«مهرجانات بيت الدين» في عيدها الـ35 تستعيد فناني الاغتراب

غابريل يارد مع ياسمينة حفيدة أسمهان في الافتتاح

TT

«مهرجانات بيت الدين» في عيدها الـ35 تستعيد فناني الاغتراب

الدورة الخامسة والثلاثون لـ«مهرجانات بيت الدين» ليست كسابقاتها، لا من حيث البرنامج ولا المؤتمر الصحافي ولا الفنانين المشاركين. هكذا يطّور المهرجان أداءه بليونة طيعة، تبعاً للوضع الاقتصادي الذي يزداد صعوبة، من خلال استعادة الفنانين اللبنانيين الذين باتت لبعضهم شهرة عالمية في المغتربات. ويعكف المهرجان على ابتكار برنامجه، بالتعاون مع مواهب كبيرة، لا تزال قليلة الحضور على المسارح اللبنانية، ويستفيد من حالة يفترض أنها سلبية للاستثمار في نتاجات محلية.
خمسة وثلاثون عاماً... يبدو أن اللجنة المنظمة أرادت المناسبة مفصلاً، وتخلت عن المؤتمر الصحافي الكلاسيكي، وحولت اللقاء مع الإعلام إلى حفل صغير لكنه دال للتعريف الحي بالحفلات والفنانين الشباب الذين سيكونون نجوم صيف 2019. كل التفاصيل درست بعناية من المنزل القديم والأنيق إلى المنصة الصغيرة ومكان جلوس الحضور، امتداداً إلى القاعة المجاورة التي ازدانت ببعض البوسترات لتصلح كخلفية للقاءات الصحافية، والبيانو الذي جعل العزف الحي جزءاً من هذا التقديم يتجاوز الشفاهة في القول وعرض الأفلام المختصرة التي تعرف بالبرنامج إلى وصلات صغيرة وعينات فنية عما سيشاهده المتفرج في بيت الدين. ولهذه الغاية حضر فنانون من فرنسا ولندن وربما أماكن أخرى للمشاركة في الحفل العيّنة.
وزير السياحة أفيديس كيدانيان، له رأي في المهرجانات لا يبدو أنه إيجابي ولم يفصح عنه، لكنه مع ذلك داعم. وهو على أي حال منذ توليه مسؤولية الوزارة، لم يظهر حماساً، خاصة أنه فوجئ بتزايد عدد المهرجانات فيما الميزانية تشح والمطالب تتكاثر وعليه أن يوزع بالعدل والقسطاس. وزير الثقافة محمد داود في أول مؤتمر صحافي لمهرجان يحضره أثنى على بيت الدين واعتبره «أهم المهرجانات وأكثرها غنى»، مع تحية إلى رئيستها نورا جنبلاط لـ«شغفها وتفانيها في تقديم الأرقى ووضعها في مستويات عالمية باستقطاب نجوم من مختلف المهرجانات».
وقبل أن تعرض نورا جنبلاط البرنامج تحدثت بإيجاز شديد وبكلمات قليلة عن صعوبات 35 سنة من الثقافة والفنون كانت عبارة عن «مواجهة اليأس بالأمل والانغلاق بالانفتاح».
وفي قصر الأمير بشير الشهابي التاريخي في بيت الدين كالمعتاد ستنطلق المهرجانات هذه السنة في الثامن عشر من يوليو (تموز) وتستمر حتى العاشر من أغسطس (آب) بوتيرة متسارعة لعشرة عناوين على البرنامج، حيث سيكون الافتتاح مع عرض لغابريـال يارد الذي كان حاضراً في المؤتمر والمغنية ذات الصوت الحنون ياسمينة جنبلاط حفيدة الفنانة الراحلة أسمهان، ترافقهما الأوركسترا الفيلهارمونيّة اللبنانيّة. وعزف يارد مقطوعة مقتطعة من الحفل خلال المؤتمر الصحافي، وغنت جنبلاط، لجدتها أسمهان «يا حبيبي تعالى الحقني شوف إيه الي جرى لي من حبك». ليشرح كل بدوره كيف تمت هذه الشراكة التي تختمر منذ سنين إلى أن تفتقت عن مجموعة من تسع أغنيات كتبتها جنبلاط بنفسها ستغنيها في هذا الحفل، إضافة إلى أغنيات مختارة من ريبرتوار أسمهان. ويارد هو مؤلف موسيقي لبناني مقيم خارج وطنه منذ خمسين سنة حائز على جائزة أوسكار ومؤلف لموسيقى تصويرية سينمائية شهير ومعروف. وحفله مع هذه الشابة المغامرة تجربة منتظرة لمن يحبون المزج المحترف والعميق بين الموسيقات الشرقية والغربية.
شرح يارد: «التقيت بياسمينة جنبلاط يوم كنت مقيماً في لندن قبل 15 عاماً. كانت مهتمّة بإعادة إحياء أغنيات جدّتها أسمهان. وكنت في تلك الحقبة منشغلاً بصناعة الأفلام ولم أك واثقا من كوني الشخص المناسب لمساعدتها، نظراً لإلمامي القليل بالموسيقى الشرقيّة. ولكنّ صداقة وطيدة نشأت بيننا وأصبحنا نلتقي بين الحين والآخر. بعد مضي 13 عاماً، قررت أن أسجّل بصوت ياسمينة أغنية أسمهان (يا حبيبي تعالى الحقني) دون أي مرافقة موسيقيّة فأذهلني نقاء صوتها البلوّري الأنيق الفريد من نوعه وبدأت أؤلّف وأوزّع وأعدّل الأغنية الأصليّة لكي تتخذ شكلاً فريداً».
وفي العشرين من يوليو (تموز) أي بعد يومين من حفل يارد وياسمينة، حفل لجيرار دوبارديو هذه المرة بعيداً عن شهرته السينمائية ليغني على المسرح أغنيات صديقته باربارة، ويرافقه في العزف على البيانو جيرار داغير.
وقد تكون المفاجأة هي عودة جبران خليل جبران إلى المهرجانات في ميوزيكل لكن هذه المرة بالإنجليزية عبر كتابه «الأجنحة المتكسرة»، وباللغة الإنجليزية، ومع الفنانين نديم نعمان ذي الأصول اللبنانية الآتي من بريطانيا، ودانا الفردان التي تأتي هي الأخرى وفي جعبتها تجربتها الخاصة في التأليف الموسيقي.
وتصل المسرحية إلى مسقط رأس جبران بعد جولة ناجحة في لندن بمواكبة من فريق عمل وست أند وأسرة العرض. وهي من إعداد نديم نعمان ودانا الفردان أخرجها بروناغ وأنتجها علي مطر وأشرف على هندستها جو دايفسون. وتحدث نعمان خلال المؤتمر عن تجربته، وغنى إحدى الأغنيات، وقال إنه يقدم العمل بالإنجليزية «لأن الشرق لا يحتاج إلى دروس من جبران، لكن الغرب يحتاج إلى ذلك». وفي الثلاثين من يوليو لمحبي الموسيقى الكلاسيكية نجمان من نجوم الاغتراب يعودان للقاء الجمهور حيث يقدم عبد الرحمن الباشا وبيلي عيدي حفلاً موسيقياً مزدوجاً بالعزف على البيانو. وبالطبع وللسنة العشرين سيعود كاظم الساهر إلى بيت الدين، للقاء الجماهير العريضة التي تتقاطر سنوياً لسماعه. والموعد هذه السنة هو أيام الأول والثاني والثالث من أغسطس. وفي السادس من أغسطس نجم شاب جديد صاعد من العائلة الرحبانية الذي بات معروفاً رغم عمره الفني القصير. عمر الرحباني حضر المؤتمر ومعه والده عدي ووالدته احتفاء به. تحدث عمر عن أنه سيقدم في حفله الموسيقي جزءاً من أسطوانته التي لقيت إعجاباً في لبنان وبريطانيا «باسبور» وكذلك باقة من الأغنيات الرحبانية. وفي الثامن من أغسطس حفل لمحبي البلوز مع فرقة «مونداي بلوز باند» المؤلفة من محترفين وهواة. وقدم كمال بدارو من الفرقة مقطعاً موسيقياً فرحاً وبهيجاً أثار حبوراً في القاعة، قائلا إنه «يريد أن يثبت للجميع أن البلوز ليست موسيقى حزينة أبداً» وقد نجح في مهمته ونال تصفيقاً حاراً. ولمحبي الطرب العربي وعشاق عبد الحليم حافظ تحديداً حفل الختام في العاشر من أغسطس يحييه الفنان المغربي عبده شريف، ترافقه الأوركسترا اللبنانية الشرقية، وذلك احتفالاً بمرور 90 سنة على ولادة العندليب الأسمر.
وككل سنة إلى جانب الحفلات ثمة معارض تستمر طوال فترة الحفلات، وهذه السنة معرض صور عن الطائفة الدرزية لجاك داباغيان بالتعاون مع «المعهد الفرنسي» في دير القمر، ومعرض للفنان المصور المعروف عمار عبد ربه، عنوانه «سوريا، بلدي الذي لم يعد موجوداً».
وهكذا يكون الإعلان عن برنامج «بيت الدين» هو فاتحة الإعلانات لموسم الصيف المهرجاني المنتظر.


مقالات ذات صلة

«الإغلاق المبكر» يفرض تعديلات على برنامج «جمعية الفيلم» في مصر

يوميات الشرق لقطة من كواليس تصوير فيلم «السادة الأفاضل»

«الإغلاق المبكر» يفرض تعديلات على برنامج «جمعية الفيلم» في مصر

بينما كان يستعد مهرجان «جمعية الفيلم المصرية» لإقامة دورته الـ52 صدرت قرارات الإغلاق المبكر التي بدأ تنفيذها بهدف توفير الطاقة، إثر تداعيات الحرب على إيران.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق مهرجان أسوان يستعد لدورته العاشرة (إدارة المهرجان)

تراجع الدعم الحكومي يهدد «أسوان السينمائي» بمصر

في ضوء هذا التخفيض المفاجئ، لا نعلم كيف سنتعامل مع مهرجان استُكملت جميع تفاصيله... فالظروف صعبة، والوضع العام معقّد ومربك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق ريهام عبد الغفور خلال تكريمها (إدارة المهرجان)

«الأقصر للسينما الأفريقية» يحتفي بمسيرة ريهام عبد الغفور الفنية

شهدت فعاليات الدورة الـ15 من مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» احتفاء بمسيرة الفنانة ريهام عبد الغفور التي كرمها المهرجان في حفل الافتتاح، الأحد.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

يذهب فيلم «عصافير الحرب» إلى منطقة مختلفة داخل عالم الوثائقي، منطقة لا تُعنى بتقديم إجابات جاهزة بقدر ما تطرح تجربة حياتية بكل تناقضاتها.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)

أنكور هودا: «العِجل البديل» يوثق تحولات الأرياف في الهند

قال المخرج الهندي أنكور هودا إن فيلمه الأول «العِجل البديل» لم يولد من فكرة سينمائية جاهزة بقدر ما تشكَّل من تجربة شخصية حميمة.

أحمد عدلي (القاهرة)

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
TT

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير والتشكيك في قراراتهم، والانشغال بأسوأ السيناريوهات المحتملة، وهو ما قد يستهلك طاقتهم ويبطئ أداءهم ويجعل الاستمتاع بالحياة أكثر صعوبة. لكن الحفاظ على صحة الدماغ لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية أو استغلال كل دقيقة من اليوم، بل يمكن تحقيقه من خلال تعديلات بسيطة في أسلوب التفكير والسلوك اليومي.

يرى أليكس كورب، عالم الأعصاب وأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، أن تحسين أداء الدماغ يبدأ بتجنّب بعض العادات الشائعة التي تستنزف الطاقة الذهنية. وبعد أكثر من 20 عاماً من البحث في علم الأعصاب، يؤكد أن التغييرات الصغيرة قد تُحدث فرقاً كبيراً في تعزيز التركيز والشعور بالهدوء ومقاومة الإرهاق، حسب ما أورده في تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي».

وفيما يلي أبرز 6 أمور ينصح كورب بتجنّبها للحفاظ على قوة الدماغ وصحته:

1. تجاهل القلق

يُنظر إلى القلق غالباً بوصفه أمراً سلبياً، لكن كورب يعتبره بمثابة «نظام إنذار» يصدر إشارات من الجهاز الحوفي- مركز العواطف في الدماغ- لينبّهك إلى ما هو مهم. تجاهل هذا الشعور قد يجعلك غير قادر على التمييز بين المواقف التي تتطلب استجابة فورية وتلك التي لا تستدعي القلق. لذلك، من الأفضل التوقف لحظة عند الشعور بالقلق، ومحاولة فهم مصدره، وطرح سؤال بسيط: ماذا يخبرني هذا الشعور عن أهمية هذا الموقف؟ هذا الوعي يساعد على التعامل معه بفعالية بدلاً من الانفعال أو التجمّد.

2. الاعتماد على النقد الذاتي بوصفه وسيلةً للتحفيز

في حالات الضغط، يفرز الدماغ مواد كيميائية مثل الدوبامين والنورأدرينالين، ما يعزز التركيز مؤقتاً. لكن هذا النوع من التحفيز يأتي على حساب مواد أخرى مرتبطة بالسعادة، مثل السيروتونين والأوكسيتوسين والإندورفين. لذلك، فإن الاعتماد على النقد الذاتي قد يمنح دفعة قصيرة المدى، لكنه يؤدي في النهاية إلى استنزاف الطاقة والشعور بالإرهاق. وعند الشعور بالإحباط، يُنصح بتحويل التركيز من النتائج السلبية إلى الأهداف الإيجابية التي تسعى لتحقيقها.

3. الهوس بتتبع جودة النوم

قد يبدو تتبع النوم باستخدام الأجهزة الذكية مفيداً، لكنه قد يتحول إلى مصدر إضافي للقلق، خصوصاً عندما تنشغل ببيانات لا يمكنك التحكم بها مباشرة. بدلاً من ذلك، يُفضّل التركيز على العادات التي تدعم نوماً جيداً، مثل التعرض لضوء الشمس صباحاً، والحفاظ على مواعيد نوم منتظمة، وممارسة الرياضة، واتباع روتين مسائي هادئ يساعد على خفض مستويات التوتر.

4. تعدد المهام عند الحاجة إلى تركيز عميق

قد يعطي التنقل بين المهام المختلفة شعوراً زائفاً بالإنتاجية، نتيجة دفعات صغيرة من الدوبامين. لكن في الواقع، يؤدي ذلك إلى إرهاق قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن اتخاذ القرارات وحل المشكلات. هذا الإرهاق قد ينعكس في صورة أخطاء متكررة وإجهاد ذهني. لذا، عند الحاجة إلى التركيز، يُفضّل تقسيم العمل إلى فترات زمنية قصيرة، والتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

5. تجاهل المشاعر بحجة التفاؤل الدائم

رغم أهمية التفكير الإيجابي، فإن تجاهل المشاعر السلبية أو إنكارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فمحاولة فرض التفاؤل قد تعيق القدرة على التعامل مع الواقع. الأفضل هو الاعتراف بالمشاعر وتسميتها بوضوح، إذ يساعد ذلك على تخفيف الضغط عن اللوزة الدماغية، ويمنح الدماغ فرصة لاستعادة توازنه والتعامل مع الموقف بوعي أكبر.

6. ربط القيمة الذاتية بالإنتاجية فقط

يرتكب كثيرون خطأ ربط قيمتهم الذاتية بمدى إنتاجيتهم أو إنجازاتهم، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق على المدى الطويل. ويشير كورب إلى أن هذا النمط قد يمنح دفعات مؤقتة من التحفيز، لكنه يستنزف الطاقة النفسية مع الوقت. لذلك، من المهم تذكير النفس بأن القيمة الذاتية لا تقتصر على الإنجاز، وأن بذل الجهد بحد ذاته أمر كافٍ.


من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.