الصين... من عملاق نائم على بساط الفقر إلى قطب «الجيوتكنولوجيا»

الرئيس الصيني شي جينبينغ (أ. ب)
الرئيس الصيني شي جينبينغ (أ. ب)
TT

الصين... من عملاق نائم على بساط الفقر إلى قطب «الجيوتكنولوجيا»

الرئيس الصيني شي جينبينغ (أ. ب)
الرئيس الصيني شي جينبينغ (أ. ب)

لعل من أبرز ملامح أواخر القرن الماضي ومطالع القرن الحالي، الصعود الصاروخي لـ «التنّين الصيني»، وانتقال أكثر الدول سكّاناً من عملاق نائم على بساط من الفقر إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وقريباً إلى احتلال المرتبة الأولى.
هذه القصّة المذهلة بدأت قبل أربعين عاماً عندما تخلّت الصين عن سياسات أبقت الاقتصاد أسير الضعف والركود، خاضعاً للسيطرة المركزية، ومعزولاً عن الاقتصاد العالمي. ففي العام 1979 انطلق مسلسل الإصلاحات الاقتصادية وتحرير التجارة وتعزيز الاستثمار وتنفيذ إصلاحات السوق الحرة، بمبادرة من دينغ شياو بينغ خليفة ماو تسي تونغ في الزعامة. ولم تنفك الصين منذ ذلك الحين تحقق نمواً مذهلاً بحيث بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي الحقيقي ما معدّله 9.5 في المائة حتى العام 2017، وهو بحسب وصف البنك الدولي «أسرع توسّع مستدام لاقتصاد كبير في التاريخ».
ومكّن هذا النمو الصين من مضاعفة ناتجها المحلي الإجمالي كل ثماني سنوات، وساعد على انتشال حوالى 800 مليون شخص من براثن الفقر. بل أصبحت الصين شريكاً تجارياً رئيسياً للولايات المتحدة على الرغم من التوتر الحالي بينهما. كما تعد الصين أكبر حامل أجنبي لسندات الخزانة الأميركية (أكثر من تريليون دولار) التي تساعد في تمويل الديون الفدرالية والحفاظ على أسعار الفائدة الأميركية منخفضة.
على سبيل المقارنة، كان حجم الاقتصاد الصيني عام 1980 أكثر بقليل من 300 مليار دولار، بينما كان حجم الاقتصاد الأميركي 2.86 تريليون. أما اليوم فالرقم الصيني هو 14.3 تريليون، والرقم الأميركي هو 21.5 تريليون. ويتوقع الخبراء أن يبلغ الناتج الإجمالي الصيني 30.7 تريليون دولار عام 2025، مقابل 28.57 تريليون للولايات المتحدة.
لا شك في أن دولة تحقق نموا اقتصادياً بهذا الحجم وهذه الوتيرة لا يمكنها الاكتفاء بـ «الداخل»، بل لا بد لها من التطلع إلى الخارج، سواء لإيجاد أسواق تصريف، أو مصادر للمواد الأولية الضرورية للصناعة. هذا ما يخبرنا به التاريخ والحاضر، مع فرق جوهري: الصين لم تلجأ إلى القوة العسكرية – أقلّه حتى الآن – لتحقق فتوحات اقتصادية، بل امتشقت «السيف الاقتصادي» و«الدرع التجارية»، وخاضت معركة حققت فيها نجاحات كبيرة، وكسبت الكثير من الأصدقاء والقليل من الأعداء.
بتعبير آخر، يمكن القول إن الصين لم تنظر إلى العالم نظرة جيوسياسية تقليدية، بل استخدمت عدسة «جيوتكنولوجية»، لكي تمضي في تحقيق طموحاتها السياسية في عملية تتسارع وتتسع مع الوقت. وجعل التوسع الاقتصادي غير المسبوق من الصين «كوكباً» يملك قوة جاذبية بحيث يجمع الأسواق الناشئة لتدور في مداره.
وإذا استثينا بحر الصين الجنوبي ومشكلة تايوان حيث يستعرض العملاق الأصفر بعض العضلات العسكرية من حين إلى آخر، يعتمد طموح الصين بشكل متزايد على الموانئ والطرق السريعة وخطوط الأنابيب، وفتح أسواق جديدة للتكنولوجيا الصينية المتقدمة.

«الحزام والطريق»
فيما بقيت الدول الغربية متمسكة بمبادئ السيادة الوطنية التي بُنيت على أساس معاهدة وستفاليا، مع تناسي القويّ لهذه المبادئ عندما يقرر الاستقواء على الضعيف خارقاً سيادته ليفرض عليه في النهاية سيطرة اقتصادية، سلكت الصين «طريق الحرير»، ومدّت اليد إلى عالم تتصوّره كشبكة واحدة معقدة من سلاسل الإمدادات والشرايين التجارية.
من هنا وُلدت فكرة «مبادرة الحزام والطريق» كاستراتيجية تنمية عالمية تتبنّاها الصين وتتضمن تطوير البنى التحتية والقيام باستثمارات تفوق قيمتها المقدّرة تريليون دولار في نحو 70 دولة في آسيا وأوروبا وإفريقيا والأميركتين، تضم حوالى 65 في المائة من سكان العالم ونحو ثلث الناتج الإجمالي العالمي. وكل هذا يجعل من المبادرة أكبر مشروع للبنى التحتية في التاريخ.
وقد أعلنت الصين عن المبادرة عام 2013، ونقلتها إلى حيز التنفيذ بصورة تدريجية، إلى أن بلغت محطة مهمة في مارس (آذار) الماضي عندما وقعت الحكومتان الصينية والإيطالية اتفاقاً ضخماً، وصارت إيطاليا بالتالي أول دولة أوروبية غربية تنضم إلى المشروع.
أما الأهداف المعلنة للمبادرة كما أعلنتها بكين، فهي «بناء سوق كبير موحد والاستفادة القصوى من كل من الأسواق الدولية والمحلية، من خلال التبادل الثقافي والتكامل، لتعزيز التفاهم والثقة بين الدول الأعضاء، والوصول إلى نمط اقتصادي مبتكر يضمن تدفقات رأس المال وتجميع المواهب والمهارات وقاعدة بيانات التكنولوجيا» لتكون كلها في متناول الجميع.
وفي الواقع تريد الصين فتح أسواق لتصريف فائض قوتها الاقتصادية لكي تضمن استمرار النمو عبر بناء شبكة تجارية كبيرة لاستيعاب السلع الصينية التي تعتمد على التقنيات المتقدمة. ويشمل ذلك السيارات الكهربائية، والاتصالات السلكية واللاسلكية، والروبوتيّات، والذكاء الصناعي، وأشباه الموصّلات، وتكنولوجيا الطاقة النظيفة، والمعدات الكهربائية المتقدمة، والبنى التحتية لسكك الحديد والملاحة البحرية. ولا شك في أن هذه الأهداف، إذا تحققت، ستجعل من الصين القوة العظمى الأولى عالمياً، والتي تقف على قمة هرم بنته بمداميك التكنولوجيا المتقدّمة.
والمفارقة أن هذا الانفتاح الهجومي من دولة لا يزال يحكمها حزب واحد هو الحزب الشيوعي، تتصدّى له الولايات المتحدة التي تجسّد الليبرالية الاقتصادية والرأسمالية غير المقيّدة، عبر اعتماد سياسة حمائية صارمة. والحال أن تحوّل الصين إلى قطب التكنولوجيا المتقدّمة يشكل «تهديدًا غير مسبوق» للصناعة الأميركية، وفق تقرير استخباريّ صدر العام الماضي. وفي السياق نفسه، يشكو الاتحاد الأوروبي من أن شركات التكنولوجيا الصينية هي مجرد امتدادات للأجهزة الحكومية الصينية. وليست الأزمة الأخيرة المستمرة بين دول غربية وشركة «هواوي» الصينية سوى مثال على ذلك.
مهما يكن من أمر، بدت القمة الثانية حول مبادرة «الحزام والطريق» التي استضافتها بكين في أبريل (نيسان) الماضي، بمثابة قبول عالمي واسع بها، بدليل المشاركة الكبيرة وتوقيع اتفاقات على هامشها تجاوزت قيمتها 64 مليار دولار. وعموماً، توفر استثمارات الصين في الاقتصادات الناشئة أسواقاً جديدة في قطاعات عدة، لأن المبالغ المعنية هي بالمليارات سنوياً، وهي بالتالي توفر فرص عمل وتدفع النمو في البلدان المستثمَر فيها.
هل تبحث الصين عبر استثماراتها ومبادرة «الحزام والطريق» عن زيادة نفوذها العالمي؟
هي حتماً تريد ذلك لأنه من طبائع الدول. لكن النفوذ الآتي في شكل استثمارات ومشاريع يبدو مقبولاً، أو هو على الأقل شكل جديد من العولمة سيفرض نفسه فصلاً أساسياً في «كتب السياسة».


مقالات ذات صلة

غوتيريش يدعو «جميع الأطراف» إلى احترام حرية الملاحة في «هرمز»

العالم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (رويترز) p-circle

غوتيريش يدعو «جميع الأطراف» إلى احترام حرية الملاحة في «هرمز»

دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الاثنين)، «جميع الأطراف» إلى احترام حرية الملاحة في مضيق هرمز، وفق ما صرح المتحدث باسمه للصحافيين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد قارب يبحر بمياه مضيق هرمز قبالة «خصب» في شبه جزيرة مسندم الشمالية بسلطنة عمان (أ.ف.ب)

«بنك سيتي»: الاقتصاد العالمي أكثر قدرة على امتصاص صدمة في أسعار النفط

قال «بنك سيتي» إن الاقتصاد العالمي بات في وضع أفضل من السابق لامتصاص صدمة بأسعار النفط.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد سفينة شحن قبالة مدينة الفجيرة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

كيف يمكن تطبيق «حصار هرمز» تقنياً؟

تبرز تساؤلات حيوية حول الكيفية التي يمكن بها للبحرية الأميركية تنفيذ حصار عسكري في واحد من أضيق وأكثر الممرات المائية ازدحاماً في العالم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ناقلات نفط في محطة خورفكان للحاويات (أ.ف.ب)

ما تأثير «حصار هرمز» على تدفقات النفط؟

بعد إعلان الرئيس الأميركي فرض حصار على مضيق هرمز، تطرح تساؤلات حول مدى تأثير ذلك على تدفقات النفط والدول المتضررة من هذا القرار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد ناقلات النفط وسفن الشحن تصطف في مضيق هرمز (رويترز)

تأهب عند «هرمز»: ناقلات النفط تغير مسارها قبيل الحصار الأميركي

بدأت ناقلات النفط العالمية بالابتعاد عن مضيق هرمز وتغيير مساراتها بشكل استباقي قبيل ساعات من بدء سريان الحصار البحري.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.