وداعاً «سكايب»... نهاية حقبة تكنولوجية وبداية أخرى

يعكس قرار إيقاف «سكايب» التطور السريع في تقنيات الاتصال والتحول نحو الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)
يعكس قرار إيقاف «سكايب» التطور السريع في تقنيات الاتصال والتحول نحو الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)
TT

وداعاً «سكايب»... نهاية حقبة تكنولوجية وبداية أخرى

يعكس قرار إيقاف «سكايب» التطور السريع في تقنيات الاتصال والتحول نحو الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)
يعكس قرار إيقاف «سكايب» التطور السريع في تقنيات الاتصال والتحول نحو الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)

في خطوة تمثل نهاية حقبة من تاريخ الاتصالات الرقمية، أعلنت «مايكروسوفت» أنها ستتوقف رسمياً عن دعم «سكايب» بحلول 5 مايو (أيار) 2025. كان «سكايب» في يوم من الأيام المنصة الرائدة في مكالمات الفيديو والتواصل عبر الإنترنت، حيث أصبح اسماً مرادفاً للاجتماعات الافتراضية قبل ظهور تطبيقات مثل «زووم» و«مايكروسوفت تيمز» ومنافسين آخرين. يعكس هذا القرار التطور السريع في تقنيات الاتصال، بالإضافة إلى تحول استراتيجيات الشركات الكبرى نحو الذكاء الاصطناعي والمنصات الموجهة للأعمال.

بداية «سكايب»

تأسس «سكايب» عام 2003 على يد رجل الأعمال السويدي نيكلاس زينشتروم والمبرمج الدنماركي يانوس فريس، بمساهمة من المهندسين الإستونيين آهيت هينلا، وبريت كاسيسالو، ويان تالين. في وقت كانت فيه المكالمات الدولية باهظة الثمن وكانت خدمات الاتصال عبر الإنترنت لا تزال في بداياتها، قدم «سكايب» حلاً مبتكراً يتمثل في المكالمات الصوتية والمرئية المجانية عبر الإنترنت.

سرعان ما أصبح التطبيق شائعاً بسبب سهولة استخدامه وقدرته على ربط الناس من جميع أنحاء العالم مجاناً. وكان له تأثير كبير في البلدان التي كانت فيها الاتصالات الدولية مكلفة أو مقيدة. سواء كانت عائلات تفصلها القارات، أو شركات تعمل عن بُعد، أو حتى رواد العمل الحر، أصبح «سكايب» الجسر الذي جعل العالم أصغر.

وخلال عامين فقط من إطلاقه، تجاوز عدد مستخدمي «سكايب» 50 مليون شخص؛ ما أكد أن الاتصال عبر الإنترنت لديه إمكانات هائلة. وفي عام 2005، استحوذت شركة «eBay» على «سكايب» مقابل 2.6 مليار دولار، إدراكاً منها لإمكاناته الثورية في قطاع الاتصالات. ومع ذلك، لم تحقق الصفقة النجاح المتوقع؛ ما أدى إلى بيعه لاحقاً لمجموعة من المستثمرين، حتى استحوذت عليه «مايكروسوفت» في 2011 مقابل 8.5 مليار دولار.

في ذلك الوقت، كانت «مايكروسوفت» تخطط لدمج «سكايب» عبر نظام «ويندوز»، و«إكس بوكس»، والتطبيقات الخاصة بالأعمال. لكن بحلول تلك الفترة، كان عالم الاتصالات قد بدأ يتغير، وظهرت منافسة قوية تهدد هيمنة «سكايب».

استحوذت «eBay» على «سكايب» في عام 2005 وبيع لاحقاً لمستثمرين حتى استحوذت عليه «مايكروسوفت» في 2011 (د.ب.أ)

العصر الذهبي لـ«سكايب»

خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وحتى أوائل 2010، كان «سكايب» هو الخيار الأول للمكالمات المرئية، والمكالمات الصوتية، والمحادثات الفورية. وكان بمثابة شريان حياة لملايين المستخدمين حول العالم، من الأُسر إلى الشركات، وحتى الصحافيين الذين يعتمدون عليه في نقل الأخبار من مناطق النزاع.

وقد ساهم «سكايب» في انتشار ثقافة العمل عن بُعد والعمل الحر قبل أن يصبح شائعاً كما هو اليوم. كما لعب دوراً كبيراً في صناعة المحتوى، حيث كان الأداة الأساسية لإجراء المقابلات الافتراضية للبرامج والبودكاست والمؤتمرات الصحافية. وفي ذروة شعبيته، بلغ عدد مستخدمي «سكايب» أكثر من 300 مليون مستخدم نشط شهرياً؛ ما جعله أحد أكثر منصات الاتصال استخداماً عالمياً.

صعود المنافسين وتراجع «سكايب»

على الرغم من نجاحه، بدأ «سكايب» في التراجع تدريجياً بحلول منتصف عام 2010، حيث ظهرت تطبيقات مثل «واتساب» و«فيسبوك ماسنجر» و«فيس تايم» و«زووم»و«مايكروسوفت تيمز»، وغيرهم.

يُعزى سبب تراجعه إلى عوامل عدة، منها ظهور تطبيقات تركز على الهواتف الذكية. كان «سكايب» مصمماً في الأصل لأجهزة الكمبيوتر، في حين أن التطبيقات الجديدة مثل «واتساب» و«فيس تايم» جعلت مكالمات الفيديو جزءاً من المحادثات اليومية عبر الهاتف. هناك أيضاً مشاكل الأداء وتجربة المستخدم. فمع مرور الوقت، أصبح «سكايب» تطبيقاً ثقيلاً ومليئاً بالمشاكل التقنية؛ ما دفع المستخدمين إلى التوجه نحو تطبيقات أكثر سلاسة وسرعة، مثل «زووم» و«غوغل ميت».

ومع ازدياد العمل عن بعد، أصبحت الشركات تعتمد على «مايكروسوفت تيمز» الذي قدم مزايا متقدمة تناسب بيئات العمل. وبدلاً من تطوير «سكايب»، بدأت «مايكروسوفت» بتوجيه استثماراتها نحو «تيمز» كونه أكثر تكاملاً مع مجموعة تطبيقات «أوفيس 365». وكان اندلاع جائحة كورونا في 2020 بمثابة الضربة القاضية، حيث أصبحت «زووم» المنصة الأكثر استخداماً لمكالمات الفيديو، بينما اتجهت الشركات والمؤسسات إلى «مايكروسوفت تيمز»؛ ما جعل «سكايب» خارج المنافسة تماماً.

إيقاف «سكايب» يعدّ نهايةً لفصل مهم في تاريخ التكنولوجيا ويعكس التحولات في بيئة العمل الرقمية الحديثة (أ.ب)

ماذا يعني إيقاف «سكايب»؟

أعلنت «مايكروسوفت» أن خدمة «سكايب» ستتوقف تماماً في 5 مايو 2025، وسيتم توجيه المستخدمين إلى الانتقال إلى «مايكروسوفت تيمز». بينما يعزز هذا القرار تركيز الشركة على تطبيق واحد، إلا أنه يمثل نهاية أحد أكثر البرامج شهرة في تاريخ التكنولوجيا.

بالنسبة للكثيرين، يعدّ إنهاء «سكايب» لحظة مليئة بالحنين، فهو كان أول تجربة للكثيرين في مكالمات الفيديو والتواصل الفوري عبر الإنترنت. لعب «سكايب» دوراً مهماً في ربط العالم وساهم في الثورة الرقمية التي نعيشها اليوم. أما بالنسبة لـ«مايكروسوفت»، فهذا القرار يتيح لها التركيز على منتجات أكثر تكاملاً وتناسب بيئات العمل الحديثة، مثل «تيمز» الذي يقدم مزايا أفضل للمؤسسات والشركات.

نهاية فصل وبداية آخر

إيقاف «سكايب» ليس مجرد إنهاء خدمة، بل دليل على مدى سرعة تطور التكنولوجيا. التطبيق الذي كان يوماً أداة لا غنى عنها، أصبح الآن جزءاً من التاريخ، مثلما اختفت تطبيقات أخرى مثل «ياهو ماسنجر» و«MSN ماسنجر» و«AOL إنستانت ماسنجر». ومع دخولنا عصر الذكاء الاصطناعي والمحادثات المدعومة بتقنيات التعلم الآلي والاجتماعات الافتراضية المتقدمة، سيظل «سكايب» محفوراً في ذاكرة الإنترنت بصفته واحداً من أهم الأدوات التي غيرت طريقة تواصل العالم، مكالمةً بعد أخرى.


مقالات ذات صلة

بعد تراجع حضورها... «مايكروسوفت» تغلق «سكايب» في مايو المقبل

تكنولوجيا شعار «سكايب» معروض على جهاز لوحي (أ.ف.ب)

بعد تراجع حضورها... «مايكروسوفت» تغلق «سكايب» في مايو المقبل

أعلنت شركة «مايكروسوفت» في رسالة عبر «إكس»، اليوم (الجمعة)، عزمها إغلاق منصة «سكايب» التي كانت رائدة في خدمات الاتصالات عبر الإنترنت.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق «سكايب» يلغي خصائص مستوحاة من «سنابشات»

«سكايب» يلغي خصائص مستوحاة من «سنابشات»

أعلنت شركة «مايكروسوفت» الأميركية العملاقة أنها ستلغي عدداً من الخصائص المستوحاة من تطبيق «سنابشات» كانت قد أضافتها منذ فترة إلى خدمة «سكايب» الخاصة بها. وأشارت الشركة إلى أن تحديثها الجديد هذا يأتي استجابة لانتقادات كثير من المستخدمين الذين لم يعجبوا بإضافة تطبيق «سكايب» خصائص تشبه تلك الموجودة في «سنابشات». وأكدت الشركة أنها ستتخلص من خاصية «هايلايتس»؛ أي تسليط الضوء على المحتوى، لجعل المنصة «أكثر بساطة». وقامت «مايكروسوفت» بزيادة عدة خصائص مشابهة لتلك التي نجدها في «سنابشات» العام الماضي على «سكايب»؛ منها خاصية الـ«هايلايتس»، لكنها لمست أن المستخدمين لم يعجبوا بهذه المميزات، بل وجدوا أن الت

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ميزات جديدة في «خرائط غوغل» تحول التطبيق إلى مساعد ذكي للتنقل

الذكاء الاصطناعي يحلل التقييمات والصور لاقتراح أماكن «مدونة غوغل»
الذكاء الاصطناعي يحلل التقييمات والصور لاقتراح أماكن «مدونة غوغل»
TT

ميزات جديدة في «خرائط غوغل» تحول التطبيق إلى مساعد ذكي للتنقل

الذكاء الاصطناعي يحلل التقييمات والصور لاقتراح أماكن «مدونة غوغل»
الذكاء الاصطناعي يحلل التقييمات والصور لاقتراح أماكن «مدونة غوغل»

تشهد خدمات الخرائط الرقمية تحولاً متسارعاً مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى صلب تجربة المستخدم، في خطوة تسعى من خلالها الشركات التقنية إلى إعادة تعريف مفهوم الملاحة التقليدية.

وفي هذا السياق، أعلنت «غوغل» عن مجموعة من المزايا الجديدة ضمن تطبيق «خرائط غوغل»، تهدف إلى جعل التخطيط للرحلات والتنقل داخل المدن أكثر تفاعلاً وذكاءً.

تتمثل أبرز هذه الإضافات في ميزة جديدة تحمل اسم «Ask Maps»، وهي أداة تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتمكين المستخدمين من طرح أسئلة طبيعية ومباشرة داخل التطبيق، بدلاً من الاكتفاء بعمليات البحث التقليدية.

وبفضل هذه الميزة، يمكن للمستخدم الاستفسار عن أفضل الأماكن المناسبة لنشاط معين، مثل المقاهي الهادئة للعمل أو المطاعم المناسبة للقاءات العائلية، ليقوم النظام بتحليل كمّ كبير من البيانات المتاحة، بما في ذلك تقييمات المستخدمين والصور والمراجعات، ومن ثم تقديم اقتراحات دقيقة ومفصلة.

تعتمد هذه التقنية على نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة التي طورتها «غوغل»، ما يسمح بتحويل تطبيق الخرائط من مجرد أداة لتحديد المواقع إلى مساعد رقمي قادر على فهم السياق وتقديم توصيات مخصصة لكل مستخدم.

إلى جانب ذلك، كشفت الشركة عن تطويرات جديدة في ميزة «الملاحة الغامرة» (Immersive Navigation)، التي تُقدم تجربة عرض ثلاثية الأبعاد أكثر واقعية لمسارات التنقل.

وتتيح هذه الميزة للمستخدم استعراض الطريق بشكل تفصيلي قبل بدء الرحلة، مع عرض المباني والطرق والمعالم المحيطة بدقة بصرية عالية، فضلاً عن توضيح المسارات والانعطافات ومداخل الوجهات المختلفة، بما يُسهم في تقليل الأخطاء أثناء القيادة أو الوصول إلى المواقع المزدحمة.

وحسب ما أعلنته الشركة، فقد بدأت هذه المزايا الوصول تدريجياً إلى المستخدمين؛ حيث تم إطلاقها أولاً في الولايات المتحدة، مع بدء توفرها كذلك في الهند على الهواتف الذكية العاملة بنظامي «آندرويد» و«آي أو إس».

ومن المتوقع أن تتوسع هذه الخصائص لاحقاً إلى أسواق إضافية حول العالم خلال الفترة المقبلة، ضمن خطة تدريجية لتعميمها على نطاق أوسع.


دراسة صادمة: 8 من كل 10 روبوتات ذكاء اصطناعي قد تساعد بالتخطيط لهجمات عنيفة

شعار تطبيق «شات جي بي تي» يظهر على شاشة (أ.ف.ب)
شعار تطبيق «شات جي بي تي» يظهر على شاشة (أ.ف.ب)
TT

دراسة صادمة: 8 من كل 10 روبوتات ذكاء اصطناعي قد تساعد بالتخطيط لهجمات عنيفة

شعار تطبيق «شات جي بي تي» يظهر على شاشة (أ.ف.ب)
شعار تطبيق «شات جي بي تي» يظهر على شاشة (أ.ف.ب)

مع الانتشار المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبحت روبوتات الدردشة جزءاً من الحياة اليومية لملايين الأشخاص حول العالم. فهذه الأنظمة تُستخدم للحصول على المعلومات، وطلب النصائح، والإجابة عن الأسئلة المعقدة، بل وحتى لتقديم نوع من الدعم الاجتماعي أو الرفقة. ويعتمد عليها المستخدمون من مختلف الفئات العمرية، بما في ذلك الأطفال والمراهقون.

لكن تقريراً جديداً حذّر من مخاطر محتملة مرتبطة بهذه التقنيات، مشيراً إلى أن بعض روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تقدم معلومات تساعد المستخدمين على التخطيط لأعمال عنف خطيرة، بما في ذلك حوادث إطلاق النار في المدارس، وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وحسب التقرير الصادر عن مركز مكافحة الكراهية الرقمية، فإن ثمانية من كل عشرة روبوتات دردشة تعمل بالذكاء الاصطناعي قد تساعد المستخدمين الشباب في التخطيط لهجمات عنيفة.

ورغم أن هذه الروبوتات يُفترض أن تعمل مصادر للمعلومات أو أدوات تعليمية ووسائل مساعدة يومية، فإن التقرير يشير إلى أن الواقع قد يكون أكثر تعقيداً وخطورة مما يُعتقد.

فقد وجد الباحثون أن ثمانية من أصل عشرة من برامج الدردشة الآلية الرائدة الموجهة للمستهلكين قدمت نوعاً من المساعدة للمستخدمين الذين طلبوا معلومات تتعلق بتنفيذ هجمات عنيفة. وشمل ذلك منصات معروفة مثل «شات جي بي تي» و«ديب سيك».

وجاء في التقرير: «قدمت معظم برامج الدردشة الآلية معلومات عملية للمستخدمين الذين يعبرون عن آيديولوجيات متطرفة، قبل أن تطلب منهم تحديد المواقع والأسلحة التي سيستخدمونها في الهجوم، وذلك في أغلب الردود».

وأشار التقرير إلى أن برنامج «ديب سيك» ذهب إلى أبعد من ذلك، إذ أفاد الباحثون بأنه تمنى للمهاجم المحتمل «إطلاق نار سعيداً وآمناً».

شعار تطبيق «ديب سيك» (رويترز)

وفقاً للمركز، فإن برنامج «كلود إيه آي» التابع لشركة «آنثروبيك» كان المنصة الوحيدة التي «أثبتت» قدرتها على تثبيط المستخدم عن التخطيط للهجمات العنيفة، ما يشير إلى وجود ضوابط أمان فعالة نسبياً، وإن كانت هذه الضوابط - حسب التقرير - لا تُطبّق بشكل مثالي في معظم المنصات الأخرى.

وأضافت المنظمة غير الربحية في تقريرها أن بعض الأنظمة أبدت استعداداً مرتفعاً للغاية للاستجابة لمثل هذه الطلبات.

فعلى سبيل المثال، أظهرت النتائج أن منصتي «Perplexity» و«Meta AI» قدمتا المساعدة للمهاجمين المحتملين في 100 في المائة و97 في المائة من الحالات على التوالي.

يأتي نشر هذا التقرير في أعقاب حادثة إطلاق نار في مدرسة «تومبلر ريدغ» في مقاطعة كولومبيا البريطانية بكندا. وقد أُفيد لاحقاً بأن أحد موظفي شركة «أوبن إيه آي» رصد داخلياً أن المشتبه به في الحادثة استخدم برنامج «شات جي بي تي» بطرق اعتُبرت متوافقة مع التخطيط لأعمال عنف.

وفي تعليقه على النتائج، قال عمران أحمد، رئيس مركز مكافحة الكراهية الرقمية: «قد تساعد برامج الدردشة الآلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والمندمجة الآن في حياتنا اليومية، مطلق النار التالي في مدرسة على التخطيط لهجومه، أو متطرفاً سياسياً على تنسيق عملية اغتيال».

وأضاف: «عندما تُصمم نظاماً يهدف إلى الامتثال لكل طلب، وتحقيق أقصى قدر من التفاعل، وتجنب رفض أي استفسار، فإنه في نهاية المطاف قد يمتثل للأشخاص الخطأ».

وختم بالقول: «ما نشهده هنا ليس مجرد فشل تكنولوجي، بل فشل في تحمل المسؤولية».


أبحاث جديدة لفهم تفكير الذكاء الاصطناعي وفتح «صندوقه الأسود»

تعتمد الطريقة الجديدة على استخراج المفاهيم من داخل النموذج نفسه بدلاً من فرض مفاهيم محددة مسبقاً من قبل الخبراء (أدوبي)
تعتمد الطريقة الجديدة على استخراج المفاهيم من داخل النموذج نفسه بدلاً من فرض مفاهيم محددة مسبقاً من قبل الخبراء (أدوبي)
TT

أبحاث جديدة لفهم تفكير الذكاء الاصطناعي وفتح «صندوقه الأسود»

تعتمد الطريقة الجديدة على استخراج المفاهيم من داخل النموذج نفسه بدلاً من فرض مفاهيم محددة مسبقاً من قبل الخبراء (أدوبي)
تعتمد الطريقة الجديدة على استخراج المفاهيم من داخل النموذج نفسه بدلاً من فرض مفاهيم محددة مسبقاً من قبل الخبراء (أدوبي)

أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر تطوراً كالتعرف إلى الصور وتشخيص الأمراض والمساعدة في اتخاذ قرارات معقدة. لكن رغم هذا التقدم الكبير، لا يزال كثير من نماذج التعلم الآلي المتقدمة يعمل بطريقة توصف غالباً بأنها «صندوق أسود». فهي تقدم تنبؤات دقيقة، لكن الأسباب التي تقود إلى هذه التنبؤات تبقى غير واضحة، حتى بالنسبة للمهندسين الذين طوروا هذه الأنظمة.

ويعمل باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) حالياً على معالجة هذه المشكلة من خلال تطوير طرق تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي على شرح قراراتها. ويهدف هذا العمل إلى جعل نماذج التعلم الآلي ليست دقيقة فحسب، بل أكثر شفافية أيضاً، حيث يتمكن البشر من فهم المنطق الذي يقف وراء التنبؤات التي تقدمها هذه الأنظمة.

تفسير قرارات الذكاء الاصطناعي

تزداد أهمية قدرة الذكاء الاصطناعي على تفسير قراراته مع توسع استخدام هذه التقنيات في مجالات حساسة، مثل الرعاية الصحية والنقل والبحث العلمي. ففي هذه المجالات، يحتاج المستخدمون غالباً إلى فهم العوامل التي أدّت إلى نتيجة معينة، قبل أن يتمكنوا من الوثوق بها أو الاعتماد عليها.

فعلى سبيل المثال، قد يرغب طبيب يراجع تشخيصاً طبياً قدّمه نظام ذكاء اصطناعي في معرفة الخصائص التي دفعت النموذج إلى الاشتباه بوجود مرض معين. وبالمثل، يحتاج المهندسون الذين يعملون على تطوير السيارات ذاتية القيادة إلى فهم الإشارات أو الأنماط التي جعلت النظام يحدد وجود مشاة أو يفسر موقفاً مرورياً معيناً.

غير أن كثيراً من نماذج التعلم العميق تعتمد على علاقات رياضية معقدة تشمل آلافاً حتى ملايين من المتغيرات. ورغم أن هذه الأنظمة قادرة على اكتشاف أنماط دقيقة داخل البيانات، فإن الطريقة التي تصل بها إلى قراراتها قد تكون صعبة الفهم بالنسبة للبشر. وقد أصبح هذا النقص في الشفافية أحد أبرز التحديات في مجال الذكاء الاصطناعي الحديث.

ولهذا ظهر مجال بحثي يعرف باسم «الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير»، ويهدف إلى تطوير تقنيات تساعد البشر على فهم كيفية وصول الأنظمة الذكية إلى نتائجها، بما يسمح بتقييم موثوقيتها واكتشاف الأخطاء المحتملة وتعزيز الثقة في الأنظمة المؤتمتة.

تهدف هذه الأبحاث إلى بناء أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر موثوقية ومساءلة من خلال تحقيق توازن بين دقة النماذج وإمكانية تفسيرها (أدوبي)

نهج قائم على المفاهيم

ركّز الباحثون في «MIT » على تحسين تقنية تعرف باسم «نموذج عنق الزجاجة المفاهيمي». ويهدف هذا النهج إلى جعل طريقة تفكير أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر وضوحاً للبشر.

في هذا النموذج، لا ينتقل النظام مباشرة من البيانات الخام إلى النتيجة النهائية. بدلاً من ذلك، يحدد أولاً مجموعة من المفاهيم أو الخصائص التي يمكن للبشر فهمها، ثم يستخدم هذه المفاهيم كأساس لاتخاذ القرار.

فإذا كان النظام، على سبيل المثال، مدرباً على التعرف إلى أنواع الطيور من الصور، فقد يحدد أولاً خصائص بصرية مثل «أجنحة زرقاء» أو «أرجل صفراء». وبعد التعرف إلى هذه السمات، يمكن للنظام أن يصنف الطائر ضمن نوع معين.

وفي مجال التصوير الطبي، قد تشمل هذه المفاهيم مؤشرات بصرية، مثل أنماط معينة في الأنسجة أو أشكال محددة تساعد في اكتشاف الأمراض. ومن خلال ربط التنبؤات بهذه المفاهيم الواضحة، يصبح من الأسهل على المستخدمين فهم الطريقة التي توصل بها النظام إلى نتيجته.

حدود المفاهيم المحددة مسبقاً

ورغم أن استخدام المفاهيم يمكن أن يجعل أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر شفافية، فإن النسخ السابقة من هذا النهج كانت تعتمد إلى حد كبير على مفاهيم يحددها الخبراء مسبقاً. لكن في الواقع، قد لا تعكس هذه المفاهيم دائماً التعقيد الكامل للمهمة التي يؤديها النظام. فقد تكون عامة للغاية أو غير مكتملة أو غير مرتبطة مباشرة بالأنماط التي يستخدمها النموذج فعلياً أثناء اتخاذ القرار. وفي بعض الحالات، قد يؤدي ذلك إلى تقليل دقة النموذج أو تقديم تفسير لا يعكس الطريقة الحقيقية التي يعمل بها.

ولهذا سعى فريق «MIT» إلى تطوير طريقة جديدة تستخرج المفاهيم مباشرة من داخل النموذج نفسه. فبدلاً من فرض أفكار محددة عليه مسبقاً، تحاول هذه التقنية تحديد الأنماط والتمثيلات التي تعلمها النموذج خلال مرحلة التدريب. بعد ذلك، يتم تحويل هذه الأنماط الداخلية إلى مفاهيم يمكن للبشر فهمها واستخدامها لتفسير قرارات النظام.

تزداد أهمية تفسير قرارات الذكاء الاصطناعي مع استخدامه في مجالات حساسة مثل الطب والنقل والبحث العلمي (أدوبي)

ترجمة تفكير الآلة إلى لغة مفهومة

لتحقيق ذلك، جمع الباحثون بين مكونين مختلفين من تقنيات التعلم الآلي. يقوم الأول بتحليل البنية الداخلية للنموذج المدرب لتحديد الخصائص الأكثر أهمية التي يعتمد عليها عند اتخاذ التنبؤات. أما الثاني فيحوّل هذه الخصائص إلى مفاهيم يمكن للبشر تفسيرها. وبمجرد تحديد هذه المفاهيم، يصبح النظام ملزماً بالاعتماد عليها عند إصدار توقعاته. وبهذا تتشكل سلسلة واضحة منطقياً تربط بين البيانات المدخلة والنتيجة النهائية.

ويشبه الباحث الرئيسي أنطونيو دي سانتيس هذا الهدف بمحاولة فهم طريقة تفكير الإنسان. ويقول: «بمعنى ما، نريد أن نكون قادرين على قراءة عقول نماذج الرؤية الحاسوبية هذه. نموذج عنق الزجاجة المفاهيمي هو إحدى الطرق التي تسمح للمستخدمين بفهم ما الذي يفكر فيه النموذج ولماذا اتخذ قراراً معيناً». ويرى الباحثون أن استخدام مفاهيم مستخرجة من المعرفة الداخلية للنموذج يمكن أن ينتج تفسيرات أكثر وضوحاً ودقة مقارنة بالطرق السابقة.

تحقيق التوازن بين الدقة والشفافية

يُعد تحقيق التوازن بين دقة النماذج وإمكانية تفسيرها أحد التحديات الرئيسية في مجال الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير. فالنماذج الأكثر تعقيداً غالباً ما تحقق أفضل النتائج من حيث الدقة، لكنها تكون أيضاً الأصعب في الفهم. يحاول النهج الجديد الذي طوّره باحثو «MIT» معالجة هذه المشكلة من خلال اختيار عدد محدود من المفاهيم الأكثر أهمية لشرح كل تنبؤ. وبهذه الطريقة يركز النظام على الإشارات الأكثر صلة بالقرار بدلاً من الاعتماد على علاقات خفية داخل النموذج. كما يساعد ذلك على تقليل ما يعرف بـ«تسرب المعلومات»، وهي الحالة التي يعتمد فيها النموذج على أنماط في البيانات لا تظهر في التفسير الذي يقدمه.

نحو أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر مساءلة

مع ازدياد اعتماد المؤسسات على أنظمة الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات، من المرجح أن تصبح القدرة على فهم طريقة عمل هذه الأنظمة أكثر أهمية. فالنماذج الأكثر شفافية يمكن أن تساعد الباحثين على اكتشاف التحيزات المحتملة وتحسين موثوقية الأنظمة والتأكد من أنها تعمل كما هو متوقع. ويمثل البحث الذي أجراه فريق «MIT» خطوة في هذا الاتجاه. فمن خلال تمكين نماذج التعلم الآلي من تفسير قراراتها بطريقة أكثر وضوحاً ومعنى، قد يسهم هذا النهج في تقليص الفجوة بين الخوارزميات المعقدة والفهم البشري.