تقنيات مطورة لتحليل المشاعر الإنسانية «غير المحكيّة» في الإنترنت

أجهزتكم ستعرف عنكم أكثر مما تعرفون عن أنفسكم

تقنيات مطورة لتحليل المشاعر الإنسانية «غير المحكيّة» في الإنترنت
TT

تقنيات مطورة لتحليل المشاعر الإنسانية «غير المحكيّة» في الإنترنت

تقنيات مطورة لتحليل المشاعر الإنسانية «غير المحكيّة» في الإنترنت

لمعرفة المزيد عن التقنية القادرة على قراءة العواطف البشرية، شاهدوا الحلقة الأولى من مدوّنة «شود ذيس إكزيست؟» الصوتية التي تناقش تأثير التقنيات الناشئة على الإنسانية.
عندما نجلس مقابل شخص آخر على طاولة في أحد المقاهي ونسأله عن يومه، غالباً ما يردّ بجواب مهذّب مثل: «لا بأس». ولكن عندما يكذب هذا الشخص، يمكننا معرفة ذلك من تعبيره ونبرة صوته وتشنجاته وتقلّص عضلاته، لأنّ غالبية أحاديثنا ليست لغويّة.
يقرأ الناس المعاني الضمنية - الأدلّة غير المحكيّة - لمعرفة الحقيقة ويغوصون في عمق ما يقوله الآخرون ليفهموا معناه. واليوم، مع إجراء الكثير من الأحاديث عبر النصوص الإلكترونية، بات الكثير من الرسائل التي تحمل نصوصاً ضمنية، تبوح بمعلومات أقلّ من أي وقت مضى.
تسعى رنا القليوبي، الشريكة المؤسسة لشركة «أفيكتيفا» Affectiva المتخصصة في تعليم تحليل المشاعر sentiment analysis للآلات، لتحسين الأدوات التي نستخدمها واستعادة عظمة تبادل الأحاديث مجدداً. وفي مقابلة لها مع موقع «كوارتز»، قالت رنا القليوبي إنّ «قسماً كبيراً من التواصل (93 في المائة منه) يضيع في الفضاء الإلكتروني.
ويعاني الناس اليوم من «العمى العاطفي»، ولهذا السبب، بتنا نرى تعاطفاً أقلّ حول العالم. ومن وجهة نظرها، فإن الحلّ لا يكون في التوقف عن استعمال التقنية التي تجرّدنا من إنسانيتنا، بل بتصميم أدوات تفهم البشر حقّاً.
- تقنية رصد العواطف
تبتكر شركة القليوبي أدوات للإبحار في المسافة القائمة بين اللغة والمعنى.
وتقنياً، تعمل رنا القليوبي وزملاؤها على جمع قاعدة بيانات لتعابير الوجه من حول العالم للحصول على صورة شاملة للتواصل البشري. حتى اليوم، جمع الفريق 7.7 مليون وجه من 87 بلداً، مع خمسة ملايين إطار وجهي. والفكرة هنا هي إثبات أنّ قدرة الآلات على قراءة النصوص الضمنية التي نكتبها، ستمكّنها من تلبية حاجاتنا بشكل أفضل وفي أوضاع مختلفة.
> رصد تجاوب التلاميذ في الصفوف الإلكترونية. لنتحدّث عن التعليم الإلكتروني مثلاً. تخيّلوا أنّكم تحضرون صفاً ما عبر الإنترنت وشعرتم بالضياع خلاله. عندها، سيفهم الكومبيوتر ضياعكم عبر الكاميرا من عبوسكم ونظرتكم المحتارة، وسيعمد إلى تنبيه النظام بشكل يدفع المادّة التي تدرسونها إلى التجاوب معكم حسب حاجتكم بإعطائكم مزيداً من الأمثلة أو مسائل أقلّ صعوبة للحلّ؛ حتى أنّه قد يغيّر المواضيع لتفادي الإحباط، تماماً كما قد يفعل أي أستاذ في غرفة صفّ عبر تغيير النشاطات أو التكتيكات بما يتناسب مع شكل استجابة الطلاب للمادّة.
في حال استطاعت الآلات قراءة النصّ الضّمني، إذن ستنجح في تلبية حاجاتنا بشكل أفضل وفي حالات كثيرة.
> تحليل حالات التوحد. بدأ استخدام عمل القليوبي حقّاً وفي مجالات مهمّة. يساعد التحليل الآلي للأحاسيس الأشخاص المصابين بالتوحد الذين يواجهون صعوبات في تحليل المعنى الضمني العاطفي في المحادثات، على فهم الحديث بشكل أفضل من خلال تفسير بيانات الطرف الآخر وتزويدهم بمعنى كلامه.
يمكن لجهاز يشبه النظارة، أن يرسل إشارة لمرتديه عندما يفوّت أدلّة مهمّة غير محكية وذلك كي لا يعتمد على الكلام فحسب في الحكم على موقف معيّن.
- مشاعر مستخدمي الإنترنت
> مشاعر المشاركين في ندوات الإنترنت. تستخدم رنا القليوبي أداتها الخاصة أيضاً في قياس مستوى تلقّي المستمعين خلال الندوات عبر الإنترنت. وعادة، يعجز المحاضر عن تبيان ما إذا كان المستمعون يركزون فيما يقوله عند التواصل مع مجموعة عبر الشبكة.
ولكن مع المساعدة التقنية، سيتمكّن من الإحساس بمدى انخراط الجمهور بمحاضرته، وبالتالي، سينجح في إيصال رسالته بفعالية أكبر. وأضافت رنا القليوبي قائلة إنّ عرض معلومات على شاشة المتحدّث تطلعه على مستويات مشاركة المتلقّين وفقاً لتعابيرهم، سيساعده في تقديم محاضرة أفضل.
استخدم المعلنون هذه الأداة أيضاً لاختبار ردود الجمهور على حملة إعلانية محتملة. في الوقت الذي كان فيه المتفرجون يشاهدون الإعلان، كانت تقنية «أفيكتيفا» تعمل على تحليل تعابير وجوههم. وهكذا، يحصل المروّجون على لمحة أفضل عن النجاح المحتمل لإعلانهم من خلال تحديد عدد إجابات المشاهدين غير المحكية في الوقت الحقيقي.
> تعابير ونظرات سائقي السيارات. تحدّثت رنا القليوبي أيضاً عن إمكانية تجهيز السيارات بتقنية لمراقبة نظر السائق وتعابير وجهه، كما تفعل «كيا» مع سياراتها اليوم. عندها، ستتمكّن السيارة من تنبيه السائق عندما يتشتّت انتباهه عن الطريق. كما ستصبح قادرة على تفادي الحوادث قبل حصولها وببساطة عبر التركيز على الحالة الذهنية للسائق وتنبيهه عندما يتشتت انتباهه أو يشعر بالدوار.
وترى القليوبي أن مجالات استخدام تقنيتها لا تعدّ ولا تحصى. ولكن مع استمرار عملها عليها، وتحسّن ترجمة هذه التقنية للمعلومات غير المحكية التي تتضمنها المحادثات، زاد تساؤل الباحثة حول أهمية الأحاديث التي تجريها في حياتها الخاصة، وتفكيرها بعدد المرّات التي اكتفت فيها بالكلمات الصادرة عن الأشخاص، وبأنّها لو تنبّهت لضعف قدرة اللغة على الإقناع، لفهمت أنّ ما كانوا يقولونه وما عنوه فعلاً هما أمران مختلفان.
- أخلاقيات التقنية
لا شكّ أن هناك احتمالات لا تنتهي، لتوظيف التقنية العاطفية في استخدامات خطرة أيضاً، ففي حال وقوعها في أيادٍ غير مسؤولة، يمكن استعمال هذه الأداة التي تقرأ وتحلّل المشاعر البشرية لأغراض التمييز والتلاعب ولاستغلال البيانات الخاصة بمشاعرنا.
> استخدامات شريرة. كانت القليوبي وزملاؤها قد تعهدوا بعد السماح باستخدام أداتهم لأغراض الأمن والمراقبة. وتجدر الإشارة إلى أن الفريق المبتكر أثبت وفاءه بعهده بعد رفض عروض مربحة لتوقيع اتفاقيات ترخيص على حساب مبادئ أفراده. وكشفت القليوبي أن شركة «أفيكتيفا» ترفض عروضاً أسبوعية لمستثمرين مهتمين بتطوير تقنية ذات أهداف بوليسية.
لا تخفي خبيرة «التقنية العاطفية» أي أسرار وتريد للجميع أن يعي المخاطر التي قد تخفيها أداتها، لأنها تعتقد أننا بحاجة للتفكير حول كيفية تطوير هذه الأدوات واستخدامها، وما قد تعنيه للمستقبل. وتعبّر رنا القليوبي بثقة عن أنّ هذه ليست إلّا البداية بالنسبة لأداتها التي ستؤثر حتماً على جميع الناس عندما تصبح مدمجة في كثير من الأجهزة التي نستخدمها.
إنّ أخلاقيات العمل التقني لا تعني المطورين فحسب، بل جميع من ينتهي به الأمر باستخدام منتجات لا يفهم آثارها أيضاً.
> الشفافية للحصول على كنز من البيانات. قبل كلّ شيء، تشدّد القليوبي على أهمية فهم المستخدمين وموافقتهم على إعطاء بيانات عن وجوههم عند استخدام أداة مشابهة. كما يتوجب على الشركات إظهار شفافية تامّة حول ما إذا كانت تجمع المعلومات ولأي أهداف، خاصة أن المعلومات التي تقدّم اليوم بشكل محصور يمكن أن تستغلّ علناً في المستقبل.
وعلى سبيل المثال، لا تعمل السيارات التي تستخدم أداة «أفيكتيفا» اليوم على تسجيل بيانات الوجه. في المقابل، قد يتيح تسجيلها لشركات التأمين استخدام تسجيلات تعابير الوجه للتأكد من مصداقية الحادث، أو يقدّم مساعدة فعالة للشرطة في تحقيقاتها. ويحب تذكر أن استخدامات البيانات تتكاثر وتتعدد، ولكنّها ليست جميعها لأهداف الخير.
- جمع وجوه كل العالم... تحليل الابتسامة والعبوس ورصد نبرة السخرية
> إزالة عيوب التقنية. تعتبر الاختزالية (اختزال كل الأمور والجوانب إلى حالة مبسطة) أحد العيوب الأخرى التي قد تشوب تقنية التحليل العاطفي. إذ يفترض بأداة قادرة على تمييز الاختلافات أن «تتعرّف» إلى جميع أنواع الوجوه في جميع الأماكن ومن بين عدد لا يعدّ ولا يحصى من الناس، لإعطاء المعنى الصحيح.
لكننا نرى في المقابل، أن الخوارزميات المبنية على مجموعة محدّدة من البيانات، تكون منحازة وقادرة على التعرّف على الوجوه التي رأتها بشكل متكرّر فقط، مما قد يؤدي إلى إعطاء الآلة لمعلومات خاطئة أو ظالمة.
ولكنّ تدريب الآلة على قراءة على جميع أنواع الوجوه يتطلّب جمع الكثير من البيانات من كثير من الأشخاص والثقافات، ويعني أيضاً فهم مجموعة كبيرة من التعابير وفي أماكن مختلفة.
> الابتسام والعبوس تعبيران عالميان. تتحكّم الثقافة بالتعابير التي تظهر على وجوهنا إلى حدّ ما. وترى القليوبي وزملاؤها أنّ الابتسام والعبوس هما تعبيران عالميان، ولكن التأثيرات الثقافية تزيد أو تلغي بعضاً من حدتهما. فقد توصّل الفريق مثلاً إلى أنّ الأميركيين اللاتينيين أكثر تعبيراً من الآسيويين من الشرق، وأن النساء حول العالم يبتسمن عامة أكثر من الرجال.
> السخرية - نبرة يصعُب رصدها. تحدّثت القليوبي أيضاً عما أسمته «الكأس المقدّسة» في مجالها وهي الخوارزمية المسؤولة عن رصد السخرية. فرغم اعتبارها نوعاً باهتاً من الطرافة، تستخدم السخرية نبرة تتعمّد إقناع الطرف الآخر بالرسالة المعاكسة، وهو نوع معقّد جداً من الرسائل.
يمكن القول إنّ السخرية هي نوع من الغمز الصوتي، وعندما تنجح أداة معينة في فهم هذا الوضع التواصلي المبطّن المصحوب غالباً بغمز حقيقي، سيعتبر هذا الأمر بمثابة الانتصار لتقنية التعلّم الآلي. ولكن لم يتضح حتى اليوم كيف ستنجح الآلة في فهم هذا التعبير وتوضيح فهمها له.
أدخلت شركة «أفكتيفا» منذ عامين نبرة الصوت في عمل أداتها، ولكن القليوبي لم تحدّد الوقت الذي يتطلبه الوصول إلى «الكأس المقدّسة». ولكنها تصف هذه الأداة بالجيدة، وترى أنّها تقنية تحلّل النبرة والتعابير بشكل دقيق في جميع الثقافات والشخصيات، ولكنّها لا تزال في منتصف طريقها نحو النجاح التام.

- « كوارتز»، خدمات «تريبون ميديا»


مقالات ذات صلة

من لاس فيغاس... «غوغل كلاود نيكست 2026» يرسم المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي المؤسسي

خاص تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)

من لاس فيغاس... «غوغل كلاود نيكست 2026» يرسم المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي المؤسسي

تقدم «غوغل كلاود» في «نيكست 2026» الذكاء الاصطناعي كاختبار لجاهزية المؤسسات في البنية والبيانات والحوكمة والأمن والتشغيل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
الاقتصاد جانب من ملتقى «حكومة الرقمية 2025» (الهيئة)

الحكومة السعودية تواصل تقدمها في استخدام التقنيات الناشئة لتتجاوز 76 %

أعلنت هيئة الحكومة الرقمية السعودية تقرير «مؤشر جاهزية تبنّي التقنيات الناشئة»، الذي يؤكد التطور المتسارع في جاهزية الجهات الحكومية لتبنّي التقنيات الناشئة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا يرى معظم الطلاب أن التقنيات المتطورة والذكاء الاصطناعي يقدمان دعماً حقيقياً للإبداع وتدوين الملاحظات والتلخيص وتوليد الأفكار (شاترستوك)

دراسة من «لينوفو»: 98 % من طلاب الجيل زد يستخدمون الذكاء الاصطناعي مسانداً يومياً

دراسة «لينوفو» تكشف اعتماد طلاب الجيل زد على الأجهزة اللوحية، والذكاء الاصطناعي للدراسة، والإبداع، والتنظيم اليومي مع أولوية للأمان، والاستدامة.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
خاص مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)

خاص مراكز البيانات المدارية... هل تخفف اختناق الذكاء الاصطناعي أم تبقى حلاً متخصصاً؟

تبرز مراكز البيانات المدارية كخيار ناشئ لتخفيف اختناقات طاقة الذكاء الاصطناعي، لكنها تبدو أقرب إلى حل متخصص، لا بديل شامل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
تكنولوجيا إطلاق «إيمجز 2.0»: صور أدق ودعم أفضل للعربية (أ.ب)

«أوبن إيه آي» تطلق نموذجها الجديد لتوليد الصور «Images 2.0»

أعلنت شركة «أوبن إيه آي» (OpenAI) عن إطلاق نموذجها الجديد لتوليد الصور تحت اسم «Images 2.0».

عبد العزيز الرشيد (الرياض)

زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
TT

زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)

تتصاعد وتيرة التحولات داخل كبرى شركات التكنولوجيا العالمية مع احتدام المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يدفع هذه الشركات إلى إعادة هيكلة مواردها البشرية والمالية بشكل جذري. وتبرز شركة «ميتا» في مقدمة هذا التوجه، إذ تسعى إلى موازنة استثماراتها الضخمة في التقنيات المستقبلية عبر إجراءات تقشفية تشمل تقليص عدد الموظفين.

وتعمل «ميتا»، المملوكة لمارك زوكربيرغ، على خفض آلاف الوظائف بهدف «تعويض» التكاليف الباهظة لاستثماراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، التي بلغت مليارات الدولارات، حسب ما أوردته صحيفة «التليغراف».

وكانت الشركة، المالكة لمنصات «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام»، قد أعلنت يوم الخميس عن خطط لخفض نحو 10 في المائة من قوتها العاملة، في خطوة تهدف إلى تمويل توسعها الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ومن المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى تسريح نحو 8 آلاف موظف خلال الشهر المقبل، إضافة إلى إلغاء خطط سابقة لتوظيف ما يقارب 6 آلاف موظف جديد.

وفي مذكرة داخلية وُزّعت على موظفي الشركة واطلعت عليها وكالة «بلومبيرغ»، أوضح مسؤولون تنفيذيون أن هذه الإجراءات تأتي «في إطار الجهود المستمرة لإدارة الشركة بكفاءة أعلى، وتعويض تكاليف الاستثمارات الأخرى التي نقوم بها».

وفي الوقت ذاته، حذّرت «ميتا» مستثمريها من أن إنفاقها قد يصل إلى 169 مليار دولار (125 مليار جنيه استرليني) خلال العام الجاري، في إطار سعيها للحاق بمنافسيها، مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل»، ضمن سباق محتدم في مجال الذكاء الاصطناعي داخل وادي السيليكون.

وتنفق الشركة مبالغ ضخمة على تطوير مراكز البيانات وتعزيز البنية التحتية اللازمة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، كما عرض زوكربيرغ حوافز مالية كبيرة لاستقطاب الكفاءات، شملت مكافآت توقيع تصل إلى 100 مليون دولار، إلى جانب عقود متعددة السنوات قد تبلغ قيمتها نحو مليار دولار.

وتأتي هذه الخطط بعد سلسلة من عمليات التسريح الجزئية التي نفذتها «ميتا» خلال الأشهر الماضية، شملت قطاعات مختلفة، من بينها قسم مختبرات الواقع الافتراضي، حيث تم الاستغناء عن نحو 10 في المائة من الموظفين، أي ما يعادل نحو 700 عامل. ويُنظر إلى هذه الخطوات على أنها انعكاس لتراجع الرهان السابق لزوكربيرغ على «الميتافيرس» بوصفه مستقبل الشركة.

ويرى محللون أن موجة التسريحات قد لا تتوقف عند هذا الحد، إذ قد تلجأ «ميتا» إلى تقليص المزيد من الوظائف لاحقاً خلال العام، في ظل التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لأتمتة العديد من المهام التي يؤديها الموظفون حالياً.


أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

اتهم البيت الأبيض الصين، اليوم الخميس، بالضلوع في سرقة الملكية الفكرية لمختبرات ذكاء اصطناعي أميركية على نطاق صناعي، وذلك في مذكرة تهدد بتوتر العلاقات قبل قمة مرتقبة بين الزعيمين الأميركي والصيني الشهر المقبل.

وكتب مايكل كراتسيوس، مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض، في مذكرة جرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، وكان لصحيفة «فاينانشال تايمز» ‌السبق في ‌نشرها: «لدى الحكومة الأميركية معلومات تشير إلى ‌أن جهات أجنبية، تتمركز أساساً في الصين، منخرطة في حملات متعمدة وعلى نطاق صناعي لاستخلاص قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة».

وأضاف: «من خلال الاستفادة من عشرات الآلاف من الحسابات الوكيلة لتفادي الرصد، واستخدام تقنيات كسر الحماية لكشف معلومات مملوكة، تقوم هذه الحملات المنسقة باستخراج القدرات بشكل منهجي من نماذج الذكاء الاصطناعي ‌الأميركية، مستغلة الخبرة ‌والابتكار الأميركيين».

وقالت السفارة الصينية في واشنطن، وفقاً لوكالة «رويترز»، إنها تعارض «الادعاءات ‌التي لا أساس لها»، مضيفة أن بكين «تولي أهمية ‌كبيرة لحماية حقوق الملكية الفكرية».

والمذكرة، التي صدرت قبل أسابيع فقط من الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين، تنذر ‌بزيادة التوتر في حرب تكنولوجية ممتدة بين القوتين العظميين المتنافستين، التي هدأت حدتها بفعل انفراجة تحققت أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وتثير المذكرة تساؤلات أيضاً بشأن ما إذا كانت واشنطن ستسمح بشحن رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة التابعة لشركة «إنفيديا» إلى الصين. وأعطت إدارة ترمب الضوء الأخضر لهذه المبيعات في يناير (كانون الثاني)، مع فرض شروط. لكن وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك أشار، أمس الأربعاء، إلى أنه لم تجرِ أي شحنات حتى الآن.

وتقول المذكرة، الموجهة إلى الوكالات الحكومية، إن الإدارة «ستبحث مجموعة من الإجراءات لمساءلة الجهات الأجنبية» التي تقف وراء هذه الحملات.


من لاس فيغاس... «غوغل كلاود نيكست 2026» يرسم المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي المؤسسي

تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)
تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)
TT

من لاس فيغاس... «غوغل كلاود نيكست 2026» يرسم المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي المؤسسي

تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)
تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)

سعت «غوغل كلاود» في مؤتمرها السنوي «Google Cloud Next 2026» الذي حضره أكثر من 30 ألف مشارك، الأربعاء، في مدينة لاس فيغاس الأميركية، إلى تقديم صورة أوسع من مجرد سلسلة إعلانات تقنية جديدة. فمنذ اليوم الأول، بدا أن الشركة تريد وضع الحدث في إطار تحول أكبر في الذكاء الاصطناعي المؤسسي، عنوانه الانتقال من مرحلة الاستخدام التجريبي إلى مرحلة التشغيل الواسع داخل المؤسسات. هذا التحول صاغته «غوغل» تحت مفهوم «المؤسسة الوكيلة»، أي مؤسسة لا يقتصر فيها الذكاء الاصطناعي على المساعدة أو التلخيص، بل يمتد إلى بناء الوكلاء وتشغيلهم وربطهم بالبيانات والأنظمة وسير العمل اليومي.

توماس كوريان الرئيس التنفيذي لـ«غوغل كلاود» خلال كلمته الافتتاحية (غوغل)

حاول توماس كوريان الرئيس التنفيذي لـ«غوغل كلاود» أن يضع هذا الاتجاه في صياغة واضحة، مقدماً الكلمة الافتتاحية بوصفها «خريطة طريق للمؤسسة الوكيلة». وفي المعنى الذي خرج به اليوم الأول، فإن الرسالة لم تكن أن الذكاء الاصطناعي يدخل الشركات بوصفه أداة إضافية، بل إنه يدفعها نحو نموذج تشغيلي جديد، تصبح فيه البنية التحتية والبيانات والحوكمة والأمن وتطبيقات العمل أجزاء مترابطة في طبقة واحدة أكثر اعتماداً على الوكلاء. كما سعى الحدث إلى دعم هذا الطرح بأرقام تعكس الزخم الذي تريد الشركة إبرازه، قائلة إن نحو 75 في المائة من عملاء «غوغل كلاود» يستخدمون منتجاتها للذكاء الاصطناعي، وإن نماذجها الأساسية تعالج أكثر من 16 مليار رمز في الدقيقة عبر الاستخدام المباشر من العملاء.

ركائز التحول المؤسسي

على مستوى الإعلانات نفسها، كان المشهد موزعاً على 4 ركائز رئيسية. الأولى كانت «Gemini Enterprise Agent Platform» التي قدمتها «غوغل» بوصفها منصة لبناء الوكلاء الذكيين وتوسيعهم وحوكمتهم ومراقبتهم داخل المؤسسات. والثانية كانت البنية التحتية، مع الإعلان عن الجيل الثامن من وحدات «TPU» إلى جانب ما تصفه الشركة بمعمارية «AI Hypercomputer». أمّا الركيزة الثالثة فكانت «Agentic Data Cloud» التي تعكس محاولة لإعادة صياغة علاقة الذكاء الاصطناعي ببيانات المؤسسات. وجاءت الرابعة عبر «Agentic Defense» الذي يربط بين الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وحماية التطبيقات والبيئات السحابية. كما أضافت الشركة طبقة رابعة موازية على مستوى الاستخدام اليومي، عبر توسيع دور «Gemini Enterprise» داخل بيئات العمل، وتقديم «Workspace Intelligence» بوصفها طبقة دلالية تربط بين أدوات مثل «جيميل» و«دوكس» و«درايف» و«ميت» و«شات». وباختصار، فإن الحدث لم يُبنَ حول إعلان نموذج جديد فقط، بل حول حزمة تقول إن المرحلة التالية من الذكاء الاصطناعي ستكون معركة تشغيل مؤسسي متكامل.

ركزت إعلانات الحدث على 4 طبقات رئيسية تشمل الوكلاء والبنية التحتية والبيانات والأمن السيبراني (غوغل)

جاهزية الخليج للذكاء المؤسسي

ما يمنح هذا الطرح وزناً أكبر بالنسبة إلى الخليج هو أن المنطقة نفسها باتت معنية بهذه المرحلة من تطور الذكاء الاصطناعي. فالنقاش هنا لم يعد يقتصر على أهمية الذكاء الاصطناعي أو الرغبة في استخدامه، بل يتجه بصورة متزايدة إلى كيفية تشغيله على نطاق أوسع داخل القطاعات الحساسة والمنظمة، مثل التمويل والاتصالات والرعاية الصحية والطاقة والخدمات اللوجستية والقطاع الحكومي. ومن هذه الزاوية، فإن ما قُدم في «نيكست 2026» لا يبدو مجرد إعلانات حدث سنوي، بل يعكس تحولاً أوسع في السوق من التركيز على الوصول إلى النماذج إلى التركيز على الجاهزية المؤسسية لتشغيلها.

وبالنسبة إلى السعودية تحديداً، فإن هذا يبرز اتجاهاً نحو نقاش أكثر ارتباطاً بالجوانب التشغيلية والتطبيقية. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بالبنية الحاسوبية أو الشراكات أو إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي إلى بعض الوظائف، بل أيضاً بكيفية دمج هذه التقنيات داخل الأنظمة والعمليات المؤسسية بصورة فعالة ومنظمة. ويشمل ذلك استخدام الذكاء الاصطناعي في بيئات خاضعة للامتثال، وتوظيفه في عمليات الشبكات والخدمات، والاستفادة من الوكلاء داخل المؤسسات مع الحفاظ على المتابعة والتدقيق والضبط المؤسسي.

المرحلة التالية من الذكاء الاصطناعي ستعتمد على قدرة المؤسسات على تشغيله على نطاق واسع داخل بيئات العمل الفعلية (شاترستوك)

حوكمة البنية الذكية

عندما تتحدث «غوغل» عن منصة لإدارة الوكلاء، أو عن هوية الوكيل، أو عن بوابة للتحكم في تفاعلاته، أو عن أدوات للمراقبة، فإن هذه ليست مجرد تفاصيل تقنية داخل منتج جديد، بل تعكس اتجاهاً أوسع في السوق نحو تشغيل الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات ضمن أطر واضحة وقابلة للمراجعة. وهذه نقطة مهمة لأن إحدى الرسائل الأكثر دلالة في الحدث الذي حضرته «الشرق الأوسط» كانت أن النقاش لم يعد يتمحور فقط حول القدرة على بناء وكيل ذكي، بل حول كيفية إدارة أعداد كبيرة منهم داخل المؤسسة الواحدة. وبالنسبة إلى السعودية والخليج، فإن هذا يبرز أهمية طبقات الحوكمة والمراقبة والهوية، خصوصاً مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحساسة.

والأمر نفسه ينطبق على البنية التحتية. فإعلانات مثل «TPU 8t» و«TPU 8i» و«AI Hypercomputer» لا تكتسب أهميتها فقط من سباق الرقائق أو من التنافس بين مزودي الحوسبة السحابية، بل أيضاً من دلالتها على أن المرحلة المقبلة من الذكاء الاصطناعي ستعتمد على بنية تحتية تدعم التدريب والاستدلال المستمر واسع النطاق. ومن هذه الزاوية، يبرز التركيز على كيفية توظيف هذه البنية في تطبيقات مؤسسية عملية عبر قطاعات متعددة.

تعكس وحدات «TPU» الجديدة التي أعلنتها «غوغل» تركيزاً واضحاً على بنية تحتية تخدم التدريب والاستدلال معاً (غوغل)

البيانات في الصدارة

ثم تأتي البيانات، وهي من العناصر الأساسية في المرحلة المقبلة. فطرح «Agentic Data Cloud» يعكس اتجاهاً متزايداً نحو تعزيز جاهزية البيانات وربطها بشكل أفضل داخل المؤسسات. وبالنسبة إلى السعودية، فإن هذه النقطة تكتسب أهمية خاصة مع تسارع التحول الرقمي في ظل «رؤية 2030» واتساع الحاجة إلى بيئات بيانات أكثر ترابطاً، بما يتيح للذكاء الاصطناعي العمل بسياق أعمال أدق وأكثر فاعلية.

وفي هذا السياق، لا تبدو طبقة الاستخدام اليومي التي تحدثت عنها «غوغل» أقل أهمية من طبقات الرقائق أو المنصات. فعندما توسع الشركة دور «Gemini Enterprise» داخل بيئة العمل، وتقدم «Workspace Intelligence» كطبقة سياقية موحدة عبر البريد والمستندات والاجتماعات والمحادثات والملفات، فهي لا تضيف مزايا إنتاجية فقط، بل ترسم تصوراً لبيئة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي أقرب إلى جزء من التدفق اليومي للعمل، لا أداة منفصلة على الهامش. وهذه النقطة تهم المنطقة أيضاً، لأن نجاح الذكاء الاصطناعي في المؤسسات لن يُقاس فقط بما إذا كانت الإدارات التقنية قادرة على بنائه، بل بما إذا كان يمكن دمجه في العمل الفعلي للموظفين والفرق من دون زيادة التعقيد أو خلق طبقات تشغيلية منفصلة.

أوضح المؤتمر أن نجاح الذكاء الاصطناعي المؤسسي يتطلب حوكمة أوضح وبيانات أكثر ترابطاً وبنية تحتية تدعم الاستدلال المستمر (غوغل)

الأمن في الصميم

أما الأمن، فكان واحداً من أكثر المحاور التي كشفت أن السوق دخلت مرحلة أكثر واقعية. فعبر «Agentic Defense»، سعت «غوغل» إلى ربط الذكاء الاصطناعي مباشرة بالأمن السيبراني، ليس باعتباره طبقة منفصلة، بل جزءاً من المعمارية نفسها. هذه النقطة لها أهمية واضحة في المنطقة، لأن توسع الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات في قطاعات مثل الطاقة والاتصالات والقطاع المالي لا يمكن فصله عن سؤال الثقة والاستمرارية والقدرة على احتواء المخاطر. وكلما توسعت المؤسسات في استخدام الوكلاء وربطتهم ببياناتها وأنظمتها، أصبح الأمن جزءاً من الذكاء الاصطناعي ذاته، لا مجرد إضافة لاحقة إليه.

ومن بين الرسائل المهمة أيضاً في الحدث أن «غوغل» حاولت الجمع بين فكرتين تبدوان متوازيتين. إحداهما تقديم حزمة متكاملة ومحسنة رأسياً من جهة، والأخرى التأكيد على الانفتاح وتعدد النماذج والتكامل مع الشركاء من جهة أخرى. وهذه ليست مجرد نقطة تنافسية بين الشركات الكبرى، بل مسألة عملية للمؤسسات نفسها، خصوصاً في الأسواق التي تسعى إلى الموازنة بين التكامل التقني والمرونة التشغيلية على المدى الطويل. وبالنسبة إلى الخليج، فإن هذا التوازن بين التكامل والانفتاح يبرز كأحد الأسئلة المهمة في المرحلة المقبلة من الذكاء الاصطناعي المؤسسي.

ربما يكون أهم ما كشفه اليوم الأول من «Google Cloud Next 2026» بالنسبة إلى السعودية والخليج ليس منتجاً واحداً بعينه، بل طبيعة التحول الذي يعكسه. فالموجة الأولى من الذكاء الاصطناعي كانت تدور حول إثبات الفائدة. أما الموجة التالية، كما بدت في لاس فيغاس، فتدور حول إثبات الجاهزية. وهذا يعني أن المعركة المقبلة لن تُحسم فقط بمن يملك النموذج الأذكى، بل بمن يملك المؤسسة الأقدر على تشغيله، وضبطه، وتأمينه، وربطه ببياناته وعملياته، وتحويله من تجربة لافتة إلى قدرة يومية يمكن الوثوق بها. ومن هذه الزاوية، فإن الرسالة الأهم القادمة من الحدث ليست تقنية فقط، بل مؤسسية أيضاً: المرحلة المقبلة في الذكاء الاصطناعي في المنطقة ستكون معركة تنفيذ بقدر ما هي معركة ابتكار.