كُتاب مصريون: القصة القصيرة ضحية الإعلام الثقافي ودور النشر التجارية

أرجعوا انحسارها لاضطراب سوق النشر وغياب النقد الجاد

أحمد الخميسي  -  عزة رشاد -  محمد الفخراني  -  رباب كساب
أحمد الخميسي - عزة رشاد - محمد الفخراني - رباب كساب
TT

كُتاب مصريون: القصة القصيرة ضحية الإعلام الثقافي ودور النشر التجارية

أحمد الخميسي  -  عزة رشاد -  محمد الفخراني  -  رباب كساب
أحمد الخميسي - عزة رشاد - محمد الفخراني - رباب كساب

يرى البعض أن القصة القصيرة قد تراجعت في ظل هيمنة الرواية وفنون أخرى على المشهد الأدبي، ويرى آخرون أن هذه أحكام سريعة، أو أن ذلك أمر مؤقت، فكل الأشكال الفنية قد تتراجع في فترات، وتتقدم في فترات أخرى نتيجة عوامل مختلفة، منها المزاج العام في لحظة تاريخية محددة، واعتبارات السوق، والدليل كما يذهب هؤلاء أن القصة القصيرة عادت بقوة، وأصبحت تحقق رواجاً لافتاً في «سوق النشر». فما حقيقة الأمر؟
هنا آراء عدد من كتاب القصة القصيرة المصريين:
- أحمد الخميسي: تقصير الإعلام الثقافي
علينا أن نلاحظ أولاً أن القصة القصيرة شكل فني نشأ وتبلور بعد ظهور الرواية بنحو مائة وخمسين عاماً، ولو كانت الرواية تسد الحاجة التي تسدها القصة القصيرة ما ظهرت القصة القصيرة، إذن نحن إزاء شكل فني يستمد مبررات ظهوره واستمراره من احتياج حقيقي لم تستطع الرواية أن تشبعه. أما عن تراجع الأشكال الفنية في فترات وتقدمها في فترات أخرى، فهذا أمر يرتبط بعوامل كثيرة؛ منها المزاج العام في لحظة تاريخية محددة، واعتبارات السوق التي تحكم حركة الكتب، وغير ذلك؛ في فتراتٍ تراجع المسرح الشعري، ثم عاد، وفي أربعينيات القرن الماضي تراجعت الرواية وبرزت القصة، أما تراجع القصة القصيرة فإنه أمر مؤقت، ولنلحظ أنه في هذا العام تم الاحتفال باليوم العالمي للقصة القصيرة في 14 فبراير (شباط)، ومنذ 6 سنوات فازت آليس مونرو بجائزة نوبل عن القصص القصيرة لأول مرة، كما أن هناك عدة جوائز كبيرة قد ظهرت تحديداً في مجال القصة القصيرة.
إن غياب النقد الجاد عامل من عوامل توسيع الفجوة بين القراء والقصة القصيرة، لكن هناك عوامل أخرى ذات تأثير أقوى، في مقدمتها الصحف التي لم تكن تفسح المجال لذلك النوع الأدبي، كما كان الأمر فيما مضى، ثم اعتبارات سوق الكتب التي اتسعت وصارت تملي على الناشرين الاتجاه إلى الرائج والمطلوب، والأكثر مبيعاً من الأعمال التي تراوح بين الصحافة والأدب، وتغترف من الخرافات والغرائبيات، هناك أيضاً عامل آخر في اعتقادي هو طبيعة المرحلة التاريخية التي تمر بها المنطقة من حيث غموض المستقبل، والضباب الذي يحيط بتصورنا عن مستقبل بلادنا، هذا الضباب يخلق الحاجة إلى الرواية، لأنها كما قد يتصور القارئ قد توفر مساحة أكبر لإجابة أعمق، كما أن للإعلام الثقافي تأثيره الكبير في ترويج أو نبذ القصة القصيرة.
أذكر على سبيل المثال أنه كانت لدينا في مصر مجلة «القصة القصيرة»، وكان يرأس تحريرها محمود تيمور ويديرها فعلياً الكاتب ثروت أباظة، وقد نشرنا فيها قصصنا لأول مرة معا أنا وجمال الغيطاني، الآن ليست لدينا مجلة واحدة في ذلك المجال. إلا أن الجوائز الأدبية التي ظهرت في مجال القصة القصيرة قد بعثت روح التقدير لذلك الشكل السردي، وهذه الجوائز في تقديري في غاية الأهمية، ليس فقط من الناحية المالية، لكن أساساً من ناحية إظهار أن القصة القصيرة جديرة بالاهتمام والرعاية والاحتفاء. وعلى مستوى الإعلام الثقافي هناك تقصير شديد في الانتباه للقصة القصيرة، والصفحات التي تنشر القصة قليلة في وسائل الإعلام المصرية، لكن ذلك لن يمنع أبداً غبار المناقشات والجدل حول الجوائز، لكنها ستظل في غاية الأهمية بالنسبة للكاتب، خصوصاً للقاص الذي يعكف على كتابة القصة القصيرة.
- عزة رشاد: لا أخشى على مستقبل القصة
عندما يُقال تتراجع القصة، يبدأ التساؤل يشاغلني: هل المقصود هو هبوط مستوى القصة كعمل إبداعي؟ أم انكماش جمهور قرائها؟ أم أن تراجع بعض دور النشر عن نشر الكتب القصصية هو القابع وراء هذا التصور؟ والشيء نفسه ينطبق على عودتها لصدارة المشهد، فهناك بشكل عام رواج في سوق صناعة الكتاب، وبالتالي في القراءة، كما كُرست جوائز مهمة للقصة، أي: مال وشهرة وترجمة، وهي تساوي النهوض.
ما أقصده هو أن الرواج لا يعني بالضرورة تطوراً فنياً، فالقصة عالم شديد التنوع، يصعب تصور معايير دقيقة لرواجها أو تراجعها، لأن مريديها يتابعونها على صفحات الجرائد والمجلات قبل أن يذهبوا لاقتناء كتاب قصصي، ويكفي أن تضع اسم كاتبك المفضل على «غوغل» تسبقه كلمة «قصة» حتى تأتيك القصة دون مشقة أو نفقات.
بالطبع يؤثر غلاء الكتب على فرصة الكتاب القصصي في الرواج، وكذلك تؤثر مقولات من قبل «زمن الرواية»، وأيضاً، وهو الأهم سيلان الجوائز ضخمة القيمة المادية الذي يحرض لصالح الرواية وضد القصة، لكن المتميز منها ليس كثيراً جداً، خصوصاً مع التركيز الشديد على تشجيع أحد أنماطها، كالقصة القصيرة جداً على حساب الأنماط الأخرى، بل تنال مثلاً القصة القصيرة الطويلة هجوماً غير مبرر، يبلغ حد انتزاع طابعها القصصي وإلقائها على قارعة الطريق، رغم أن المسافة بين القصة والرواية، أو على الأقل «النوفيلا»، يمكن أن تكون مليئة بالإبداع، فقط لو تحررنا ولو قليلاً من القوالب الجامدة، وهذا الإجحاف مستمر حتى بعد فوز أليس مونرو بجائزة نوبل للآداب (وهي الكاتبة المعروفة بقصصها الطويلة).
لا أخشى قط على مستقبل القصة، ولا حتى من التطور التكنولوجي الخطير الذي نعيشه، فهو استفاد أيما استفادة من القصة، ولا يمكنه التنكر لها، أو سحب البساط من تحت قدميها، فبتأمل البرامج التثقيفية على «يوتيوب» مثلاً تجد سر رواجها هو القصة، فضلاً عن الألعاب الإلكترونية هي أيضاً تُبنى على قصة، فالقالب القصصي هو الأكثر سحراً وقدرة على جذب الانتباه والتركيز. وما أقصده هو أن مساهمة فن القصة تتطور مع متطلبات العصر، وتأخذ أشكالاً جديدة، والتكنولوجيات التي تتفوق على الكتاب الورقي بجاذبية الصورة، تدعم هي نفسها الكتاب بطرق جديدة؛ أحدها مثلاً الكتاب المسموع. وبالنسبة للمؤسسات الرسمية فكل المطلوب منها هو أن تفسح المجال لحرية الإبداع، وإتاحة الفرصة لتطوير الذائقة بمنح الأعمال الأدبية المميزة فرصة للتلقي.
- محمد الفخراني: القصة تتطور
سأنظر إلى فكرة «التراجع» هنا، برؤية فنية بالدرجة الأولى، وبرأيي القصة لم تتراجع فنيّاً في الفترة الأخيرة، كانت تتقدَّم وتتطوَّر، ربما من خلال إصدارات ليست بالكثيرة، لكنها قدَّمَتْ أفكاراً فنية وأسئلة جديدة عن فن القصة، ربما تراجعَتْ القصة في المشهد الإعلامي، والقرائي، في المقابل كانت الرواية، ولا تزال (بدرجة أقل) تتصدر المشهد، لكن، الرواية لم تتقدَّم فنيّاً بما يناسب الأعمال الكثيرة التي تصدر سنويّاً، والمساحة الإعلامية التي تشغلها.
ما بدا أنه تراجع للقصة لم يكن في حقيقته إلا عدداً أقل من الإصدارات القصصية، وعدم اهتمام الكثير من دور النشر، في مقابل الاهتمام بالرواية بعد رصد الكثير من الجوائز لها. لكن ما يهمني بشكل شخصي هنا، أن التراجع الإعلامي للقصة يوازيه تطور فني لها، وطرح لأسئلة جديدة حول هذا الفن ربما يُعاد النظر إلى هذه الأعمال، ورؤية أكثر تمهلاً وتفصيلاً لها بعد أن تحصل القصة على مساحة أكثر تستحقها. فأنْ تعود القصة لتحتل مساحة أكبر، هذا شيء لا يُفاجئني وطبيعي جداً لهذا الفن الرائع أن يصعد، برأيي الأمر لا يتعلق بالدرجة الأولى برصد جائزة له، وإنما كان من الطبيعي بعد أن حصلت الرواية على هذه المساحة على حساب القصة، لكنها في الوقت نفسه تُكرِّر موضوعات الكتابة نفسها، حتى ربما يمكن حصرها في خمس أو ست أفكار (رغم وجود بعض أعمال روائية تحمل موضوعات وأفكاراً خارج السياق التقليدي العام)، هنا كانت فرصة للقصة أن تُقدِّم أفكارها الجديدة، أو حتى أن يبدأ القارئ في البحث عن أفكار وموضوعات جديدة، وابتكارات فنية غير مُكرَّرَة، ثم يأتي دور جائزة تزيد من فرص اهتمام دور النشر بالقصة، وتجعل بعض الكُتَّاب يُفسحون مجالاً أكبر لها ضمن مشروعهم الأدبي، ربما يحدث أن يقوم كاتب بالعمل على فكرة مجموعة قصصية في وقت أقرب، بدلاً من تأجيلها لصالح رواية.
وحتى الآن، وبسبب قلة الجوائز المخصصة للقصة، لا أتوقع أن يظهر تأثير سلبي عليها خلال فترة قريبة، في الوقت نفسه هناك تأثير سلبي واضح للجوائز على الرواية، رغم أن العكس من المُفْترَض أن يحدث، برأيي المسؤول عن هذا في النهاية هم الكُتّاب، لا الجوائز (الجائزة لا تكتب، الكاتب هو مَنْ يفعل).
ومن المهم أن تلتفت الجوائز الأدبية أكثر إلى الأعمال التي تُقدِّم أسئلة وأفكاراً جديدة عن الكتابة، وهنا أتساءل عن جدوى تكرار أفكار عَمَّا يسمى انهزام المواطن العربي وانكساره، وكأن لا شيء نُقدِّمه لتراث الكتابة وطموحها الفني والفكري غير حكايات عن ماضٍ وحاضر ومستقبل مهزوم، وإنسان منكسر، حتى الانتصارات الإنسانية الصغيرة يتم تقديمها في صورة هزائم، هل هذا ما تحتاج إليه الكتابة؟ هل يضيف إليها شيئاً؟
- رباب كساب: دور النشر التجارية
في السنوات الماضية تصدرت الرواية بشكل كبير المشهد بعد الإعلان أنه زمن الرواية، وكأن تلك الجملة كانت السبب الأقوى في أن تتراجع القصة، ويغلق الناشرون الأبواب في وجه كتابها، وأصبح من النادر أن تجد ناشراً مغامراً ينشر مجموعة قصصية في زمن الرواية، فبات الأمر تجارياً أكثر من أي شيء آخر، لكن الذي أعرفه جيداً أنه لم يكف كتاب القصة عن كتابتها. وأعتقد أن العودة للقصة ليس لتراجع الرواية، وإنما لليقين بأن المساحة تسمح لكل الفنون، وأن القصة ابنة احتياج واقعي وفني معاً.
بالنسبة لي لم أكف عن كتابة القصة، حتى وأنا متعلقة بأطراف شخوص رواياتي، كانت تأتي حالتها وتسيطر وتأخذني حتى من عالم الرواية الذي أحبه وأعشقه، ولا أعتقد أن أحداً يكتب القصة كفّ عن كتابتها، أما عن القراء، فيصعب تحديد ذلك، فللقصص القصيرة ميزة نشرها على مواقع الإنترنت المختلفة، ومواقع التواصل، فتصل لأكبر عدد من القراء قد نعجز عن إحصائهم، عكس الرواية التي تؤخذ كعمل كامل، أما المجموعات فقصصها يمكن فصلها، فتنشر قصة هنا، وأخرى هناك، وأظن أنها تلائم كثيراً مواقع الإنترنت المختلفة بمختلف توجهاتها، كما أن القصة القصيرة على الرغم من قصرها وتكثيفها إلا أنها تقترب من الشباب ومن معطيات عصرهم السريع.



بطل بارالمبي قد يصبح أول رائد فضاء ذي إعاقة يعيش في المدار

أحياناً تبدأ الرحلات الكبرى من خسارة شخصية (وكالة الفضاء الأوروبية)
أحياناً تبدأ الرحلات الكبرى من خسارة شخصية (وكالة الفضاء الأوروبية)
TT

بطل بارالمبي قد يصبح أول رائد فضاء ذي إعاقة يعيش في المدار

أحياناً تبدأ الرحلات الكبرى من خسارة شخصية (وكالة الفضاء الأوروبية)
أحياناً تبدأ الرحلات الكبرى من خسارة شخصية (وكالة الفضاء الأوروبية)

قد يصبح جراح وبطل بارالمبي بريطاني أول شخص ذي إعاقة جسدية يعيش في المدار، وذلك بعدما وقَّعت الحكومة البريطانية اتفاقية مع شركة أميركية تعمل على بناء محطة فضاء تجارية صغيرة.

وذكرت «الغارديان» أنّ جون ماكفال، وهو عضو في «احتياطي» رواد الفضاء التابع لوكالة الفضاء الأوروبية (إيسا)، نال الموافقة للقيام بأنشطة في المدار العام الماضي، ويمكنه المشاركة في مهمة إلى محطة الفضاء «هافن-1» في وقت قريب يعقب إطلاقها المقترح في عام 2027.

وتمرُّ شركة «فاست»، وهي شركة ناشئة مقرها كاليفورنيا، بمراحل متقدمة من بناء المحطة «هافن-1» التي يقلّ حجمها قليلاً عن حجم حافلة ذات طبقة واحدة. وستتسع المحطة لما يصل إلى 4 رواد فضاء، وتتميّز بتصميم داخلي من قشرة خشب القيقب، ونافذة مقببة لمراقبة الأرض، ومختبر لبحوث شبه انعدام الجاذبية.

وقال ماكفال من مركز رواد الفضاء الأوروبي التابع لوكالة «إيسا» في ألمانيا: «إنها فرصة مثيرة». وستركز المهمّة التي تستغرق أسبوعين على كيفية تأثير بيئة الفضاء على جسده، وأيضاً على تأثيراتها في الأطراف الاصطناعية الحديثة، والتي غالباً ما تعتمد على أجهزة استشعار ومعالجات دقيقة لتعمل بشكل صحيح.

ويمكن لبحوث ماكفال أن تعود بالنفع على الأشخاص ذوي الإعاقة على نطاق أوسع من خلال دفع عجلة التصاميم نحو أطراف اصطناعية أخفّ وزناً وأكثر قدرة على التكيف. كما يمكنها أن تُعمّق فهم حالات مثل هشاشة العظام وضمور العضلات، وتمهّد الطريق لبرامج إعادة تأهيل أفضل لمبتوري الأطراف.

وإلى جانب الأهداف العلمية، قال ماكفال إنّ المهمّة ستتحدَّى التصوّرات المسبقة حول الوظائف التي يمكن للأشخاص ذوي الإعاقة إنجازها. وأضاف: «نحن نقول إنه لا بأس بأن يكون الأشخاص ذوو الإعاقة رواد فضاء. لقد أثبتنا أن هذا ممكن، وأننا منفتحون بما يكفي لمنح الناس الفرص للقيام بذلك والاعتراف بأنهم قادرون على السواء».

وتقضي مذكرة التفاهم بأن تدعم وكالة الفضاء البريطانية شركة «فاست» لتأمين الرعاية اللازمة لتمويل رحلة ماكفال الجوّية. وسيسافر هو ورواد فضاء آخرون إلى محطة «هافن-1» داخل كبسولة «كريو دراغون» التابعة لشركة «سبيس إكس» على متن صاروخ «فالكون 9». وثمة خيار آخر أمام ماكفال، وهو القيام بمهمة خاصة مع شركة «فاست» إلى محطة الفضاء الدولية العام المقبل.

وكان ماكفال، البالغ 45 عاماً، من مقاطعة هامبشاير، قد فقد ساقه اليمنى في حادث دراجة نارية في الـ19 من عمره. وبعد مغادرته المستشفى، انغمس في الرياضة وفاز بالميدالية البرونزية في سباق 100 متر في دورة الألعاب البارالمبية في بكين عام 2008. وتأهَّل لاحقاً للعمل جرّاحَ عظام في هيئة الخدمات الصحية الوطنية. وعام 2025، اختير للمشاركة في مشروع «فلاي!» التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، والذي يدرس ما إذا كان بإمكان رواد الفضاء ذوي الإعاقة الجسدية المشاركة في مهمّات طويلة الأمد إلى محطة الفضاء الدولية.

وقال ماكفال: «على المستوى الشخصي، يتعلّق الأمر بالتحدّي والمغامرة والفضول. إنه يروي ظمأي للمعرفة والعلم. وهناك أيضاً جانب من الجنون في الأمر: حقيقة أن لدينا القدرة على إرسال بشر إلى الفضاء. وأن أكون جزءاً من هذا التاريخ لهو أمر مذهل».

وتابع: «أريد أن أكون رائد فضاء جيداً، وأريد أن أؤدي عملي على أكمل وجه؛ فهذه هي أولويتي. لا أريد أن يكون الأمر دعاية إعلامية، ولا أريد أن يكون تجربة عابرة. أنا سعيد بأن أكون رائداً وأقوم بشيء جديد، ولكن أولاً وقبل كل شيء، أريد أن أؤدّي عملاً جيداً، وأريد أن يكون ذا قيمة لاستكشاف الفضاء وللمجتمع على الأرض».

وإذا ما كُتب لرحلة ماكفال الجوية أن تمضي قُدماً، فسيصبح أول بريطاني يرتاد الفضاء منذ المدّة ما بين عامَي 2015 و2016، عندما قضى تيم بيك 6 أشهر على متن محطة الفضاء الدولية بكونها جزءاً من مهمّة «برينسيبيا» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية. وقال بيك: «إن جون ماكفال يمثّل مصدر إلهام، ليس لمجتمع الفضاء فحسب، وإنما لكلّ شخص قيل له ذات يوم إن هناك حدوداً لما يُمكنه تحقيقه. إن هذه الاتفاقية تعدّ لحظة فارقة في تاريخ رحلات الفضاء البشرية الشاملة للجميع».


الحَمام الزاجل يستعين بـ«بوصلة» داخل كبده

الحمام الذي يعود يحمل الطريق في داخله (ماكس بلانك)
الحمام الذي يعود يحمل الطريق في داخله (ماكس بلانك)
TT

الحَمام الزاجل يستعين بـ«بوصلة» داخل كبده

الحمام الذي يعود يحمل الطريق في داخله (ماكس بلانك)
الحمام الذي يعود يحمل الطريق في داخله (ماكس بلانك)

كشفت دراسة جديدة عن أنّ الحمام الزاجل يَدين بقدرته المذهلة على قطع مسافات طويلة ليس لعينيه أو دماغه أو منقاره، وإنما لخلايا خاصة في كبده.

ولطالما حيَّرت العلماء قدرة الحمام على السفر لمئات الأميال والعثور على طريقه للعودة إلى موطنه. إذ اقترحت نظريات سابقة أنّ هذه الطيور يمكنها استشعار الحقول المغناطيسية للأرض من خلال جزيئات حساسة للضوء في عيونها، أو جزيئات مغناطيسية دقيقة في مناقيرها.

لكن أياً من النظريتين لم يحظَ بتأكيد تجريبي قوي، رغم عقود من البحث.

والآن، كشفت دراسة جديدة عن أنّ الإجابة قد تكمن في مكان غير متوقع، وهو الكبد. إذ وجد العلماء أنّ الحمام الزاجل قد يستخدم خلايا مناعية متخصّصة في كبده وطحاله لاستشعار الحقل المغناطيسي للأرض، ممّا يوفر له نظام ملاحة داخلياً.

وتبيّن أن هذه الخلايا المناعية، التي تسمى «الخلايا البلعمية»، تُراكم الحديد خلال تفكيك خلايا الدم الحمراء الهرمة.

ووفقاً للدراسة التي نقلتها «الإندبندنت» عن مجلة «ساينس»، فإنّ الحديد المتراكم يمنح هذه الخلايا المناعية خصائص مغناطيسية فريدة، بما في ذلك القدرة على الاستجابة للحقل المغناطيسي للأرض.

ووجد الباحثون أنه عند إزالة الخلايا البلعمية، واجَه الحمام صعوبة في العثور على طريقه إلى موطنه، مما يشير إلى دورها الذي لم يكن معروفاً من قبل في عملية الملاحة.

وقال المدير في معهد «ماكس بلانك لسلوك الحيوان» في ألمانيا، مارتن ويكلسكي: «إن ما يبدو أنه حدس باطني في ملاحة الطيور قد يكون له في الواقع أساس مادي».

وأضاف: «إذا كانت الخلايا المناعية جزءاً من كيفية استشعار الطيور للاتجاه، فإن ذلك سيغيّر جذرياً كيفية فهمنا للملاحة».

ورغم أنّ العلماء يعرفون منذ مدّة طويلة أنّ الطيور المهاجرة والحمام الزاجل تستخدم الحقل المغناطيسي للأرض أداةَ للملاحة، فإنّ كيفية استشعار الحيوانات لهذا الحقل تحديداً ظلَّت أحد أكبر الأسرار في علم الأحياء.

ووجدت هذه الدراسة أنّ الكبد والطحال يمكن أن يلعبا دوراً رئيسياً في الملاحة من خلال دمج الخبرات من علم المناعة والفيزياء وسلوك الحيوان.

وفيها، فحص العلماء أعضاء متعدّدة للحمام الزاجل ارتبطت سابقاً بالقدرة على استشعار الحقول المغناطيسية، بما فيها العيون والمنقار والدماغ.

وقالت كليفيا ليسوفسكي، وهي مؤلِّفة أخرى للدراسة: «كانت لدينا بعض المؤشّرات على أنّ الكبد والطحال يتمتعان بخصائص مغناطيسية، لأنهما يفككان خلايا الدم الحمراء وبالتالي يخزنان كميات كبيرة من الحديد في الجسم».

ومن بين جميع الأنسجة والأعضاء التي حُلِّلت، احتوى الكبد على أعلى تركيز للحديد وأظهر أقوى استجابة مغناطيسية. وأكدت اختبارات إضافية أنّ الخلايا البلعمية فيه هي المسؤولة عن هذه الخصائص المغناطيسية.

ثم اختبر العلماء ما إذا كانت الخلايا البلعمية تؤثّر فعلياً في الملاحة.

ولذلك، أزالوا الخلايا البلعمية الكبدية من حمام دُرّب على العودة إلى أبراجه من مواقع تبعد أكثر من 20 كيلومتراً في ألمانيا.

ووجد الباحثون أنه في الأيام الغائمة، عندما كانت الشمس محجوبة، فقد الحمام الذي يفتقر إلى الخلايا البلعمية حاسّة الاتجاه لديه وواجه صعوبة في الملاحة والعودة إلى موطنه.

أما في الأيام المشمسة، فقد تمكن من العودة بنجاح، ممّا يشير إلى أن الطيور تستخدم المعلومات المغناطيسية إلى جانب الإشارات الشمسية لتوجيه نفسها خلال الطيران.

وباستخدام الفحص المجهري المتقدِّم، قيَّم العلماء بعد ذلك كيف تنتقل المعلومات من كبد الحمام إلى الدماغ.

ووجدوا أنّ الخلايا البلعمية الغنية بالحديد تقع بالقرب من الألياف العصبية، مما يُلمح إلى مسار محتمل تُنقل من خلاله المعلومات المغناطيسية من الكبد إلى الجهاز العصبي، وفي النهاية إلى الدماغ.

وقالت الدكتورة ليسوفسكي: «تطرح هذه النتائج أول دليل ملموس على كيفية إدراك الحقل المغناطيسي للأرض داخل الجسم وتمريره إلى الدماغ لتوجيه الحركة».


«أحب الزهور كما النجوم» استعادة لأعمال يتجاوز عمرها نصف قرن

في مربّع «الأمير الصغير» يتخيّل تكوين الجنين في رحم زوجته (الشرق الأوسط)
في مربّع «الأمير الصغير» يتخيّل تكوين الجنين في رحم زوجته (الشرق الأوسط)
TT

«أحب الزهور كما النجوم» استعادة لأعمال يتجاوز عمرها نصف قرن

في مربّع «الأمير الصغير» يتخيّل تكوين الجنين في رحم زوجته (الشرق الأوسط)
في مربّع «الأمير الصغير» يتخيّل تكوين الجنين في رحم زوجته (الشرق الأوسط)

يستعيد نبض بيروت الثقافي حيويته تدريجياً، مع عودة النشاطات الفنية إلى المدينة. ويأتي معرض «أحب الزهور كما النجوم» للفنان الراحل عارف الريّس ليُضيء ذاكرة عاصمةٍ قلقة. وهو يتضمّن مجموعة لوحات تغطّي مراحل مختلفة من مسيرته التشكيلية. واختار غاليري «صفير زملر» في وسط بيروت، بالتعاون مع ابنته هالة الريّس، أعمالاً نفّذها بين عامَي 1958 و1980، تروي رحلة فنّية تنقلت بين العتمة والنور، والأزمنة السوداء وتلك الأكثر إشراقاً.

وفي مساحة هادئة تحتضن أكثر من 50 لوحة تتنوّع تقنياتها بين الباستيل والغواش و«الميكسد ميديا»، يخوض زائر «صفير زملر» رحلة فنّية مشبعة بالعاطفة والذاكرة. فابن مدينة عاليه يُعدّ أحد أبرز روّاد الفن التشكيلي الحديث في لبنان، وقد حمل في أعماله هواجس وطنه كما لحظات الأمل التي كانت تنتشله من قلقه الداخلي.

في معرض «أحب الزهور كما النجوم» لمحة عن العمارة المصرية (الشرق الأوسط)

في هذا المعرض الاستعادي، نراه يغوص في أزمنة الحرب والانقسامات الطائفية، قبل أن يُحلّق بالمشاهد فوق سماء لبنان الزرقاء أو يتأمل ملامح تكوين طفلته الوحيدة هالة. وبين هذين العالمين، يفسح المعرض حيّزاً لأعمال مستوحاة من العمارة المصرية القديمة. بينما تحضر طبيعة لبنان في لوحات صغيرة تنبض بجمال ريفه وضياعه، وقد نقلها الريّس إلى القماش المخملي بحسّ شاعري ودفء بصري لافت.

يستقبل الزائر عند مدخل الغاليري أحد أقدم أعماله، يعود إلى عام 1958، وتُصوّر 3 رجال من الطائفة الدرزية بلباسهم التراثي الجبلي. وهي لوحة أنجزها في بدايات مسيرته الفنّية خلال إقامته في بلدته الأم عاليه. وتشرح سيبيللا، إحدى المُشرفات على تنظيم المعرض، أنّ هذه الأعمال منفّذة بتقنية «الغواش»، وتقول: «كان جبل الشوف يومها يعيش توترات وانقسامات بين الطائفتين المسيحية والدرزية. وتكشف هذه الوجوه الثلاثة خصوصية ريشة الريّس في رسم البورتريه، وهي المرحلة التي انطلق منها قبل انتقاله إلى مدارس فنية أخرى».

ومع التقدُّم في الجولة، تطالع الزائر سلسلة لوحات بالأبيض والأسود توثّق أجواء الحرب اللبنانية القاتمة. وقد استُخرجت هذه الرسومات من كتاب «في طريق السلم» المؤلَّف من 75 صفحة، والذي أنجزه الريّس عام 1976 قبل أن يُنشر في السنة التالية. وفيه يُقدّم الفنان صرخة بصرية تختصر قسوة الحرب الأهلية ومآسيها. وتشير سيبيللا إلى أنّ هذه الأعمال «مُنعت من العرض لعام كامل بقرار من الرقابة التابعة للأمن العام اللبناني، قبل أن يُفرج عنها عام 1977».

وتتألَّف هذه المجموعة من مشاهد دمار واقتتال رسمها بقلم الرصاص على الورق الأبيض، لتبدو من بعيد كأنها غيمة سوداء تختصر مرحلة دامية من تاريخ لبنان.

«طريق السلام» بريشة الراحل عارف الريّس (الشرق الأوسط)

كما يُضيء المعرض على تأثُّر عارف الريّس بالمعماري المصري حسن فتحي، الملقَّب بـ«مهندس الفقراء». ويُعدّ أحد أبرز روّاد العمارة في العالم. وقد كرّمه الريّس بعد لقائه به عبر مجموعة لوحات تستلهم الهندسة المعمارية المصرية، فتظهر فيها البيوت الرملية والمساجد الحجرية والقناطر والأدراج والزخارف الفرعونية. قدّمها الفنان بألوان زاهية مثل الزهري والأصفر والأزرق، في أعمال تتوسَّط المعرض وتعكس شغفه بالتفاصيل الدقيقة وجمالية العمارة الشرقية.

وفي لوحات «الوردة» وأعمال أخرى تستحضر طبيعة لبنان، يُقدّم الريّس زهوَ الأرض الجبلية في الربيع كما في مختلف الفصول، في مقاربة بصرية تتقاطع فيها الذاكرة مع الحسّ التأملي. نفّذ بعض هذه اللوحات في عام 1980 مستخدماً تقنية «الميكسد ميديا»، وينقل فيها مشاهداته على الورق والقماش المخملي. وكلما اقترب المشاهد من اللوحة انكشفت طبقات أعمق من تفاصيل الطبيعة اللبنانية وغناها.

وتعكس غزارة الألوان التي يعتمدها ارتباطه العميق بالأرض، رغم تنقّله وإقامته في أكثر من محطة خارجية، بين أفريقيا وباريس والجزائر. ومع كلّ عودة إلى لبنان، كانت هذه العلاقة تتجدَّد وتزداد توتراً أو دفئاً. وكأنّ البلاد نفسها تعيد إشعال جذوة الانتماء في أعماله، فتتحوّل اللوحة إلى مساحة لقاء دائم بين الفنان ووطنه.

طبيعة لبنان بتقنية «الغواش» يرسمها على المخمل (الشرق الأوسط)

عام 1979، عندما علم بحَمْل زوجته بابنته هالة، اتّجه عارف الريّس إلى تأمّل هذا الحدث المُفرح من زاوية داخلية حميمة، محاولاً تحويل التجربة إلى مساحة بصرية نابضة. وانطلق يرسم سلسلة أعمال بتقنية الباستيل، يستحضر فيها مشاعره تجاه فكرة الطفل البكر قبل ولادته، متخيّلاً مراحل تكوّن الجنين داخل الرحم على أنها رحلة فنية تتدرّج من النواة إلى الاكتمال.

وفي مربّع خاص يحمل عنوان «الأمير الصغير» داخل صالة المعرض، تُروى هذه الحكاية بوصفها تجربة وجدانية فريدة، ويقدّم خلالها الريّس تصوّراته عن تشكّل الحياة عبر أشكال دائرية وأخرى عمودية وأفقية، ملوّنة بالأحمر والزهري والأصفر والأخضر، في لغة تشكيلية تمزج بين الرمزية والعاطفة.

وتُعلّق سيبيللا: «يمكننا من خلال هذه الرسوم إدراك طبيعتها الرمزية. الدوائر تجسّد مرحلة الحمل، بينما يعبّر الشكلان العمودي والأفقي عن دور الأب والأم، وكأننا أمام نظام بصري يشرح العلاقة بين الذكر والأنثى. حتى إنه صوَّر اكتمال نمو الجنين عبر أطرافه ووضعياته داخل الرحم، وذلك في قراءة بصرية لتكوّن الحياة قبل الولادة».