تقنيات مطورة لتحليل المشاعر الإنسانية «غير المحكيّة» في الإنترنت

أجهزتكم ستعرف عنكم أكثر مما تعرفون عن أنفسكم

تقنيات مطورة لتحليل المشاعر الإنسانية «غير المحكيّة» في الإنترنت
TT

تقنيات مطورة لتحليل المشاعر الإنسانية «غير المحكيّة» في الإنترنت

تقنيات مطورة لتحليل المشاعر الإنسانية «غير المحكيّة» في الإنترنت

لمعرفة المزيد عن التقنية القادرة على قراءة العواطف البشرية، شاهدوا الحلقة الأولى من مدوّنة «شود ذيس إكزيست؟» الصوتية التي تناقش تأثير التقنيات الناشئة على الإنسانية.
عندما نجلس مقابل شخص آخر على طاولة في أحد المقاهي ونسأله عن يومه، غالباً ما يردّ بجواب مهذّب مثل: «لا بأس». ولكن عندما يكذب هذا الشخص، يمكننا معرفة ذلك من تعبيره ونبرة صوته وتشنجاته وتقلّص عضلاته، لأنّ غالبية أحاديثنا ليست لغويّة.
يقرأ الناس المعاني الضمنية - الأدلّة غير المحكيّة - لمعرفة الحقيقة ويغوصون في عمق ما يقوله الآخرون ليفهموا معناه. واليوم، مع إجراء الكثير من الأحاديث عبر النصوص الإلكترونية، بات الكثير من الرسائل التي تحمل نصوصاً ضمنية، تبوح بمعلومات أقلّ من أي وقت مضى.
تسعى رنا القليوبي، الشريكة المؤسسة لشركة «أفيكتيفا» Affectiva المتخصصة في تعليم تحليل المشاعر sentiment analysis للآلات، لتحسين الأدوات التي نستخدمها واستعادة عظمة تبادل الأحاديث مجدداً. وفي مقابلة لها مع موقع «كوارتز»، قالت رنا القليوبي إنّ «قسماً كبيراً من التواصل (93 في المائة منه) يضيع في الفضاء الإلكتروني.
ويعاني الناس اليوم من «العمى العاطفي»، ولهذا السبب، بتنا نرى تعاطفاً أقلّ حول العالم. ومن وجهة نظرها، فإن الحلّ لا يكون في التوقف عن استعمال التقنية التي تجرّدنا من إنسانيتنا، بل بتصميم أدوات تفهم البشر حقّاً.
- تقنية رصد العواطف
تبتكر شركة القليوبي أدوات للإبحار في المسافة القائمة بين اللغة والمعنى.
وتقنياً، تعمل رنا القليوبي وزملاؤها على جمع قاعدة بيانات لتعابير الوجه من حول العالم للحصول على صورة شاملة للتواصل البشري. حتى اليوم، جمع الفريق 7.7 مليون وجه من 87 بلداً، مع خمسة ملايين إطار وجهي. والفكرة هنا هي إثبات أنّ قدرة الآلات على قراءة النصوص الضمنية التي نكتبها، ستمكّنها من تلبية حاجاتنا بشكل أفضل وفي أوضاع مختلفة.
> رصد تجاوب التلاميذ في الصفوف الإلكترونية. لنتحدّث عن التعليم الإلكتروني مثلاً. تخيّلوا أنّكم تحضرون صفاً ما عبر الإنترنت وشعرتم بالضياع خلاله. عندها، سيفهم الكومبيوتر ضياعكم عبر الكاميرا من عبوسكم ونظرتكم المحتارة، وسيعمد إلى تنبيه النظام بشكل يدفع المادّة التي تدرسونها إلى التجاوب معكم حسب حاجتكم بإعطائكم مزيداً من الأمثلة أو مسائل أقلّ صعوبة للحلّ؛ حتى أنّه قد يغيّر المواضيع لتفادي الإحباط، تماماً كما قد يفعل أي أستاذ في غرفة صفّ عبر تغيير النشاطات أو التكتيكات بما يتناسب مع شكل استجابة الطلاب للمادّة.
في حال استطاعت الآلات قراءة النصّ الضّمني، إذن ستنجح في تلبية حاجاتنا بشكل أفضل وفي حالات كثيرة.
> تحليل حالات التوحد. بدأ استخدام عمل القليوبي حقّاً وفي مجالات مهمّة. يساعد التحليل الآلي للأحاسيس الأشخاص المصابين بالتوحد الذين يواجهون صعوبات في تحليل المعنى الضمني العاطفي في المحادثات، على فهم الحديث بشكل أفضل من خلال تفسير بيانات الطرف الآخر وتزويدهم بمعنى كلامه.
يمكن لجهاز يشبه النظارة، أن يرسل إشارة لمرتديه عندما يفوّت أدلّة مهمّة غير محكية وذلك كي لا يعتمد على الكلام فحسب في الحكم على موقف معيّن.
- مشاعر مستخدمي الإنترنت
> مشاعر المشاركين في ندوات الإنترنت. تستخدم رنا القليوبي أداتها الخاصة أيضاً في قياس مستوى تلقّي المستمعين خلال الندوات عبر الإنترنت. وعادة، يعجز المحاضر عن تبيان ما إذا كان المستمعون يركزون فيما يقوله عند التواصل مع مجموعة عبر الشبكة.
ولكن مع المساعدة التقنية، سيتمكّن من الإحساس بمدى انخراط الجمهور بمحاضرته، وبالتالي، سينجح في إيصال رسالته بفعالية أكبر. وأضافت رنا القليوبي قائلة إنّ عرض معلومات على شاشة المتحدّث تطلعه على مستويات مشاركة المتلقّين وفقاً لتعابيرهم، سيساعده في تقديم محاضرة أفضل.
استخدم المعلنون هذه الأداة أيضاً لاختبار ردود الجمهور على حملة إعلانية محتملة. في الوقت الذي كان فيه المتفرجون يشاهدون الإعلان، كانت تقنية «أفيكتيفا» تعمل على تحليل تعابير وجوههم. وهكذا، يحصل المروّجون على لمحة أفضل عن النجاح المحتمل لإعلانهم من خلال تحديد عدد إجابات المشاهدين غير المحكية في الوقت الحقيقي.
> تعابير ونظرات سائقي السيارات. تحدّثت رنا القليوبي أيضاً عن إمكانية تجهيز السيارات بتقنية لمراقبة نظر السائق وتعابير وجهه، كما تفعل «كيا» مع سياراتها اليوم. عندها، ستتمكّن السيارة من تنبيه السائق عندما يتشتّت انتباهه عن الطريق. كما ستصبح قادرة على تفادي الحوادث قبل حصولها وببساطة عبر التركيز على الحالة الذهنية للسائق وتنبيهه عندما يتشتت انتباهه أو يشعر بالدوار.
وترى القليوبي أن مجالات استخدام تقنيتها لا تعدّ ولا تحصى. ولكن مع استمرار عملها عليها، وتحسّن ترجمة هذه التقنية للمعلومات غير المحكية التي تتضمنها المحادثات، زاد تساؤل الباحثة حول أهمية الأحاديث التي تجريها في حياتها الخاصة، وتفكيرها بعدد المرّات التي اكتفت فيها بالكلمات الصادرة عن الأشخاص، وبأنّها لو تنبّهت لضعف قدرة اللغة على الإقناع، لفهمت أنّ ما كانوا يقولونه وما عنوه فعلاً هما أمران مختلفان.
- أخلاقيات التقنية
لا شكّ أن هناك احتمالات لا تنتهي، لتوظيف التقنية العاطفية في استخدامات خطرة أيضاً، ففي حال وقوعها في أيادٍ غير مسؤولة، يمكن استعمال هذه الأداة التي تقرأ وتحلّل المشاعر البشرية لأغراض التمييز والتلاعب ولاستغلال البيانات الخاصة بمشاعرنا.
> استخدامات شريرة. كانت القليوبي وزملاؤها قد تعهدوا بعد السماح باستخدام أداتهم لأغراض الأمن والمراقبة. وتجدر الإشارة إلى أن الفريق المبتكر أثبت وفاءه بعهده بعد رفض عروض مربحة لتوقيع اتفاقيات ترخيص على حساب مبادئ أفراده. وكشفت القليوبي أن شركة «أفيكتيفا» ترفض عروضاً أسبوعية لمستثمرين مهتمين بتطوير تقنية ذات أهداف بوليسية.
لا تخفي خبيرة «التقنية العاطفية» أي أسرار وتريد للجميع أن يعي المخاطر التي قد تخفيها أداتها، لأنها تعتقد أننا بحاجة للتفكير حول كيفية تطوير هذه الأدوات واستخدامها، وما قد تعنيه للمستقبل. وتعبّر رنا القليوبي بثقة عن أنّ هذه ليست إلّا البداية بالنسبة لأداتها التي ستؤثر حتماً على جميع الناس عندما تصبح مدمجة في كثير من الأجهزة التي نستخدمها.
إنّ أخلاقيات العمل التقني لا تعني المطورين فحسب، بل جميع من ينتهي به الأمر باستخدام منتجات لا يفهم آثارها أيضاً.
> الشفافية للحصول على كنز من البيانات. قبل كلّ شيء، تشدّد القليوبي على أهمية فهم المستخدمين وموافقتهم على إعطاء بيانات عن وجوههم عند استخدام أداة مشابهة. كما يتوجب على الشركات إظهار شفافية تامّة حول ما إذا كانت تجمع المعلومات ولأي أهداف، خاصة أن المعلومات التي تقدّم اليوم بشكل محصور يمكن أن تستغلّ علناً في المستقبل.
وعلى سبيل المثال، لا تعمل السيارات التي تستخدم أداة «أفيكتيفا» اليوم على تسجيل بيانات الوجه. في المقابل، قد يتيح تسجيلها لشركات التأمين استخدام تسجيلات تعابير الوجه للتأكد من مصداقية الحادث، أو يقدّم مساعدة فعالة للشرطة في تحقيقاتها. ويحب تذكر أن استخدامات البيانات تتكاثر وتتعدد، ولكنّها ليست جميعها لأهداف الخير.
- جمع وجوه كل العالم... تحليل الابتسامة والعبوس ورصد نبرة السخرية
> إزالة عيوب التقنية. تعتبر الاختزالية (اختزال كل الأمور والجوانب إلى حالة مبسطة) أحد العيوب الأخرى التي قد تشوب تقنية التحليل العاطفي. إذ يفترض بأداة قادرة على تمييز الاختلافات أن «تتعرّف» إلى جميع أنواع الوجوه في جميع الأماكن ومن بين عدد لا يعدّ ولا يحصى من الناس، لإعطاء المعنى الصحيح.
لكننا نرى في المقابل، أن الخوارزميات المبنية على مجموعة محدّدة من البيانات، تكون منحازة وقادرة على التعرّف على الوجوه التي رأتها بشكل متكرّر فقط، مما قد يؤدي إلى إعطاء الآلة لمعلومات خاطئة أو ظالمة.
ولكنّ تدريب الآلة على قراءة على جميع أنواع الوجوه يتطلّب جمع الكثير من البيانات من كثير من الأشخاص والثقافات، ويعني أيضاً فهم مجموعة كبيرة من التعابير وفي أماكن مختلفة.
> الابتسام والعبوس تعبيران عالميان. تتحكّم الثقافة بالتعابير التي تظهر على وجوهنا إلى حدّ ما. وترى القليوبي وزملاؤها أنّ الابتسام والعبوس هما تعبيران عالميان، ولكن التأثيرات الثقافية تزيد أو تلغي بعضاً من حدتهما. فقد توصّل الفريق مثلاً إلى أنّ الأميركيين اللاتينيين أكثر تعبيراً من الآسيويين من الشرق، وأن النساء حول العالم يبتسمن عامة أكثر من الرجال.
> السخرية - نبرة يصعُب رصدها. تحدّثت القليوبي أيضاً عما أسمته «الكأس المقدّسة» في مجالها وهي الخوارزمية المسؤولة عن رصد السخرية. فرغم اعتبارها نوعاً باهتاً من الطرافة، تستخدم السخرية نبرة تتعمّد إقناع الطرف الآخر بالرسالة المعاكسة، وهو نوع معقّد جداً من الرسائل.
يمكن القول إنّ السخرية هي نوع من الغمز الصوتي، وعندما تنجح أداة معينة في فهم هذا الوضع التواصلي المبطّن المصحوب غالباً بغمز حقيقي، سيعتبر هذا الأمر بمثابة الانتصار لتقنية التعلّم الآلي. ولكن لم يتضح حتى اليوم كيف ستنجح الآلة في فهم هذا التعبير وتوضيح فهمها له.
أدخلت شركة «أفكتيفا» منذ عامين نبرة الصوت في عمل أداتها، ولكن القليوبي لم تحدّد الوقت الذي يتطلبه الوصول إلى «الكأس المقدّسة». ولكنها تصف هذه الأداة بالجيدة، وترى أنّها تقنية تحلّل النبرة والتعابير بشكل دقيق في جميع الثقافات والشخصيات، ولكنّها لا تزال في منتصف طريقها نحو النجاح التام.

- « كوارتز»، خدمات «تريبون ميديا»


مقالات ذات صلة

«رؤية 2030» تحوّل السعودية إلى منصة لوجستية عالمية

الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)

«رؤية 2030» تحوّل السعودية إلى منصة لوجستية عالمية

في مشهد عالمي تتقاذفه اضطرابات سلاسل الإمداد، وتقلبات الجغرافيا السياسية، برزت السعودية بوصفها ركيزة استقرار لا غنى عنها في خريطة اللوجستيات الدولية.

ساره بن شمران (الرياض)
خاص التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

خاص «غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

تقول «غوغل كلاود» إن هدوء الهجمات لا يلغي الخطر، وإن المرونة السيبرانية تبدأ من الثغرات والاستعداد المبكر قبل التصعيد.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
خاص تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)

خاص من لاس فيغاس... «غوغل كلاود نيكست 2026» يرسم المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي المؤسسي

تقدم «غوغل كلاود» في «نيكست 2026» الذكاء الاصطناعي كاختبار لجاهزية المؤسسات في البنية والبيانات والحوكمة والأمن والتشغيل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
الاقتصاد جانب من ملتقى «حكومة الرقمية 2025» (الهيئة)

الحكومة السعودية تواصل تقدمها في استخدام التقنيات الناشئة لتتجاوز 76 %

أعلنت هيئة الحكومة الرقمية السعودية تقرير «مؤشر جاهزية تبنّي التقنيات الناشئة»، الذي يؤكد التطور المتسارع في جاهزية الجهات الحكومية لتبنّي التقنيات الناشئة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا يرى معظم الطلاب أن التقنيات المتطورة والذكاء الاصطناعي يقدمان دعماً حقيقياً للإبداع وتدوين الملاحظات والتلخيص وتوليد الأفكار (شاترستوك)

دراسة من «لينوفو»: 98 % من طلاب الجيل زد يستخدمون الذكاء الاصطناعي مسانداً يومياً

دراسة «لينوفو» تكشف اعتماد طلاب الجيل زد على الأجهزة اللوحية، والذكاء الاصطناعي للدراسة، والإبداع، والتنظيم اليومي مع أولوية للأمان، والاستدامة.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
TT

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

في «غوغل كلاود نكست 2026» في لاس فيغاس، لم يكن حديث ساندرا جويس، نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intelligence)، مجرد إضافة تقنية ضمن زخم الذكاء الاصطناعي الذي طغى على المؤتمر، بل قدّم قراءة أكثر هدوءاً وانضباطاً لمشهد التهديدات السيبرانية في لحظة إقليمية ودولية حساسة.

وخلال الجلسة، سألت «الشرق الأوسط» عمّا إذا كانت التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين قد انعكست على نمط الهجمات السيبرانية، وما إذا كانت «غوغل كلاود» قد رصدت تحولاً موازياً في مستوى النشاط أو طبيعته. غير أن رد ساندرا جويس جاء على خلاف ما قد يتوقعه كثيرون قائلة إن فريقها «لم يرَ في الواقع ارتفاعاً كبيراً في النشاط السيبراني» خلال تلك الفترة، مضيفة أن ما جرى، باستثناء بعض الوقائع التي ظهرت علناً، لم يصل إلى مستوى تصعيد واسع، بل إنهم «شهدوا هدوءاً، ثم عادت المستويات تقريباً إلى ما كانت عليه سابقاً»، بخلاف ما حدث مع بداية التوترات بين روسيا وأوكرانيا.

وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها من أنها تبتعد عن المبالغة، وتقدم صورة أكثر توازناً؛ فالتوترات الجيوسياسية لا تنعكس بالضرورة، وبصورة فورية، في موجة سيبرانية واسعة ومرئية. لكن ذلك، في حديث ساندرا جويس، لا يعني أن الخطر تراجع أو أن البيئة أصبحت أكثر أماناً.

ساندرا جويس نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intellegence) (غوغل)

استعداد قبل الانفجار

وعندما سُئلت عن تفسير هذا الهدوء النسبي، لم تربطه ساندرا جويس بضعف في قدرات الجهات المهاجمة أو بانحسار التهديد، بل أشارت إلى احتمالات أكثر تعقيداً؛ إذ ربما تكون هذه القدرات موزعة بشكل لامركزي، بحيث لا يؤدي استهداف موقع معين إلى تعطيلها، وربما لم يصدر القرار باستخدامها على نطاق أوسع، وربما كانت هناك اعتبارات ردع قائمة.

وفي المقابل، شرحت كيف تتعامل «غوغل كلاود» مع مثل هذه اللحظات عبر ما وصفته بآلية التعامل مع «الأحداث الكبرى»، حيث يجري العمل السريع بهدف التحرك قبل اتساع الأثر، من خلال توفير مؤشرات مبكرة عمّا قد يحدث، ثم التمييز بعد ذلك بين الضجيج والحقيقة، وبين التصورات والوقائع، حتى تتمكن المؤسسات من اتخاذ قرارات عملية تستند إلى سياق واضح. وبذلك، لا يعود دور استخبارات التهديدات مقتصراً على الإبلاغ عمّا حدث، بل يمتد إلى مساعدة المؤسسات على معرفة ما ينبغي فعله بعد ذلك.

«غوغل كلاود»: أول اختبار حقيقي لمرونة المؤسسات اليوم يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية لا من الشعارات العامة حول الصمود (شاترستوك)

اختبار المرونة الحقيقي

وفي محور آخر، انتقل النقاش مع «الشرق الأوسط» إلى معنى «المرونة» أو «الصمود» داخل المؤسسات، ليس فقط من زاوية حماية المعلومات، بل أيضاً من زاوية الحفاظ على استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة. وجاء جواب جويس مباشراً، مشيرة إلى أن أول ما تنظر إليه اليوم، بخلاف ما كانت قد تقوله قبل ثلاث سنوات، هو برامج إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية؛ لأن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت تمنح المهاجمين سرعة ونطاقاً وقدرة على إحداث أثر واسع «بشكل لم نره من قبل».

وتنقل هذه النقطة النقاش من المفهوم العام للمرونة إلى مستوى أكثر دقة وواقعية. فساندرا جويس لا تتحدث عن الصمود بوصفه مجرد خطة استجابة أو قدرة على استعادة الأنظمة بعد الهجوم، بل بوصفه قدرة استباقية على سد الثغرات قبل أن تتحول إلى منفذ لهجمات أسرع وأكثر تعقيداً. ووفق شرحها، فإن المؤسسات في 2026 تحتاج إلى التفكير في أدوات ذكاء اصطناعي تمتلك «السرعة والحجم والقدرة المتقدمة»، ويمكن أن تتجه إلى أي ثغرة في الشبكة، حتى تلك التي قد تكون المؤسسة قد صنّفتها سابقاً على أنها ثانوية أو منخفضة الأولوية. والأسوأ من ذلك، كما أوضحت، أن هذه الأدوات لا تكتفي باستغلال ثغرة واحدة، بل يمكن أن تربط بين نقاط ضعف مختلفة لتكوين مسار اختراق جديد وأكثر فاعلية.

«رذاذ قبل العاصفة»

وعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت ترى بالفعل تصاعداً واسعاً في الهجمات التي تستخدم قدرات الذكاء الاصطناعي الجديدة، لم تقل إن هذه الموجة بلغت ذروتها، لكنها وصفت ما نراه اليوم بأنه أشبه «برذاذ يسبق العاصفة». وقالت بوضوح إن الاعتقاد بأن هذا الوضع سيبقى هادئاً سيكون افتراضاً خاطئاً، لأن المؤشرات تتزايد، والقدرات تتطور، ونقطة التحول تقترب.

وهنا تكمن المفارقة الأهم في حديثها؛ حيث إن العالم لم يدخل بعد مرحلة انفجار شامل في هذا النوع من الهجمات، لكنه يقترب منها بما يكفي لكي يصبح التأجيل خطأ مكلفاً. ومن هذا المنطلق، بدا حديثها أقرب إلى دعوة للاستعداد المبكر منه إلى تحذير من واقع وقع بالكامل.

المرونة السيبرانية في 2026 لم تعد تعني حماية البيانات فقط بل حماية استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة أيضاً (شاترستوك)

من الرصد إلى الفعل

وفي جزء آخر من الجلسة، شرحت ساندرا جويس أن فريقها لا يقتصر دوره على مراقبة التهديدات وبناء صورة عامة عنها، بل يضم أيضاً، منذ العام الماضي، وحدة تعطيل تقود عمليات تستند إلى الاستخبارات. ووفق شرحها، تراوحت هذه العمليات بين إسقاط شبكات وكلاء سكنية بالتعاون مع الفريق القانوني، وتعطيل شبكات تجسس. والمعنى هنا أن قيمة استخبارات التهديدات لم تعد تقف عند حدود الفهم والتحليل، بل باتت تشمل استخدام هذه المعرفة نفسها لتقليص قدرة الخصوم على العمل قبل أن يتحول الخطر إلى حادث واسع.

وفي الوقت نفسه، حرصت جويس على عدم المبالغة في تصوير المشهد، مشيرة إلى أن كثيراً من الاختراقات التي لا تزال الفرق تتعامل معها اليوم تعتمد على أساليب تقليدية معروفة. لكنها حذرت من أن ذلك لا ينبغي أن يبعث على الاطمئنان، لأن ما تراه فرقها هو تسارع الابتكار لدى جهات التهديد، بما يعني أن نقطة التحول تقترب. ووصفت هذا الوضع بأنه «فرصة للتحرك الآن»، لا سبباً لتأجيل الاستعداد.

وهذه ملاحظة مهمة، لأنها تعني أن التهديد لا يكمن فقط في ظهور أدوات جديدة، بل في كيفية تطوير الأساليب القائمة ورفع كفاءتها وتوسيع أثرها. لذلك، فإن الاعتماد على أن المهاجمين سيظلون يستخدمون الأدوات والأساليب نفسها سيكون رهاناً خاطئاً.

تقول «غوغل كلاود» إن هذا الهدوء النسبي لا يعني تراجع الخطر لأن جهات التهديد قد تكون تعمل بقدرات موزعة أو تنتظر ظروفاً مختلفة للتصعيد (رويترز)

اتساع رقعة الاستهداف

كشفت الجلسة أيضاً عن أثر آخر للذكاء الاصطناعي في المشهد الأمني، وهو اتساع نطاق الاستهداف جغرافياً. فعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت الحواجز اللغوية التي كانت تحدّ سابقاً من استهداف بعض الأسواق قد تراجعت، أجابت بأن ذلك يحدث بالفعل، مشيرة إلى زيادة واضحة في استهداف أسواق غير ناطقة بالإنجليزية، وذكرت على وجه الخصوص ألمانيا التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة، ليس فقط على مستوى الشركات الكبرى، بل أيضاً في قلب ما يشكل العمود الفقري للاقتصاد الألماني. وتحمل هذه الإشارة دلالة أوسع؛ الذكاء الاصطناعي لا يوسّع فقط قدرة المهاجمين على تطوير الأدوات، بل يوسّع أيضاً نطاق الأسواق والقطاعات التي يمكن استهدافها بكفاءة أكبر.

حاولت ساندرا جويس، خلال الجلسة، ترسيخ فكرة أن المرونة لم تعد كلمة مطمئنة في عروض الشركات، بل أصبحت اختباراً يومياً يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات، ويمر عبر فهم التهديدات قبل انفجارها، وينتهي بقدرة المؤسسة على التمييز بين الضجيج والحقيقة، والتصرف بسرعة وثقة. وربما كانت الرسالة الأهم التي خرجت من الجلسة هي أنه في 2026، لا يكفي أن تقول المؤسسة إنها «مرنة»؛ عليها أن تثبت أنها قادرة على إغلاق الفجوات قبل أن تتحول، بسرعة الذكاء الاصطناعي نفسه، إلى نقطة انهيار.


زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
TT

زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)

تتصاعد وتيرة التحولات داخل كبرى شركات التكنولوجيا العالمية مع احتدام المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يدفع هذه الشركات إلى إعادة هيكلة مواردها البشرية والمالية بشكل جذري. وتبرز شركة «ميتا» في مقدمة هذا التوجه، إذ تسعى إلى موازنة استثماراتها الضخمة في التقنيات المستقبلية عبر إجراءات تقشفية تشمل تقليص عدد الموظفين.

وتعمل «ميتا»، المملوكة لمارك زوكربيرغ، على خفض آلاف الوظائف بهدف «تعويض» التكاليف الباهظة لاستثماراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، التي بلغت مليارات الدولارات، حسب ما أوردته صحيفة «التليغراف».

وكانت الشركة، المالكة لمنصات «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام»، قد أعلنت يوم الخميس عن خطط لخفض نحو 10 في المائة من قوتها العاملة، في خطوة تهدف إلى تمويل توسعها الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ومن المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى تسريح نحو 8 آلاف موظف خلال الشهر المقبل، إضافة إلى إلغاء خطط سابقة لتوظيف ما يقارب 6 آلاف موظف جديد.

وفي مذكرة داخلية وُزّعت على موظفي الشركة واطلعت عليها وكالة «بلومبيرغ»، أوضح مسؤولون تنفيذيون أن هذه الإجراءات تأتي «في إطار الجهود المستمرة لإدارة الشركة بكفاءة أعلى، وتعويض تكاليف الاستثمارات الأخرى التي نقوم بها».

وفي الوقت ذاته، حذّرت «ميتا» مستثمريها من أن إنفاقها قد يصل إلى 169 مليار دولار (125 مليار جنيه استرليني) خلال العام الجاري، في إطار سعيها للحاق بمنافسيها، مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل»، ضمن سباق محتدم في مجال الذكاء الاصطناعي داخل وادي السيليكون.

وتنفق الشركة مبالغ ضخمة على تطوير مراكز البيانات وتعزيز البنية التحتية اللازمة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، كما عرض زوكربيرغ حوافز مالية كبيرة لاستقطاب الكفاءات، شملت مكافآت توقيع تصل إلى 100 مليون دولار، إلى جانب عقود متعددة السنوات قد تبلغ قيمتها نحو مليار دولار.

وتأتي هذه الخطط بعد سلسلة من عمليات التسريح الجزئية التي نفذتها «ميتا» خلال الأشهر الماضية، شملت قطاعات مختلفة، من بينها قسم مختبرات الواقع الافتراضي، حيث تم الاستغناء عن نحو 10 في المائة من الموظفين، أي ما يعادل نحو 700 عامل. ويُنظر إلى هذه الخطوات على أنها انعكاس لتراجع الرهان السابق لزوكربيرغ على «الميتافيرس» بوصفه مستقبل الشركة.

ويرى محللون أن موجة التسريحات قد لا تتوقف عند هذا الحد، إذ قد تلجأ «ميتا» إلى تقليص المزيد من الوظائف لاحقاً خلال العام، في ظل التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لأتمتة العديد من المهام التي يؤديها الموظفون حالياً.


أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

اتهم البيت الأبيض الصين، اليوم الخميس، بالضلوع في سرقة الملكية الفكرية لمختبرات ذكاء اصطناعي أميركية على نطاق صناعي، وذلك في مذكرة تهدد بتوتر العلاقات قبل قمة مرتقبة بين الزعيمين الأميركي والصيني الشهر المقبل.

وكتب مايكل كراتسيوس، مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض، في مذكرة جرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، وكان لصحيفة «فاينانشال تايمز» ‌السبق في ‌نشرها: «لدى الحكومة الأميركية معلومات تشير إلى ‌أن جهات أجنبية، تتمركز أساساً في الصين، منخرطة في حملات متعمدة وعلى نطاق صناعي لاستخلاص قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة».

وأضاف: «من خلال الاستفادة من عشرات الآلاف من الحسابات الوكيلة لتفادي الرصد، واستخدام تقنيات كسر الحماية لكشف معلومات مملوكة، تقوم هذه الحملات المنسقة باستخراج القدرات بشكل منهجي من نماذج الذكاء الاصطناعي ‌الأميركية، مستغلة الخبرة ‌والابتكار الأميركيين».

وقالت السفارة الصينية في واشنطن، وفقاً لوكالة «رويترز»، إنها تعارض «الادعاءات ‌التي لا أساس لها»، مضيفة أن بكين «تولي أهمية ‌كبيرة لحماية حقوق الملكية الفكرية».

والمذكرة، التي صدرت قبل أسابيع فقط من الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين، تنذر ‌بزيادة التوتر في حرب تكنولوجية ممتدة بين القوتين العظميين المتنافستين، التي هدأت حدتها بفعل انفراجة تحققت أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وتثير المذكرة تساؤلات أيضاً بشأن ما إذا كانت واشنطن ستسمح بشحن رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة التابعة لشركة «إنفيديا» إلى الصين. وأعطت إدارة ترمب الضوء الأخضر لهذه المبيعات في يناير (كانون الثاني)، مع فرض شروط. لكن وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك أشار، أمس الأربعاء، إلى أنه لم تجرِ أي شحنات حتى الآن.

وتقول المذكرة، الموجهة إلى الوكالات الحكومية، إن الإدارة «ستبحث مجموعة من الإجراءات لمساءلة الجهات الأجنبية» التي تقف وراء هذه الحملات.