السير الذاتية وسجالاتها عند ثلاثة كتاب عرب

السمة الأكثر وضوحاً تتجلى في التركيز على كشف السجالات والمواقف

السير الذاتية وسجالاتها عند ثلاثة كتاب عرب
TT

السير الذاتية وسجالاتها عند ثلاثة كتاب عرب

السير الذاتية وسجالاتها عند ثلاثة كتاب عرب

ما الذي يميز المثقفين العرب عن غيرهم من الشرائح الأخرى عند كتابتهم سيرهم الذاتية؟ أعتقد أن الإجابة عن ذلك لن تكون في قدرتهم على صياغة الأبنية السردية فحسب، وليست في اختيار الموضوعات الأكثر جدارة بالكشف، ولن تأتي في تبيان ما يمكن تأمله من تجاربهم الحياتية، إن السمة الأكثر وضوحا تتجلى في تركيز تلك الكتابات السيرية على كشف السجالات والمواقف التي لا مناص من وجودها، ولا عوض عن ذكرها؛ لتبدو مثل (إكسير الحياة) لتلك الكتابة المطبوعة بوعي ثقافي راق في التعامل مع الأقران دون إسفاف، اعتمادا على الإيمان بدور الاختلافات الفكرية لا الشخصية في صياغة الكتابة وترسيخ التلقي.
تستعيد ثلاث تجارب كتابية في السيرة الذاتية لمثقفين عرب ذلك البعد السجالي السابق ذكره، وهي «الذات بين الوجود والإيجاد» للمغربي بنسالم حميش عن المركز الثقافي للكتاب 2019. و«الشاهد المشهود: سيرة ومراجعات فكرية» للفلسطيني وليد سيف عن الأهلية للنشر 2016، و«سيرة الوقت: حياة فرد... حكاية جيل» للسعودي معجب الزهراني عن المركز الثقافي للكتاب 2019. ومع أهمية هذه الكتب الثلاثة في التعبير عن مشهد الكتابة السيرية العربية المعاصر، فإن تركيزنا سينصب على السجال بوصفه بؤرة اهتمامها وأبرز مصادرها، إلى جانب ذلك الاتفاق الواضح الذي تحمله عنواناتها على ربط الخاص بالعام والفردي بالجمعي.
يؤكد حميش في كتابه العلاقة المتلازمة بين مسارين اثنين: (الوجود)، المفردة المتكئة على أبعادها الصوفية والفلسفية تأثرا بعدد من روادهما، و(الإيجاد)، المفردة المفعِّلة ما تضطلع به الذات في صراعها مع الشؤون الحياتية والفكرية المختلفة، وتدعم الأول منهما إشراقات واسعة من المؤلف على شظايا الفكر الصوفي والفلسفة الوجودية المتمثلة في كتبه التي يتطرق إلى بعضها، أو الكتب الأكثر أهمية في تشكيل وعيه من كلا التيارين؛ ولذلك كان الكتاب يحمل من معظم الفنون طرائف مفيدة ومهمة.
تبلورت في الجزء الأول من العمل المتصل بتفاصيل مراحل العمر المبكرة الجوانب الإبداعية المتكئة على خبرة فنية للمؤلف، وفي الجزء الآخر المتصل بالقضايا الفكرية الأبعاد السجالية المكتسبة لدى الأكاديمي الناقد، واتسمت بصياغة مواقف قطعية واضحة لا تحتمل الشك، داعما ذلك بثقافة ومعرفة واسعتين، وبخبرة وحنكة في الإدارة. ونظرا لأهمية القضايا المعالجة فإن العمل يحمل العمق المعرفي، الذي يستدعي إعادة القراءة والتفاعل معه.
يستهل المؤلف بتفاصيل عن المكان وحياة أبويه، ومن ثم الانتقال إلى طفولته، وعلاقته بأسرته: الأب والأم والأخ الأكبر، وعلاقاته بفتيان الحي من حوله، ثم دراسته في المغرب وفرنسا، وزواجه، وأعماله التجارية. ويشكل هذا الجزء ثلث العمل تقريبا، غلبت عليه مرحلة الشباب الأولية. ويضم الجزء الآخر، وهو الأكثر أهمية، الجانب التكويني للمؤلف الممزوج بالفلسفة والتصوف ودرسي اللغة والهوية وغير ذلك، وتبدو السيرة هنا سيرة فكرية بامتياز شملت تناوله لأعماله الروائية وتسويغه الاشتغال على التوظيف التاريخي للرواية، وتناول شعرية الرواية وتقنياتها من زاوية نقدية.
كتب المؤلف بطريقتين تلائمان المسارين اللذين أشير إليهما أعلاه، في الأول غلب جانب السرد القصصي على العمل، وكان متباعدا فيه عن الخطية (الكرونولوجية)، ولكنه ظل في إطار السرد المتصل بالقضايا المعتادة: الطفولة، الشباب، الدراسة، الزواج، العمل. كانت اللغة هنا لغة كتابة روائية ميسرة، ومتباعدة عن التكثيف المجازي. أما الآخر فقد غلب عليه السجال الذي أرغم عليه نتيجة تناوله النقدي لأعمال غيره، وكذلك حواره مع مثقفين آخرين مثل: أدونيس ويوسف زيدان وغيرهما، وكانت اللغة هنا لغة كتابة مقالية خاضعة لمبدأ إعمال الفكر، ومطارحة السجال. ويميز هذا المسار من الكتاب احتواؤه على اقتباسات من مؤلفات أخرى آمن المؤلف بأهميتها ونجاعتها في حياته.
ومن سمات هذا الكتاب أنه يقدم رؤية فكرية لا تحتمل المواربة؛ فهو ممتلئ بوطنية عميقة، وقومية ناضجة، كان من أبرز أولوياته الدفاع عن حقوق الوطن والأمة المستلبة، ولذلك كانت ارتهاناته المتكررة إلى أطروحات إدوارد سعيد بوصفها مداخل منهجية لدعم أطروحته.
شُيدت سيرة سيف في خطاطات نقدية وفكرية متأثرة بشخصية كاتبها، وتكمن أهميتها في كونها تمثل تاريخا مهما للقضية الفلسطينية، وتمثيلا لمعاناة أحد أبنائها وترحلهم من مكان إلى آخر، كما تشمل التركيز على الصراع العربي الإسرائيلي ومراوحاته بين الهزائم والصلح، وكتبت في جانبها البنائي في قوالب سردية امتزجت برؤى نقدية تعالج قضايا متصلة بالشعر والقص والدراما، وأخرى فكرية سجالية تتصل بمراجعات تستند إلى التاريخ والدين والأنثروبولوجيا، وتطمح إلى معالجة مشكلات وجودية يعاني منها الإنسان العربي في واقعه وعلاقاته بالآخر، ولعل أبرز ملامح هذه السيرة في بنائها السردي عدم انتظام زمنها، وتنوع الضمائر وكثرة الاسترجاعات، وإشراكها القارئ بوصفه حاضرا في مقاطع منه، ومحاولة فرض حياديتها، من جانب المؤلف، في أقل تقدير، ويحسب لهذا العمل استحضاره الدائم للقارئ ومخاطبته مباشرة، بوصف ذلك أحد مداخل الإقناع لا سيما في القضايا السجالية المطروقة.
كتب العمل بلغة أدبية تستلهم روافد إبداعية أربعة، شكلت شخصية المؤلف وهي: الشعر، والدراما، والسينما، واللغة البحثية الأكاديمية؛ فكان الشعر متناسبا مع كتابات متصلة بموضوعات عاطفية كالحب والوطن، وكانت الأكاديمية مناسبة للكتابات المتصلة بالجانب العلمي والتحليلي، وكانت الدراما والسينما مؤثرتين في وصف الأماكن وتفاصيلها.
في كتابة شفافة يقدم الزهراني سيرته الذاتية؛ إذ لم يشغله البناء التقليدي فيها، ولكنه حرص على تقديم نفسه من نافذتين: إحداهما شخصية، والأخرى فكرية، وبدت الأخيرة أكثر حضورا؛ ويرتهن ذلك إلى أن المؤلف أراد أن يقدم نفسه من النافذة التي عُرف بها، وهي الغالبة على الكتاب، ولعل ما يميز هذه السيرة عن سابقتيها جرأتها على الكشف في كلتا النافذتين المستهدفتين. جاء العمل مزيجا من سيرة بسيطة وسيرة فكرية بدت أكثر عمقا، وفي كلتيهما تجلت محطات سجالية، استهلت بالشخصي ومن ثم الانتقال إلى حكاية جيله وسجالاته المعروفة مع التيارات المناوئة؛ على سبيل المثال: كان الجزء المتصل بالجامعة بيانا عن تجربة شهدها الزهراني مع أكاديميين بارزين ضد مواقف تيار متشدد حاول السيطرة على البيئة الأكاديمية وإخضاعها، إلى جانب إشارات وآراء نقدية متصلة بتجارب عربية معروفة، وقد ولدت تلك الإشارات نتيجة بذور سجالية سابقة؛ لكنها قُدمت في لغة أدبية سلسة لا تخلو من طرافة أحيانا.
ولعلنا هنا نعود لنؤكد أن الخطاب السجالي في سير المثقفين الذاتية كان حاضرا بقوة منذ القرن الماضي، إلا أن تلك الأعمال الثلاثة أوصلت ذلك الخطاب إلى ذروة مرحلة نضج تتباعد عن الادعاء والتمويه، وتنتمي إلى جيل استجاب لهموم الفكر وسلطة الإبداع.
- كاتب سعودي



كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
TT

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير والتشكيك في قراراتهم، والانشغال بأسوأ السيناريوهات المحتملة، وهو ما قد يستهلك طاقتهم ويبطئ أداءهم ويجعل الاستمتاع بالحياة أكثر صعوبة. لكن الحفاظ على صحة الدماغ لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية أو استغلال كل دقيقة من اليوم، بل يمكن تحقيقه من خلال تعديلات بسيطة في أسلوب التفكير والسلوك اليومي.

يرى أليكس كورب، عالم الأعصاب وأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، أن تحسين أداء الدماغ يبدأ بتجنّب بعض العادات الشائعة التي تستنزف الطاقة الذهنية. وبعد أكثر من 20 عاماً من البحث في علم الأعصاب، يؤكد أن التغييرات الصغيرة قد تُحدث فرقاً كبيراً في تعزيز التركيز والشعور بالهدوء ومقاومة الإرهاق، حسب ما أورده في تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي».

وفيما يلي أبرز 6 أمور ينصح كورب بتجنّبها للحفاظ على قوة الدماغ وصحته:

1. تجاهل القلق

يُنظر إلى القلق غالباً بوصفه أمراً سلبياً، لكن كورب يعتبره بمثابة «نظام إنذار» يصدر إشارات من الجهاز الحوفي- مركز العواطف في الدماغ- لينبّهك إلى ما هو مهم. تجاهل هذا الشعور قد يجعلك غير قادر على التمييز بين المواقف التي تتطلب استجابة فورية وتلك التي لا تستدعي القلق. لذلك، من الأفضل التوقف لحظة عند الشعور بالقلق، ومحاولة فهم مصدره، وطرح سؤال بسيط: ماذا يخبرني هذا الشعور عن أهمية هذا الموقف؟ هذا الوعي يساعد على التعامل معه بفعالية بدلاً من الانفعال أو التجمّد.

2. الاعتماد على النقد الذاتي بوصفه وسيلةً للتحفيز

في حالات الضغط، يفرز الدماغ مواد كيميائية مثل الدوبامين والنورأدرينالين، ما يعزز التركيز مؤقتاً. لكن هذا النوع من التحفيز يأتي على حساب مواد أخرى مرتبطة بالسعادة، مثل السيروتونين والأوكسيتوسين والإندورفين. لذلك، فإن الاعتماد على النقد الذاتي قد يمنح دفعة قصيرة المدى، لكنه يؤدي في النهاية إلى استنزاف الطاقة والشعور بالإرهاق. وعند الشعور بالإحباط، يُنصح بتحويل التركيز من النتائج السلبية إلى الأهداف الإيجابية التي تسعى لتحقيقها.

3. الهوس بتتبع جودة النوم

قد يبدو تتبع النوم باستخدام الأجهزة الذكية مفيداً، لكنه قد يتحول إلى مصدر إضافي للقلق، خصوصاً عندما تنشغل ببيانات لا يمكنك التحكم بها مباشرة. بدلاً من ذلك، يُفضّل التركيز على العادات التي تدعم نوماً جيداً، مثل التعرض لضوء الشمس صباحاً، والحفاظ على مواعيد نوم منتظمة، وممارسة الرياضة، واتباع روتين مسائي هادئ يساعد على خفض مستويات التوتر.

4. تعدد المهام عند الحاجة إلى تركيز عميق

قد يعطي التنقل بين المهام المختلفة شعوراً زائفاً بالإنتاجية، نتيجة دفعات صغيرة من الدوبامين. لكن في الواقع، يؤدي ذلك إلى إرهاق قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن اتخاذ القرارات وحل المشكلات. هذا الإرهاق قد ينعكس في صورة أخطاء متكررة وإجهاد ذهني. لذا، عند الحاجة إلى التركيز، يُفضّل تقسيم العمل إلى فترات زمنية قصيرة، والتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

5. تجاهل المشاعر بحجة التفاؤل الدائم

رغم أهمية التفكير الإيجابي، فإن تجاهل المشاعر السلبية أو إنكارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فمحاولة فرض التفاؤل قد تعيق القدرة على التعامل مع الواقع. الأفضل هو الاعتراف بالمشاعر وتسميتها بوضوح، إذ يساعد ذلك على تخفيف الضغط عن اللوزة الدماغية، ويمنح الدماغ فرصة لاستعادة توازنه والتعامل مع الموقف بوعي أكبر.

6. ربط القيمة الذاتية بالإنتاجية فقط

يرتكب كثيرون خطأ ربط قيمتهم الذاتية بمدى إنتاجيتهم أو إنجازاتهم، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق على المدى الطويل. ويشير كورب إلى أن هذا النمط قد يمنح دفعات مؤقتة من التحفيز، لكنه يستنزف الطاقة النفسية مع الوقت. لذلك، من المهم تذكير النفس بأن القيمة الذاتية لا تقتصر على الإنجاز، وأن بذل الجهد بحد ذاته أمر كافٍ.


من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.