الدردري لـ«الشرق الأوسط»: تصعيد الحرب يضع اقتصاد المنطقة أمام «متوالية هندسية» من الخسائر

قال إن مقترحات المبعوث الأميركي فرصة تاريخية لسوريا والأردن ولبنان لاستعادة دور «الوصل» وربط الخليج بأوروبا

الأمين العام المساعد للأمم المتحدة مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للدول العربية د. عبد الله الدردري (تركي العقيلي)
الأمين العام المساعد للأمم المتحدة مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للدول العربية د. عبد الله الدردري (تركي العقيلي)
TT

الدردري لـ«الشرق الأوسط»: تصعيد الحرب يضع اقتصاد المنطقة أمام «متوالية هندسية» من الخسائر

الأمين العام المساعد للأمم المتحدة مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للدول العربية د. عبد الله الدردري (تركي العقيلي)
الأمين العام المساعد للأمم المتحدة مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للدول العربية د. عبد الله الدردري (تركي العقيلي)

مع إطلاق تقرير خاص لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول التداعيات الاقتصادية للتصعيد في المنطقة، تحدث مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية، عبد الله الدردري، لـ«الشرق الأوسط» عن ملامح «الصدمة الاقتصادية المتسارعة»، وانعكاساتها على أسواق الطاقة، والنمو، والفقر، في مؤشر غير مسبوق على الآثار الاقتصادية للحرب، محذراً من أن نحو 4 ملايين شخص مهددون بالانزلاق إلى الفقر. واستعرض الدردري أبرز السيناريوهات المحتملة، في ظل استمرار الاضطرابات، ومحذراً من تضاعف الخسائر بوتيرة هندسية، ومشيراً إلى تحولات مرتقبة في خريطة الطاقة، وسلاسل التوريد، والإمداد، إضافة إلى تحديات إعادة الإعمار، والنماذج التنموية في المنطقة.

نماذج محاكاة

قال الدردري: «أحدثت التطورات الأخيرة صدمة اقتصادية حادة، ومفاجئة، مع مؤشرات متسارعة على اتساع نطاق الخسائر خلال فترة زمنية قصيرة. وتشير التقديرات إلى أن الأرقام المتداولة حتى الآن تبقى مبنية على نماذج محاكاة، نظراً لعدم كفاية الفترة الزمنية لقياس التداعيات الفعلية بدقة».

وتعتمد المنهجية على نماذج تم استخدامها في أزمات سابقة، من بينها تقارير تناولت غزة، ولبنان، حيث أثبتت دقة عالية، واقتراباً كبيراً من النتائج الفعلية التي يتم قياسها لاحقاً. كذلك يركز التقرير على الاتجاهات العامة بدلاً من الأرقام التفصيلية الدقيقة، بهدف فهم المسار العام للتأثيرات الاقتصادية، لا سيما على الناتج المحلي الإجمالي.

خريطة تُظهر مضيق هرمز وخط أنابيب نفط مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد (رويترز)

خسائر مرشحة للتصاعد

وبحسب الدردري، فإن السيناريوهات المعتمدة تشير إلى تأثيرات واسعة تشمل تراجع التجارة، واضطراب تجارة المشتقات النفطية، وتدهور البيئة الاستثمارية، إلى جانب ضغوط متزايدة على المالية العامة للدول. وقد جُمعت هذه العوامل ضمن نموذج تحليلي موحد أفضى إلى تلك النتائج الأولية التي ضمها التقرير.

وقال: «اليوم بعد 4 أسابيع (من الحرب) تبين أن الأثر كبير جداً. هناك إغلاق لمضيق هرمز، وصادرات النفط تأثرت بشكل كبير للغاية، وبالتالي نذهب إلى السيناريو الأقصى، وهو التأثر الشديد لتجارة الطاقة، كما يوجد تأثر شديد لعوامل الإنتاج، لأن كل مدخلات الإنتاج تعرضت لهزة كبيرة، بالإضافة إلى الضرر الكبير للبنى التحتية للإنتاج في منطقتنا... بالتالي النتيجة المتوقعة هي أقرب إلى 194 مليار دولار منها إلى 120 مليار دولار».

وفي شرح لكيفية وضع سيناريوهات التقرير، يقول الدردري إنه وُضع «على أساس شهر واحد من القتال»، محذراً من أنه إذا «استمر القتال لأسبوع إضافي فإن الخسائر لن تكون حسابية، وإنما على شكل متوالية هندسية. وبالتالي فإن هذه العناصر أشارت إلى أن الخسائر في إجمالي الناتج المحلي في الخليج هي الأعلى بسبب تأثر قطاع النفط والطاقة، إلا أن الأثر على الفقر هو الأعلى في منطقة المشرق العربي، لأنها دول حساسة جداً حيال ارتفاع أسعار الطاقة التي تؤثر بشكل مباشر على ارتفاع أسعار الغذاء».

كذلك حذر الدردري من أن «عدد الفقراء سيزداد بنحو 4 ملايين شخص في منطقتنا بشهر واحد!! وهو عدد يستغرق عادة سنوات عديدة من التدهور الاقتصادي، وليس شهراً واحداً».

مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية، عبد الله الدردري (أ.ف.ب)

خريطة جديدة للطاقة

لدى سؤاله عما إذا كانت تُرسم خرائط جديدة للطاقة وتوريدها في المنطقة، قال الدردري: «تصورنا للموضوع أن الدول الآن تتعامل مع الصدمة لمعالجة الأضرار، وتأمين خطوط إمداد بديلة. مثلاً نرى أن السعودية تعتمد أكثر على أنبوب النفط الذي يصب في ينبع في البحر الأحمر، وهناك محادثات جدية بين العراق وسوريا لتمرير كميات عبر البر من النفط الخام، والمشتقات النفطية. وبالتالي بدأ العمل جدياً على إيجاد بدائل، وسلاسل توريد أقوى، وأكثر تنوعاً، وبدأنا بالبرنامج التفكير في مساعدة الدول على إيجاد تشابكات إقليمية، وترابطات إقليمية، والتفكير في طرق النقل البري، والتجارة، وغيرها لتسهيل توفير بدائل فعلية».

سوريا بديلاً عن هرمز!

وفي سياق البحث عن بدائل، وعطفاً على كلام للمبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك حول إمكانية الاستعاضة عن مضيق هرمز بالعبور عبر سوريا، قال الدردري: «هذا هو الدور التاريخي لسوريا. إنها نقطة وصل بين مسارات تجارية واقتصادية مختلفة، ومن هنا نهضت مدن كثيرة، مثل تدمر، وحلب، وغيرهما. وبالفعل بين العامين 2007 و2008 بدأت سوريا التفكير جدياً باستراتيجية (البحار الخمسة) لربط بحر قزوين بالبحرين الأسود، والأحمر، والخليج العربي، والبحر المتوسط بشبكة معقدة من أنابيب النفط والغاز، والسكك الحديدية، والطرقات السريعة، وشبكات الربط الكهربائي، إضافة إلى مدن صناعية، ولوجيستية عبر المنطقة. وفي ذلك الحين، تمت دراسة هذا الموضوع، ووضعت له مخططات أولية».

ولفت الدردري إلى أنه كانت هناك «خطة وطنية تنموية كاملة هي الخطة الخمسية العاشرة، وارتبطت بالربط الإقليمي، كما كانت هناك قدرات مؤسساتية، وأطر قانونية أنضج نسبياً مما هو عليه الحال الآن».

وإذ أثنى على «الجهود الكبيرة المبذولة حالياً لتطوير المؤسسات»، اعتبر أن هناك أطراً تنظيمية، وتشريعية، وقانونية للاستثمار العابر للحدود -ناهيك عن الاستثمار الوطني-، وهي لم تنضج بعد.

وقال: «نحن كبرنامج إنمائي نريد أن نساعد سوريا وبلدان المنطقة كي تتمكن من بناء القدرات الفنية، والقانونية، والتشريعية التي تمكنها من الإقدام على هذه الخطوة إذا قررت طبعاً، لأن هذا القرار وطني بالدرجة الأولى».

فرصة هائلة لاستعادة الدور

رغم الصورة القاتمة التي يرسمها التقرير، فإن الدردري اعتبر أن هناك الآن فرصة هائلة لسوريا، والأردن، ولبنان، لبناء تجمع شبه إقليمي، لتستعيد هذه الدول دورها التاريخي، فتوفر ربطاً لدول الخليج العربي مع تركيا، وأوروبا عبر توفير بدائل لسلاسل التوريد.

ولكنه أشار في المقابل إلى أن ذلك ليس بالأمر اليسير، أو العوائق ذات جوانب تقنية بحتة، وإنما ذلك يستدعي بناء مقدرات مؤسساتية في التخطيط، والمراقبة، والإشراف، والرصد، وإقرار النظام المالي، والمصرفي، وبناء القدرات الفنية، وقدرات الوزارات المتعددة المعنية بمشاريع من هذا الحجم، والعابرة للقطاعات، والسياسات العامة، والتشبيك بين دول الجوار، وأن الأساس في ذلك هو ما يسمى «التلاقي التنظيمي»، معرباً عن استعداد البرنامج الأممي لمساعدة الدول في هذه المسائل.

سفينة شحن في الخليج العربي، قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)

تقييم الخيارات الاستراتيجية

تحدث التقرير عن ضرورة إعادة تقييم الخيارات الاستراتيجية للبلدان المعنية، وهو ما أوضحه الدردري أن المقصود هو «النموذج التنموي المعتمد». وقال: «مثلاً في البلدان النفطية السؤال هو إذا كنا نعتمد على مضيق هرمز لتصدير 90 في المائة من نفطنا وغازنا، فلماذا لم نفكر في بدائل؟ خصوصاً أن التوتر قائم في المنطقة منذ 45 سنة، وليس جديداً. أحداث من هذا النوع تدفع إلى إعادة التفكير». وأضاف: «نحن بحاجة لنموذج تنموي مختلف يعتمد على تنويع الاقتصاد، وتنويع اليد العاملة، والتشبيك، والتكامل الإقليمي، والدولي مع أطراف مختلفة في الاقتصاد العالمي». وكشف الدردري أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عمل على إعداد الاستراتيجية في دول الخليج، والآن يعيد إعدادها من منظور التنمية بالبحث عن بدائل.

وقال: «النموذج السابق أنجز مستويات فقر منخفضة جداً، وتنمية بشرية عالية، ونمواً اقتصادياً عالياً، ولكنه أظهر هشاشة في التعامل مع الصدمات. نحن اليوم أمام واقع أكثر تعقيداً، ومرشح لمزيد من الصدمات، وبالتالي مطلوب منا تطوير أدوات أكثر فاعلية، ومرونة».

وأوضح الدردري أن هذا لا يعني بطبيعة الحال «التخلي عن الخطط والرؤى التي وُضعت، وهي ممتازة، لأنها تضع البلدان على سكة مستقبلية واضحة، ولكن خلاصة القول: إن هذه الأهداف نفسها يمكن بلوغها بطرق مختلفة، وأكثر نجاعة بعد الأحداث الأخيرة».

تغيير نموذج «إعادة الإعمار»

وفي قراءته لتحديات التعافي في غزة وسوريا ولبنان، شدد الدردري على أن دول المنطقة باتت تدرك واقعاً جديداً يتمثل في غياب «تدفق المليارات» التقليدية لإعادة الإعمار، ما يضع المسؤولية الأولى على عاتق الحكومات المحلية التي تواجه معضلة اتساع رقعة الفقر. وتساءل الدردري: «هل سنبقى رهن الاعتماد على دول الخليج في تمويل إعادة الإعمار، أم أن الوقت حان لابتكار حلول تنموية إبداعية تضمن التعافي المستدام؟».

وأوضح الدردري أن رؤية البرنامج الإنمائي —الذي يعمل في 177 دولة— لا تهدف إلى التدخل في القرارات السيادية، بل تقديم استشارات مبنية على تجارب عالمية، مؤكداً أن المخرج يكمن في التركيز على القطاع الزراعي وتطوير سلاسل القيمة المحلية، إضافة إلى إطلاق برامج للسكن الشعبي منخفض التكلفة.

وشدد أخيراً على أن دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة يمثل «البديل الدائم» لقدرتها على الصمود في أصعب الظروف، معتبراً أن تعزيز الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة ليس مجرد إجراء اقتصادي، بل هو الركيزة الأساسية لبناء «عقد اجتماعي جديد» وترسيخ استقرار المؤسسات في المنطقة.


مقالات ذات صلة

تركيا: التضخم يعاود الصعود في أكتوبر بعد أكبر انخفاض في 5 سنوات

الاقتصاد متسوقون أتراك في السوق المغطاة «غراند بازار» في إسطنبول (أ.ف.ب)

تركيا: التضخم يعاود الصعود في أكتوبر بعد أكبر انخفاض في 5 سنوات

عاود التضخم في تركيا مسار الصعود في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، متجاوزاً التوقعات السابقة ليسجل 29.77% على أساس سنوي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد مصور تلفزيوني يصور الشاشة التي تعرض مؤشر «كوسبي» في غرفة تداول ببنك هانا في سيول (أ.ب)

موجة بيع أسهم التكنولوجيا تضغط على بورصات آسيا قبيل الانتخابات الأميركية

قاد قطاع التكنولوجيا تراجعات أسواق الأسهم الآسيوية خلال تعاملات الثلاثاء، مع هبوط أسهم كوريا الجنوبية وتايوان.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد رئيس الوزراء المصري في البورصة خلال بدء تداول أسهم «بنك القاهرة» يوم الاثنين (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

«بنك القاهرة» يعزز توجهاً مصرياً نحو الاستفادة من أصول مملوكة للدولة

محطة جديدة للحكومة المصرية في مسار التخارج من بعض الأصول المملوكة للدولة عبر بيع 45 في المائة من أسهم «بنك القاهرة».

محمد محمود (القاهرة )
الاقتصاد شعار «أنثروبيك» (رويترز)

قبل طرحها... إيرادات «أنثروبيك» تقفز 1100 % إلى 17 مليار دولار في الربع الثالث

كشفت شركة «أنثروبيك» الأميركية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي عن قفزة كبيرة بإيراداتها خلال الربع الثالث، لتصل إلى 17 مليار دولار، بزيادة تجاوزت 1100 في المائة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد جانب من فعاليات منتدى «بوابة الخليج 2026» الذي اختتم أعماله يوم الاثنين في العاصمة البحرينية المنامة (بنا)

البحرين تعلن استثمارات وشراكات في الصناعة والتكنولوجيا والسياحة والطيران

شهد منتدى «بوابة الخليج 2026» إعلان حزمة من الاستثمارات والاتفاقيات ومشروعات التوسع في قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والطيران والخدمات المالية والرعاية الصحية.

«الشرق الأوسط» (المنامة)

العراق يتوصل إلى اتفاقات مع «شيفرون» بشأن عقد حقل «غرب القرنة 2»

أحد الحقول النفطية في العراق (رويترز)
أحد الحقول النفطية في العراق (رويترز)
TT

العراق يتوصل إلى اتفاقات مع «شيفرون» بشأن عقد حقل «غرب القرنة 2»

أحد الحقول النفطية في العراق (رويترز)
أحد الحقول النفطية في العراق (رويترز)

أعلن وزير النفط العراقي، الثلاثاء، التوصل إلى اتفاقات مع شركة «شيفرون» الأميركية بشأن عقد حقل «غرب القرنة2» النفطي؛ أحد أكبر الحقول النفطية في العالم، وفق ما أوردته «وكالة الأنباء العراقية (واع)» الرسمية.

ويأتي الإعلان في إطار المفاوضات الجارية بين بغداد والشركة الأميركية لتولي إدارة الحقل، الذي كانت تديره شركة «لوك أويل» الروسية، وينتج نحو 460 ألف برميل يومياً.

وكانت «شيفرون» قد دخلت في فبراير (شباط) الماضي مفاوضات حصرية مع العراق للاستحواذ على الحقل، في خطوة من شأنها توسيع حضور الشركة الأميركية في قطاع النفط العراقي.

ويُعدّ «غرب القرنة2» من أبرز الأصول النفطية في العراق، ويمثل نحو 10 في المائة من إنتاج البلاد النفطي؛ مما يمنح الاتفاق أهمية خاصة بالنسبة إلى خطط بغداد لتطوير قطاع الطاقة وتعزيز التعاون مع شركات النفط العالمية.


اعتقال رئيس بورصة إسطنبول في تحقيقات تلاعب بصناديق الاستثمار

بورصة إسطنبول (موقع البورصة)
بورصة إسطنبول (موقع البورصة)
TT

اعتقال رئيس بورصة إسطنبول في تحقيقات تلاعب بصناديق الاستثمار

بورصة إسطنبول (موقع البورصة)
بورصة إسطنبول (موقع البورصة)

اعتقلت السلطات التركية الرئيس التنفيذي لبورصة إسطنبول، كوركماز إيرغون، بتهم تتعلق بالرشوة، في إطار تحقيقات موسعة في فضيحة تلاعب بصناديق الاستثمار، امتدت إلى مسؤولين في مؤسسات مالية ورقابية، وشخصيات في الجهاز الحكومي، وفق ما أوردته وكالة «الأناضول» الرسمية.

وكان إيرغون قد أُوقف للاستجواب في 31 أكتوبر (تشرين الأول)، قبل أن يُقرر مجلس إدارة البورصة، في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني)، إبعاده عن منصبه، وتكليف نائب الرئيس التنفيذي، أتيلا تورلي، بتولي مهامه بالإنابة.

ويُعد إيرغون -حسب التحقيقات- أرفع مسؤول يجري اعتقاله حتى الآن في القضية، التي بدأت على خلفية شبهات تلاعب في السوق من خلال صناديق الاستثمار، قبل أن تتسع دائرة التحقيقات لتشمل مديري صناديق، ومسؤولين في شركات مدرجة، وشخصيات سياسية، وقيادات بارزة في المؤسسات المالية التركية.

وتعود القضية إلى سبتمبر (أيلول) الماضي، عندما انهارت عدة صناديق استثمار، ما تسبب في خسائر حادة في الأسهم التركية وأثَّر على نحو نصف مليون مستثمر.

وتصاعدت التحقيقات بعدما أعلنت السلطات في سبتمبر الماضي تصفية عدد من الصناديق الاستثمارية، إثر تعثر بعضها في تلبية طلبات استرداد أموال المستثمرين، وهو ما أدى إلى اضطرابات حادة في سوق الأسهم التركية.

ووفقاً لتقارير إعلامية تركية، شملت قرارات التصفية 131 صندوقاً، تديرها 7 شركات لإدارة الأصول، ويبلغ عدد المستثمرين المتأثرين بها نحو 456 ألفاً.

وقال وزير العدل التركي، أكن غورليك، الثلاثاء، إن المحققين توصلوا إلى ما وصفه بشبكة منظمة ومتكاملة للاحتيال في الأسواق المالية، مشيراً إلى أن التحقيقات كشفت عن امتداد هذه الشبكة إلى مستويات عليا في الجهاز البيروقراطي المالي والجهات الرقابية.

وأضاف أن إفادات المشتبه بهم تقود المحققين إلى أهداف جديدة، في إشارة إلى اتساع نطاق القضية وتجاوزها مديري الصناديق والشركات المدرجة.

وفي تطوُّر متصل، أمرت السلطات التركية بتوقيف 6 أشخاص إضافيين، بينهم مسؤول سابق في مجلس أسواق المال، وفق ما نقلته قناة «إن تي في» التركية عن مصادر لم تُسمّها «رويترز». وشملت القرارات مسؤولين سابقين في المجلس، وموظفاً في هيئة الرقابة المصرفية، بالتزامن مع توقيف مسؤول تنفيذي في شركة «تيرا» القابضة.

كما استقال يونس أرينجي، الرئيس التنفيذي لبنك «إسطنبول تاكاس وساكلاما»، المتخصص في التسوية والحفظ المركزي للأصول المالية، بعدما استجوبه الادعاء العام خلال عطلة نهاية الأسبوع.

433 مشتبهاً بهم في القضية

وقال وزير العدل التركي إن التحقيقات تشمل حالياً 433 مشتبهاً بهم، بينهم 112 موقوفاً على ذمة المحاكمة، فيما لا يزال 38 شخصاً فارين من العدالة. وأضاف أن السلطات فرضت قيوداً على الأصول أو الحسابات المصرفية العائدة إلى 359 شخصاً و111 كياناً قانونياً.

وفي إطار استرداد الأموال المرتبطة بالقضية، أشار غورليك إلى إعادة نحو 30 مليار ليرة تركية (600 مليون دولار)، تشمل أموالاً نقدية وعقارات وأسهماً، عبر حساب مخصص للسداد الطوعي أنشأه صندوق تأمين ودائع الادخار التركي، بهدف استعادة الأموال لصالح المستثمرين المتضررين.

وتعكس التطورات الأخيرة اتساع نطاق التحقيق من شبهات التلاعب بأسعار الأسهم والصناديق الاستثمارية إلى مسؤولين في مؤسسات تشرف على الأسواق المالية التركية، في قضية أثارت تساؤلات بشأن آليات الرقابة وحماية المستثمرين في السوق.


عجز أميركا يلاحق انتخابات الكونغرس... والدين يتجاوز حجم الاقتصاد

مبنى الكابيتول في واشنطن قبل يوم واحد من انتخابات التجديد النصفي (أ.ب)
مبنى الكابيتول في واشنطن قبل يوم واحد من انتخابات التجديد النصفي (أ.ب)
TT

عجز أميركا يلاحق انتخابات الكونغرس... والدين يتجاوز حجم الاقتصاد

مبنى الكابيتول في واشنطن قبل يوم واحد من انتخابات التجديد النصفي (أ.ب)
مبنى الكابيتول في واشنطن قبل يوم واحد من انتخابات التجديد النصفي (أ.ب)

دخلت الولايات المتحدة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، الثلاثاء، وسط ضغوط مالية متصاعدة، مع اقتراب العجز الفيدرالي من تريليوني دولار، وتجاوز الدين العام الذي يحمله المستثمرون والمؤسسات المالية حجم الناتج الاقتصادي السنوي للبلاد. ويعيد ذلك ملف الاستدامة المالية إلى واجهة النقاش السياسي، ويضع الحزبين الجمهوري والديمقراطي أمام تحديات تتجاوز مجرد تغير موازين السيطرة على الكونغرس.

وحسب بيانات نشرتها وزارة الخزانة الأميركية، بلغ الدين الفيدرالي الذي يحمله الجمهور 32.2 تريليون دولار في نهاية السنة المالية المنتهية في 30 سبتمبر (أيلول)، ما يعادل 100.03 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى مستوى منذ عام 1946، عندما بلغت نسبة الدين إلى الاقتصاد 106 في المائة نتيجة الاقتراض الضخم لتمويل الحرب العالمية الثانية.

ويمثل هذا المستوى ارتفاعاً من 99.4 في المائة بنهاية السنة المالية 2025، وإن جاء أقل من توقعات مكتب الموازنة في الكونغرس الصادرة في فبراير (شباط)، التي رجَّحت بلوغه 100.6 في المائة. ويعكس بلوغ الدين هذا المستوى استمرار اتساع الفجوة بين الإنفاق والإيرادات، في وقت لم تعد فيه العجوزات الكبيرة مرتبطة بالحروب أو الأزمات الاقتصادية الطارئة وحدها.

وسجل عجز الموازنة الفيدرالية نحو تريليوني دولار خلال السنة المالية 2026، بما يعادل 6.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وفق حسابات تستند إلى بيانات الناتج للأرباع الأربعة من السنة المالية. ويأتي ذلك رغم النمو القوي الذي سجله الاقتصاد في الربع الثالث، في مؤشر على أن زيادة النشاط الاقتصادي لم تكن كافية لاحتواء وتيرة الاقتراض الحكومي.

ويُفضّل الاقتصاديون قياس الدين الذي يحمله الجمهور، بدلاً من إجمالي الدين الفيدرالي الذي تجاوز 40 تريليون دولار؛ لأنه يعكس بصورة أدق حجم الالتزامات التمويلية للحكومة تجاه المستثمرين خارج مؤسساتها. أما الرقم الإجمالي، فيشمل أيضاً ديوناً مستحقة لجهات حكومية أخرى، مثل سندات الخزانة الموجودة في الصندوق الاستئماني للضمان الاجتماعي.

جدارية تُطل على أجهزة التصويت في مركز اقتراع بمتحف أوتري للغرب الأميركي في لوس أنجليس (أ.ف.ب)

ضغوط مالية تتجاوز نتائج الانتخابات

وفي قراءة لتداعيات الانتخابات، ترى وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني أن الضغوط المالية الأميركية ستستمر بصرف النظر عن الحزب الذي سيحصل على الأغلبية في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ؛ إذ إن المحركات الأساسية لتدهور الوضع المالي ترتبط بارتفاع الإنفاق على برامج الاستحقاقات الاجتماعية، وزيادة تكاليف خدمة الدين، وهي عوامل هيكلية لا تتغير تلقائياً مع تبدل السيطرة السياسية.

وحذّرت الوكالة من أن فوز الديمقراطيين بالسيطرة على أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما قد يزيد احتمالات المواجهة السياسية بشأن سقف الدين وتمويل الحكومة، بما يرفع مخاطر التعثر في إقرار الموازنات أو الدخول في أزمات تمويلية متكررة. لكنها شددت على أن التحديات الأساسية ستظل قائمة أياً كانت نتيجة الانتخابات، ما لم تتخذ واشنطن إجراءات لمعالجة مسار الإنفاق والإيرادات.

وتتوقع «فيتش» أن يتسع عجز الحكومة العامة، الذي يشمل أيضاً موازنات الولايات والحكومات المحلية، إلى 7.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026، ثم إلى 7.6 في المائة في 2027. ومن شأن ذلك أن يجعل العجز الأميركي الأعلى بين الدول الحاصلة على تصنيف «إيه إيه»، وفق تقديرات الوكالة.

وتشير هذه التوقعات إلى أن الانتخابات قد تغير طبيعة المواجهة بشأن الموازنة وأولويات الإنفاق، لكنها لا تزيل الضغوط التي تدفع الدين إلى الارتفاع. كما أن توجهات الحزبين في ملفات الضرائب والإنفاق قد تزيد الأعباء المالية إذا لم تقترن بإجراءات مقابلة لتعويض تكلفتها.

فاتورة الفوائد تضيّق هامش الإنفاق

وتبرز تكاليف خدمة الدين بوصفها أحد أكثر التحديات صعوبة أمام صانعي السياسة المالية؛ إذ تستحوذ مدفوعات الفوائد على حصة متزايدة من الموارد الفيدرالية، وتحد من قدرة الحكومة على توجيه الإنفاق إلى أولويات أخرى، سواء في البنية التحتية أو البرامج الاجتماعية أو الدفاع.

وتشير تقديرات مكتب الموازنة في الكونغرس إلى أن صافي تكاليف الفوائد مرشح للارتفاع بأكثر من نقطة مئوية واحدة من الناتج المحلي الإجمالي خلال العقد المقبل. كما أن ارتفاع أسعار الفائدة يزيد حساسية الموازنة لأي تغير في تكلفة الاقتراض؛ فوفق تقديرات المكتب، فإن زيادة أسعار الفائدة بمقدار 0.1 نقطة مئوية فوق افتراضاته تضيف نحو 379 مليار دولار إلى تكاليف الفوائد على مدى عشر سنوات.

وتبدو المقارنة مع عام 2019 كاشفة عن حجم التحول في البيئة المالية. فقد كان الدين العام يعادل آنذاك نحو 79 في المائة من الناتج المحلي، وكانت الحكومة تنفق ما يعادل 1.8 في المائة منه على الفوائد، في حين تقترب هذه النسبة حالياً من 3.2 في المائة. كذلك ارتفع متوسط عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات إلى نحو 4.88 في المائة، مقارنة بـ2.1 في المائة في 2019، في حين صعد متوسط الفائدة على الرهن العقاري الثابت لأجل 30 عاماً إلى 7.2 في المائة، من 3.9 في المائة في ذلك العام.

ولا تقتصر آثار ارتفاع الدين على حسابات الموازنة، بل تمتد إلى تكلفة التمويل في الاقتصاد؛ إذ يمكن لارتفاع عوائد السندات أن ينعكس على أسعار الاقتراض للأسر والشركات، بما في ذلك الرهون العقارية وتمويل الاستثمار، ويزيد في الوقت نفسه تكلفة إصدار الحكومة ديوناً جديدة أو إعادة تمويل استحقاقاتها.

مبنى الكابيتول في واشنطن قبل يوم واحد من انتخابات التجديد النصفي (أ.ب)

الضمان الاجتماعي يقترب من اختبار صعب

وإلى جانب الفوائد، يواجه الإنفاق على برامج الاستحقاقات الاجتماعية ضغوطاً متزايدة مع تقدم السكان في العمر وارتفاع تكاليف برامج الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية (ميديكير). وتبرز أزمة تمويل الضمان الاجتماعي بوصفها أحد الملفات التي ستفرض نفسها على الإدارة المقبلة والكونغرس؛ إذ تشير التوقعات إلى احتمال نفاد احتياطيات الصندوق الاستئماني في عام 2032.

ومن دون تدخل تشريعي، قد يؤدي ذلك إلى خفض تلقائي للمنافع بنحو 22 في المائة؛ ما يضع المشرعين أمام خيارات سياسية صعبة، تشمل خفض بعض المنافع أو زيادة الضرائب أو تحويل موارد من الموازنة العامة لدعم البرنامج. وكل خيار من هذه الخيارات يحمل تكلفة سياسية واجتماعية، خصوصاً في ظل الانقسام الحزبي بشأن الضرائب وحجم دور الحكومة.

العجز يدخل مبكراً حسابات انتخابات 2028

ولا تتوقف أهمية الضغوط المالية عند انتخابات التجديد النصفي الحالية، بل يُرجح أن تصبح عاملاً رئيساً في رسم ملامح السباق الرئاسي لعام 2028. فمع ارتفاع الدين وتكاليف خدمته، وتراجع هامش المناورة المالية، ستجد المرشحين أنفسهم أمام أسئلة أكثر صعوبة بشأن تكلفة الوعود الانتخابية، وكيفية تمويلها، والخيارات المطلوبة لضبط العجز.

وبعد سنوات كان فيها العجز يُستخدم في الغالب أداة للمواجهة السياسية بين الحزبين، باتت تبعاته أكثر اتصالاً بالحياة اليومية للأميركيين، من خلال ارتفاع تكاليف الاقتراض، وتزايد الإنفاق الحكومي على الفوائد، واحتمال اضطرار الكونغرس إلى اتخاذ قرارات غير شعبية بشأن الضرائب أو برامج الاستحقاقات الاجتماعية.

وفي هذا السياق، يرى محللون أن البيئة المالية الراهنة تختلف عن تلك التي سادت خلال انتخابات 2016 و2020 و2024، حين كان الاقتراض الحكومي أقل تكلفة، وكانت قدرة واشنطن على تمويل برامجها أوسع. أما اليوم، فإن ارتفاع أسعار الفائدة وتزايد الالتزامات المالية يفرضان قيوداً أكبر على أي إدارة تسعى إلى توسيع الإنفاق أو تقديم تخفيضات ضريبية من دون تحديد مصادر تمويلها.

خلفية معلقة على جدار بمكتب حملة انتخابية في ديكاتور - جورجيا (أ.ف.ب)

وكانت الولايات المتحدة قد سجلت فوائض في الموازنة أواخر تسعينات القرن الماضي، مدعومة بقوة الاقتصاد وضبط الإنفاق وإيرادات الضرائب على مكاسب رأس المال خلال طفرة شركات التكنولوجيا. وفي عام 2000، كان الدين يعادل 33.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، قبل أن تتغير الصورة مع التخفيضات الضريبية وزيادة الإنفاق لمواجهة تداعيات هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، والأزمة المالية العالمية في 2008 و2009، وجائحة «كوفيد - 19» في 2020، إلى جانب الزيادة المستمرة في تكاليف البرامج الاجتماعية.

ويختصر هذا التحول التحدي الذي تواجهه واشنطن اليوم: فنتائج الانتخابات قد تحدد الجهة التي ستقود النقاش بشأن الضرائب والإنفاق وسقف الدين، لكنها لن تغير وحدها المسار المالي الذي راكمته سنوات من العجز والاقتراض. ومع اقتراب الدين من مستويات قياسية تاريخية، وارتفاع تكلفة خدمته، باتت معالجة المالية العامة اختباراً سياسياً واقتصادياً مؤجلاً يصعب على الإدارة المقبلة تجنبه.