريض الخليل والأخفش ومعرفة بأسرار الإنجليزية والعربية على السواء.



رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.