وثائق تكشف استعانة البشير بشركة روسية لقمع الاحتجاجات

مقاطع من الوثائق التي نشرتها قناة {سي ان ان}
مقاطع من الوثائق التي نشرتها قناة {سي ان ان}
TT

وثائق تكشف استعانة البشير بشركة روسية لقمع الاحتجاجات

مقاطع من الوثائق التي نشرتها قناة {سي ان ان}
مقاطع من الوثائق التي نشرتها قناة {سي ان ان}

فور اندلاع الاحتجاجات المناهضة لنظام «الإنقاذ الوطني»، في السودان في نهاية العام الماضي، جاءت استجابة الرئيس عمر البشير قوية عبر شنّ حملة قمع وتنكيل أسفرت عن مقتل عشرات المدنيين، فضلا عن نشر معلومات مضللة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي تفيد بأن إسرائيل هي من تقف وراء إذكاء الاضطرابات.
لم تكن الحكومة السودانية صاحبة هذه الاستراتيجية، فبحسب وثائق نشرتها قناة «سي إن إن»، كانت شركة روسية مرتبطة بيفغيني بريغوجين، رجل الأعمال المقرب من السلطات في موسكو، هي التي وضعتها.
وقال مسؤول في النظام السابق إن المستشارين الروس كانوا يتابعون حركة الاحتجاجات، وبدأوا في وضع خطة للتصدي لها، من خلال ما أطلقوا عليه «خسائر محدودة في الأرواح ولكنها مقبولة». وتتضمن الوثائق التي اطلعت الـ«سي إن إن» عليها، خطابات ومراسلات داخلية في إحدى الشركات، حصل عليها وتحقق منها مركز «دوسيير» ومقره لندن، الذي يديره رجل الأعمال الروسي المعارض ميخائيل خودوركوفسكي. الذي نشط في الشهور الأخيرة في تعقب نشاط شركة بريغوجين في أفريقيا.
وأفاد تقييم «سي إن إن» للوثائق بأنها ذات مصداقية، وأنها متسقة مع روايات شهود أشارت إلى وجود مراقبين روس في الاحتجاجات الأخيرة التي شهدها السودان.

- ما تكشف عنه وثائق المركز
صدرت تلك الوثائق من شركة «إم - إنفيست»، ومقرها سان بطرسبرغ، ولها مكتب في العاصمة السودانية الخرطوم. ومن الأعمال الرئيسية للشركة «استخراج الذهب والرمال التي تحتوي على معادن ثمينة».
ووفقا للوثائق فقد وضعت شركة «إم - إنفيست» خطة لتشويه سمعة الاحتجاجات وقمعها. وتتضمن وثيقة تاريخها بداية يناير (كانون الثاني) اقتراحا بنشر مزاعم بمهاجمة محتجين لمساجد ومستشفيات، وأيضا تصوير المتظاهرين بأنهم «أعداء الإسلام والقيم التقليدية» من خلال نشر أعلام قوس قزح (التي ترمز لدعم الشواذ جنسيا) بين صفوفهم. كذلك تضمنت الوثيقة اقتراحا بعمل حملة على مواقع التواصل الاجتماعي تزعم «دعم إسرائيل للمحتجين».
كذلك تتضمن الاستراتيجية تظاهر الحكومة «بإقامة حوار مع المعارضة من أجل إبعاد وعزل قادة الاحتجاجات وكسب الوقت». كذلك اقترحت «إم - إنفيست» طرقا لتحسين مظهر الحكومة من خلال توزيع خبز ودقيق وحبوب وطعام مجانا في إطار حملة دعائية. كذلك تضمنت اقتراحا بتحميل الغرب مسؤولية تأجيج الاحتجاجات، وعمل «تغطية إعلامية كبرى تتضمن تحقيقات مع معتقلين يظهرون خلالها وهم يعترفون بأنهم كانوا ينظمون لحرب أهلية في السودان». وتوصي وثيقة أخرى بالقبض على قادة الاحتجاج قبل يوم من المظاهرات، ونشر معلومات مضللة تزعم حصول المحتجين على المال للمشاركة في الاحتجاجات. كذلك توصي الوثيقة بتسليط الضوء على توقيف قوات الأمن «لسيارة بها أسلحة، ومبالغ مالية بعملة أجنبية، ومواد دعائية يستخدمها مواطنون أجانب». كذلك اقترحت «إم - إنفيست» تكوين فرق على مواقع التواصل الاجتماعي لاستهداف حركة الاحتجاج من خلال «إثارة جدل ونقاش مع مستخدمين والتعبير عن أجندة بديلة».
وتقول «سي إن إن» إنها حاولت التواصل مع «إم - إنفيست»، ورد شخص يتحدث العربية على مكالمة هاتفية مع مكتب الشركة في الخرطوم، لكنه أغلق الخط. وزار صحافيون مقر المكتب لكن قيل لهم إنه قد تم تأجير المكان إلى شركة روسية تدعى «مير غولد».
كان بريغوجين، المعروف باسم «طاهي بوتين» بسبب تعاقدات توريد الطعام مع الكرملين، واحدا من بين 13 روسي تم اتهامهم في إطار تحقيق روبرت مولر، المحقق الأميركي الخاص، في شأن التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية. وتزعم الولايات المتحدة أنه قد تم إنشاء حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي لاستقطاب الناخبين باستخدام معلومات تحريضية، لكن بروز اسم بريغوجين لم يقتصر على استخدام آليات «الحرب الهجينة» إذ ارتبطت به التشكيلات العسكرية الخاصة المعروفة باسم «جيش فاغنر» التي لعبت أدوارا حاسمة في معارك جرت في أوكرانيا وجورجيا وسوريا وليبيا، ومؤخرا تم التطرق إلى وجود هذا «الجيش» في السودان.
رسميا نفت روسيا مشاركتها في قمع الاحتجاجات السودانية، لكنّ مشاركة «مرتزقة روس» في قمع المظاهرات السلمية كشفت عن وجود روسي مستتر في السودان، إذ تناقلت وسائل إعلام متعددة مقاطع فيديو لمقاتلين روس أثناء المظاهرات السودانية. وكان التأكيد على أن «جيش فاغنر» ينشط في السودان جاء من أكثر من طرف خلال العامين الأخيرين.
ووفقا للمعطيات فإن روسيا بدأت في عام 2017 بزج وحدات من هذه التشكيلات العسكرية الخاصة في السودان باتفاق مع الحكومة السودانية.
و«جيش فاغنر» - وفقا للتسمية الأكثر انتشارا - يموله وفقا لشبكة «فانتانكا» الواسعة الانتشار في روسيا بريغوجين ذاته، وبرز نشاطه في مجالات المشاركة في حروب خاصة لاستعادة مواقع نفطية أو غنية بالثروات في سوريا وبلدان أفريقية عدة، كما في قمع احتجاجات أو خوض معارك لا ترغب موسكو في إشهار مشاركتها فيها بشكل مباشر كما حصل في شرق أوكرانيا وفي أبحازيا، ومؤخرا في فنزويلا. لتغدو بمثابة جيش ظلٍ روسي، يسمح لروسيا بالوجود حيث لا ينبغي أن تكون، مع أقل قدر من الخسائر المادية والدبلوماسية والبشرية. وفي منتصف العام الماضي لم تستبعد مصادر روسية أن يكون التوجه القائم يهدف إلى تحويل جزء من المتعاقدين في الجيش الروسي الخاص من سوريا بعد تراجع الحاجة إلى نشاطهم في هذا البلد، إلى بلدان أخرى، مرجحة أن التمدد سيكون أوسع خلال المرحلة المقبلة في كل من ليبيا والسودان، فضلاً عن بلدان أفريقية أخرى تتطلع روسيا إلى توسيع وجودها فيها عبر الشركات الخاصة، للحصول على استثمارات وعقود مجزية.
وكانت المتحدثة باسم الخارجية ماريّا زاخاروفا نفت معطيات عن نشاط الشركات الأمنية الروسية في السودان ومساعدَتها السلطات في فض الاحتجاجات، مشيرة إلى أن نشاط هذه المجموعات في السودان يستند إلى شركات خاصة لا تربطها علاقة بحكومة روسيا. وأضافت أن وظيفتها محددة، وهي تدريب كوادر قوات الأمن في السودان.

- بدأ الوقت ينفد
وذكرت بعض المصادر في الخرطوم للـ«سي إن إن» أن حكومة البشير قد حاولت بالفعل تطبيق بعض خطط «إم - إنفيست»، فعلى سبيل المثال، بدأت في اعتقال طلاب من إقليم دارفور، واتهامهم بمحاولة إثارة حرب أهلية، وهذه إحدى الحيل التي أوصت بها الشركة. وتقول المصادر إنه قد تم زرع مستشارين روس من إحدى الشركات الخاصة في كثير من الوزارات، وجهاز الأمن والمخابرات الوطني السودان، لكن لم يكن ذلك كافيا، وجاء متأخرا. وقد اشتكى بريغوجين في خطاب إلى البشير، تم كتابته يوم 17 مارس (آذار)، من «تقاعس» الحكومة السودانية الذي أدى إلى «تفاقم الأزمة». وأضاف: «سيؤدي عدم اتخاذ الحكومة الجديدة لخطوات فاعلة لتجاوز الأزمة على الأرجح إلى عواقب سياسية أكثر خطورة».

- البعد العسكري
تشير معطيات إلى أن موسكو سعت لبناء قاعدة بحرية لها في مدينة بورتسودان، وهنا تظهر «إم - إنفيست» مرة أخرى، ففي يونيو (حزيران) 2018، كتبت خطابا نيابة عن «هيئة التصنيع الحربي السوداني» لدعم العلاقات العسكرية. وذكرت الشركة زيارة الفريق أوليغ ماكاريفيتش، نائب قائد البحرية الروسية، الذي ناقش خلالها «إمكانية إقامة نقطة دعم لوجيستي للسفن الروسية على الأراضي السودانية».
وكان بريغوجين رائدا وشريكا في هذه الاستراتيجية الروسية الهجينة، إذ لم تكن شركته «كونكورد مانجمنت» متصلة بـ«وكالة أبحاث الإنترنت» فحسب، بل كان على علاقة أيضا بشركة «إيفرو بوليس»، التي حصلت على حقوق التنقيب عن النفط في سوريا.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».